النص المفهرس
صفحات 321-340
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٢١ التّدلیسُ أبيه، ولكن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي(١) عن أبيه(٢) عن ابن مسعود(٣)، كأنَّه لما فيه من إيهام سماع أبي عبيدة له من أبيه؛ لا سيما مع إدراكه له، مع أنَّ الصحيحَ عدم سماعه منه](٤). وبالجملة فهذه أنواع لهذا (٥) القسم(٥). (واختلف في أهله) أي: أهل هذا القسم المعروفين به، أيُرَدُّ حديثهم أم لا؟. (فالردُّ) لهم (مطلقاً) سواء بيَّنوا السماعَ أم لا، دلَّسوا عن الثقات أم لا، (ثُقِفَ) بضم المثلثة بعدها قاف ثم فاء، أي: وُجد - كما قال ابنُ الصلاح(٦) تبعاً للخطيب(٧) وغيرِه - عن فريق من المحدثين والفقهاء، حتى بعض من احتج بالمرسل. محتجين لذلك بأنَّ التدليسَ نفسه جرح، لما فيه من التهمة والغِشِّ، حيث عَدَلَ عن الكشف إلى الاحتمال، وكذا التشبُّع بما لم يُعط، حيث يوهِمُ السماعَ لما لم يسمعه، والعلو وهو عنده بنزول، الذي قال ابنُ دقيق العيد: إنه أكثر قصد المتأخرين به (٨) . وممن حكى هذا القولَ القاضي عبدُ الوهاب(٩) في [الملخص](١٠) فقال: (١) هو: أبو حفص الفقيه، ويقال: أبو بكر، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن حبان، مات سنة تسع وتسعين. ((الثقات)) لابن حبان (٧٨/٥)، و((تهذيب الكمال (٥٣٠/١٦). (٢) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن الكوفي، وثقه أحمد وابن معين وابن سعد، مات سنة خمس وسبعين. طبقات ابن سعد (٤٧/٦)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠/٤ - ٥٣). (٣) ((الاقتراح)) (ص٢١٣، ٣١٤). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٥) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك بحثاً وتحقيقاً. (٦) في ((علوم الحديث)) (ص٦٧). (٨) ((الاقتراح)) (ص٢١١). (٧) في ((الكفاية)) (ص٥١٥). (٩) هو: عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي، القاضي أبو محمد، أحد أئمة المذهب، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٦٩١/٤ -٦٩٥)، و((شجرة النور الزكية)) (١٠٣/١ -١٠٤). (١٠) كذا في (ح)، (م)، و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٣٢/٢)، و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص٣٨٢). = التَّدلیسُ ٣٢٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث التدليسُ جرح، فمن ثبت [تدليسُه](١) لا يُقبل حديثُه مطلقاً، قال: وهو الظاهر على أصول مالك(٢). وقيَّده ابنُ السمعاني في ((القواطع)) بما إذا استُكشِفَ فلم يخبر باسم من يروي عنه، قال: لأنَّ التدليسَ تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثِّرُ في صدقه، أمَّا إن أخبر فلا(٣). والثاني: القبولُ مطلقاً، صرَّحوا أم لا، حكاه الخطيبُ في ((كفايته)) عن خلق كثيرين من أهل العلم، قال: وزعموا أن نهاية أمره أن يكونَ مرسلاً (٤). والثالثُ : - وعزاه ابنُ عبد البر لأكثر أئمة الحديث(٥) - التفصيلُ، فمن كان لا يدلِّسُ إلّا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولاً، وإلا فلا، قاله البزار(٦)، وبه أشعر قولُ ابن الصباغ في مدلس الضعيف: يجب ألا يقبل خبره، وبالتفصيل صرَّح أبو الفتح الأزدي(٧)، وأشار إليه الفقيهُ أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة(٨). وجزم به أبو حاتم بن حبان(٩)، وابنُ عبد البر(١٠)، وغيرُهما في حق سفيان بن عيينة، وبالغ ابنُ حبان في ذلك حتى قال: إنَّه لا يوجدُ له تدليس وفي (س)، و((ترتيب المدارك))، و((الديباج المذهب)) (٢٨/٢)، و((شجرة النور الزكية)): («التلخيص)). (١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أنه كان يدلس. (٢) نقله ابن حجر في ((النكت)) (٦٣٢/٢). (٣) ((القواطع)) (٣٢٢/٢)، و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٣٢/٢). (٤) (الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص٥١٥). (٥) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢٨/١). (٦) في جزء جمعه فيمن يترك ويقبل كما في ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٢٤/٢). (٧) ((الكفاية)) (ص٥١٦). والأزدي هو: محمد بن الحسين بن أحمد الموصلي، نزيل بغداد، الحافظ، المتوفى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٢٤٣/٢ - ٢٤٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٦٧/٣ - ٩٦٨). (٨) ((الكفاية)) (ص٥١٦)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٦٢٤/٢)، و((التبيين لأسماء المدلسين)) لبرهان الدين الحلبي (ص٣٤٨) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢). (٩) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١/ ١٢٢). (١٠) («التمهيد)) (٣١/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٢٣ التَّدلیسُُ قظٌّ، إلا وُجد بعينه قد بَيَّن سماعَه فيه من ثقة(١)، يعني: كما قيل في سعيد بن المسيب على ما مضى في المرسل (٢). وفي سؤالات الحاكم للدارقطني: أنَّه سئل عن تدليس ابن جريج؟ فقال: يُجتنب، وأمَّا ابنُ عبينة فإنَّه يدلس عن الثقات(٣)، ولذا قيل: أمَّا الإمامُ ابن عيينةَ فقدْ اغتَفَرُوْا تدليسَه من غيرِ رَدِّ وممَّا وقع لابن عيينة أنَّه روى بالعنعنة عن عمرو بن دينار، ثم تبين حين سئل أن بينهما علي بن المديني، عن أبي عاصم(٤) عن ابن جريج، أخرجه الخطيب (٥) . وتقدم عنه(٦) التدليسُ عن الزهري بواسطتين فقط، لكن مع حذف الصيغة أصلاً. وكذا قيل في حميد الطويل: إنَّه لم يسمع من أنس إلا اليسير، وجُلُّ حديثه إنَّما هو عن ثابت عنه، ولكنَّه يدلسه (٧)، فقال العلائيُ رداً على من قال: إنه لا يحتج من حديث حميد إلا بما صرح فيه: قد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة [محتج](٨) به (٩). والرابع: إن كان وقوعُ التدليس منه نادراً، قُبِلت عنعنتُه ونحوها، وإلا فلا، وهو ظاهرُ جوابٍ ابن المديني، فإنَّ يعقوبَ بن شيبة قال: سألته عن (١) مقدمة «صحيح ابن حبان)) (١/ ١٢٢). (٢) (ص٢٥٩). (٣) ((سؤالات الحاكم للدارقطني)) (ص١٧٤ - ١٧٥). (٤) هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. طبقات ابن سعد (٢٩٥/٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٠/٩ - ٤٨٥). (٦) (ص٣١٨ - ٣١٩). (٥) في ((الكفاية)) (ص٥١٣). (٧) في تاريخ يحيى بن معين (٣١٨/٤) عن شعبة قال: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثاً، والباقي سمعها، أو أثبته فيها ثابت. اهـ. وانظر: ((الكامل)) لابن عدي (٦٨٤/٢). (٨) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): يحتج. (٩) ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص٢٠٢). النَّدليسُ ٣٢٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل فيه [ثنا(١)]؟ فقال: إذا كان الغالبُ عليه التدليسُ فلا(٢) . ١٥٥ (والأكثرون) من أئمة الحديث والفقه والأصول (قَبلوا) من حديثهم (ما صرحا ثقاتهم) خاصة (بوصله) كسمعت وثنا وشبههما؛ لأنَّ التدليس ليس كذباً، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد - كما قال البزار(٣) - وضَرْب من الإيهام بلفظ محتمل، فإذا صرَّح قبلوه واحتجوا به، ورَدُّوا ما أتى منه باللفظ المحتمل، وجعلوا حكمه حكمَ المرسل ونحوه. وهذا التفصيلُ هو خامس الأقوال فيهم (وصححا) ببنائه للمفعول، أي: هذا القول، وممَّن صحَّحَه الخطيبُ(٤) وابنُ الصلاح(٥)، فعلى هذا يجوز فتح أوله، أي [صحح](٦) ابن الصلاح هذا القول، ولكنه لم يصرِّح بحكايته عن الأكثرين، وممن حكاه العلائي(٧). بل نفى ابنُ [القطان](٨) الخلافَ في ذلك، وعبارتُه: [إذا صرَّح المدلس الثقة بالسماع قُبل بلا خلاف، وإن عنعن ففيه الخلاف(٩)، وقريب منه قولُ ابن عبد البر](١٠): المدلس لا يُقبل حديثه حتى يقول: ثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه خلافاً(١١) . وكأنَّه سلف النووي تَخْتُ في حكايته في ((شرح المهذب)) الاتفاقَ على أن (١) کذا في (ح)، (م)، وفي (س): حدثنا. (٢) ((التمهيد)) (١٨/١)، و((الكفاية)) (ص٥١٦ - ٥١٧). (٣) لعله في جزء ((معرفة من يترك حديثه أو يقبل)) الذي تقدم ذكره قريباً (ص٣٤١). (٤) في ((الكفاية)) (ص٥١٥). (٥) في ((علوم الحديث)) (ص٦٧). (٦). كذا في (س)، (ح)، وفي (م): وصحح. (٧) في ((جامع التحصيل)) (ص١١١ - ١١٢). (٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): عبد البر. (٩) ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٤٣٥/٢) وفي (٤٩٣/٥) نفى الخلاف في عدم قبوله إذا عنعن. وانظر: ((النكت)) لابن حجر (٦٢٥/٢). (١٠) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (١١) ((التمهيد)) (١٣/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٢٥ التَّدلیسُ المدلس لا يحتج بخبره إذا عنعن(١)، ولكنَّه متعقَّب بما تقدم (٢)، إلا إن قَيَّدَ بمن لا يحتج بالمرسل، وكذا يتعقب نفي ابن القطان الخلاف فيما إذا صرح بما تقدم(٣)، وإن وافق على حكاية الخلاف في المعنعن (٤). [وممن ذهبَ إلى هذا التفصيل الشافعي(٥)، وابنُ معين(٦)، وابنُ المديني(٧)، بل وظاهرُ كلامه قبول عنعنتهم إذا كان التدليس نادراً، كما حكيته قريباً (٨)] (٩). (وفي) كتب (الصحيح) لكل من البخاري ومسلم وغيرهما (عدة) من ١٥٦ الرواة المدلسين مَخرج لحديثهم مما صرحوا فيه بالتحديث (كالأعمش) مع قول مهنا(١٠): سألت أحمد لم كرهت مراسيله؟ قال: لأنَّه كان لا يبالي عمن حدث . (وكهشيم) - مصغّر - بن بشير - بالتكبير - الواسطي المتأخر (بعده) وأحد الآخذين عنه، فقد قال ابن سعد (١١): إنه كان يدلس كثيراً، فما قال فيه: أنا (١) ((المجموع)) (١٥٩/٧، ١٦٩). وانظر: ((شرح مسلم)) (٣٣/١). (٢) في تدليس ابن عيينة (ص٣٢٣). (٣) في قول الحسن: ثنا أبو هريرة (ص٣١٧). (٤) في حاشية (س): ثم بلغ نفع الله به كذلك والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه. (٥) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٣٧٨، ٣٨٠). (٦) نقله عنه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص٥١٦). (٧) نقله عنه أيضاً: الخطيب في ((الكفاية)) (ص٥١٧). (٨) (ص٣٢٣ - ٣٢٤). (٩) ما بين المعقوفين مقدم في (س). وقد كتب عليه (م) يعني: أنه مقدم عن محله. (١٠) تهذيب السنن لابن القيم (٢٣/١)، ومهنا بن يحيى الشامي السلمي، أبو عبد الله، من كبار أصحاب الإمام أحمد، ثقة نبيل، لم أقف على سنة وفاته. ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٣٤٥/١ - ٣٤٨)، و((المنهج الأحمد» للعليمي (٣٣١/١ - ٣٣٣). (١١) هو: محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله، مولى بني هاشم، كاتب الواقدي، المتوفى سنة ثلاثين ومائتين. ((تاريخ بغداد)) (٣٢١/٥ - ٣٢٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٨٢/٩ - ١٨٣). التَّدلیسُ ٣٢٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث فهو حجة، وإلا فليس بشيء(١)، وسئل: ما يحملك على التدليس؟ قال: إنه (٢) أشهى شيء(٢) . وغيرُهما كحميد الطويل، فإنه كما قال ابن سعد - أيضاً -: ثقة كثير الحديث، إلا أنه ربما دلس على أنس(٣)، وكقتادة(٤)، (وفَتِّش) الصحاحَ فإنك تجد بها التخريجَ لجماعة كثيرين مما صرَّحوا فيه. بل رُبَّما يقع فيها من معنعنهم، ولكن هو - كما قال ابنُ الصلاح(٥)، وتبعه النووي(٢) وغيره - محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات، تحسيناً للظن بمصنفيها . [ويتأيد بأنَّ البخاريّ روى في صحيحه عن علي بن المديني عن ابن عيينة، قال: قال الزهري، ثم قال بعده عن شيخه: سمعت ابنَ عيينة مراراً، فلم أسمعه يذكر الخبر، وهو من صحيح حديثه(٧) . وعلى كلِّ حال: فالحكمُ كذلك(٨)، [يعني](٩) ولو لم نقف نحن على ذلك، لا في المستخرجات، التي هي مظنة لكثير منه، ولا في غيرها . وأشار ابنُ دقيق العيد إلى التوقف في ذلك، فإنه قال بعد تقرير أن معنعن المدلس كالمنقطع ما نصه: وهذا جار على القياس، إلا أنَّ الجري عليه في تصرفات المحدثين وتخريجاتهم صعب عسير، يوجب اطراحَ كثير من الأحاديث التي صححوها؛ إذ يتعذر علينا إثباتُ سماع المدلس فيها من شيخه، اللهم إلا أن يدَّعي مدع أن الأولين اطلعوا على ذلك، وإن لم نطلع نحن عليه، وفي (١٠) ذلك نظر. انتهى (١٠) . (١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣١٣/٧). (٢) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص٥١٤). (٣) طبقات ابن سعد (٢٥٢/٧). (٤) انظر: ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١٠٣)، و((الكفاية)) (ص٥١٧). (٥) في ((علوم الحديث)) (ص٦٧ - ٦٨). (٦) في التقريب (ص١٤٤) مع التدريب. (٧) (صحيح البخاري): باب قول النبي ◌َّلهو: ((رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار))، كتاب التوحيد (٥٠٢/١٣). (٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (١٠) ((الاقتراح)) (ص٢٠٧ - ٢٠٨). (٩) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٢٧ التَّدليسُ وأحسنُ من هذا كله: قولُ القطب الحلبي(١) في ((القدح المعلى)): أكثرُ العلماء أنَّ المعنعناتِ التي في الصحيحين منزَّلة منزِلة السماع، يعني [إما](٣) لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها . ولذا استُثنِيَ من هذا الخلاف الأعمشُ وأبو إسحاق وقتادة بالنسبة لحديث شعبة خاصة عنهم، فإنه قال: كفيتُكم تدليسَهم(٣)، فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حُملٍ على السماع جزماً، وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن (٥) زهير (٤) عنه (٥) . (٤) . وأبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث اللَّيث خاصة عنه(٦)، والثوري بالنسبة الحديث القطان عنه (٧)، بل قال البخاري: لا يُعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت(٨)، ولا عن سلمة بن كهيل(٩)، ولا عن منصور، ولا عن كثير من (١) هو: الإمام الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي الحنفي، المتوفى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) (٤٥٤/٢ - ٤٥٥)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٢/٣ - ١٣). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٦٥/١). (٤) هو: زهير بن معاوية بن حديج الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي والنسائي، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٥٨٨/٢/١ - ٥٨٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٥١/٣ - ٣٥٣). (٥) ذكره الإسماعيلي في ((مستخرجه)) ونقله عنه ابن حجر في ((النكت)) (٦٣١/٢). (٦) في قصة ذكرها ابن عدي في ((الكامل)) (٢١٣٦/٦). وانظر: ((النكت)) لابن حجر (٢/ ٦٣١) وقد أخرج له مسلم من طريق الليث وغيره. انظر: ((تحفة الأشراف)) للمزي (٢٨٩/٢ - ٣٥٤). (٧) انظر: ((الكفاية)) (ص٥١٧). (٨) هو: حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، وثقه ابن معين والعجلي، مات سنة تسع عشرة ومائة. (تهذيب الكمال)) (٣٥٨/٥ - ٣٦٣)، والخلاصة (ص٦٠). (٩) هو: سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي أبو يحيى الكوفي، قال أحمد: متقن= التَّدلیسُ ٣٢٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث مشايخه تدليس، ما أقَلَّ تدليسه (١) !. وما أشارَ إليه شيخُنا - من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفة منهم، حيثُ جعل منهم قسماً احتمل الأئمة تدليسَه، وخرَّجوا له في الصحيح؛ لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري - يتنزل على هذا؛ لا سيما وقد جعلَ من هذا القسم من كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة(٢). وكلامُ الحاكم يساعده، فإنه قال: ومنهم جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أنَّ المتبحِّرَ في هذا العلم يميِّزُ بين ما سمعوه، وبين ما دلسوه(٣). [قلت: وقد أخرج البخاريُ في مناقب سعد بن معاذ للأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع(٤) عن جابر بالعنعنة، ثم أردفه برواية الأعمش له، فقال: ثنا أبو صالح عن جابر(٥)، لتتقوى بها الرواية الأولى] (٦). وكذا يستثنى من الخلاف من أكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، كبقية بن الوليد(٧)، لاتفاقهم - كما قاله شيخُنا - على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما صرحوا بالسماع فيه (٨). أو من ضُعِّفَ بأمر آخر سوى التدليس، فإن هؤلاء حديثهم مردود جزماً، = للحديث، وقال ابن معين والعجلي وابن سعد: ثقة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة. ((التاريخ الكبير)) (٧٥/٢/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٥٥/٤ - ١٥٧). (١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٣٥/١). (٢) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٣٨/٢ - ٦٣٩). (٣) ((معرفة علوم الحديث)) (ص١٠٩). (٤) هو: طلحة بن نافع القرشي، مولاهم، أبو سفيان الواسطي، ويقال: المكي، الإسكاف، قال أحمد والنسائي: ليس به بأس، ووثقه البزار وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق من الرابعة. ((تهذيب التهذيب)) (٢٦/٥ - ٢٧)، والتقريب (ص١٥٧ - ١٥٨). (٥) ((صحيح البخاري)) (١٢٢/٧ - ١٢٣). (٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٧) هو: بقية بن الوليد بن صائد، أبو يحمد الحميري الكلاعي الحمصي، صدوق كثير التدليس، يكتب عمن أقبل وأدبر، مات سنة سبع وتسعين ومائة. ((تهذيب الكمال)) (١٩٢/٤ - ٢٠٠)، و((ميزان الاعتدال)) (٣٣١/١ - ٣٣٩). (٨) (تعريف أهل التقديس))، لابن حجر (ص٢٤). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٣٢٩ التَّدلیسُ ولو صرحوا بالسماع، إلّا إن توبعوا، ولو كان الضعفُ يسيراً، كابن لهيعة(١). * وأما حكمُه: فقال يعقوب بن شيبة: جماعة من المحدثين لا يرون بالتدليس بأساً(٢)، يعني: وهم الفاعلون له، أو معظمهم(٣). ١٥٧ (وذمَّه) أي: أصلَ التدليس، لا خصوص هذا القسم (شعبةُ) بن الحجاج (ذو الرسوخ) في الحفظ والإتقان، بحيث لُقِّبَ: أمير المؤمنين في الحديث (٤)، فروى الشافعي عنه أنه قال: التدليسُ أخو الكذب (٥). وقال غندر عنه: إنه أشدُّ من الزنا، ولَأنْ أسقطَ من السماء إلى الأرض أحبُ إلي من أن أدلس(٦)، وقال أبو الوليد الطيالسي (٧) عنه: لَأنْ أخِرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إلي من أن أقول: زعمَ فلان، ولم أسمع ذلك الحدیث منه(٨). ولم ينفرد شعبة بذمه؛ بل شاركه ابنُ المبارك في الجملة الأخيرة، وزاد: إن الله لا يقبلُ التدليس(٩)، وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة (١٠)، وكذا قرنه به بعضهم (١١)، وقرنه آخر (١٢) بقذف المحصنات. (١) المرجع السابق. (٢) ((الكفاية)) (٥١٦). (٣) في حاشية (ح): ثم بلغ نفع الله به ... قراءة والجماعة ... كتبه مؤلفه. (٤) لقبه بذلك سفيان الثوري، كما في ((الكامل)) لابن عدي (٨٤/١ - ٨٥). (٥) ((الكامل)) لابن عدي (٤٧/١)، و((الكفاية)) (ص٥٠٨). (٦) ((التمهيد)) (١٦/١)، و((الكفاية)) (ص٥٠٨). (٧) هو: هشام بن عبد الملك البصري، الحافظ، أحد الأعلام، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائتین. (تذكرة الحفاظ)) (٣٨٢/١). (٨) ((التمهيد)) (١٦/١). (٩) ((الكفاية)) (ص٥٠٩). وانظر: ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١٠٣). (١٠) هو: حماد بن أسامة القرشي، مولاهم، الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، مات سنة إحدى ومائتين. ((مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبان (ص١٧٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (٩/ ٢٧٧). (١١) ((الكفاية)) (ص٥٠٨). (١٢) هو: المنقري الآتي قريباً. انظر: ((الكفاية)) (ص٥٠٩)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٠٥/٢). . الثَّدليسُ ٣٣٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقال سليمان بن داود المنقري(١): التدليسُ والغشُّ والغرورُ والخداعُ والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد(٢) - بالمعجمة - أي: طريق. وقال عبد الوارث بن سعيد: إنه ذُلِّ(٣). يعني: لسؤاله أسمع أم لا. وقال ابنُ معين: إني لأزين الحديثَ بالكلمة فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه . وقال حماد بن زيد: هو متشبع بما لم يُعطّ(٤)، ونحوه قول أبي عاصم النبيل: أقلُّ حالاته عندي أنه يدخل في حديث: ((المُتَشبِّعُ بما لم يُعطّ كلابس توبي زور)»(٥) . وقال وكيع: الثوبُ لا يحل تدليسه فكيف الحديث(٦)؟! وقال بعضهم: أدنى ما فيه التزين (٧)، وقال يعقوب بن شيبة: [و](٨) كرهه جماعة من المحدثين، ونحن نكرهه(٩)، زاد غيره: وتشتد الكراهةُ إذا كان المتروك ضعيفاً، فهو حرام. ولكن اختص شعبة منه - مع تقدمه - بالمزيد كما ترى (١٠)، على أنَّ شعبةَ قد عيب بقوله: لئن أزنيَ أحبُّ إلي من أن أحدِّثَ عن يزيد بن أبان (١) هو: سليمان بن داود المنقري الشاذكوني البصري الحافظ، أبو أيوب، قال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. ((الكامل)) لابن عدي (١١٤٢/٣ - ١١٤٥)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٠٥/٢). (٢) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١٠٣). (٣) المصدر السابق. (٤) ((الكفاية)) (ص٥٠٩). (٥) ((الكامل)) لابن عدي (٤٨/١). والحديث: رواه البخاري: باب المتشبع بما لم ينل، كتاب النكاح (٣١٧/٩)، ومسلم: باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط، كتاب اللباس (١١٠/١٤)، وأحمد (٩٠/٦)، وأبو داود: باب المتشبع بما لم يعط، كتاب الأدب رقم (٤٩٩٧). (٦) ((الكفاية)) (ص٥٠٩). (٧) ((التمهيد)) (٢٧/١) عن يزيد بن هارون. وانظر: ((الكفاية)) (ص٥٠٨). (٩) ((الكفاية)) (ص٥١٦). (٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (١٠) قال أحمد: كان شعبة يتشدد في التدليس. انظر: جزء من كلام الإمام أحمد في العلل والرجال (ص١٢٩). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٣١ التَّدلیسُ الرقاشي(١)، فقال يزيد بن هارون(٢) راوي ذلك عنه: ما كان أهون عليه الزنا(٣). قال الذهبي: وهو أي: التدليس داخل في قوله [َلو](٤): ((من غَشَّنا فليسَ منا))(٥)، لأنه يُوهم السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع. هذا إن دلس عن ثقة، فإن كان ضعيفاً فقد خان الله ورسوله))(٦)، بل هو كما قال بعضُ الأئمة حرام إجماعاً . وأما ما نَقَله ابنُ دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر أنه قال: التدليس اسم ثقيل شنيع الظاهر، لكنه خفيف الباطن، سهل المعنى، فهو محمول على غير المحرم منه. (ودونه) أي: دون الأول من قسمي تدليسُ الإسناد، وفصل عنه لعدم الحذف فيه (التدليس للشيوخ) ثاني قسميه، لتصريح ابن الصلاح بأن أمره أخف(٧). وهو (أن يصف) المدلس (الشيخَ) الذي سمع ذاك الحديث منه (بما لا ١٥٨ يُعرف) أي: يشتهر (به) من اسم أو كنية أو نسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو صنعة، أو نحو ذلك؛ كي يُوعِرَ معرفةَ الطريق على السامع. (١) هو: يزيد بن أبان الرقاشي البصري، أبو عمرو الزاهد العابد، ضعفه ابن معين والدارقطني، مات بين عشر وعشرين ومائة. ((ميزان الاعتدال)) (٤١٨/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٩/١١ - ٣١١). (٢) هو: يزيد بن هارون بن زاذي، أبو خالد السلمي مولاهم، الواسطي، الحافظ، الإمام القدوة، المتوفى سنة ست ومائتين. طبقات ابن سعد (٣١٤/٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٨/٩ - ٣٧١). (٣) ((الكامل)) لابن عدي (٢٧١٢/٧)، و((ميزان الاعتدال)) (٤١٨/٤). (٤) كذا في (ح)، وفي (س)، (م): عليه السلام. (٥) رواه مسلم في باب قول النبي ◌ّ﴾: ((من غشّنا فليس منّا))، كتاب الإيمان (١٠٨/٢، ١٠٩)، وأبو داود: باب النهي عن الغش، كتاب البيوع رقم (٢٤٥٢)، والترمذي: باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع من أبواب البيوع رقم (١٣١٥)، وابن ماجه: باب النهي عن الغش، كتاب التجارات رقم (٢٢٢٤، ٢٢٢٥) بألفاظ متقاربة. (٦) تاريخ الإسلام (حوادث وفيات سنة ١٧١ - ١٨٠ ص ٩٧). (٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٨). التَّدليسُ ٣٣٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ويجوز أن تكونَ ((أن)) وما بعدها في موضع رفع على البيان بقوله: التدليس. ومن أمثلة ذلك: قولُ أبي بكر بن مجاهد المقرئ(١): ثنا عبدُ الله بن أبي عبد الله، يريدُ به الحافظ أبا بكر ابن صاحب السنن الحافظ أبي داود(٢). وقوله أيضاً: ثنا محمد بن سند، يريدُ به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش(٣)، نسبة لجد له (٤). (٥)[(وذا) الفعل (بـ) اختلاف (مقصِد) بكسر المهملة، حامل لفاعله عليه ١٥٩ (يختلف) في الكراهة (فَشرُّه) ما كانت تغطيته (للضَّعْفِ) في الراوي، كما فعل في محمد بن السائب الكلبي(٦) الضعيف، حيث قيل فيه: حماد(٧)، لتضمنه (١) هو: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أبو بكر البغدادي العطشي المقرئ الأستاذ، المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. («تاريخ بغداد)» (١٤٤/٥ - ١٤٨)، و((معرفة القراء الكبار)) (٢٦٩/١). (٢) انظر: ((الكفاية)) (ص٥٢٦)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٦ - ٦٧)، وابن أبي داود هو: عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، أبو بكر البغدادي، الإمام المشهور، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة. ((المنتظم)) لابن الجوزي (٢١٨/٦ - ٢١٩)، و((غاية النهاية)) لابن الجزري (٤٢٠/١ - ٤٢١). (٣) الموصلي ثم البغدادي المقرئ، صاحب التصانيف والقراءات، المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. («العبر)) (٢٩٢/٢ - ٢٩٣)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٣١/٢). (٤) ((الكفاية)) (ص٥٢٦). (٥) من هنا إلى قوله: ومعرفته بالرجال الآتي في (ص٣٣٦) غير مرتب في (م)، مع الإشارة إلى ترتيبه على ما يوافق (س)، (ح) كما هنا. (٦) أبو النضر الكوفي، المفسر النسّابة الأخباري، قال ابن حبان: مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، مات سنة ست وأربعين ومائة. ((المجروحين)) لابن حبان (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٥٦/٣). (٧) في ((تهذيب التهذيب)) (١٨١/٩): ذكر عبد الغني بن سعيد الأزدي أنه حماد بن السائب. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٣٣ التَّدليسُ الخيانة والغشَ والغرورَ، وذلك حرام هنا، وفي الَّذي قبله كما تقدم (١) إجماعاً، إلَّا أن يكونَ ثقة عند فاعله، فهو أسهلُ، إن لم يكن قد انفرد هو بتوثيقه، مع علمه بتضعيف الناس له، ومع ذلك فهو أسهلُ من الأول - أيضاً - كما أشرتُ إليه في المرسل(٢). (و) يكون (استصغارا) لِسِنِّ الذي حدثه به، إمَّا أن يكونَ أصغرَ منه، أو أكبرَ لكن بيسير، أو بكثير لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه . وقد روى الحارثُ بن أبي أسامة(٣) عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدنيا، الحافظ الشهيرِ، صاحبِ التصانيف(٤)، فلكون الحارث أكبرَ منه، قال فيه مرة: عبد الله بن عبيد، ومرة: عبد الله بن سفيان، ومرة: أبو بكر بن سفيان، ومرة: أبو بكر الأموي(٥). قال الخطيبُ: وذلك خلافُ موجب العدالة، ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه (٦). قلت: وقد يكونُ للخوف من عدم أخذه عنه، وانتشاره مع الاحتیاج إليه، أو لكون المدلس عنه