النص المفهرس

صفحات 101-120

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠
الموضوع
حتى بالغ ابن الجوزي فقال في الكلام على حديث أُبَيِّ الآتي(١): إن
شَرَهَ جُمهور المحدثين يحمل على ذلك، فإنَّ مَن عادتهم تنفيقَ حديثهم ولو
بالأباطيل، وهذا قبيحٌ [منهم](٢) (٣).
قال شيخنا: وكأنَّ ذكرَ الإسناد عندهم من جملة البيان (٤)، هذا مع إلحاق
اللَّوم لمن سمَّينا بسببه، وأمّا الشارح فإنه قال: إنَّ مَنْ أبرز إسناده [به](٥) فهو
أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له
السُّكوت عليه من غير بيان. انتهى (٦).
قال الخطيب: ومن روی حديثاً موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه،
والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتَّعجُّب منه، والتَّنفير عنه ساغ له ذلك،
وكان بمثابة إظهار جَرْح الشّاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه(٧).
وأمّا الضّعيف: فسيأتي بيان حكمه في ذلك - إن شاء الله - قبيل معرفة
من تقبل روايته قريباً(٨).
ويوجد الموضوع كثيراً في الكتب المصنَّفة في الضُّعفاء، وكذا في العلل.
٢٢٧
(و) لقد (أكثر الجامع فيه) مصنفاً نحو مجلَّدين، (إذ خرج) عن موضوع
كتابه (لمطلق الضَّعف) حيث أخرج فيه كثيراً من الأحاديث الضَّعيفة الَّتي لا
دليلَ معه على وضعها - و(عنى) ابن الصّلاح(٩) بهذا الجامع الحافظَ الشَّهيرَ (أبا
الفرج) ابن الجوزي -؛ بل ربَّما أدرج فيها الحسن والصحيح ممَّا هو في أحد
الصَّحيحين(١٠)، فضلاً عن غيرهما.
(١) (ص١١٣).
(٢) ما بين المعقوفين غير واضح في (م).
(٣) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٢٤٠/١).
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٦٣/٢).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٧) ((الجامع لأخلاق الراوي)) (٩٩/٢).
(٦) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٧٢/١).
(٨) (ص١٥١) وما بعدها.
(٩) في ((علوم الحديث)) (ص٨٩).
(١٠) حيث ذكر فيه (١٠١/٣): حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إن طالت بك
مدة أوشك أن ترى قوماً يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل
أذناب البقر)).
=

١٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الموضوع
وهو مع إصابته في أكثر ما عنده توسع منكر، ينشأ عنه غاية الضّرر مِنْ
ظَنِّ ما ليس بموضوع - بل هو صحيح - موضوعاً، ممّا قد يقلِّده فيه العارف
تحسيناً للّنِّ به، حيث لم يبحث فضلاً عن غيره.
ولذا انتقد العلماء صنيعه إجمالاً، والموقع له فيه استناده في غالبه
لضعف راويه، الّذي رمي بالكذب - مثلاً - غافلاً عن مجيئه من وجه آخر(١)،
ورُبَّما يكون اعتماده في التَّفرُّد قول غيره، ممن يكون كلامه فيه محمولاً على
النسبي(٢) .
هذا مع أنَّ [مجرَّدًا(٣) تفرّد الكذَّاب؛ بل الوضَّاع، ولو كان بعد
الاستقصاء في التفتيش من حافظ متبحِّرٍ تامِّ الاستقراء غيرُ مستلزم لذلك، بل لا
بدَّ معه من انضمام شيء مما سيأتي(٤).
ولذا كان الحكم به من المتأخرين عسراً جداً، وللنظر فيه مجال، بخلاف
الأئمّة المتقدِّمين، الذين منحهم الله [تعالى](6) التّبحر في علم الحديث،
والتّوسع في حفظه، كشعبة والقطّان وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل
أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه، وطائفة، ثم أصحابهم مثل
البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنّسائي، وهكذا إلى زمن الدّار قطني
والبيهقي، ولم يجئ بعدهم مساوٍ لهم، ولا مقاربٌ، أفاده العلائي(٦).
وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد من المتقدّمين الحكم به كان معتمداً،
لما أعطاهم الله (تعالى)](٧) من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى
التَّرجيح. انتهى، وفي جزمه باعتمادهم في جميع ما حكموا به من ذلك توقف.
= وهو مخرَّج في ((صحيح مسلم)): باب جهنم - أعاذنا الله منها - كتاب صفة القيامة
والجنة والنار (١٩٠/١٧).
(١) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٨٤٨/٢) نقلاً عن العلائي.
(٢) المرجع السابق.
(٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): مجرداً.
(٤) (ص١٢٦) وما بعدها.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) نقل الحافظ ابن حجر عنه نحوه في ((النكت)) (٨٤٧/٢).
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٣
الموضوع
ثمّ إنَّ من [العجيب](١) إيراد ابن الجوزي في كتابه ((العلل المتناهية في
الأحاديث الواهية)) كثيراً مما أورده في ((الموضوعات))، كما أنّ في
الموضوعات كثيراً من الأحاديث الواهية(٢)، بل قد أكثر في تصانيفه الوَعْظَّة
وما أشبهها من إيراد الموضوع وشبهه(٣) .
قال شيخنا: وفاته من نوعي الموضوع والواهي في الكتابين قَدْرُ ما
كَتَب(٤)، قال: ولو انتدب شخصٌ لتهذيب الكتاب، ثم لإلحاق ما فاته لكان
حسناً(٥)، وإلا فبما تقرر عُدِمَ الانتفاع به إلّا لناقد، إذ ما من حديثٍ إلّا ويمكن
أن لا يكون موضوعاً .
وهو والحاكم في ((مستدركه على الصّحيحين)) طَرَفَا نقيضٍ، يعني: فإنه
أدرج فيه الحسن، بل والضّعيفَ، وربّما كان فيه الموضوع(٢)، [ولشيخنا
حواشي على ... من الموضوعات ... أكثرها في كراريس مهمة، وكذا ...
استدركتُ عليه في أشياء}(٧) .
وممن أفرد بعد ابن الجوزي في الموضوع كراسة: الرَّضِيّ الصَّغاني
اللُّغوي، ذكر فيها أحاديث من ((الشهاب)) للقضاعي(٨)، ((والنَّجْم)(٩)
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): العجب.
(٢) مثال ذلك: حديث: ((الشمس والقمر ثوران عقيران في النار))، ذكره في ((الموضوعات))
(١٤٠/١)، و((العلل المتناهية)) (٣٤/١ - ٣٥).
(٣) مثال ذلك: ما ذكره في ((التبصرة)) (٧٣/٢) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَل :
((إن الله ليس بتارك أحداً من المسلمين صبيحة أول يوم من رمضان إلا غفر له)). وهو موضوع.
انظر: ((الموضوعات)) له (١٩٠/٢ - ١٩١)، و((اللآلئ المصنوعة)) (١٠١/٢).
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/ ٨٥٠).
