النص المفهرس

صفحات 261-280

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦١
المرسلُ
حكاهما الشيخ أبو إسحاق في اللمع(١)، والخطيبُ في كتابيه («الفقيه
والمتفقه))(٢) و((الكفاية))(٣) وآخرون:
أحدُهما: أنَّها حجة عنده، بخلاف غيرها من المراسيل، قالوا: لأنها
فُتِشَتْ فوُجدَتْ مسندة.
ثانيهما: أنَّها ليست بحجة عنده؛ بل هي كغيرها على ما ذكرناه، قالوا:
وإنَّما رجَّح الشافعيُ بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز.
قال الخطيب في كتابه ((الفقيه والمتفقه)): والصوابُ الثاني، وأما الأول
فليس بشيءٍ(٢)، وكذا قال في الكفاية: إن الثاني هو الصحيح، لأن في مراسيل
سعيد ما لم يوجد بحال من وجه يصح (١).
قال البيهقي: وقد ذكرنا لابن المسيب مراسيلَ لم يقبلها الشافعي، حين لم
ينضم إليها ما يؤكدها (٤)، ومراسيلَ لغيره قال بها حين انضمَّ إليها ما يؤكدها (٥)، قال:
وزيادةُ ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ (٦).
قال(٧): وأما قول القفال المروزي(٨) في أول كتابه ((شرح التلخيص)) قال
(١) (ص٤١).
(٢) ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب (٢٢٧/١).
(٣) ((الكفاية)) (ص٥٧١ - ٥٧٢).
(٤) ذكر ابن رجب أمثلة لما لم يقبله الشافعي من مراسيل سعيد بن المسيب، فقال: لم
يقبل بمرسل ابن المسيب في زكاة الفطر بمدين من حنطة. وقد أخرجه أبو داود في
((المراسيل)) (ص١٣٦)، ولا بمرسله في التولية في الطعام قبل أن يستوفى. أخرجه أبو
داود في ((المراسيل)) (ص١٤٥) أيضاً. ولا بمرسله في دية المعاهد. أخرجه أبو داود
في ((المراسيل)) (ص١٥٣)، ولا بمرسله: من ضرب أباه فاقتلوه. أخرجه أبو داود في
((المراسيل)) (ص١٨٧) أيضاً. انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٣٠٨/١).
(٥) قال ابن رجب في شرح العلل (٣٠٦/١ - ٣٠٧) نقلاً عن البيهقي: إن الشافعي قال
بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع، منها: النكاح بلا ولي. انظر:
((الأم)) (١٢/٥ - ١٤). وفي النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان. انظر:
((مختصر المزني)) (٨٢/٨) مع الأم. وقال بمرسل طاوس وعروة وأبي أمامة بن سهل
وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار وابن سيرين وغيرهم.
(٦) ((مناقب الإمام الشافعي)) للبيهقي (٣٢/٢). (٧) في حاشية (س): أي النووي.
(٨) هو: الإمام الجليل عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي أبو بكر القفال الصغير،
الفقيه الشافعي، المتوفى سنة سبع عشرة وأربعمائة.
=

المرسلُ
٢٦٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الشافعي في ((الرهن الصغير)): مرسلُ سعيد عندنا حجة(١)، فهو محمول على
التفصيل الذي قَدَّمنا عن البيهقي والخطيبِ والمحققين(٢).
[إذا عُلم هذا فلم ينفردْ سعيد بهذا الوصف، فقد قال أبو داود في سننه:
سمعت محمد بن حميد(٣) يقول: سمعت يعقوبَ بن عبد الله القمي(٤) يقول: كل
شيء حدثتكم عن جعفر(٥) عن سعيد بن جبير عن النبي ◌َّله فهو مسند عن ابن
عباس (٦)، ولكن هذا خاص، ونحوه قولُ ابن سيرين المحكي قبيل المرسل(٧)](٨).
(و) قَيَّده [الشافعي] (٩) أيضاً بـ (من إذا شارك) منهم (أهلَ الحفظ) في
أحاديثهم (وافقهم) فيها، ولم يخالفهم (إلا بنقص لفظ) [الحفاظ بكلمة فأزيد
مما](٩) لا يختل معه المعنى، فإنَّ ذلك لا يضرُّ في قبولِ مرسله.
١٢٨
((البداية والنهاية)) (٢١/١٢)، و((طبقات ابن قاضي شهبة)) (١٧٥/١ - ١٧٦).
(١) كذا في ((المجموع)) نقلًا عن ((شرح التلخيص)) للقفال، والذي في ((الرهن الصغير)) (١٨٨/٣)
مع الأم: روينا عن النبي ◌َّ قه قولاً بيناً مفسراً مع ما فيه من الحجة التي ذكرنا، وصمتنا
عنها، قال: فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعاً ولم تقبلوه عن غيره؟ ... إلخ.
(٢) ((المجموع شرح المهذب)) (١/ ٦١ - ٦٢).
(٣) هو: محمد بن حميد بن حيان التميمي الحافظ أبو عبد الله الرازي، قال البخاري: فيه
نظر، وضعفه النسائي، ووثقه ابن معين، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.
((التاريخ الكبير)) (٦٩/١/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٢٧/٩ - ١٣١).
(٤) هو: يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك أبو الحسن القمي، قال النسائي: ليس به بأس،
وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات سنة أربع وسبعين ومائة.
((الثقات)) لابن حبان (٦٤٥/٧)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٩٠/١١ - ٣٩١).
(٥) هو: جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي، وثقه أحمد بن حنبل، وقال ابن منده:
ليس بالقوي في سعيد بن جبير، وقال ابن حجر: صدوق يهم من الخامسة.
((تهذيب التهذيب)) (١٠٨/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥٦).
(٦) ((سنن أبي داود)): باب ركعتي المغرب أين تصليان؟ كتاب الصلاة بعد الحديث رقم (١٣٠٢).
(٧) (ص٢٣٣).
(٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م)، ويحاشيتها: قلت: وممن صرح بأن كل ما
أرسله ... محمد بن حميد، قال أبو داود في ((سننه)): سمعته يقول؛ كل شيء حدثتك
عن جعفر عن سعيد بن جبير عن النبي ◌َّر، فهو مسند عن ابن عباس عن النبيِ رَ له.
