النص المفهرس

صفحات 101-120

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٠١
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
قال: قال معاذ(١). فإنَّ إسنادَه إلى طاوس صحيح، إلا أنَّه لم يسمعه من
معاذ(٢).
وحينئذ فإطلاق الحكم بصحتها ممن يفعله من الفقهاء ليس بجيد.
والأسبابُ في تعليق ما هو ملتحق بشرطه إمَّا التكرارُ، أو أنه أَسند معناه
في الباب ولو من طريق آخر، فنَّه عليه بالتعليق اختصاراً، أو أنَّه لم يسمعه
ممن يثقُ به بقيد العلو أو مطلقاً، وهو معروف من جهة الثقات عن المضاف
إليه، أو سمعه لكن في حالة المذاكرة، فقصدَ بذلك الفرقَ بين ما يأخذه عن
مشايخه في حالة التحديث أو المذاكرة احتياطاً (٣).
وفي المتقاعد عن شرطه، إما كونه في معرض المتابعة أو الاستشهاد
المتسامح في إيراده مطلقاً، فضلاً عن التعليق، أو أنَّه نبه به على موضع يوهم
تعليل الرواية التي على شرطه، أو غير ذلك في الطرفين.
وبما تقدم تأيَّد حملُ قولِ البخاري: ما أدخلتُ في كتابي إلا ما صَحَّ(٤)
على مقصوده به، وهو الأحاديثُ الصحيحة المسندة دون التعاليق، والآثار
الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم، والأحاديث المترجم بها، ونحو ذلك،
وظهرَ افتراقُ ما لم يكن بطريق القصد في الحكم عن غيره، واستثناؤه من إفادة
العلم .
(وإن يكن أوَّل الاسناد) بوصل الهمزة من جهة صاحب الصحيح مثلاً، ٤٤
كشيخه فمن فوقه (حذف) وأضيف لمن بعد المحذوف مِمَّا هو في البخاري كثير
(١) لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة ...
الأثر. أخرجه البخاري: في باب العرض، كتاب الزكاة (٢١١/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٢/٣)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٣٣١/١ -٣٣٢).
(٣) ((هدي الساري)) (ص١٧).
(٤) ((تاريخ بغداد)) (٨/٢ -٩)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٥ - ١٦)، وذكره
الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص٤٩) بسنده عن الإسماعيلي قال: سمعت من
يحكي عن البخاري أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من
الصحيح أكثر. اهـ.

حكمُ الصَّحیحین الماضي ذكرُهما
١٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
كما تقدَّم(١)، (مع صيغة الجزم) أي: مع الإتيان بها(٢)؛ بل والتمريض عند
جماعة ممن تأخر عن ابنِ الصلاح، كالنووي(٣) والمزي (٤) في أطرافه(٥) مما
تقدَّم حكمه في كليهما، (فتعليقاً (٦) عرف) أي: عرف بالتعليق بين أئمة هذا
الشأن، كالحميدي(٧) والدار قطني(٨)، بل كان أول من وجد في كلامه.
وهو مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق ونحوه، لما يشتركُ فيه الجميع من
قطع الاتصال(٩)، واستبعدَ شيخُنا أخذَه من تعليق الجدار، وأنَّه من الطلاق
وغيره أقرب(١٠)، وشيخه البلقيني على خلافه(١١).
(١) (ص١٠٠). وليس فيها التصريح بكثرة ما رواه البخاري من هذا النوع، وقد بلغت في عد الحافظ
ابن حجر ألفاً وثلاثمائة وواحداً وأربعين حديثاً، أكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه،
وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب، ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثاً.
((هدي الساري)) (ص٤٦٩)، وقد استوعب وصل جميعها الحافظ ابن حجر في كتاب
أسماه ((تغليق التعليق)) طبع محققاً.
(٢) قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٦٣): ولم أجد لفظ التعليق مستعملاً فيما سقط
فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره، ولا في مثل قوله: يروى عن فلان،
ويذكر عن فلان، وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك عنه بأنه قاله وذكره. اهـ.