(٥)
قد قام جلال الدين السيوطي بتهذيب ((الموضوعات)) لابن الجوزي في كتابه الذي
سماه ((اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)).
(٦)
انظر ما تقدم (١/ ٦٢).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح)، ولم أستطع استظهار ما قصه المجلد.
(٨) هو: محمد بن سلامة بن جعفر بن علي، أبو عبد الله القضاعي، القاضي، الفقيه
الشافعي، المتوفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
((العبر)) (٢٣٣/٣)، و((الطبقات الكبرى)) للسبكي (١٥٠/٤ - ١٥١).
(٩) من كلام سيد العرب والعجم. انظر: ((الرسالة المستطرفة)) للكتاني (ص١٤٨).

١٠٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الموضوع
للأُقْليشي(١) وغيرهما، كالأربعين (٢) لابن ودعان(٣)، وفضائل العلماء لمحمَّد بن
سرور البلخي، والوصيّة لعلي بن أبي طالب (٤) وخطبة الوداع(٥)، وآداب
النَّبِي وَّرِ وأحاديث أبي الدّنيا الأشج، ونسطور(٦)، ويغنم بن سالم(٧)، ودينار
الحبشي(٨)، وأبي هدبة (٩) إبراهيم بن هدبة (١٠)، ونسخة سمعان(١١) عن أنس،
(١) هو: أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى بن وكيل التجيبي، الأندلسي الأُقْليشي،
المالكي، المتوفى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
((الديباج المذهب)) (٢٤٦/١ - ٢٤٧)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١٣٦/١ - ١٣٧).
(٢) ((الأربعين الودعانية)): كتاب جمع فيه أربعين خطبة. انظر: ((كشف الظنون)) (٦٠/١).
(٣) هو: محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد الموصلي، أبو نصر بن ودعان، القاضي،
المتوفى سنة أربع وتسعين وأربعمائة بالموصل.
((ميزان الاعتدال)) (٦٥٧/٣ - ٦٥٨)، و((لسان الميزان)) (٣٠٥/٥ - ٣٠٦).
(٤) التي حدث بها أبو عمرو ابن السماك عن شيخه محمد بن إبراهيم السمرقندي.
انظر: ((الكشف الحثيث)) لبرهان الدين الحلبي (ص ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٥) لأبي العباس نصر بن خضر الإربلي الشافعي، المتوفى سنة تسع عشرة وستمائة. انظر:
(كشف الظنون)) (٧١٥/١).
(٦) هو: نسطور الرومي، وقيل: جعفر بن نسطور، قال الذهبي: هالك أو لا وجود له
أبداً. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٢٤٩/٤).
(٧) هو: يغنم بن سالم بن قنبر، مولى علي ظالله، قال ابن حبان: كان يضع على أنس بن
مالك الحديث، بقي إلى زمان مالك.
((المجروحين)) (١١٦/٣)، و((لسان الميزان)) (٣١٥/٦ - ٣١٦).
(٨) هو: دينار بن عبد الله الحبشي، أبو مكيس، ساقط، قال ابن حبان: يروي عن أنس
أشياء موضوعة.
((المجروحين)) (٢٩٠/١ - ٢٩١)، و((المغني في الضعفاء)) (٢٢٤/١).
(٩) في حاشية (س): بالمهملة فيهما.
(١٠) هو: إبراهيم بن هدبة البصري، قال الدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: كذاب،
وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة.
((الجرح والتعديل)) (١٤٣/١/١ - ١٤٤)، و((المجروحين)) (١٠١/١ - ١٠٢).
(١١) هو: سمعان بن مهدي، حيوان لا يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة، قال الذهبي:
رأيتها، قبح الله من وضعها .
((ميزان الاعتدال)) (٢/ ٢٣٤).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٠٥
الموضوع
والفردوس للدّيلمي(١)، وفيها الكثير - أيضاً - من الصّحيح والحسن، وما فيه
(٢)
ضعف یسیر
وقد أفرده النَّاظمُ في جزءٍ، وللجوزقاني - أيضاً - كتاب ((الأباطيل)) أكثر
فيهِ من الحكم بالوضع بمجرَّد مخالفة السنة، قال شيخنا: وهو خطأ إلّا إِنْ
تعذَّر الجمع(٣).
ومن ذلك حديث: ((لا يَؤُمَّنَّ عبدٌ عبداً فيخص نفسه بدعوة دونهم ...
الحديث))(٤). حكم عليه بعضهم بالوضع؛ لأنه قد صحّ أنّه وسچ ور كان يقول:
((اللهم باعد بيني وبين خطاياي))(٥) .
وهذا خطأ، لإمكان حمله على ما لم يشرع للمصلِّي من الأدعية، بخلاف
ما يشترك فيه الإمام والمأموم (٦).
(١) هو: شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنا خسرو الديلمي الهمداني، أبو شجاع،
المحدث الحافظ، المتوفى سنة تسع وخمسمائة.
(تذكرة الحفاظ)) (١٢٥٩/٤ - ١٢٦٠).
(٢) قال الحافظ السلفي:
حديث ابن نسطور ويسر ويغنم
وإفك أشج الغرب ثم خراش
أبي هدية القيسي شبه فراش
ونسخة دينار ونسخة تربه
انظر: ((اللآلئ المصنوعة)) للسيوطي (١٩٦/١).
(٣) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٤٦/٢).
(٤) رواه أبو داود: باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ كتاب الطهارة رقم (٩١) عن أبي هريرة
مطولاً، والترمذي: باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء من أبواب
الصلاة رقم (٣٥٧) عن ثوبان وحسنه. والذي حكم عليه بالوضع هو ابن خزيمة.
انظر: ((زاد المعاد)) (٢٦٤/١).
(٥) رواه البخاري: باب ما يقول بعد التكبير، كتاب الأذان (٢٢٧/٢)، ومسلم: باب ما
يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، كتاب المساجد (٩٦/٥)، وأبو داود: باب السكتة
عند الافتتاح، كتاب الصلاة رقم (٧٨١)، والنسائي: باب الدعاء بين التكبيرة
والقراءة، كتاب الصلاة (١٢٨/٢ - ١٢٩)، وابن ماجه: باب افتتاح الصلاة، كتاب
إقامة الصلاة والسنّة فيها رقم (٨٠٥) من حديث أبي هريرة.
(٦) يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الممنوع من ذلك الدعاء الذي يؤمن عليه، كدعاء
القنوت، أما ما لا يؤمن عليه فلا يدخل في المنع.
انظر: ((الاختيارات الفقهية)) (ص٥٦)، و((زاد المعاد)) (٢٦٤/١).

الموضوع
١٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وكذا صنف عُمر بن بدر الموصلي كتاباً سمَّاه: ((المغني عن الحفظ
والكتاب بقولهم: لم يصحّ شيءٌ في هذا الباب))، وعليه فيه مؤاخذاتٌ كثيرة(١).
وإن كان له في كلِّ من أبوابه سلفٌ من الأئمة، خصوصاً المتقدِّمين.