(٩) ما بين المعقوفين في الموضعين لا يوجد في م، وهذا القيد في ((الرسالة)) للإمام
الشافعي (ص٤٦٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦٣
المرسلُ
وكلُّ من هذه - أعني روايته عن الثقات وموافقة الحفاظ، وكونه من
الكبار - صفة للمرسِل - بكسر المهملة - دالة على صحة مرسَله المروي عنه،
وثانيهما جار في كل راو أرسل أو أسند، كما قيل: إن المحتج بالمرسل
- أيضاً - يشترط أولها كما تقدم(١)، مع النزاع فيه.
وهذا سياقُ نص الشافعي ليُعلم أن الشارحَ وغيره ممن أورده أخلَّ منه
بأشياء مهمة (٢)، فروى البيهقي في ((المدخل)) عن شيخه الحاكم عن الأصم (٣)
عن الربيع عنه أنه قال: والمنقطعُ مختلف، فمن شاهدَ أصحابَ رسول الله وَّل
من التابعين فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبي ◌َّ اعتُبِرَ عليه بأمور:
منها: أن يُنْظَرَ إلى ما أرسل من الحديث، فإن شَرِكه الحفاظُ المأمونون
فأسندوه إلى رسول الله ( * بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة ما
قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قُبِلَ ما ينفرد
به من ذلك.
ويُعتبر عليه بأن ينظر، هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم من غير
رجاله الذين قبل عنهم، فإن وُجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله، وهي
أضعفُ من الأولى.
وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي وكل
قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن [رسول الله](٤) وَلير كانت هذه دلالة على
أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله -، وكذلك إن وجد عوامٌ
من أهل العلمُ يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ◌َّ.
ثم يعتبر عليه بأن يكونَ إذا سمَّى من روى عنه لم يُسمِّ (٥) مجهولاً ولا
(١) (ص٢٤٧).
(٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥٠/١ - ١٥١).
(٣) هو: محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي، مولاهم، أبو العباس الأصم، محدث
خراسان ومسند العصر، توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
((العبر)) للذهبي (٢٧٣/٢ - ٢٧٤)، و((شذرات الذهب)) (٣٧٣/٢ - ٣٧٤).
(٤) الذي في (م): عن النبي.
(٥) الذي في ((الرسالة)) للإمام الشافعي: يسمي، بإثبات الياء.

المرسلُ
٢٦٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
مرغوباً عن الرواية عنه، فيُستدلُّ بذلك على صحته فيما يروى عنه.
ويكون إذا شرك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه
ووجد حديثُه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف
ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله.
قال: وإذا وُجدت الدلائل لصحة(١) حديثه بما وصفت أحببنا - يعني
اخترنا كما قاله البيهقي - أن نقبل مرسَله، ولا نستطيع أن نزعمَ أنَّ الحجة تثبت
به ثبوتها بالمؤتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن
يرغب عن الرواية عنه إذا سمي، وأن بعضَ المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله
فقد يحتمل أن يكون مخرجهما(٢) واحداً، من حيث من لو سمي لم يقبل.
وأن قولَ بعض أصحاب رسول الله وَ ﴿ إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل(٣)
على صحة مخرج الحديث دلالة قوية، إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط
به حين سمع قول بعضٍ أصحاب رسول الله وَ لا يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن
(٤)
.
وافقه بعض الفقهاء
قال: فأمَّا من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتُهم لبعض أصحاب
النبي ◌َّ فلا أعلم منهم واحداً يقبل مرسله لأمور:
أحدُها: أنَّهم أشد تجوزاً فيمن يروون عنه.
والآخر: أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر: كثرةُ الإحالة [في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة](6) كان أمكن
(١) الذي في ((الرسالة)): (بصحة).
(٢) في ((الرسالة)): (مخرجها). وفي بعض النسخ منها: (مخرجهما)، لكن قال محققها
الشيخ أحمد شاكر: وهو مخالف للأصل.
(٣) كذا في الأصول، وفي جميع نسخ الرسالة، ولم يرتض الشيخ أحمد شاكر زيادة (لم)
بل زعم أنه خطأ، ثم برهن على ما اختاره.
(٤) في ((حاشية)) (س): ثم بلغ نفع الله به كذلك والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٥) كذا في الأصول وفي سائر نسخ الرسالة، والذي يراه الشيخ أحمد شاكر أنها زيادة غير
ضرورية، فلم يدخلها في صلب الرسالة.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٦٥
المرسلُ
للوهم وضعف من يقبل عنه (١).
وكذا رواه الخطيب في الكفاية من طريق أحمد بن موسى الجوهري(٢)،
ومحمد بن حمدان الطرائفي(٣)، كلاهما عن الربيع به، بزيادة قوله في أواخره:
عن التابعين الذين كثرت مشاهدتُهم لبعض الصحابة(٤)، فليس عند البيهقي،
وهو مفيد فائدة جليلة.
وقد زاد بعضُهم مما يعتضد به المرسل فعل صحابي، أو انتشاراً، أو
عملَ أهل العصر، أو قياساً معتبراً (٥)، ويمكن رجوعُها إلى كلام الشافعي
بتكلف في بعضها .
ثم إن ما تقدم عن الشافعي من عدم الاحتجاج بالمرسل إلَّا إن اعتضَدَ
هو المعتمد، وإن زعم الماورديُ أنه في الجديد يحتج بالمرسل إذا لم يوجد
دليل سواه(٦)، وكذا نقله غيره، فقد ردّه ابن السمعاني بإجماع النقلة من
العراقيين والخراسانيين للمسألة عنه على أنه عنده غير حجة.
نعم، قال التاجُ السبكي(٧) ما معناه: إنه إذا دلَّ على محظور ولم يوجد
(١) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٤٦١ - ٤٦٥)، و((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٣٠/٢ - ٣١)،
و((معرفة السنن والآثار)) له (٧٩/١ - ٨٤) وهذا من النقول المفقودة من المدخل المطبوع.
انظر: مقدمته (ص٧٥ - ٧٧).
(٢) هو: أحمد بن موسى أبو العباس الجوهري، يعرف بأخي خزري، وثقه الخطيب،
مات سنة أربع وثلاثمائة.
(تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١٤٣/٥).
(٣) هو: محمد بن حمد بن سفيان أبو عبد الله الطرائفي المخرمي، قال الخطيب: كان سهلاً
حسن الأخلاق، يصبر على التحديث، واسع العلم صدوقاً. ((تاريخ بغداد)) (٢٨٦/٢)،
و ((اللباب)) لابن الأثير (٨٤/٢).
(٤) ((الكفاية)) (ص ٥٧٢ - ٥٧٣).