(٣) في ((رياض الصالحين)) (ص١٧٤) حيث قال: وقد ذكره - يعني حديث عائشة -
肉:
((أنزلوا الناس منازلهم)) مسلم في أول صحيحه (٥٥/١) تعليقاً.
وأما في ((التقريب)) (ص١٣٦ - ١٣٧) فقد تبع ابن الصلاح في حكايته عدم استعمالهم
التعليق في غير صيغة الجزم.
م
(٤) هو: يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي أبو الحجاج جمال الدين الحافظ
الأوحد، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (٢٣٣/٥)، و((النجوم الزاهرة)) (٧٦/١٠).
(٥) حيث أورد ما في البخاري من ذلك معلماً عليه علامة التعليق (خت). انظر على سبيل
المثال: ((تحفة الأشراف)» (٣٩٠/١).
(٦) تعليقاً منصوب بنزع الخافض، أي: بالتعليق عرف، ويجوز نصبه بعرف، بتضمينه معنى
سمي. انظر: ((فتح الباقي)) للشيخ زكريا (١/ ٧٤).
(٧) في ((الجمع بين الصحيحين)) كما في ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦١). وانظر:
مقدمة تحقيق الجمع بين الصحيحين (١٦/١).
(٨) نقله عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٦١).
(٩) قاله ابن الصلاح في ((علومه)) (ص٦٤).
(١١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص١٦٢).
(١٠) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٠٣/٢).
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٣
حكمُ الصَّحیحین الماضي ذكرُهما
٤٥
ولا يشترط في تسميته تعليقاً بقاءُ أحد من رجال السند؛ بل (ولو) حذف
من أوله (إلى آخره) واقتصر على الرسول [{َليم](١) في المرفوع(٢)، أو على
الصحابي في الموقوف(٣)، كان تعليقاً، حكاه ابنُ الصلاح عن بعضهم
وأقره(٤)، ولم يذكره المزيُ في أطرافه(٥)، بل ولا ما اقتصرَ فيه على الصحابي
مع كونه مرفوعاً (٦)، وكان يلزمه بخلاف ما لو سقط البعض من أثنائه، أو من
آخره، لاختصاصه بألقاب غيره، كالعَضْل والقَطْع والإرسال.
وهل يلتحق بذلك ما يحذفُ فيه جميعُ الإسناد، مع عدم الإضافة
لقائل، كقول البخاري في صحيحه: وكانت أم الدرداء تجلسُ في
الصلاة جلسةَ الرجل، وكانت فقيهة(٧). وهو عنده في تاريخه
قلت: لعل مراد ابن الصلاح تعليق المرأة، لا تعليق الطلاق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا
=
تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. أي: ليست بمطلقة، ولا
ذات زوج.
قال القرطبي في «تفسيره)) (٤٠٧/٥): هذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء؛ لأنه لا على
الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل. اهـ.
والبلقيني: هو سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح أبو حفص الكناني
البلقيني ثم القاهري الشافعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (٨٥/٦ - ٩٠)، و ((البدر الطالع)) (١ /٥٠٦ - ٥٠٧).
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) كقوله: في باب ما جاء في غسل البول، من كتاب الوضوء (٣٢١/١): وقال النبي ◌َليقول
لصاحب القبر: ((كان لا يستتر من بوله)).
(٣) كقوله: في باب من حمل معه الماء لطهوره، من كتاب الوضوء (٢٥١/١): وقال أبو
الدرداء: أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد.
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٢).
(٥) فلم يفرد هذا النوع بترجمة خاصة، ولم يذكره في مسند من رواه مسنداً خارج
الصحيح.
(٦) كقول البخاري في ((صحيحه)) في باب ما يذكر في الفخذ، من كتاب الصلاة (٤٧٨/١):
وقال أنس: ((حسر النبي ◌ّ ر عن فخذه)).
وقد رواه البخاري مسنداً موصولاً في الباب المذكور (٤٧٩/١ - ٤٨٠)، وقد ذكر
المزي في ((تحفة الأشراف)) (٢٦٩/١) الموصول، ولم يشر إلى المعلق.