[ونحو هذا أشياء كلّية منتقَدٌ كثيرٌ منها، كقول: كلُّ حدیثُ فیه یا
حُميراء(٢)، وكلُّ حديث فيه زَبَد البحر (٣)، وأمّا قولهم: حديثُ كذا ليس له
أصل، أو لا أصل له، فقال ابن تيمية: معناه ليس له إسناد] (٤).
٢٢٨
* (والواضعون) جمع واضع (للحديث) وهم جمع كثيرون معروفون - في
كتب الضعفاء(٥)، خصوصاً الميزان للذهبي، ولسانُه لشيخنا، بل أفردهم
الحافظ البرهان الحلبي(٦)، في تأليف سمَّاه: ((الكشف الحثيث عمّن رُمي
بوضع الحديث))(٧)، وهو قابلٌ للاستدراك، ويختلف حالهم في الكثرة والقلة،
وفي السّبب الحامل لهم على الوضع - (أضرب) أي: أصناف:
* فَصِنْفٌ كالزّنادقة - وهم: المُبْطِئُون للكفر الْمُظْهِرُون للإسلام(٨)، أو
(١) لابن همام انتقادات عليه طبعت في جزء صغير.
(٢) ورد ذكر الحميراء في ثلاثة أحاديث صحيحة.
انظر: ((الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة)) للزركشي (ص٦١ - ٦٢)،
و((فتح الباري)) (٤٤٤/٢)، وتعليقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على ((المنار المنيف))
(ص٦٠ - ٦١)، و((المصنوع)) (ص١٧٤ - ١٧٥).
(٣) روى البخاري في باب فضل التسبيح، كتاب الدعوات (٢٠٦/١١) من ((صحيحه))،
ومسلم: باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، كتاب الذكر والدعاء (١٦/١٧ - ١٧)
من حديث أبي هريرة: ((من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه
وإن كانت مثل زبد البحر)).
(٤) مجموع الفتاوى (٣٤٦/١٣). وما بين المعقوفين زيادة من (ح)، وأوله إلى قوله:
البحر مكتوب في حاشية (س) وعليه الحرف (حـ).
(٥) كـ((المجروحين)) لابن حبان، و((الكامل)) لابن عدي، و((الضعفاء الكبير)) للعقيلي.
(٦) هو: إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي، الشافعي، المعروف بسبط ابن
العجمي، المتوفى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
(لحظ الألحاظ)) لابن فهد (ص٣٠٨ - ٣١٥)، و((الضوء اللامع)) (١٣٨/١).
(٧) طبع محققاً في العراق في مجلد.
(٨) ويعرفون في صدر الإسلام بالمنافقين.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٧
الموضوع
الَّذين لا يتدينون بدين - يفعلون ذلك استخفافاً بالدِّين، ليضلّوا به النَّاسَ، فقد
قال حماد بن زيد فيما أخرجه العقيلي: إنهم وضعوا أربعةَ عشر ألف
حديث (١)، وقال المهدي (٢) فيما رويناه عنه: أَقَرَّ عندي رجلٌ من الزّنادقة بوضع
مائة حديث، فهي تَجُول في أيدي النَّاس (٣).
ومنهم الحارث الكذاب (٤) الذي ادَّعى النُّبوَّةَ، ومحمَّد بن سعيد
المصلوب(٥)، والمغيرة بن سعيد الكوفي (٦)، وغيرهم، كعبد الكريم بن أبي
العَوْجاء، خال مَعن بن زائدة (٧) الذي أمر بقتله وصلبه محمَّد بن سليمان بن
علي العَبَّاسي (٨) أميرُ البصرة في زمن المهدي بعد الستين ومائة، واعترف حينئذ
(١) ((الضعفاء)) للعقيلي (١٤/١)، و((الموضوعات)) لابن الجوزي (٣٨/١).
(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن
عباس الخليفة العباسي، المتوفى سنة تسع وستين ومائة.
((تاريخ بغداد)) (٣٩١/٥)، و((العبر)) للذهبي (٢٥٤/١ - ٢٥٥).
(٣) ساقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٧/١ - ٣٨) بإسناده.
(٤) هو: الحارث بن سعيد الكذاب المتنبي، الدمشقي، مولى أبي الجلاس العبدري
القرشي، صلبه عبد الملك بن مروان سنة تسع وستين.
((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (١٥١/٦ - ١٥٤)، و((لسان الميزان)) (١٥١/٢ -١٥٢).
(٥) هو: محمد بن سعيد الدمشقي الشامي المصلوب بالزندقة، قال النسائي وغيره:
كذاب، قتله المنصور على الزندقة وصلبه، من السادسة.
((المدخل)) للحاكم (ص٩٧)، و((المغني)) للذهبي (٥٨٥/٢)، و((تقريب التهذيب))
(ص٢٩٨ - ٢٩٩).
(٦) هو: المغيرة بن سعيد البجلي، أبو عبد الله الكوفي، الرافضي الكذاب، قتل على
ادعاء النبوة في حدود العشرين ومائة.
((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص ٥٠)، و((ميزان الاعتدال)) (١٦٠/٤ - ١٦٢).
(٧) هو: معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر الشيباني، أبو الوليد، الجواد الشجاع، المتوفى
قتيلاً سنة إحدى وخمسين ومائة.
((وفيات الأعيان)) (٢٤٤/٥ - ٢٥٤)، و((أسماء المغتالين)) (١٩٥/٢) ضمن نوادر
المخطوطات .
(٨) هو: محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الله الهاشمي، من
وجوه بني العباس وأشرافهم، كان جواداً ممدحاً، ولاه أبو جعفر الكوفة والبصرة،
ووليها للهادي والرشيد، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
((تاريخ بغداد)) (٢٩١/٥)، و((الوافي بالوفيات)) (١٢١/٣ - ١٢٣).

الموضوع
١٠٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بوضع أربعة آلاف حديث يُحرِّم حلالَها، ويُحلُّ حرامَها(١) .
* وصنْف كالخطابية - فرقة من غلاة الشيعة المشايعين علياً تظله ينتسبون
لأبي الخطّاب الأسدي(٢)، كان يقول بالحلول في أُناس من أهل البيت على
التّعاقب، ثم ادّعى الإلهية وقتل(٣).
وهذه الطّائفة مدرجة في الرافضة، إذ الرّافضة فِرَقٌ متنوعة من الشّيعة،
وانتسبوا كذلك لأنّهم بايعوا زيد بن علي (٤)، ثم قالوا له: تبرَّأُ من الشّيخين،
فأبى، وقال: كانا وزيريْ جَدِّي [رَوَ](٥) فتركوه ورفضوه (٦).
وكالسّالِمِيّة فرقة ينتسبون لمذهب الحسن بن محمد بن أحمد بن سالم
السَّالِمِي(٧) في الأصول، وكان مذهباً مشهوراً بالبصرة وسوادها (٨).