(٥) ((محاسن الاصطلاح)) للبلقيني (ص١٣٨).
(٦) ((الحاوي)): باب بيع اللحم بالحيوان (١٥٨/٥) وقد تقدم (ص١٤٩).
(٧) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، أبو نصر تاج
الدين الشافعي، المتوفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (٣٩/٣ - ٤١)، و((البدر الطالع)) (٤١٠/١ - ٤١١).

المرسلُ
٢٦٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
سواه فالأظهرُ وجوبُ الانكفاف(١)، يعني احتياطاً، [وقريب منه ما ذهب إليه
إمام الحرمين في الجزم بوجوب الانكفاف بخبر المستور(٢)، كما سيأتي فيه (٣)
مع النزاع في الوجوب بكلام النووي] (٤).
١٢٩
(فإن يقل) على وجه الخدش في الاعتضاد بمسند (فالمسند) هو
(المعتمد) حينئذ، ولا حاجةً إلى المرسل، (فقل) مجيباً بما هو حاصل كلام
ابن الصلاح: إنَّ المرسَل تقوى بالمسند، وبأن به قوة الساقط منه، وصلاحيته
للحجة(٥) .
وأيضاً: فكما قال النوويُ وعليه اقتصر الناظم، لتضمنه إبداء فائدة ذلك:
هما (دليلان) إذ المسند دليل برأسه، والمرسل (به) أي: بالمسند (يعتضد)
ويصير دليلاً آخر، فيرجح بهما الخبر عند معارضة خبر ليس له سوى طريق
مسند (٦).
قال غيره: وربما يكون المسند حسناً فيرتقي بالمرسل عن هذه المرتبة،
ولكن هذا الإيراد إنما يأتي إذا كان المسندُ بمفرده صالحاً للحجة، أما إذا كان
مما يفتقر إلى الاعتضاد، فلا، إذ كل منهما اعتضد بالآخر وصار به حجة،
ولذا قيَّده الإمام الفخر الرازي في ((المحصول)) بقوله: هذا في مسند لم تقم به
الحجة إذا انفرد(٧)، أفاده شيخُنا (٨).
وحينئذ فيكون اعتضادُه بهذا المسند كاعتضاده بمرسل آخر، لاشتراكهما
في عدم الصلاحية للحجة، ويجيء القول بعدم الفائدة في ذلك، لأنه انضمام
غير مقبول إلى مثله، فهو بمثابة شهادة غير العدل إذا انضمت إلى مثلها .
(١) الذي في ((جمع الجوامع)) له (ص١٤٣) ضمن ((مجموع المتون)): فإن تجرد ولا دليل
سواه، فالأظهر الانكفاف لأجله.
(٢) ((البرهان)) للجويني (٦١٥/١ - ٦١٦).
(٣) (٢١٦/٢).
(٤) ما بين المعقوفين غير موجود في (م).
(٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٩).
(٦) ((التقريب)) (ص١٢٠) مع التدريب، و((المجموع شرح المهذب)) (٦٢/١)، و((شرح
التبصرة والتذكرة)) (١٥٣/١).
(٧) ((المحصول)) للرازي (٦٦١/١/٢).
(٨) في ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/ ٥٦٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦٧
المرسلُ
ولكن قد أجيب: بأنَّ القوةَ إنما حصلت من هيئة الاجتماع، إذ بانضمام
أحدهما إلى الآخر قَوِيَ الظنُّ بأنَّ له أصلاً، كما تقدم في تقرير الحسن لغيره (١)
أنَّ الضعيفَ الذي ضعفه من جهة قلةِ حفظ راويه وكثرةٍ غلطه، لا من جهة
اتهامِه بالكذب، إذا روي مثله بسند آخر نظيره في الرواية، ارتقى إلى درجة
الحسن، لأنَّه يزول عنه حينئذ ما يُخاف من سوءَ حفظ الراوي، ويعتضدُ كل
منهما بالآخر، ويشهدُ لذلك أفراد المتواتر، والتشبيه بالشهادة ليس بمرضي،
لافتراقهما في أشياء كثيرة(٢).
(ورسموا) أي: سمى جمهورُ أهل الحديث (منقطعاً) قولهم (عن رجل) أو ١٣٠
شيخ أو نحو ذلك، مما يبهم الراوي فيه، وأمثلته كثيرة، وممن صَرَّحَ بذلك ابنُ
القطان في ((الوهم والإيهام)) له(٣)، ومن قبله الحاكمُ، وأشار إلى أنه لا يسمى
مرسلاً (٤).
(وفي) كتب (الأصول) كالبرهان لإمام الحرمين (نعته) يعني: تسميته
(بالمرسل)؛ وذلك أنه جعل من صوره أن يقول رجل: عن فلان الراوي من
غير أن يسميه، أو أخبرني موثوق به رضا، قال: وكذلك إسنادُ الأخبار إلى
كتب رسول الله والر ملحق بالمرسل للجهل بناقل الكتاب(٥).
بل في ((المحصول)): أنَّ الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به، فهو
كالمرسل(٦)، وهذا يشمل المهملَ كعن محمد، وهو يحتمل جماعة يسمون
بذلك، وكذا المجهول، إذ لا فرق.
وممن أخرجَ المبهمات في المراسيل أبو داود (٧)، وكذا أطلق النووي في
غير موضع على رواية المبهم مرسلاً .
(١) (ص١٢٣).
(٢) انظر: ((الكفاية)) (ص١٥٨).
(٣) ((بيان الوهم والإيهام)) (٥٤٣/٢، ٥٤٥، ٥٤٦، ٥٤٧).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) (ص٢٧). حيث قال: معرفة المنقطع، وهو غير المرسل، ثم
مثل للنوع الأول منه بسند فيه: عن رجلين من بني حنظلة.
(٥) ((البرهان في أصول الفقه)) للجويني (٦٣٣/١).
(٦) ((المحصول)) للرازي (٦٦٦/١/٢ - ٦٦٧).
(٧) من أمثلة ذلك: ما رواه في ((المراسيل)) (ص١٢٠) عن رجل من الأنصار أن النبي وَل}
قال: ((إذا وجد أحدكم القملة وهو يصلي فلا يلقها ... )) الحديث.