(٧) أخرجه البخاري: باب سنة الجلوس في التشهد، من كتاب الأذان (٣٠٥/٢) . =

حكمُ الصَّحیحین الماضي ذكرُهما
١٠٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الصغير(١)، وعند غيره(٢) عن مكحول(٣)؟ الظاهر: نعم.
وحكمُه من غير ملتزم الصحة الانقطاع، ولذا ذكره ابنُ الصلاح رابعَ
التفريعات التالية للمنقطع(٤)، ومن ملتزميها ما تقدم قريباً (٥).
(أَمَّا) المصنف (الذي لشيخه عزا) ما أورده (بقال) وزاد ونحوهما، (فك)
إسناد (ذي عنعنة) فيشترط للحكم باتصاله شيئان: لقيُّ الراوي لمن عنعن عنه،
وسلامتُه من التدليس كما سيأتي في بابه(٦).
٤٦
وأمثلةُ هذه الصيغة كثيرة (كخبر المعازف) بالمهملة والزاي والفاء، وهي
آلاتُ الملاهي، المروي عن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري مرفوعاً في
الإعلام بمن يكون في أمته يستحلها ويستحل الحِرَ - بالمهملتين وكسر الأولى
مع التخفيف، يعني: الزنا، فإنه اسم لفرج المرأة(٧) - والحرير.
فإنَّ البخاريَ أورده في الأشربة من صحيحه بقوله: قال هشامُ بن
عمار(٨): [ثنا] (٩) صدقةُ بن خالد(١٠)، ثنا عبدُ الرحمن بن يزيد بن
وأم الدرداء: هي الصغرى التابعية، واسمها: هجيمة بنت حيي، وقيل: جهيمة
=
الأوصابية الدمشقية، ثقة فقيهة. ماتت سنة إحدى وثمانين.
التقريب (ص٤٧٥)، والخلاصة (ص٤٢٩).
وليست الكبرى الصحابية؛ لأن مكحولاً لم يدركها، كما في ((فتح الباري)) (٣٠٦/٢).
(١) ((التاريخ الصغير)) (١٩٣/١).
(٢) كابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١/ ٢٧٠)، وليس فيه: وكانت فقيهة.
(٣) هو: أبو عبد الله مكحول بن أبي مسلم الهذلي، الفقيه الحافظ، مولى امرأة من هذيل،
عالم أهل الشام، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائة.
(«تذكرة الحفاظ)) (١٠٧/١ - ١٠٨)، و((شذرات الذهب)) (١٤٦/١).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص٦١ - ٦٤).
(٥) (ص٩٨ - ١٠١).
(٦) (ص٢٨٦).
(٧) كما في ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (١٨٧/١)، و((النهاية)) لابن الأثير مادة (حرر).
(٨) هو: هشام بن عمار بن نصير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ من كبار
العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
((تقريب التهذيب)) (ص٣٦٤)، والخلاصة (ص٣٥٢).
(٩) كذا في (س)، (م). وفي (ح): (حدثنا).
(١٠) هو: صدقة بن خالد الأموي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، مات سنة ثمانين ومائة . =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٥
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
جابر(١)، وساقه سنداً ومتناً (٢).
فهشامٌ أحدُ شيوخ البخاري، حدَّث عنه بأحاديثَ حصرَها صاحب
الزَّهْرة(٣) في أربعة(٤)، ولم يصف البخاري أحد بالتدليس(٥).
وحينئذ فلا يكون تعليقاً خلافاً للحميدي(٦) في مثله، وإن صوَّبه ابنُ دقيق
= ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) (ص١٤٦).
(١) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٩٧/٦ - ٢٩٨).
(٢) ((صحيح البخاري)): باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، من كتاب
الأشربة (٥١/١٠).
وأخرجه أبو داود: في باب ما جاء في الخز، من كتاب اللباس رقم (٤٠٣٩)
مختصراً، وابن ماجه: في باب العقوبات، من كتاب الفتن برقم (٤٠٢٠) بنحوه.
(٣) هذا الكتاب لبعض المغاربة جمع فيه رجال الصحيحين وأبي داود والترمذي، وذكر
عدة ما لكل منهم عند من أخرج له، قال الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة))
(ص١١): وأظنه اقتصر فيه على شيوخهم.