فهؤلاء كلّهم يفعلونه انتصاراً وتعصُّباً لمذهبهم، وقد روى ابن أبي حاتم
في مقدمة كتاب ((الجرح والتعديل)) عن شيخ من الخوارج أنّه كان يقول بعدما
تاب: انظروا عمَّن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيَّرناه حديثاً(٩)، زاد
غيره في رواية: ونحتسب الخيرَ في إضلالكم.
(١) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٣٧/١).
(٢) هو: محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع، مولى بني أسد، الذي عزا نفسه إلى جعفر
الصادق، ثم تبرأ منه الصادق، فادعى الإمامة لنفسه، وكان يزعم أن الأئمة أنبياء، ثم
آلهة، قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور.
((الملل والنحل)) الشهرستاني (١٧٩/١ - ١٨٠).
(٣) ((الملل والنحل)) (١٧٩/١ - ١٨١)، و((دائرة المعارف)) للحائري الشيعي (١٩٠/١٧).
(٤) هو: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي العلوي
المدني، المتوفى قتيلاً سنة اثنتين وعشرين ومائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٩/٥ -٣٩١)، و((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) لابن بدران (١٧/٦، ٢٧).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) انظر: ((الفرق بين الفرق)) (ص٢١ - ٢٤)، و((القاموس المحيط)) مادة (رفض).
(٧) هذه الفرقة تنسب لأبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم البصري، المتوفى في عشر
الستين وثلاثمائة، قال الذهبي: وقد خالف أصول السنة في مواضع، وبالغ في
الإثبات. انظر: ((طبقات الصوفية)) للسلمي (ص٤١٤ - ٤١٦)، و((حلية الأولياء))
(٣٧٨/١٠ - ٣٧٩)، و((العبر)) للذهبي (٣٢٠/٢).
(٨) انظر: ((الأنساب)) للسمعاني (٢٣/٧ - ٢٤)، و((دائرة المعارف الإسلامية» (٦٩/١١ -٧٢).
(٩) انظر: ما تقدم (٢٥٦/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٩
الموضوع
وكذا قال محرز أبو رجاء(١) - وكان يرى القدر فتاب منه -: لا ترووا عن
أحدٍ من أهل القدر شيئاً، فوالله لقد كنّا نضع الأحاديث نُدخِل بها النَّاسَ في
القدر نحتسب بها، إلى غير ذلك.
بل قال الشّافعي - كما سيأتي في معرفة من تقبل روايته(٢) -: ما في أهل
الأهواء أشهدُ بالزّور من الرَّافضة(٣).
* وصِنْفٌ يتقرَّبون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلَهم
وآراءهم، ليكون كالعذر لهم فيما أتوه وأرادوه، كغياث بن إبراهيم النّخعي (٤)
حيث وضع للمهدي محمد بن المنصور عبد الله العبّاسي والد هارون الرَّشيد(٥)
في حديث: ((لا سبقَ إلَّا في نصلٍ أو خُفِّ)) (٦)، فزاد فيه: أو جَنَاح، وكان
(١) هو: محرز بن عبد الله، أبو رجاء الجزري، مولى هشام بن عبد الملك، قال أبو
حاتم: شيخ، وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
((الجرح والتعديل)) (٣٤٥/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٥٦/١٠ - ٥٧).
(٢) (ص٢٢٤).
(٣) انظر: ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص١٨٧)، و((الحلية)) لأبي نعيم
(١١٤/٩)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٨/١٠).
وهو محكي - أيضاً - عن أبي حنيفة وأبي يوسف. انظر: ((الكفاية)) (ص٢٠٢).
(٤) هو: غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي، أبو عبد الرحمن، قال البخاري: تركوه، وقال
مسلم: اتهم بوضع الحديث. انظر: ((الضعفاء الصغير)) للبخاري (ص٩٣)، و((صحيح
مسلم)) (٥٥/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٣٣٧/٣ - ٣٣٨).
(٥) هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور الخليفة العباسي الشهير، المتوفى سنة
ثلاث وتسعين ومائة.
(«البداية والنهاية)) (٢١٣/١٠)، و((مروج الذهب)) (٢٠٧/٢ - ٢٣١).
(٦) الحديث: رواه أحمد في «المسند» (٤٧٤/٤)، وأبو داود: باب في السبق، كتاب
الجهاد رقم (٢٥٧٤)، والنسائي: باب السبق، كتاب الخيل (٢٢٦/٦ - ٢٢٧)،
والترمذي: باب ما جاء في الرهان والسبق من أبواب الجهاد رقم (١٧٠٠)، وقال:
حديث حسن، وابن ماجه: باب السبق والرهان، كتاب الجهاد رقم (٢٨٧٨)،
والبيهقي (١٦/١٠).
وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد كما في ((التلخيص الحبير)) (١٦١/٤)، وقال
الألباني في ((إرواء الغليل)) (٣٣٣/٦): إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.

١١
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الموضوع
المهدي إذ ذاك يلعب بالحَمَام، فأمر له ببدرة، يعني: عشرة آلاف درهم (١) ،
فلما قفى قال: أشهد على قفاك أنّه قفا كذّاب، ثمّ ترك الحَمَام، بل وأمر
بذبحها، وقال: أنا حملته على ذلك (٢)، ذكرها أبو خيثمة(٣) .
لكن أسند الخطيب في ترجمة وهب بن وهب أبي البختري(٤) من تاريخه
من طريق إبراهيم الحربي(٥) ، أنّه قال: قيل للإمام أحمد: أتعلم أنّ أحداً
روى: ((لا سَبْقَ إلا في خُفِّ أو حافرٍ أو جَنَاح)»؟ فقال: ما روى ذاك إلّا ذاك
الكذّاب أبو البختري(٢) .
بل روى الخطيب في ترجمته - أيضاً - من طريق زكريا السَّاجي أنَّ أبا
البختري دخل وهو قاضٍ على الرشيد، وهو إذ ذاك يطيِّرِ الحَمَام، فقال: هل
تحفظ في هذا شيئاً؟ فقال: حدَّثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ
النَّبِي ◌َ ﴿ كان يطير الحمام، فقال الرشيد: اخْرج عني، ثمّ قال: لولا أنّه رجل
من قريش لعزلته(٧) .
(١) في حاشية (س): البدرة - بالدال المهملة - كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم،
والمطابق للواقع هنا هو الثاني، ولذا اقتصرت عليه.
وفي ((القاموس المحيط)) مادة (بدر) زيادة على ما ذكر: أو سبعة آلاف دينار.
(٢) انظر: ((المجروحين)) لابن حبان (٥٥/١)، و((المدخل)) للحاكم (ص ١٠٠) ضمن
المجموعة الكمالية رقم (٢)، و((تاريخ بغداد)) (٣٢٣/١٢ - ٣٢٤)، و((الكشف الحثيث
عمن رمي بوضع الحديث)) لبرهان الدين الحلبي (ص٣٣٣).
(٣)
الذي في ((المدخل)) للحاكم، والكشف الحثيث: ابن أبي خيثمة.
هو: وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة القاضي، أبو البختري القرشي
(٤)
المدني، قال يحيى بن معين: كان يضع الحديث، توفي سنة مائتين.