المرسلُ
٢٦٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكل من هذين القولين خلافُ ما عليه الأكثر، فإنَّ الأكثرينَ من علماء
الرواية وأرباب النقل - كما حكاه الرُشيد العطار(١) في كتابه ((الغُرَرُ المجموعة))
عنهم - أنه متصل في إسناده مجهول(٢)، واختاره العلائيُ في ((جامع
التحصيل)) (٣) وأشار إليه بعضُ تلامذة الناظم(٤) بقوله:
قلتُ الأصحُّ أنه متصل لكن في إسناده من يجهلٌ
ولكن ليس ذلك على إطلاقه، بل هو مقيد بأن يكونَ المبهمُ صرَّح
بالتحديث ونحوه، لاحتمال أن يكون مدلساً، وهو ظاهر، وكذا قيد القول
بإطلاق الجهالة بما إذا لم يجئ مسمى في رواية أخرى.
وإذا كان كذلك فلا ينبغي المبادرةُ إلى الحكم عليه بالجهالة إلا بعد
التفتيش، لما ينشأ عنه من توقُّفِ الفقيه عن الاستدلال به للحكم، مع كونه
مسمى في رواية أخرى، وليس بإسناده ولا متنه ما يمنع كونه حجة، ولذا كان
الاعتناءُ بذلك من أهمِّ المهمات، كما سيأتي(٥) .
وكلامُ الحاكم في المنقطع يشير إليه، فإنه قال: وقد يروى الحديثُ وفي
إسناده رجل غير مسمى وليس بمنقطع، ثم ذكر مثالاً من وجهين، سمي الراوي
في أحدهما وأبهم في الآخر(٦).
كما وقع للبخاري، فإنه أورد حديثاً من وجهين إلى أيوب السختياني، قال
في أحدهما: عن رجل عن أنس، وقال في الآخر: عن أبي قلابة عن أنس (٧).
(١) هو: الإمام الحافظ المجود رشيد الدين أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي
الأموي النابلسي، ثم المصري العطار المالكي، المتوفى سنة اثنتين وستين وستمائة.
(«تذكرة الحفاظ)) (١٤٤٢/٤ - ١٤٤٣)، و((حسن المحاضرة)) (٣٥٦/١).
(٢) ((الغرر المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة))
(ص ١٢٠) طبعة د/ الحميد.
(٣)
((جامع التحصيل)) (ص٢٥).
(٤) قائله: البرهان الحلبي، كما في ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل١٢٠/ ب).
(ص٢٨١).
(٥)
(٦) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٨).
(٧)
((صحيح البخاري)): باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على
الدابة، كتاب الحج (٤١١/٣ - ٤١٢). والرجل المبهم يحتمل أن يكون حماد بن
سلمة. انظر: ((فتح الباري)) (٤١٢/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦٩
المرسلُ
ثم قال الحاكمُ: وهذا لا يقف عليه إلا الحافظُ الفَهِمُ المتبحر في
الصنعة(١)، وبذلك صرح في المعضل كما سيأتي(٢).
ثم إن صورةَ المسألة في وقوع ذلك من غير التابعي، فأمَّا لو قال
التابعي: عن رجل، فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة أم لا، فإن لم يصفه بها
فلا يكون ذلك متصلاً، لاحتمال أن يكون تابعياً آخر، بل هو مرسل على بابه.
وإن وصفه بالصحبة، فقد وقع في أماكن من السنن وغيرها للبيهقي
تسميته - أيضاً - مرسلاً(٣)، ومراده مجردُ التسمية، فلا يجري عليه حكمُ
الإرسال في نفي الاحتجاج، كما صرَّح بذلك في القراءة خلف الإمام من
((معرفته)) عقب حديث رواه عن محمد بن أبي عائشة(٤) عن رجل من الصحابة،
فإنه قال: وهذا إسناد صحيح(٥)، وأصحاب النبي ◌ّ ر كلهم ثقة، فترك ذكر
أسمائهم في الإسناد لا يضر، إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. انتهى (٢).
وبهذا القيد ونحوه، يجاب عما توقف عن الاحتجاج به من ذلك، لا
لكونه لم يسم، ولو لم يصرح به، ويتأيد كون مثل ذلك حجة بما روى البخاري
عن الحميدي، قال: إذا صحَّ الإسنادُ عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو
حجة، وإن لم يسم(٧).
وكذا قال الأثرم(٨): قلت لأحمد: إذا قال رجل من التابعين: حدثني
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص٢٨).
(٢) (ص٢٨٣ - ٢٨٤).
(٣) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٩٠/١)، وانظر معه: ((الجوهر النقي)) لابن التركماني.
(٤) هو: محمد بن أبي عائشة المدني، مولى بني أمية، يقال اسم أبيه عبد الرحمن. وثقه
ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تاريخ الدارمي عن ابن معين (ص٢١٠)، و((الجرح والتعديل)) (٥٣/١/٤)، و((تهذيب
التهذيب)) (٢٤٢/٩ - ٢٤٣).
(٥) وقال في ((السنن الكبرى)) (١٦٦/٢): إسناد جيد.
(٦) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٥٤/٢) طبعة سيد كسروي، والقراءة خلف الإمام له
(ص٧٥ - ٧٦).
(٧) ((التقييد والإيضاح)) (ص٧٤).
(٨) هو: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال الكلبي، الأثرم الإسكافي، أبو بكر،
جليل القدر حافظ إمام، قال الذهبي: أظنه مات بعد الستين ومائتين.
طبقات الحنابلة (٥٦٦/١)، و((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٥٧٠).

المرسلُ
٢٧٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رجل من الصحابة [ولم يسمه] (١) فالحديث صحيح؟ قال: نعم(٢).
ولكن قَيَّده ابنُ الصيرفي بأن يكونَ صرَّح بالتحديث ونحوه، أما إذا قال:
عن رجل من الصحابة، وما أشبه ذلك فلا يُقبل، قال: لأني لا أعلم أسمِعَ
ذلك التابعي منه أم لا؛ إذ قد يحدِّث التابعي عن رجل وعن رجلين عن
الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا، ولو علمت إمكانه فيه
لجعلته كمدرك العصر(٣).
قال الناظمُ: وهو حسن متجه، وكلامُ من أطلق محمول عليه (٤)، وتوقف
شيخنا في ذلك، لأن التابعي إذا كان سالماً من التدليس حُملت عنعنتُه على
السماع، وهو ظاهر.
قال: ولا يقال إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جُلُّ روايتهم
عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغارُ التابعين الذين جلُّ روايتهم عن التابعين
فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمه، حتى نعلمَ هل
أدركه أم لا؟ لأنا نقول: سلامتُه من التدليس كافية في ذلك، إذ مدارُ هذا على
قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام(٥).