قلت: عبارة ابن حجر تدل على أنه لم يطلع على الكتاب المذكور، بل نقل عنه بالواسطة.
(٤) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٥٤/١١) في ترجمة هشام بن عمار.
قلت: لكن الذي وقفت عليه من حديث هشام في ((صحيح البخاري)) خمسة لا أربعة،
ثلاثة منها بلفظ ((قال))، منها الحديث المذكور والثاني أخرجه البخاري: في باب ما
يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، كتاب التهجد (٣٧/٣). والثالث: أخرجه
البخاري: في باب غزوة الحديبية، من كتاب المغازي (٤٥٦/٧)، وفي بعض النسخ
- في هذا الموضع - وقال لي كما في ((فتح الباري)) (٤٥٦/٧). وأما الرابع: فرواه
البخاري: في باب من أنظر معسراً، من كتاب البيوع (٣٠٨/٤ - ٣٠٩) بصيغة
التحديث. والخامس: رواه البخاري: في باب قول النبي ◌َّر: ((لو كنت متخذاً خليلاً))
من فضائل أبي بكر (١٨/٧) بصيغة التحديث أيضاً.
(٥) بل قال العلامة ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (٢٦٠/١): البخاري أبعد خلق الله من
التدليس . اهـ.
لكن في ترجمة محمد بن يحيى الذهلي من ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال))
(ص٣١٠): روى عنه البخاري ويدلسه، وقال الذهبي في ((الكاشف)) (١٠٧/٣): لا
یکاد البخاري یفصح باسمه لما وقع بينهما . اهـ.
(٦) في ((الجمع بين الصحيحين)) (٤٦٦/٣ ح٣٠٠٩) مسند أبي مالك أو أبي عامر الأشعري
حديث واحد للبخاري، أخرجه تعليقاً فقال: وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة ... إلخ.

حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
١٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
العيد(١) مع حكمه بصحته عن قائله، وعلى الحكم بكونه تعليقاً مشى المزيُّ في
أطرافه (٢)، ولم يقل: إنَّ حكمَه الانقطاعُ.
ولكن قد حَكَمَ عبدُ الحق(٣)، وابنُ العربي السُّنِّي (٤) بعدم اتصاله، وقال
الذهبي: حكمُه الانقطاع، ونحوه قول أبي نعيم(٥): أخرجه البخاري بلا رواية،
وهو مقتضى كلام ابن منده حيث صرَّح بأن ((قال)) تدليس(٦).
فالصوابُ الاتصالُ عند ابن الصلاح(٧) ومن تبعه(٨)، فلا تعول على
خلافه، و(لا تُصْغٍ لابن حزم) الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد،
المنسوب هنا لجدً أبيه الأندلسي القرطبي الظاهري (المخالف) في أمور كثيرة،
نشأت عن غلطه وجموده على الظاهر، مع سعة حفظه، وسيلانِ ذهنه، كما
وصفه حجةُ الإسلام الغزالي(٩)، وقول العز ابن عبد السلام: ما رأيت في كتب
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٠٢/٢).
(٢) ((تحفة الأشراف)) (٢٨٢/٩) حيث رمز لهذا الحديث بـ (خت)، والمنذري في ((تهذيب
سنن أبي داود» (٢٨/٦).
(٣) حيث ذكره في ((الأحكام الكبرى)) (٥٤٣/٤) منسوباً لأبي داود، فلعل عدم نسبته
للبخاري لكونه يرى أن حديث البخاري منقطع.
وعبد الحق: هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الإشبيلي أبو محمد المعروف
بابن الخراط الأندلسي، المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ((تهذيب الأسماء
واللغات)) للنووي (٢٩٢/١/١).
(٤) المراد به: محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي أبو بكر،
المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وقوله: السني لئلا يتوهم أن المراد به محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي،
المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة؛ لأنه ليس بسني؛ بل صوفي من أهل وحدة الوجود.
(٥) في مستخرجه كما في ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٠٢/٢).
(٦) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)» (٦٠٢/٢).
(٧) في ((علوم الحديث)) (ص٦٢).
(٨) كابن كثير في اختصاره (ص٣٤ - ٣٥)، والعراقي في ((شرح التبصرة)) (٧٨/١).
(٩) ((المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى)) للغزالي (ص١٠٨).
والغزالي هو: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، الفقيه الشافعي، الأصولي
المتكلم، المتوفى سنة خمس وخمسمائة.
((وفيات الأعيان)) (٢١٦/٤ - ٢١٩)، و((العبر)) للذهبي (١٠/٤).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٠٧
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذکرُهما
الإسلام مثلَ كتابه ((المحلى)) و((المغني)) لابن قدامة (١)، إلى غير ذلك(٢)،
وكانت وفاته في شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة عن اثنتين وسبعين سنة،
حيث حكمَ بعدم اتصاله - أيضاً -(٣).
مع تصريحه في موضع آخر: بأنَّ العدلَ الراوي إذا روى عمن أدركه من
العدول فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: أنا أو ثنا، أو عن فلان، أو قال
فلان، فكلُّ ذلك محمول منه على السماع (٤)، وهو تناقض.
بل وما اكتفى حتى صرَّح - لأجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي -
بوضعه مع كل ما في الباب(٥)، وأخطأ، فقد صححه ابن حبان (٦) وغيره من
الأئمة(٧). ووقع لي من حديث عشرة من أصحاب هشام عنه؛ بل ولم ينفرد به
كل من هشام وصدقة وابن جابر(٨).
(١) نقله ابن رجب في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (١٤٠/٢).
وابن قدامة: هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي
الحنبلي، الفقيه الزاهد الإمام، المتوفى سنة عشرين وستمائة، ((الذيل على طبقات
الحنابلة)) لابن رجب (١٣٣/٢ - ١٤٩).
(٢) في حاشية (س): وعن غيره: كتب الإسلام أربعة: ((الإشراف)) لابن المنذر،
و((التمهيد)) لابن عبد البر، و((المحلى)) لابن حزم، و((المغني)) لابن قدامة. انتهى،
والأول شافعي، والثاني مالكي، والثالث ظاهري، والرابع حنبلي.
(٣) ((المحلى)) لابن حزم (٥٩/٩).
(٤) ((الإحكام في أصول الأحكام)) (١/ ١٥١).
(٥) ((المحلى)) لابن حزم (٥٩/٩)، وانظر: رسالته التي أسماها: ((الغناء الملهي أمباح هو
أم محظور؟)). المطبوعة ضمن مجموعة رسائل ابن حزم الأولى (ص٩٦ - ٩٧).
(٦) حيث رواه في ((صحيحه)) (٢٦٥/٨ - ٢٦٦) عن الحسين بن عبد الله القطان، قال:
حدثنا هشام بن عمار.
(٧) كابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (٢٥٨/١ - ٢٦٨).
(٨) بل لم ينفرد صحابيه بروايته، فقد قال ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (٢٦١/١): وفي
الباب عن سهل بن سعد الساعدي، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو،
وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين، وعلي بن
أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازي بن ربيعة، ثم قال:
ونحن نسوقها لتقرِّ بها عيون أهل القرآن، وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان. اهـ.

حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
١٠٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ثم إنَّه كأنَّ الحامل لهم على الحكم بالانقطاع ما يوجد للبخاري من ذلك
مروياً في موضع آخر عن ذاك الشيخ بعينه بالواسطة مرة، وتصريحه بعدم سماعه
له منه أخرى، ولا حجة لهم فيه، فقد وقع له إيراد بعض الأحاديث عن بعض
شيوخه بـ ــ قال - في موضع، وبالتصريح في آخر (١).
وحينئذٍ فكلُّ ما يجيء عنه بهذه الصيغة محتمل للسماع وعدمه، بل
وسماعه محتمل لأن يكون في حالة المذاكرة أو غيرها(٢)، ولا يسوغ مع
الاحتمال الجزمُ بالانقطاع، بل ولا الاتصال - أيضاً - لتصريح الخطيب - كما
سيأتي(٣) - بأنها لا تُحمل على السماع إلا مَمَّن عُرِف من عادته أنَّه لا يطلقها
إلا فيما سَمِعَه.