انظر: ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (١٨٣/٣، ٥٥٥)، و((ميزان الاعتدال))
(٣٥٣/٤ - ٣٥٤).
(٥) هو: إبراهيم بن إسحاق بن بشر، أبو إسحاق الحربي، الإمام الزاهد الفقيه، صاحب
المصنفات، المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين.
((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٨٦/١ - ٩٣)، و((صفة الصفوة)) لابن الجوزي
(٢٢٨/٢ - ٢٣٢).
(٦)
((تاريخ بغداد)) (٤٥٥/١٣).
(«تاريخ بغداد)» (٤٥٣/١٣)، قلت: ليته عزله، فلن ينفعه نسبه إذ بطَّأ به عمله.
(٧)

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
الموضوع
* وصِنْفٌ في ذمٍّ من يريدون ذَمَّه، كما روينا عن سعد بن طريف
الإسكاف (١) المخرج له في الترمذي وابن ماجه أنه رأى ابنه يبكي، فقال: ما
لك؟ قال: ضربني المعلّم، فقال: أما والله لأخزينهم، حدثني عكرمة عن ابن
عباس عن رسول الله وَ ل﴿ قال: معلِّمو صبيانِكم شرَارُكم(٢).
* وصِنْفٌ كانوا يتكسَّبون بذلك، ويرتزقون به في قصصهم ومواعظهم.
* وصِنْفٌ يلجأون إلى إقامة دليلٍ على ما أفتوا به بآرائهم فيضعونه.
وقد حصل الضّرر بجميع هؤلاء، و(أضرهم قوم لزهد) وصلاح (نُسبوا)
كأبي بشر أحمد بن محمّد المروزي الفقيه (٣)، وأبي داود النخعي (٤) (قد ٢٢٩
وضعوها) أي: الأحاديث في الفضائل والرغائب (حسبة) أي: للحسبة بمعنى
أنهم يحتسبون - بزعمهم الباطل وجهلهم الذي لا يفرقون بسببه بين ما يجوز
لهم، ويمتنع عليهم - في صنيعهم ذلك الأجر وطلب الثّواب، لكونهم يرونه
قربة، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
كما يحكى عمن كان يتصدَّى للشّهادة برؤية هلال رمضان من غير رؤية،
زاعماً الخير بذلك، لكون اشتغال الناس بالتعبد بالصّوم يكفهم عن مفاسد تقع
منهم ذلك اليوم.
(فقبلت) تلك الموضوعات (منهم ركوناً لهم) - بضم الميم - أي: ميلاً
(١) هو: سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي، متروك، ورماه ابن حبان بالوضع،
وكان رافضياً، من السادسة.
(تقريب التهذيب)) (ص١١٨)، والخلاصة (ص١١٤).
(٢) ((المجروحين)) لابن حبان (٥٥/١ - ٥٦)، و((المدخل)) للحاكم (ص١٠١).
(٣) هو: أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب بن بشر بن فضالة، أبو بشر المروزي
الفقيه، قال ابن حبان: كان ممن يضع المتون، ويقلب الأسانيد، فاستحق الترك،
ولعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث.
((المجروحين)) (٥٦/١)، و((الكشف الحثيث)) (ص٧٥)، و((الموضوعات)) (٤١/١).
(٤) هو: سليمان بن عمرو، أبو داود النخعي، الكذاب، قال ابن حجر: الكلام فيه لا
يحصر، فقد كذبه ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين فوق الثلاثين نفساً.
((الجرح والتعديل)) (١٣٢/١/٢)، و((الضعفاء)) للدارقطني (ص٤٠٩)، و((لسان الميزان))
(٩٧/٣ - ٩٩).

١١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الموضوع
إليهم، وَوُثوقاً بهم، لما اتَّصفوا به من الثَّديُّن (ونقلت) عنهم على لسان من هو
في الصَّلاح والخيريَّة بمكان، لما عنده من حُسن الظَّنِّ وسلامة الصَّدر وعدم
المعرفة المقتضي لِحَمْلِ ما سمعه على الصِّدق، وعدم الاهتداء لتمييز الخطأ من
الصَّواب.
٢٣٠
(فقيَّض الله لها) أي: لهذه الموضوعات (نُقَّادها) جمع ناقد، يقال: نقدت
الدّراهم إذا استخرجت منها الزيف، وهم الّذين خصهم الله [تعالى)] (١) بنور
السنَّة، وقوة البصيرة، فلم يَخْفَ عنهم حال مفتر، ولا زور كذاب.
(فبينوا بنقدهم فسادها) وميَّزوا الغثَّ من السَّمين، والمزلزل من المكين،
وقاموا بأعباء ما تحمَّلُوه، ولذا لما قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث
المصنوعة؟ قال: تَعِيش لها الجهابذة(٢): ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَخَفِظُونَ ﴾﴾(٣). انتهى.
ومن حفظه هَتْكُ من يكذب على رسول الله وَّ. وقال الدارقطني: يا
أهل بغداد لا تظنُّوا أنَّ أحداً يقدر أن يكذب على رسول الله وَلاير وأنا حي(٤).
وقد تعين جماعة من كل هذه الأصناف عند أهل الصّنعة وعلماء الرجال.
ولذلك(٥) - لا سيّما الأخير(٦) - أمثلة (نحو) ما روينا عن (أبي عصمة)
- بكسر أوله - نوح بن أبي مريم القرشي، مولاهم المروزي، قاضيها في حياة
شيخه أبي حنيفة، والملقَّب ـ لجمعه بين التفسير والحديث والمغازي والفقه مع
العلم بأمور الدنيا - الجامع(٧) (إذ رأى الورى) أي: الخلق (زعماً) - بتثليث
الزاي - باطلاً منه (نأوا) أي: أعرضوا (عن القران) بنقل الهمزة، كقراءة ابن
٢٣١
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٢) ((الكامل)) لابن عدي (١١٤/١).
(٣) سورة الحجر: الآية ٩.
(٤) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٤٥/١ - ٤٦).
(٥)
يعني: لما تقدم من الأصناف.
(٦)
وهم أهل الزهد.
(٧) قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديث
الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
((التاريخ الكبير)) (١١/٢/٤)، و((الكنى)) للدولابي (٤١/٢)، و((المجروحين)) لابن حبان
(٢٠/٣ - ٢١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٣
الموضوع
كثير (١)، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق مع أنّهما من شيوخه.
٢٣٢
(فافترى) أي: اختلق (لهم) أي: للورى من عند نفسه حسبةً باعترافه،
حسبما نقله عنه أبو عمَّار [أحد المجاهيل](٢) (حديثاً في فضائل السّور) كلِّها
(فبئس) [كما زاده
الناظم](٤) (ما ابتكر) في وضع هذا الحديث، وما أدركه بسببه(٥).
سورةً سورةً، ورواه عن عكرمة (عن ابن عباس)(٣) .