* (أما) الخبرُ (الذي أرسله الصحابي) الصغير عن النبي ◌َّ كابن عباس
وابن الزبير ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي وَلقول إلا اليسير، وكذا الصحابي
الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه(٦) إلا بواسطة، (فحكمُه الوصل) المقتضي
للاحتجاج به، لأن غالبَ رواية الصغار منهم عن الصحابة، وروايتهم عن
غيرهم - كما قال النووي في شرح المهذب - زيادة، فإذا رووها بيَّنوها، وحيث
أطلقوا فالظاهرُ أنهم عنوا الصحابة. انتهى(٧) .
١٣١
(١) كذا في (س)، وفي (ط)، (ز): فلم يسمه، وفي (م): ولم يسم.
(٢) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص ٥٨٥).
(٣) قاله الصيرفي في كتابه ((الدلائل))، كما في ((التقييد والإيضاح)) (ص٧٤).
(٤) ((التقييد والإيضاح)) (ص٧٤).
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣).
(٦) إما لتأخر إسلامه أو غيبته أو نحو ذلك.
(٧) ((المجموع شرح المهذب)) (٦٢/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧١
المرسلُ
ولا شك أنَّهم عُدول لا تقدحُ فيهم الجهالةُ بأعيانهم، وأيضاً فما يرويه
عن التابعين غالبه؛ بل عامته إنما هو من الإسرائيليات، وما أشبهها من
الحكايات، وكذا الموقوفات(١).
والحكمُ المذكور (على الصواب) المشهور، بل أهلُ الحديث وإن سموه
مرسلاً، لا خلاف بينهم في الاحتجاج به، وإن نقل ابن كثير(٢) عن ابن
الأثير(٣) وغيره فيه خلافاً.
وقولُ الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وغيره من أئمة الأصول إنه لا
يحتج(٤) به، ضعيف، وإن قال ابنُ برهان في ((الأوسط)): إنه الصحيح(٥)، أي
لا فرق بين مراسيل الصحابة ومراسيل غيرهم.
وقال القاضي عبد الجبار(٦): إن مذهبَ الشافعي أن الصحابي إذا قال:
قال رسول الله ◌َ﴿ كذا، قُبِلَ، إلا إِنْ عُلم أنه أرسله(٧)، وكذا نقله ابنُ بطال(٨)
(١) صنّف الخطيب البغدادي وغيره في رواية الصحابة عن التابعين، فبلغوا جمعاً كثيراً،
وقد أنكر بعض العلماء أن يكون منها أحاديث مرفوعة، لكن الحافظ العراقي سرد منها
جملة في ((التقييد والإيضاح)) (ص٧٦ - ٧٩) فأفاد وأجاد، فليرجع إليه من شاء.
(٢) في ((اختصار علوم الحديث)) (ص٤٩).
(٣) في ((جامع الأصول)) (١١٨/١ - ١١٩).
(٤) قول الأستاذ أبي إسحاق نقله النووي في ((شرح مسلم)) (٣٠/١)، والشيرازي في
((التبصرة)) (ص٣٢٩)، والبلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص١٤٢)، والحافظ ابن
حجر في ((النكت)) (٥٤٦/٢).
(٥) نقله ابن حجر في ((النكت)) (٥٤٨/٢)، وفي ((الوصول إلى الأصول)) (٢/ ١٨١) لابن
برهان: قولهم: إن مراسيل الصحابة مقبولة، فالعذر ظاهر، وذلك أن الصحابي لا يخلو
من أحد أمرين، إما أن يكون قد سمع من الرسول و 38 أو سمع من صحابي، فإن سمع
من رسول الله صل فهو مقطوع بعصمته، وإن سمع من صحابي فهو مشهود بعدالته. اهـ.
فكلامه هذا يدل على قبوله مراسيل الصحابة.
(٦) هو: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسداباذي، أبو الحسن الشافعي
المعتزلي، المتوفى سنة خمس عشرة وأربعمائة.
((فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة)) (ص٣٤٥ - ٣٥١)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٣٣/٢)،
ولسانه (٣٨٦/٣ - ٣٨٧).
(٧) نقله الغزالي في ((المنخول)) (ص٢٧٥).
(٨) هو: علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي المالكي أبو الحسن، =

المرسلُ
٢٧٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
في أوائل شرحه للبخاري عن الشافعي(١)، فالنقل بذلك عن الشافعي خلافُ
المشهور من مذهبه(٢) .
وقد صرَّح ابنُ برهان في ((الوجيز)) أن مذهبَه أنَّ المراسيلَ لا يجوز
الاحتجاجُ بها، إلّا مراسيل الصحابة، ومراسيل سعيد، وما انعقد الإجماع على
(٣)
العمل به(٣) .
أما من أُحضرَ إلى النبي ◌َّ﴿ غير مميز، كعبيد الله بن عدي بن الخيار
[فإنه ليس له سوى رؤية، كما قاله ابنُ حبان(٤)، ونحوه قول البغوي: بلغني أنه
وُلد على عهد النبي ◌َّ(٥) .
ولذا حمل شيخُنا ما في البخاري من أن عثمان رَُّبه قال له: يا ابن أخي
أدركت النبي وَليه؟ قال: ((٦). على أن مراده أنه لم يدرك السماع عنه (٧)(٨).
وكمحمد بن أبي بكر ﴿هَا، فإنه وُلد عام حَجَّة الوداع (٩)، فهذا مرسل،
المتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
=
((الصلة)) لابن بشكوال (٤١٤/٢)، و((الديباج المذهب)) (١٠٥/٢ - ١٠٦).
(١)
شرح ابن بطال على البخاري (١٧٠/١).
((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥٤٧/٢).
(٢)
انظر: ((الوصول إلى الأصول)) لابن برهان (١٧٧/٢)، و((النكت)) لابن حجر (٥٤٧/٢).
(٣)
ذكره في الصحابة من ((ثقاته)) (٢٤٨/٣) لأنه ولد على عهد النبي ◌َّر ثم ذكره في ((ثقات
(٤)
التابعين)) (٦٤/٥) لأنه ليست له سوى الرؤية. وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٦/٧).
(٥)
انظر: ((الإصابة)) لابن حجر (٥٠/٥).
((صحيح البخاري)): باب مناقب عثمان بن عفان، كتاب فضائل الصحابة (٧/ ٥٣).
(٦)
((فتح الباري)) (٥٦/٧)، و(الإصابة)) (٥١/٥).