نعم. قال ما حاصله: إنَّ من سلك الاحتياطَ في رواية ما لم يسمعه
بالإجازة أو غيرها من الجهات الموثوق بها، يعني كالمناولة فحديثه محتج به،
وإن لم يصرِّح بالسماع، بناء على الأصل في تصحيح الإجازة، انتهى (٤).
وهذا يقتضي أن يكونَ في حكم الموصول، لكن قال أبو نعيم في
المستخرج عقبَ حديث قال فيه البخاري: كتبَ إليَّ محمد بن بشار(٥): إنه لا
يعلم له في كتابه حديثاً بالإجازة - يعني عن شيوخه - غيره.
وتوسَّطَ بعضُ متأخري المغاربة(٦) فوسمَ الوارد بـ((قال)) بالتعليق المتصل،
(١) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٩١ - ٩٣)، و((فتح الباري)) (٥٣/١٠).
(٢) نقل الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١/١٠) عن ابن التين أن القول إنما يستعمل
على سبيل المذاكرة، ثم تعقبه بقوله: الذي قال: إن البخاري لا يستعمل ذلك إلا في
المذاكرة لا مستند له. اهـ. وانظر أيضاً: ((الفتح)) (٤١٠/٥)، (٤٣٣/٩ - ٤٣٤).
(٣) (٣٣٨/٢).
(٤) ((الكفاية (ص٤١٨ - ٤٢٠).
(٥) هو: محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي أبو بكر الحافظ البصري،
الملقب ببندار، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ((تهذيب التهذيب)) (٧٠/٩ - ٧٣).
وهذا الحديث المشار إليه أخرجه البخاري: في باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، من
کتاب الأيمان والنذور (٥٥٠/١١).
(٦) نقله عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٦٣)، وقال الحافظ ابن حجر في
((النكت)) (٦٠١/٢): لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: قال فلان، وبين
قوله: قال لي فلان، فإن الفرق بينهما ظاهر لا يحتاج إلى دليل، فإن ((قال لي)) مثل
التصريح في السماع، و((قال)): المجردة ليست صريحة أصلاً.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٠٩
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
من حيث الظاهر، المنفصل من حيث المعنى، لكنَّه أدرجَ معها ((قال لي))،
ونحوها مما هو متصل جزماً، ونوزعَ فيه، كما سيأتي في أوَّلِ أقسام التحمل
- إن شاء الله(١) ..
وبالجملة فالمختارُ الَّذي لا محيدَ عنه - كما قاله شيخنا(٢) - أنَّ حكمَ
((قال)) في الشيوخ مثلُ غيرها من التعاليق المجزومة(٣).
(١) (٣٣٥/٢) وما بعدها.
(٢) قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤٥٦/٧): قوله وقال هشام بن عمار كذا وقع بصيغة
التعليق. وانظر: ((شرح النخبة)) (ص ٦٥ - ٦٦).
(٣) في حاشية (م): ثم بلغ الشيخ شهاب الدين نفع الله به قراءة وبحثاً، عوداً على بدء.
كتبه مؤلفه. ثم بلغ كذلك مرة أخرى، والجماعة سماعاً.
ملحوظة: انظر: بحث حكم الصحيحين والتعليق في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٢٤ - ٢٥، ٢٠ - ٢١، ٦١ - ٦٤).
٢ - ((الخلاصة))، للطيبي (ص ٤٧ - ٤٨).
٣ - ((اختصار علوم الحديث))، لابن كثير (ص٣٣ - ٣٥).
٤ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦٩/١ - ٨٠).
٥ - ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٢٣/١ - ٣٦٢، ٣٧١ - ٣٨٣، ٥٩٩ - ٦٠٣).
٦ - ((تدريب الراوي)) (ص ٧٠ - ٧٨، ٦٠ - ٦٤، ١٣٦ - ١٣٧).
٧ - ((توضيح الأفكار)) (٩٦/١ - ١٠٠، ١٢١ - ١٥٠).
٨ - ((منهج ذوي النظر)) (ص ٥٥ - ٥٦).