وممّن صرّح بوضع أبي عصمة له الحاكم(٦)، وكأنه ثبت عنده الطّريق إليه
به، وقال هو وابن حبان: إنه جمع كلَّ شيء إلّا الصّدق(٧).
و(كذا الحديث) الطّويل (عن أُبَيِّ) هو ابن كعب ◌َُّه في فضائل سور
القرآن - أيضاً - (اعترف راويه بالوضع) له، فقد روى الخطيب من طريق أبي
عبد الرّحمن المؤمل بن إسماعيل العدوي البصري ثم المكِّي، المتوفَّى بعد
المائتين(٨)، وكان - كما قال أبو حاتم - شديداً في السُّنة(٩)، ورفع أبو داود من
شأنه، ما معناه: إنَّه لمّا سمعه من بعض الشيوخ سأله عن شيخه فيه؟ فقال:
رجل بالمدائن(١٠)، وهو حي، فارتحل إليه، فأحال على شيخ بواسط(١١)،
٢٣٣
(١) انظر: ((التيسير في القراءات السبع))، لأبي عمرو الداني (ص٧٩).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م)، وفيها مكانه: كما زاده الناظم.
(٣) انظر: ((المدخل)) للحاكم (ص١٠٠) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م)، وفيها مكانه: أحد المجاهيل.
(٥) في حاشية (س): من الإثم.
(٦) في ((المدخل)) (ص ١٠٠).
(٧) انظر: ((المدخل إلى الصحيح)) للحاكم (٢١٧/١ - ٢١٨).
(٨) بخمس أو ست سنين. مترجم في ((العقد الثمين)) للتقي الفاسي (٣١٢/٧ - ٣١٣)،
وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٨٠ - ٣٨١).
(٩) ((الجرح والتعديل)) (٣٧٤/١/٤).
(١٠) المدائن: مدينة قديمة على نهر دجلة تحت بغداد، بينهما سبعة فراسخ، وكانت دار
مملكة الأكاسرة.
(الأنساب)) للسمعاني (١٤٣/١٢).
(١١) واسط: عدة مواضع، أشهرها وأعظمها واسط الحَجَّاج، سميت بذلك لأنها متوسطة
بين البصرة والكوفة، أضيفت إلى الحَجَّاج لأنه هو الذي عمَّرها. انظر: ((معجم
البلدان» (٣٤٧/٥ - ٣٥٣).

الموضوع
١١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
فارتحل إليه، فأحال على شيخ بالبصرة، فارتحل إليه، فأحال على شيخ
(١)
بِعَبَّادان(١).
قال المؤمَّل: فلما صرت إليه أخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قومٌ من
المتصوِّفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشّيخ حدثني، فقلت له: يا شيخ من
حدَّثك بهذا الحديث؟ فقال: لم يحدِّثني به أحدٌ، ولكنّا رأينا النَّاس قد رغبوا
عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن(٢).
وعن ابن المبارك فيما رواه ابن الجوزي من طريقه، قال: أظنُّ الزَّنَادقة
وضعته(٣)؛ بل قيل: إنّ أبا عصمة واضع الذي قبله هو الذي وضع هذا
- أيضاً -، وعلى كل حالٍ فهو موضوع، وإن كان له عن أُبَيِّ طرق.
(وبئس) كما زاده الناظم - أيضاً - (ما اقترف) أي: اكتسب واضعه [من
الإثم](٤). (و) لهذا (كل من أودعه كتابه) في التفسير (كـ) أبي الحسن علي بن
أحمد (الواحدي) بمهملتين(٥)، - قال ابن مكتوم(١) : لا أدري لم نسب كذلك،
إلّا أنّه يقال: هو واحدُ قومِه، وواحدُ أمِّه، فلعلّه نُسِبَ إلى أبِ أو جدٍّ أو
قريبٍ هذه صفته (٧) - وأبي بكر بن مردويه، وأبي إسحاق
٢٣٤
(١) عبَّادان: بفتح العين والباء الموحدة المشددة، وسكون الألف، وفتح الدال المهملة،
وفي آخرها نون، بليدة بنواحي البصرة في البحر.
((اللباب في تهذيب الأنساب)) (١٠٩/٢).
(٢) ((الكفاية)) (ص٥٦٧ - ٥٦٨)، و((الموضوعات)) (٢٤١/١)، و((اللآلئ المصنوعة))
(٢٢٧/١ - ٢٢٨).
(٣)
((الموضوعات)) (٢٤١/١).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٥) النيسابوري، كان أوحد عصره في التفسير، صنف التفاسير الثلاثة: البسيط والوسيط
والوجيز، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة.
((إنباه الرواة)) (٢٢٣/٢)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (٣٧٨/١ - ٣٩٠).
(٦) هو: أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي الحنفي، أبو محمد، الإمام
النحوي اللغوي، المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
((الجواهر المضية)) (١٩٢/١)، و((المنهل الصافي)) (٣١٧/١).
(٧) قال ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٣٠٤/٣): لم أعرف هذه النسبة إلى أي شيء
هي، ولا ذكرها السمعاني، ثم وجدت هذه النسبة إلى الواحد بن الدين بن مهرة،
ذكره أبو أحمد العسكري.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١١٥
الموضوع
الثعلبي(١)، وأبي القاسم الزَّمخشري(٢) .
وفي فضائل القرآن كأبي بكر بن أبي داود الحافظ ابن الحافظ، فهو
(مخطئ) في ذلك (صوابه) إذ الصَّواب تَجَنُّب إيرادِ الموضوع إلَّا مقروناً ببيانه
(٣)
كما تقدم(٣) .
والزَّمخشري أشدُّهم خطأ حيث أورده بصيغة الجزم، غيرَ مبرز لسنده (٤)،
وتبعه البيضاوي(٥)، بخلاف الآخرين، فإنهم ساقوا إسناده، وإن حكينا فيما
تقدّم قريباً(٦) عدم جوازه - أيضاً -.
(وجوَّز الوضع) على النبي ◌َ﴾(على) وجه (التّرغيب) للنّاس في الطّاعة ٢٣٥
وفضائل الأعمال (قوم) أبي عبد الله محمد (بن كرَّام) بالتشديد على المشهور كما قاله
شيخُنا(٧)، وغيره، وكذلك ضبطه الخطيب، وابن ماكولاً(٨)، وابن السَّمعاني(٩)،
(١) هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، المفسر المشهور، المتوفى سنة
سبع وعشرين وأربعمائة.
((وفيات الأعيان)) (٧٩/١ - ٨٠)، و((غاية النهاية)) لابن الجزري (١٠٠/١).
(٢) هو: محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي، الحنفي، المعتزلي، النحوي
اللغوي، المفسر، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
((العبر)) (١٠٦/٤)، و((لسان الميزان)) (٤/٦).
(٣) (ص٩٩، ١٠٠).
(٤) أورده مفرقاً في آخر كل سورة من ((الكشاف)).
(٥) أورده كذلك مفرقاً في آخر كل سورة من أنوار التنزيل، والبيضاوي هو:
عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، أبو الخير، القاضي، ناصر الدين الشافعي،
المتوفى سنة خمس وثمانين وستمائة.