(٧)
كذا في (س)، (ز)، (ط)، وليس في (م)، بل فيها: فإن أباه قتل يوم بدر كافراً على
(٨)
ما قاله ابن ماكولا، وعد ابن سعد أباه في مسلمة الفتح. وقد كتبت في (س) ثم
طمست، وكتب بدلها ما أثبت. وانظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٤٣/٢)، و((الإصابة))
(٤ / ٤٧٢، ٥١/٥).
(٩) انظر: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٣٦٦/٣) وقد ثبت في ((الصحيح)) أن أسماء بنت
عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة
عشر من الهجرة. انظر: ((صحيح مسلم)): باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها
للإحرام، كتاب الحج (١٣٣/٨ - ١٣٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٣
المرسلُ
لكن لا يقال: إنه مقبول كمراسيل الصحابة، لأنَّ روايةَ الصحابة إما أن تكون
عن النبي ◌َّر، أو عن صحابي آخر، والكل مقبول، واحتمالُ كونِ الصحابي
الذي أدرك وسمع يروي عن التابعين بعيد جداً، بخلاف مراسيل هؤلاء، فإنها
عن التابعين بكثرة، فقَوِيَ احتمال أن يكون الساقطُ غيرَ صحابي، وجاء احتمالُ
كونه غير ثقة(١).
واعلم(٢) أنه قد تكلّم العلماءُ في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس
بسماعها من النبي ◌ّ﴿، فكان من الغريب قول الغزالي في المستصفى(٣)، وقلده
جماعة (٤): إنها أربعة ليس إلا، وعن يحيى القطان وابن معين وأبي داود
صاحبِ السنن تسعة، وعن غندر(٥) عشرة، وعن بعض المتأخرين أنها دون
العشرين من وجوه صحاح(٦).
وقد اعتنى شيخُنا بجمع الصحيح والحسن فقط من ذلك فزاد على
الأربعين، سوى ما هو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فُعِلَ
بحضرة النبي ◌ّ﴿، وأشار شيخُنا لذلك عقب قول البخاري في الحديث
الثالث من باب الحشر من الرقائق: هذا مما يُعَدُّ أنَّ ابنَ عباس
سمعه(٧).
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤/٧)، وابن النجار في ((شرح الكوكب
المنير)) (٥٨٢/٢): هذا مما يلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل، لا يقبله من يقبل
مراسيل الصحابة.
(٢) في حاشية (س): عدة ما سمع ابن عباس من النبي ◌َّ بغير واسطة.
(٣) (١٧٠/١).
(٤) منهم: الآمدي في ((الإحكام)) (١٢٤/٢).
(٥) هو: محمد بن جعفر الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في
حديث شعبة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٤٠٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٩٦/٩ - ٩٨).
(٦) انظر هذه الأقوال في: ((فتح الباري)) (٣٨٣/١١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٧٩/٥)،
و((إرشاد الساري)) للقسطلاني (٣٠٤/٩ - ٣٠٥).
(٧) ((فتح الباري)) (٣٨٣/١١).

المرسلُ
٢٧٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
خاتمة :
المرسلُ مراتب، أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعُه، ثم صحابي له
رؤية فقط ولم يثبت سماعُه، ثم المخضرمُ، ثم المتقن، كسعيد بن المسيب،
ويليها من كان يتحرى في شيوخه، كالشعبي(١) ومجاهد(٢)، ودونها مراسيلُ من
كان يأخذ عن كل أحد كالحسن(٣).
وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد الطويل(٤)، فإن غالب
رواية هؤلاء عن التابعين.
وهل يجوز تعمُّده؟ قال شیخُنا: إن كان شيخه الذي حدثه به عدلاً عنده
وعند غيره، فهو جائز بلا خلاف، أو لا فممنوع بلا خلاف، أو عدلاً عنده
فقط، أو عند غيره فقط، فالجوازُ فيهما محتمل بحسب الأسباب الحاملة
عليه(٥)، الآتي في التدليس الإشارة لشيء منها(٦).
(١) قال العجلي في ((ثقاته)) (ص٢٤٤): مرسل الشعبي صحيح، لا يرسل إلّا صحيحاً
صحيحاً.
(٢) قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إليّ من مرسلات عطاء، ونحوه عن أبي
داود. انظر: ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٣٣/٢٧).
(٣) انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٣١٩/١)، و((فتح الباري)) (٥٤٧/١١)، لكن
قال يحيى بن معين: مرسلات الحسن ليس بها بأس. انظر: يحيى بن معين وكتابه
التاريخ (٢٥٨/٤).
وفي ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٢٤/٦): عن يونس بن عبيد، قال: سألت الحسن،
قلت: يا أبا سعيد! إنك تقول: قال رسول الله وَّ﴿ وإنك لم تدركه؟ قال: يا ابن أخي
لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني
في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج - كل شيء سمعتني أقوله: قال
رسول الله ◌َي﴿ فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر
علياً .
(٤) هو: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو
عشرة أقوال، ثقة مدلس، مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص٨٤)، والخلاصة (ص ٨٠).
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥٥٧/٢ - ٥٥٨).
(٦) (ص٣٣٢) وما بعدها .

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٥
المرسلُ
وقد بسطنا الكلامَ في هذا النوع بالنسبة لما قبله، لكونه كما قال النووي
في الإرشاد: من أجلِّ الأبواب، فإنه أحكامٌ محضة، ويكثرُ استعماله بخلاف
غیرہ(١) .
(١) إرشاد طلاب الحقائق للنووي (ص٨٤)، وفي ((المجموع)) (٦٢/١): حملني على هذا
النوع اليسير من البسط أن معرفة المرسل مما يعظم الانتفاع بها، ويكثر الاحتياج
إليها .
في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك بحثاً وتحقيقاً. كتبه مؤلفه.
ملحوظة :
انظر بحث المرسل في :
١ - ((معرفة علوم الحديث))، للحاكم (ص٢٥ - ٢٧).
٢ - ((الكفاية))، للخطيب البغدادي (ص٥٤٦ - ٥٦٢).
٣ - «البرهان في أصول الفقه))، للجويني (٦٣٢/١ - ٦٤١).
٤ - ((المعتمد))، لأبي الحسين البصري (٦٢٨/٢ - ٦٤٠).
٥ - ((المستصفى))، للغزالي (١٦٩/١ - ١٧١).
٦ - ((المحصول))، للرازي (٦٥٩/١/٢ - ٦٦٥).
٧ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص ٤٧ - ٥١).
٨ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٤٤/١ - ١٥٧).
٩ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١١٧ - ١٢٦).
١٠ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٢٨٣/١ - ٣٢٣).