حياً، وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذي نهى الشافعي عنه لأجله(٧) . ومنه قولُ شيخنا: أنا أبو العباس بن أبي الفرج(٨) بن أبي عبد الله الصحراوي بقراءتي عليه بالصالحية، وعنى بذلك: الولي أبا زرعة ابن شيخه (١) قريباً (ص٣٣١). (٢) (ص٢٧٤). (٣) هو: الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي، أبو محمد صاحب ((المسند))، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائتين. (تذكرة الحفاظ)) (٦١٩/٢ - ٦٢٠)، و((شذرات الذهب)) (١٧٨/٢). (٤) الكثيرة جداً، التي فيها المخبآت والعجائب، المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائتين. ((تاريخ بغداد)» (٨٩/١٠ - ٩١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٧/١٣ - ٤٠٤). (٥) ((الكفاية)) (ص٥٢٥). (٦) المصدر السابق (ص٥١١). (٧) في قوله: إياك والرواية عن الأحياء الآتي في (٢٥٠/٢ - ٢٥١). (٨) في ((الضوء اللامع)): الفضل بدل الفرج. التَّدلیسُ ٣٣٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الزين أبي الفضل العراقي، ولم يتنبّه له إلَّا أفراد، مع تحديثه بذلك حتى لجماعة من خواص الولي وملازميه، وما علموه (١) . (و) يكون (5) فعل (الخطيبٍ) الحافظ، المكثرِ من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد، حيث قال مَرَّةً: أنا الحسن بن محمد الخلال(٢)، ومرَّةً: [أخبرنا(٣)] [الحسن](٤) بن أبي طالب(٥)، ومرَّةً: أنا أبو محمد الخلال، والجميع واحد (٦) . وقالَ مرَّةً: عن أبي القاسم الأزهري(٧)، ومرَّةً: عن عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي، ومرَّةً: عن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي ، والجميع واحد (٩) . وقال مرَّةً: أنا علي بن أبي علي البصري(١٠)، ومرَّةً: أنا علي بن المحسن (١١)، ومرَّةً: أنا أبو القاسم التنوخي (١٢)، ومرَّةً: أنا علي بن الحسن (١٣)، (١) انظر: ((الضوء اللامع)) للسخاوي (٣٤٢/١). (٢) انظر: «تاريخ بغداد)) (٤٢٥/٧)، و((الكفاية)) (ص٤٦٨). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أنا . (٥) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٣٢٣/٢)، والرحلة في طلب الحديث (ص١٢٨ - ١٢٩)، و((شرف أصحاب الحديث)) (ص٦٠)، و((الكفاية)) (ص٤٢، ٦٠). (٦) وهو: الحافظ المفيد الثقة أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن البغدادي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. («تاريخ بغداد)» (٤٢٥/٧)، و(«تذكرة الحفاظ)» (١١٠٩/٣). (٧) انظر: ((الرحلة في طلب الحديث)) (ص٨٧)، و((شرف أصحاب الحديث)) (ص٣٥، ٤٩)، و((الكفاية)) (ص٤٢). (٨) انظر: ((الرحلة في طلب الحديث)) (ص١٢٣)، و((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٨)، و ((الكفاية) (ص٩٢). (٩) وهو: أبو القاسم عبيد الله بن أبي الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج الأزهري الصيرفي، ويعرف بابن السوادي، المتوفى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. ((تاريخ بغداد)) (٣٨٥/١٠). (١٠) انظر: ((تقييد العلم)) (ص٣٩، ٦٥)، و((الكفاية)) (ص١٠٦). (١١) (تقييد العلم)) (ص٦٧). (١٣) المرجع السابق (ص١٠١). (١٢) المرجع السابق (ص ١٣٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٣٥ التَّدلیسُ ويصِفُه مرَّةً بالقاضي(١)، ومرَّةً: بالمعدل(٢)، إلى غيرها. ومرادُه بهذا كُلِّه: أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن علي التنوخي البصري الأصل القاضي(٣)، وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جداً. ويقربُ منه ما يقع للبخاري في شيخه الذهلي، فإنه تارة يقول: محمد، ولا ينسبه (٤)، وتارة: محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جده(٥)، وتارة: محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده(٦)، ولم يقل في موضع: محمد بن يحيى(٧)، في نظائر لذلك كثيرة، ستأتي جملة منها فيمن ذكر بنعوت متعددة (٨) . (يوهمُ) الفاعل بذلك (استكثارا) من الشيوخ، حيث يظنُّ الواحدُ ببادئ الرأي جماعة، وإلى ذلك أشار الخطيبُ بقولِه: أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة، فلا يُحبُّ تكرارَ الرواية عنه، فيغيِّرُ حاله لذلك(٩) . قلت: ولكن لا يلزمُ من كون الناظر قد يتوهم الإكثارَ أن يكونَ مقصوداً لفاعله؛ بل الظن بالأئمة خصوصاً من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه، لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعي تجنبه أربابُ الصلاح والقلوب، كما نبه عليه ياقوتةُ العلماء(١٠)، المعافى بن عمران (١١)، وكان من أكابر العلماء والصلحاء. (٢) ((تقييد العلم)) (ص٦٧). (١) ((الكفاية)) (ص١١٦). (٣) المتوفى سنة سبع وأربعين وأربعمائة. انظر: ((تاريخ بغداد)) (١١٥/١٢)، و((ميزان الاعتدال)) (١٥٢/٣). (٤) انظر: ((صحيح البخاري)) (٣٠٤/٦، ٣٤٢/٨). (٥) المصدر السابق (٤ /٣٠٠، ٤٢٦/٨). (٦) المصدر السابق (٤/ ١٩٢، ١٩٩/١٠). (٧) في البخاري (٧/ ١٢٠) حدثني محمد بن يحيى أبو علي، جزم الحاكم والكلاباذي بأنه الذهلي. انظر: ((هدي الساري)) (ص٢٣٦). لكن الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٢١/٧) جزم بأنه اليشكري المروزي الصائغ. وهو في البخاري: محمود بن يحيى خطأ مطبعي بدليل كلام الشارح. (٨) (٤/ ١٨٤ - ١٩١). (٩) ((الكفاية)) (ص٥٢٠ - ٥٢١). (١٠) سماه بذلك سفيان الثوري كما في تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص٧٥). (١١) هو: المعافى بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة، الإمام أبو مسعود الأزدي الموصلي الحافظ، المتوفى سنة خمس وثمانين ومائة. = النَّدليسُ ٣٣٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولا مانع من قصدهم به الاختبارَ، لليقظة والإلفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، وكذا الحالُ في آبائهم، فتدليسُ الشيوخ دائر بين ما وصفنا. وقد ذكرَ الذهبيُّ في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله التقي: من أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة، فأعجبه استحضارُه(١). وألطف منه قوله له: من أبو العباس الذهبي؟ فقال: أبو طاهر المخلص(٢). وكذا مَرَّ في ((صحيح ابن حبان)) وأنا بين يدي شيخنا قوله: ثنا أبو العباس الدمشقي، فقال: من هذا؟ فبادرته - مع أنه لم يقصدني بذلك - وقلت: هو أبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصا(٣)، فأعجبه الجوابُ دون المبادرة لتفويتها غرضاً له. ولذا قال ابنُ دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهي امتحانُ الأذهان، واستخراجُ ذلك، وإلقاؤه إلى من يراد اختبار حفظه، ومعرفته بالرجال (٤)](٥). على أنَّه قد قيل في فعلِ البخاري في الذهلي: إنَّه لِمَا كان بينهما ما = ((تاريخ بغداد)» (٢٢٦/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (٨٠/٩ - ٨٦). وتنبيهه موجود في: ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص٢١٤ - ٢١٥). (١) انظر: ((تعريف أهل التقديس)) لابن حجر (ص ٦٥). (٢) هو: محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا أبو طاهر المخلص الذهبي، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٣٢٢/٢ - ٣٢٣)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٢٣٠/٣). وقد سأل السلفي الحافظ عبد الغني نحو هذا السؤال، فأجاب بالجواب نفسه. انظر: ((ذيل الروضتين)) (ص٤٧)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٥٢٢/٨)، و((الذيل على طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٩/٢). (٣) هو: أحمد بن عمير بن جوصا الحافظ أبو الحسن، قال الطبراني: هو من ثقات المسلمين، مات سنة عشرين وثلاثمائة بدمشق. ((ميزان الاعتدال)) (١٢٥/١)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) (٤٢١/١ -٤٢٢). (٤) ((الاقتراح)) (ص٢١٤). (٥) إلى هنا غير مرتب في (م)، مع الإشارة إلى ترتيبه على ما يوافق ما أثبت. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٣٧ التَّدليسُ عُرِفَ في محله(١)، بحيثُ مَنَعَ الذهليُ أصحابَه من الحضور عند البخاري، ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من التخريج عنه، لوفور ديانته وأمانته، وكونه عذره في نفسه بالتأويل، غير أنه خشي من التصريح به أن يكونَ كأنه بتعديله له صدقه على نفسه فأخفى اسمه، والله أعلم بمراده. والأكثرُ في هذا القسم وقوعه من الراوي، وقد يقع من الطالب، بقصد التغطية على شيخه، ليتوقَّر عليه ما جرت عادتُه بأخذه في حديث [ذاك](٢) المدلس، كما سيأتي في الفصل الحادي عشر من معرفة من تقبل روايته (٣). وهو أخفُها وأظرفُها، ويجمع الكلُّ مفسدةً تضييع المروي عنه، كما قال ابنُ الصلاح(٤)، وذلك حيث جهل، إلا أنه نادر، فالحذاق لا يخفى ذلك عنهم - غالباً - فإن جهل كان من لازمه تضييع المروي - أيضاً -، بل قد يتفق أن يوافق ما دلس به شهرة راو ضعيف من أهل طبقته، ويكون المدلس ثقة، وكذا بالعكس وهو فيه أشد. وبهذا وكذا بأول المقاصد بهذا القسم قد ينازع في كونه دون الذي قبله، ولكن الحقَّ أنَّ هذا قلَّ أن يخفى على النقاد، بخلاف الأول. ويُعرفُ كل من التدليس واللقاء بإخباره، أو بجزم بعضٍ النقاد، كما سيأتي في خفي الإرسال(٥). (والشافعي) كَّثُ - بالإسكان - (أثبته) أي: أصل التدليس، لا خصوص ١٦٠ (١) انظر قصة الذهلي مع البخاري في: ((تاريخ بغداد)) (٣٠/٢ - ٣٢)، و(«هدي الساري مقدمة فتح الباري)) (ص ٤٩٠). وخلاصتها: أن الإمام البخاري لما قدم نيسابور استقبلوه من مرحلتين منها، فأقبل الناس عليه حتى بان الخلل في مجلس الذهلي، فحسده بعض الشيوخ، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فسئل عن ذلك؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، فقال الذهلي: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه، فأقام البخاري مدة ثم خرج إلى بخارى. (٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ذلك. (٤) في ((علوم الحديث)) (ص٦٨). (٣) (٢٦٣/٢). (٥) (٤٧٨/٣). التَّدليسُ ٣٣٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث هذا القسم للراوي (بمرة) وعبارته: ومن عرفناه دلس مرَّةً، فقد أبانَ لنا عورتَه في روايته، وليست تلك العورة بكذب، فيُردُّ بها حديثُه. إلى آخر كلامه(١). وحكاه البيهقي - أيضاً - فقال: من عُرِفَ بالتدليس مرة، لا يُقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق، حتى يقول: حدثني أو سمعت، كذلك ذكره الشافعي. انتهى(٢). وبيانُ ذلك: أنَّه بثبوت تدليسه مرة صارَ ذلك هو الظاهر من حاله في معنعناته، كما أنَّه بثبوت اللقاء مرَّةً صار الظاهرُ من حاله السماع، وكذا من عُرِف بالكذب في حديث واحد، صار الكذبُ هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع حديثه، مع جواز كونه صادقاً في بعضه. (قلت: وشرُّها) أي: أنواع التدليس، حتى ما ذكر ابنُ الصلاح أنه شره(٣)، (أخو) أي: صاحبُ (التسوية) الذي أشار إليه الخطيب بقوله: ورُبَّما لم يسقط المدلس اسمَ شيخه الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفاً في الرواية، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك (٤). وتبعه النوويُ في ذلك في القسم الأول من ((تقريبه))(٥)، وجماعة ليس فيهم ابن الصلاح، منهم العلائي(٦)، وتلميذه الناظم(٧)، لكن جعله قسماً ثالثاً للتدلیس . وحقَّقَ تلميذُه شيخُنا أنه نوع من الأول(٨)، وصنيع النووي في ((شرح مسلم))(٩) و((تقريبه))(٥) يقتضيه، وبالتسوية سمَّاه أبو الحسن ابن القطان فمن (١) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٣٧٩). (٢) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٢٧/٢). (٣) يرى ابن الصلاح أن شر أنواع التدليس تدليس الإسناد، لقوله: والقسم الثاني - يعني تدليس الشيوخ - أمره أخف، ولا ثالث لهما عنده. انظر: ((علوم الحديث)) له (ص٦٨). (٤) ((الكفاية)) (ص٥١٨). (٦) ((جامع التحصيل)) (ص ١١٧). (٨) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦١٦/٢). (٩) ((شرح النووي على مسلم)) (٣٣/١). (٥) ((التقريب)) (ص١٤٠) مع التدريب. (٧) ((التقييد والإيضاح)) (ص٩٥). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٣٣٩ التَّدلیسُ بعده، فقال: سوَّاه فلان(١)، وأما القدماءُ فسمَّوه تجويداً، حيث قالوا: جوَّده فلان (٢) وصورتُه: أن يرويَ المدلسُ حديثاً عن شيخ ثقةٍ بسند فيه راو ضعيف، فيحذفه المدلسُ من بين الثقتين اللَّذين لقي أحدُهُما الآخرَ، ولم يُذكرَ أوَّلُهما بالتدليس، ويأتي بلفظ محتمل، فيستوي الإسنادُ كلَّه ثقات، ويُصرِّحُ المدلس بالاتصال عن شيخه؛ لأنه قد سمعه منه، فلا يظهرُ في الإسناد ما يقتضي ردَّه، إلَّا لأهلِ النقد والمعرفة بالعلل، ويصيرُ الإسناد عالياً، وهو في الحقيقة نازل(٣) . وهو مذموم جداً، لما فيه من مزيد الغشِّ والتغطية، ورُبَّما يلحقُ الثقة الذي هو دون الضعيف الضررُ من ذلك بعد تَبَيُّن الساقط بإلصاق ذلك به مع براءته . قال ابنُ حزم: صحَّ عن قوم إسقاطُ المجروح، وضمُّ القوي إلى القوي، تلبيساً على من يحدِّث، وغروراً لمن يأخذ عنه، فهذا مجروح، وفسقُه ظاهر، وخبرُه مردود، لأنه ساقط العدالة. انتهى (٤). وممن كان يفعله بقيةُ بن الوليد، والوليدُ بنُ مسلم (٥). (١) ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٦٦/٢، ٤٩٩/٥). (٢) قال الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) (٣٧٦/١): يريدون ذكر من فيه من الأجواد وحذف الأدنیاء. ومن القدماء ممن يسميه تسوية قبل ابن القطان ابن حبان، ففي ((المجروحين)) (١/ ١٠٣) في ترجمة إبراهيم بن خالد المصيصي: كان يسوي الحديث ويسرقه. (٣) ليس من هذا النوع إذا روى الثقة عن اثنين، أحدهما: ضعيف، والآخر: ثقة، فيحذف الضعيف ويبقي الثقة، كما فعل الإمام البخاري في حذفه عبد الله بن عمر العمري، واقتصاره على مالك في حديث: ((إذا جاء أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات ... )) الحديث. انظر: ((صحيح البخاري)): باب السؤال بأسماء الله - تعالى - والاستعاذة بها، كتاب التوحيد (٣٧٨/١٣)، و((فتح الباري)) (٣٨٠/١٣). (٤) ((الإحكام)) لابن حزم (١/ ١٢٧). (٥) هو: الوليد بن مسلم، مولى بني أمية، أبو العباس الدمشقي، أحد الأعلام، المتوفى سنة خمس وتسعين ومائة. = التَّدليسُ ٣٤٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وبالتقييد باللقاء خرج الإرسالُ، فقد ذكر ابنُ عبد البر وغيره: أنَّ مالكاً سمعَ من ثور بن زيد (١) أحاديثَ عن عكرمة عن ابن عباس، ثم حدَّث بها بحذف عكرمة؛ لأنَّه كان يكره الروايةَ عنه، ولا يرى الاحتجاجَ بحديثه. (٢) انتھی(٢) . في أمثلة لذلك عن مالك بخصوصه، فلو كانت التسويةُ بالإرسال تدليساً، لعُدَّ مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عدَّه فيهم (٣)، فقال ابنُ القطان: ولقد ◌ُظُنَّ بمالك على بعده عنه عمله (٤)، وقال الدار قطني: إنَّ مالكاً ممن عمل به، وليس عيباً عندهم(٥). قلتُ: وهو محمول على أنَّ مالكاً ثبتَ عنده الحديثُ عن ابن عباس، وإلَّا فقد قال الخطيبُ: إنَّه لا يجوزُ هذا الصنيعُ، وإن احتج بالمرسل؛ لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده(٦). وكذا بالتقييد بالضعيف كان أخص من المنقطع، على أَنَّ بعضهم قد أدرجَ في تدليس التسوية ما كان المحذوف ثقة. ومن أمثلته: ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية(٧) عن أبيه - هو محمد بن الحنفية - عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية (٨). ((ميزان الاعتدال)) (٣٤٧/٤ - ٣٤٨)، و((تهذيب التهذيب)) (١٥٤/١١). = (١) هو: ثور بن زيد الديلي المدني، مولى بني الديل، قال أحمد وأبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. ((تهذيب الكمال)) (٤١٦/٤ - ٤١٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥٢). (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢٦/١). (تعريف أهل التقديس)) لابن حجر (ص٤٣). (٣) (٤) (بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٤٩٧/٥). (٥) المرجع السابق (٤٩٧/٥). (٦) ((الكفاية)) (ص٥٢٠). (٧) هو: عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم، وثقه ابن سعد والعجلي والنسائي وغيرهم، مات سنة ثمان وتسعين. ((تهذيب التهذيب)) (١٦/٦)، والخلاصة (ص ١٨٠). (٨) أخرجه الإمام مالك في ((الموطأ)): باب نكاح المتعة، كتاب النكاح (٥٤٢/٢)، =