(البداية والنهاية)) (٣٠٩/١٣)، و((شذرات الذهب)) (٣٩٢/٥).
(٦) (ص ١٠٠، ١٠١).
(٧) في ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٩/٢).
(٨) انظر: ((الإكمال)) (١٦٤/٧)، وابن ماكولا هو: الأمير الكبير، الحافظ البارع، أبو نصر
علي بن هبة الله بن علي العجلي الجرباذقابي ثم البغدادي، المتوفى سنة خمس وسبعين
وأربعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٢٠١/٤ - ١٢٠٧)، و((النجوم الزاهرة)) (١١٥/٥ - ١١٦).
(٩) ((الأنساب)) (٦٠/١١).

الموضوع
١١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وجزم به مسعود الحارثي(١)، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه لا يُعدل عنه.
وأباه متكلِّم الكرَّامية محمّد بن الهيصم(٢) فقال: المعروف في ألسنة
المشايخ - يعني مشايخهم - بالفتح والتخفيف، وزعم أنه بمعنى كرامة أو كريم،
قال: ويقال بكسر الكاف على لفظ جمع كريم، قال: وهو الجاري على ألسنة
أهل سجستان(٣).
وقول أبي الفتح البستي(٤) فيه - وكان ولعاً بالجناس -:
بمحمّد بن كرام غير كرام
إن الذين بجهلهم لم يقتدوا
والدّين دين محمّد بن کرام(٥)
الفقه فقه أبي حنيفة وحده
شاهد للتخفيف فيه (٦) - إن لم يكن ضرورة -.
وهو السجستاني الذي کان عابداً زاهداً، ثم خُذِل كما قال ابن حبان،
فالتقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، وصحب أحمد بن عبد الله
الجوباري(٧)، فكان يضع له الحديث على وفق مذهبه(٨).
(١) هو: مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي، سعد الدين العراقي ثم المصري،
الحنبلي، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٣٦٢/٢ - ٣٦٤)، و((الدرر الكامنة)) (١١٦/٥).
(٢) هو: أبو عبد الله، شيخ الكرَّامية، وعالمهم في وقته، قال الصفدي: ليس للكرامية مثله
في الكلام والنظر، ولم أقف على سنة وفاته.
((الوافي بالوفيات)) (١٧١/٥).
(٣) ((النكت)) لابن حجر (٨٥٩/٢) نقلاً عن: مناقب محمد بن كرَّام لابن الهيصم، وانظر:
الميزان للذهبي (٢١/٤ - ٢٢)، ولسانه لابن حجر (٣٥٤/٥).
(٤) هو: علي بن محمد الكاتب، شاعر وقته، وأديب ناحيته، المتوفى سنة إحدى وأربعمائة.
((العبر)) (٧٥/٣ - ٧٦)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٢٩٣/٥ - ٢٩٦).
(٥) أنشدهما عنه العتبي في الكتاب اليميني، كما في ((النكت)) لابن حجر (٨٦٠/٢).
(٦) انظر: ((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٢٧٦/٤).
(٧) هو: أحمد بن عبد الله الجوباري، ويقال: الجويباري، يعرف بستوق، قال ابن حبان: دجال
من الدجاجلة، وقال النسائي والدارقطني: كذاب، وقال الذهبي: ممن يضرب المثل بكذبه.
((المجروحين)) (١٢٩/١ - ١٣٠)، و((ميزان الاعتدال)) (١٠٦/١ - ١٠٨).
(٨) انظر: ((المجروحين)) (٣٠١/٢)، و((الميزان)) (٢١/٤)، وكانت وفاة ابن كرام سنة
خمس وخمسين ومائتين، كما في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٣٦/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٧
الموضوع
(و) كذا جوَّزوا الوضع (في التَّرهيب) زجراً عن المعصية، محتجِّين في
ذلك - مع كونه خلافَ إجماع من يُعتدّ به من المسلمين - بأنّ الكذب في
التّرغيب والتّرهيب هو للشارعِ وَّ، لكونه مُقَوِّياً لشريعته، لا عليه، والكذب
عليه إنما هو كأن يقال: إنه ساحر أو مجنون، أو نحو ذلك مما يقصد شَيْنَه به
وعَيْبَ دينه(١) .
وبزيادة: ((ليضلَّ به النَّاسَ))(٢) في حديث: ((من كذب علي مُتعمِّداً))(٣) التي
هي مقيدة للإطلاق.
وبكون حديث: ((من كذب)) إنما ورد في رجلٍ معيَّنٍ ذهب إلى قوم وادعى
أنه رسولُ رسولِ الله وَلتر إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم، فبلغ ذلك
رسول الله وَالر فأمر بقتله، وقال هذا الحديث(٤).
وفي هذه متمسك للمحتسبين - أيضاً - الذين هم أخصّ من هؤلاء، لكنّها
مردودة عليهما :
أما الأول: فهو - كما قال شيخنا -: جهل منهم باللّسان، لأنّه كذب عليه في
وضع الأحكام، فإن المندوب قسم منها، ويتضمن ذلك الإخبار عن الله [تعالى](٥)
(١) وتعلقوا لذلك بما روي عن أبي أمامة به قال: قال رسول الله ويقول: ((من كذب علي
متعمداً فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم، قال: فشق ذلك على أصحابه ﴿م حتى عرف
في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله: قلت هذا ونحن نسمع منك الحديث، فنزيد
وننقص، ونقدم ونؤخر، فقال رسول الله وير: لم أعن ذلك، ولكن عنيت من كذب
علي يريد عيبي وشين الإسلام)).
انظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٩٥/١)، والحديث: رواه الطبراني في ((الكبير))
(٨/ ١٥٥) بنحوه، وفي إسناده محمد بن الفضل الخراساني، الذي قال فيه ابن معين
والفلاس: كذاب. انظر: ((الجرح والتعديل)) (٥٦/١/٤ - ٥٧).
(٢) الزيادة: أخرجها البزار - كما في ((كشف الأستار)) (١١٤/١) من حديث ابن مسعود، وابن
عدي في ((الكامل)) (١٩/١ - ٢٠)، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٩٦/١ - ٩٧).
(٣) تقدم تخريجه (١/ ١١٣).
(٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٧١/٤ - ١٣٧٢) عن بريدة، ورواه عبد الرزاق في
((مصنفه)) (٢٦١/١١) عن سعيد بن جبير مرسلاً، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات))
(٥٥/١ - ٥٦)، وانظر: ((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (١٢/١).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

الموضوع
١١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
في الوعد على ذلك العمل بذلك الثَّواب (١).
وأمَّا الثَّاني: فالزِّيادة المذكورة اتّفق الأئمة على ضعفها(٢)، وعلى تقدير
قَبولها، فاللام ليست للتعليل، وإنّما هي لام العاقبة، أي: يصير كذبهم
للإضلال، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: عَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
وَحَزَنًا﴾ (٣) وهم لم يلتقطوه لأجل ذلك، أو لام التأكيد - يعني كما قال
الطحاوي - ولا مفهوم لها، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِّبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْيَّ﴾ (٤)، لأنّ افتراء الكذب على الله مُحَرَّمٌ مطلقاً،
سواء قصد به الإضلال أم لم يقصد (٥).