المنقطعُ والمعضَلُ
٢٧٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المنقطعُ والمعضَلُ
١٣٢
(وسمِّ) أَيُّها الطالبُ (بالمنقطع) على المشهور (الذي سقط) من رواته
(قبل الصحابي به) أي: بسنده (راو فقط) من أي موضع كان، ولا اختصاصَ
له عند الحاكم ومن وافقه بذلك؛ بل سموا ما يُبهم فيه الراوي، كعن رجل
منقطعاً، كما تقدم قريباً في المرسل(١).
وبالغ أبو العباس القرطبي - عصريُّ ابنِ الصلاح - فسمى المسندَ
المشتمل على إجازة منقطعاً، وسيأتي ردُّه في الإجازة(٢) .
وكذا لا انحصارَ له في السقط من موضع واحد؛ بل لو سقط من مكانين
أو أماكن، بحيث لا يزيدُ كل سقط منها على راو لم يخرج عن كونه منقطعاً،
ولا في المرفوع، بل يدخل فيه موقوفُ الصحابة، وخرج بقيد الواحد المعضلُ،
وبما قبل الصحابي المرسلُ.
ولذا [قال الحاكم في علومه](٣): هو غيرُ المرسل، قال: وقلما يوجد في
الحفّاظ من يميز بينهما(٤)، كذا قال، والذي حققه شيخُنا أنَّ أكثرَ المحدثين
على التغاير، يعني كما [قررناه](٥)، لكن عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال
الفعل المشتق فإنهم يقتصرون على الإرسال، فيقولون: أرسله فلان؛ سواء كان
مرسلاً أو منقطعاً.
قال: ومن ثم أطلق غيرُ واحد ممن لم يلاحظ مواقع استعمالهم - يعني:
كالحاكم - على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بينهما، وليس كذلك، لما
حررناه، وقلَّ من نبه على النكتة في ذلك. انتهى (٦) .
(١) (ص٢٦٧).
(٢) لم يأت للقرطبي ذكر في الإجازة.
(٣) كذا في (س)، (ز)، (ط)، وفي (م): ولذا عرفه الحاكم في علومه بقوله.
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٧). (٥) كذا في (م)، (ز)، (ط)، وفي (س): قرر.
(٦) نزهة النظر لابن حجر، طبعة الرحيلي (ص٦٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٧
المنقطعُ والمعضَلُ
ثم بَيَّن الحاكم أن المنقطعَ على ثلاثة أنواع، ولم يفصح بالأولين منها،
بل ذكر مثالين عُلما منهما، فأولُهما رواية أبي العلاء بن الشخير(١) عن رجلين
من بني حنظلة عن شداد بن أوس، وثانيهما: حاصله ما أتى فيه الإبهام في
بعض الروايات مع كونه مسمى في رواية أخرى.
[وعكسه ما يكون ظاهرُه الاتصال، فتجيء رواية مبينة لانقطاعه](٢)، ولكن
لا يقف عليه [في كليهما](٢) إلا الحافظُ المتبحر، كما قدمته قريباً في النوع قبله(٣).
ثم قال: والثالثُ ما في سنده قبل الوصول إلى التابعي، الذي هو محل
الإرسال راو لم يسمع من الذي فوقه، وذكر له مثالًا فيه قبل التابعي سقط من
موضعين (٤).
فظهرَ أنَّه لم يَحصُرِ المنقطع في الساقط قبل الوصول إلى التابعي، بل
جعله نوعاً منه، وهو كذلك بلا شك، وإذا كان يسمي ما أبهم فيه من هو في
محل التابعي منقطعاً، فبالأحرى أن يسميه كذلك مع إسقاطه .
١٣٣
(وقيل): إنَّ المنقطع (ما لم يتصل) إسناده، ولو كان الساقطُ أكثَر من
واحد، كما صرَّح به ابنُ الصلاح في المرسل(٥)، واقتضاه كلامُ الخطيب،
حيث قال: والمنقطع مثلُ المرسل (٦)، الذي مشى فيه على أنه المنقطع
الإسناد (٧)، فيدخل فيه المرسل والمعضل والمعلق.
وكذا قال ابنُ عبد البر: المنقطعُ عندي كلُّ ما لم يتصل؛ سواء كان
معزواً إلى النبي ◌َّ، أو إلى غيره (٨)، فيدخل فيه الموقوفُ على الصحابي فمن
دونه - أيضاً -.
(١) هو: يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري، أبو العلاء البصري، وثقه النسائي وابن
حبان والعجلي وابن سعد، مات سنة إحدى عشرة ومائة.
طبقات ابن سعد (١٥٥/٧ - ١٥٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٤١/١١).
(٢) ما بين المعقوفين في الموضعين لا يوجد في (م).
(٣) (ص٢٦٩).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٧ - ٢٩).
(٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٨).
(٦) ((الكفاية)) (ص٥٨).
(٨) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢١/١).
(٧) انظر ما تقدم (ص٢٤٢).

المنقطعُ والمعضَلُ
٢٧٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
[وعليه قصره البَرْدِيجيُّ، فقال](١): المنقطعُ هو المضاف إلى التابعي فمن
دونَه، قولاً له أو فعلاً(٢)، [واستبعده ابنُ الصلاح، كما تقدم في
المقطوع (٣)](٤).
وأبعدُ منه قول إلْكِيَا الهَرَاسي(٥): إنَّه قولُ الرجل بدون إسناد: قال
رسول الله وَ﴾، وزعمَ أنه مصطلحُ المحدثين(٦)، وردّه ابنُ الصلاح في فوائد
رحلته، وقال: إنه لا يُعرف لغيره(٧).
قلت: وهو شبيه بقول مَنْ توسَّع في المرسل من الحنفية، كما بَيَّنْتُهُ
هناك (٨) مع رَدِّه، والحاصلُ أن في المنقطع [خمسة] (٩) أقوال.
(وقالا) بألف الإطلاق أي: ابنُ الصلاح (بأنه) أي: الثاني منها (الأقربُ)
أي: من حيث المعنى اللغوي، فإن الانقطاعَ نقيضُ الاتصال، وهما في
المعاني كهما في الأجسام، فيصدقُ بالواحد والكل وما بينهما، قال: وقد صار
إليه طوائفُ من الفقهاء وغيرهم(١٠).
بل هو الَّذي ذكره الخطيبُ في كفايته، يعني كما تقدم(١١)، (لا) أَنَّه
(١) كذا في (س)، (ز)، (ط)، وفي (م): ويقرب منه قول البرديجي.
(٢) قال البرديجي ذلك في جزء له لطيف تكلم فيه على المرسل والمنقطع، ونقله الحافظ
ابن حجر في «النكت)» (٢/ ٥٧٣).
(٣) (ص١٩٣). وانظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٥٣).
(٤) كذا في (س)، (ز)، (ط)، وفي (م): إلا أنه لا بد فيه عند الخطيب من فقد اتصال
السند، بخلاف البرديجي، ولذلك كما تقدم في المقطوع استبعده ابن الصلاح.
(٥) هو: علي بن محمد بن علي أبو الحسن، إلكيا الهراسي، عماد الدين الشافعي،
المتوفى سنة أربع وخمسمائة. وإلكيا في اللغة الأعجمية: هو الكبير القدر.
((وفيات الأعيان)) (٢٨٦/٣ - ٢٩٠)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٣١/٧).
(٦) نقله ابن حجر في ((النكت)) (٥٧٣/٢).
(٧) لا من المحدثين، ولا من غيرهم، وإنما هو من كيسه، نقله ابن حجر - أيضاً - في
«النكت)» (٢/ ٥٧٣).
(٨) (ص٢٤٤).
(٩) كذا في (س)، (ز)، (ط)، وفي (م): أربعة.
(١٠) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٥٣).
(١١) (ص٢٤١، ٢٧٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٩
المنقطعُ والمعضَلُ
الأكثر (استعمالا)، بل أغلبُ استعمالهم فيه القول الأول، حسبما صرَّح به
الخطيبُ، فإنَّه قال: إلا أن هذه العبارةَ تُستعمل - غالباً - في رواية من دون
التابعين عن الصحابة، مثل: مالك عن ابن عمر، والثوري عن جابر، وشعبة
عن أنس(١)، يعني: بخلاف المرسلِ فأغلبُ استعماله فيما أضافه التابعي إلى
الرسول وَال﴾ (٢).
تتمة :
قد مضى في المرسل عن الشافعي وغيره ما يدلُّ على قبول المنقطع إذا
احتفَّ بقرينة(٣)، وقال ابنُ السمعاني: مَنْ مَنَعَ قبولَ المرسل فهو أشدُّ منعاً
لقبول المنقطعات، ومن قبل المراسيل اختلفوا. انتهى (٤). وإنَّما يجيء هذا
على المعتمد في الفرق بينهما .
١٣٤
* (والمعضَلُ) وهو بفتح المعجمة من الرباعي المتعدي، يقال: أَعْضَلَهُ
فهو مُعْضَلٌ وعضيل(٥)، كما سُمع في: أعقَدْتُ العسلَ فهو عقيد، بمعنى مُعْقد،
وأعله المرض فهو عليل، بمعنى مُعَلُّ، وفعيل بمعنى مُفْعَل إنما يستعملُ في
المتعدي .
والعضيلُ: المستغلَقُ الشديد (٦)، ففي حديث: ((أن عبداً قال: يَا ربِّ لك
(١) ((الكفاية)) (ص٥٨ - ٥٩).
(٢) المصدر السابق (ص٥٨).
(٣) انظر ما تقدم (ص٢٦٣) وما بعدها.
(٤) ((القواطع)) لابن السمعاني (٤٦٠/٢)، و((النكت)) لابن حجر (٥٧٣/٢).
ملحوظة :
انظر بحث المنقطع في :
١ - ((معرفة علوم الحديث))، للحاكم (ص٢٧ - ٢٩).
٢ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٥١ - ٥٣).
٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥٨/١ - ١٥٩).
٤ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٥٧٢/٢ - ٥٧٤).
٥ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٢٦ - ١٢٨).
٦ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٢٣/١ - ٣٢٦).
(٥) قال السراج البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص١٤٩): الأحسن أن يكون من
أعضلته إذا صيرت أمره معضلاً .
(٦) ((تهذيب اللغة))، للأزهري (٤٧٤/١ - ٤٧٥)، و((الصحاح)) للجوهري، مادة (عضل).

المنقطعُ والمعضَلُ
٢٨٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم شأنك، فَأَعضَلْتَ بالملكين، فلم يدريا
كيف [يكتبانها](١) ... الحديث))(٢).
قال أبو عبيد(٣): هو من العُضال الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه.
انتھی
(٤) .
فكأنَّ المحدثَ الذي حدَّث به أعضَلَهُ، حيث ضَيَّقَ المجالَ على من يؤديه
إليه، وحالَ بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدَّدَ عليه الحال،
ويكون ذاك الحديث معضلاً، لإعضال الراوي له، هذا تحقيقه لغة، وبيان
استعارته(٥) .
هو في الاصطلاح (الساقطُ منه) أي: من إسناده (اثنان فصاعداً) أي: مع
التوالي(٦)، حتى لو سقطَ كلُّ واحد من موضع كان منقطعاً، كما سلف(٧)، لا
معضلاً .
(١) كذا في (م)، وابن ماجه، وفي (س)، (ط): يكتبا، وفي (ز): يكتبانو.
(٢) أخرجه ابن ماجه: باب فضل الحامدين من كتاب الأدب برقم (٣٨٠١) مطولاً.
وفي إسناده: قدامة بن إبراهيم الجمحي، قال فيه ابن حجر في التقريب (ص٢٨١):
مقبول، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣١٩/٥).
وفيه أيضاً: صدقة بن بشير، قال فيه ابن حجر في التقريب (ص١٥١ - ١٥٢): مقبول
أيضاً؛ فالحديث حسن.
(٣) هو: القاسم بن سلام الأزدي مولاهم، الأديب اللغوي، الفقيه المحدث، المتوفى سنة
اثنتين أو ثلاث أو أربع وعشرين ومائتين.
«تاريخ بغداد)» (٤٠٣/١٢)، و((البلغة)) للفيروزآبادي (ص١٨٦).
(٤)
((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٢٨٢/٣).
(٥)
((جامع التحصيل)) (ص١٦).
(٦) قال البقاعي في ((النكت الوفية)) (ل١٢٥/أ): شرط التوالي لا يفهم من النظم، وكان
ينبغي التنبيه عليه بعد هذه الأبيات الأربعة، بأن يقول:
فليس معضلاً بغير مين
أو كان ساقطاً بموضعين
نقل هذا عن شيخنا البرهان، وهو غير واف، فلو قال:
والشرط في ساقطه التوالي
والانفراد ليس بالإعضال
لكان أحسن، والله أعلم.
(٧) (ص٢٧٦).