وأمَّا الثّالث: فالسّبب المذكور لم يثبت إسناده، ولو ثبت لم يكن لهم فيه
متمسَّك؛ لأنّ العبرة بعموم اللّفظ، لا بخصوص السّبب (٦).
ونحو هذا المذهب الرديء قول محمّد بن سعيد الآتي قريباً (٧).
ومما يرد به على أهل هذا المذهب أنّه فيما ورد من الآيات والأخبار
كفاية عن غيرها، فقد قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اٌلْكِتَبِ مِن شَّءٍ﴾ (٨).
وقول القائل: إن ذلك تكرر على الأسماع، وسقط وقعه، وما هو جديد
فوقعه أعظم، هو كما قال الغزالي في الإحياء: هوس، والكذب على
رسول الله خير من الكبائر التي لا يقاومها شيء (٩)، بحيث لا تقبل رواية من
فعله وإن تاب وحسنت توبته كما سيأتي (١٠).
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٤/٢ - ٨٥٥)، و((فتح الباري)) (٢٠٠/١).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٠٠/١): لم تثبت.
(٣) سورة القصص: الآية ٨.
(٤) سورة الأنعام: ١٤٤.
(٥) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٦/٢).
(٦) المرجع السابق (٨٥٣/٢).
(٧) (ص١١٩).
(٨) سورة الأنعام: الآية ٣٨.
(٩) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١٣٦/٣)، وانظر شرحه: ((إتحاف السادة المتقين))
للزبيدي (٥٢٧/٧ - ٥٢٨).
(١٠)(ص٢٣٥) وما بعدها .

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١١٩
الموضوع
بل بالغ أبو محمَّد الجويني (١) فكفر مُتعمِّدَه (٢).
(والواضعون) أيضاً (بعضهم قد صنعا) ما وضعه على رسول الله وعلى
كلاماً مبتكراً (من عند نفسه وبعض) [منهم](٣) قد (وضعا كلام بعض الحكما)
بترك الهمز، أو الزهاد، أو الصَّحابة، أو ما يروى في الإسرائيليَّات (في
المسند) المرفوع إلى النبي وَلقول ترويجاً له.
٢٣٦
٢٣٧
وقد روى العقيلي في ((الضّعفاء)) عن محمّد بن سعيد - كأنه المصلوب -
أنه لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسناداً (٤).
وذكر التّرمذي في ((العلل التي بآخر جامعه)) عن أبي مقاتل
[الخراساني](٥) أنه حدّث عن عون بن أبي شداد(٦) بأحاديث طوال في وصية
لقمان، فقال له ابن أخيه: يا عم (٧) لا تقل: [ثنا] (٨) عون، فإنّك لم تسمع منه
(١) هو: عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني، أبو محمد، والد إمام
الحرمين، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
((طبقات الشافعية)) للسبكي (٧٣/٥ - ٩٣)، و((شذرات الذهب)) (٢٦١/٣).
(٢) ذكر ذلك ابنه إمام الحرمين في كتاب الحرية. انظر: التعليق على ((الطبقات الكبرى))
للسبكي (٩٣/٥) من الطبقات الوسطى له.
ونقله عنه: النووي في ((شرح مسلم)) (٦٩/١)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٦١٨/١٧).
ونقل الذهبي - أيضاً - في ((الكبائر)) (ص ٧٠) عن ابن الجوزي قوله: ولا ريب أن
الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام، أو تحريم حلال كفر محض، وإنما
الشأن في الكذب عليه فیما سوى ذلك. اهـ.
وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أي وبعضهم.
(٤) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٧١/٤).
(٥) كذا في الأصول، والذي في العلل مع شرح ابن رجب (٧٨/١): السمرقندي.
وهو: حفص بن سلم، كذبه ابن مهدي، وقال السليماني: هو في عداد من يضع
الحديث، مات سنة ثمان ومائتين.
((ميزان الاعتدال)) (٥٥٧/١ - ٥٥٨).
(٦) هو: عون بن أبي شداد العقيلي، ويقال: العبدي، أبو معمر البصري، وثقه ابن معين
وأبو داود. انظر: ((سؤالات الآجري)) (ص٢٩٣)، و(تهذيب التهذيب)) (١٧١/٨)
وضعفه أبو داود في موضع آخر. انظر: السؤالات (ص٣٢٣).
(٧) في حاشية (س): ثم بلغ نفع الله به كذلك قراءة والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.

الموضوع
١٢٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
هذا، فقال: يا ابنَ أخي إنّه كلامٌ حسن(١).
وأغرب(٢) من هذا كلِّه: ما عزاه الزَّركشي، وتبعه شيخنا لأبي العبَّاس
القرطبي صاحب المفهم، قال: استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم
الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله وَ ﴿ نسبةً قولية، فيقول في ذلك: قال
رسول الله ﴾﴾ كذا .
ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنّها موضوعة، لأنها
تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين [وَاليوم](٣)، ولأنّهم لا
يقيمون لها سنداً صحيحاً، قال: وهؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على
رسول الله وَثر. انتهى(٤).
واقتصر الشّارح على حكاية بعض هذه المقالة(٥).
والضرر بهؤلاء شديد، ولذلك قال العلائي: أشدُّ الأصناف ضَرَراً أهلُ
الزّهد - كما قاله ابن الصَّلاح(٢) - وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دلَّ
عليه القياس إلى النّبِي وَلؤ.
وأما باقي الأصناف، كالزَّنادقة، فالأمر فيهم أسهلُ، لأنَّ كونَ تلك
الأحاديث كذباً [لا تخفى] (٧) إلا على الأغبياء، وكذا أهل الأهواء من الرافضة
والمجسِّمة والقدريَّة في شَدِّ بِدَعِهم، وأمر أصحاب الأمراء والقُصَّاص أظهر؛
لأنّهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث(٨).
قال شيخنا: وأخفى الأصناف من لم يتعمَّد الوضع مع الوصف
بالصِّدق(٩)، كمن يغلط فيضيف إلى النّبِي بََّ كلامَ بعض الصّحابة أو غيرهم،
(١) علل الترمذي مع شرح ابن رجب (٧٩/١).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٢) في حاشية (س): انظر هذه الغريبة.
(٤) ((المفهم)) للقرطبي (١١٥/١)، و((النكت على ابن الصلاح)) للزركشي (٢٨٥/٢)،
و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٨٥٢/٢).
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٧٤/١).
(٦) في ((علوم الحديث)) (ص٩٠).
(٧) كذا في (س)، وفي (م): لا يخفى بالمثناة التحتانية، وأما (ح) فمهملة.
(٨) نقله عنه الحافظ ابن حجر في النكت (٨٥٧/٢ - ٨٥٨).
(٩) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٨/٢).