نقلُ الحديث من الكتبِ المعتمدة
١١٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
نقلُ الحديث من الكتب المعتمدة
التي اشتهرت نسبتُها لمصنفيها أو صحّت
وقدم هذا على الحسن المشارك للصحيح في الحجة لمشابهته للتعليق في
الجملة.
٤٧
(وأخذُ متن) أي: حديث (من كتاب) من الكتب المعتمدة كالبخاري
ومسلم وأبي عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، [وابن الجارود](١)، مما اشتهَرَ
أو صحَّ (لعملْ) بمضمونه في الفضائل والترغيبات، وكذا الأحكامُ التي لا يجد
الآخذ فيها نصاً لإمامه، أو يجدُه فيبرز دليله الذي لعل بوجوده يضعف مخالفه.
وربما يكونُ إمامُه علق قوله فيه على ثبوت الخبر(٢)، أو غير ذلك
مما يشمله قولُ ابن الصلاح(٣) (أو احتجاج) به لذي مذهب (حيث ساغ)
بمهملة ثم معجمة، أي: جاز للآخذ ذلك، وكان متأهلاً له، والأهلية في
كل شيء مما ذكر بحسبه، مع العلم بالاختلاف في انقطاع المجتهد
(١) كذا في (ح)، (م): وقد كتبت بحاشية س ثم طمست.
وابن الجارود هو: الحافظ الإمام الناقد عبد الله بن علي بن الجارود، النيسابوري،
المجاور بمكة، أبو محمد، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة.
(«تذكرة الحفاظ)» (٧٩٤/٣ - ٧٩٥).
(٢) وذلك كقول الإمام الشافعي تخلّفُ: إن صح الحديث قلت به، قال ذلك في مسائل
كثيرة، منها: قوله في وجوب الغسل من غسل الميت، كما في ((المهذب)) لأبي
إسحاق الشيرازي (٨٥/٥) مع ((المجموع)).
ومن ذلك ما استفاض عنه من قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وللشيخ تقي الدين
السبكي رسالة في معنى قول المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وهي مطبوعة
ضمن («مجموعة الرسائل المنيرية)) (٩٨/٣ - ١١٤).
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص٢٥).
٠

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١١
نقلُ الحديث من الكتبِ المعتمدة
المقيد (١)، فضلاً عن المطلق(٢)، لنقص الهمم(٣).
٤٨
(قد جَعَل) أي: ابنُ الصلاح (عرضاً له)، أي: مقابلة للمأخوذ (على
أصول) متعددة بروايات متنوعة، يعني فيما تكثرُ الروايات فيه، كالفِرَبْري (٤)
والنَّسَفي وحمَّاد بن شاكر(٥) وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري.
أو أصول متعددة فيما مداره على رواية واحدة كأكثر الكتب (يشترط)
أي: جعله شرطاً ليحصل بذلك جبرُ الخلل الواقع في أثناء الأسانيد، وقد تكثر
تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو الاستفاضة [أي: بالنسبة
إلى الإضافة للكتاب خاصة] (٦).
وعبارته (٧): فسبيل أي: طريق، وهذا ظاهر في اشتراط التعدد، وإن
حملَه غيرُ واحد على الاستحباب والاستظهار.
(١) ((المجتهد المقيد)): هو الذي يجتهد في حكم بعض المسائل، أو في جميع المسائل،
لكن في إطار مذهب معين.
(٢) ((المجتهد المطلق)): هو المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه.
انظر: الإحكام للآمدي (٤ /١٦٤).
(٣) مسألة انقطاع المجتهدين، وجواز خلو العصر عن مجتهد مسألة خلافية طويلة الذيول،
وهي من المسائل التي كانت سبباً للخلاف بين السخاوي - الشارح - وبين قرينه
السيوطي؛ حيث زعم الثاني أنه كملت عنده آلات الاجتهاد، فرد عليه السخاوي دعواه
وشنع عليه.
انظر: ((الضوء اللامع)) للسخاوي (٦٧/٤ - ٦٨)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي
(٣٣٩/١)، و((البدر الطالع)) للشوكاني (٣٢٨/١ - ٣٣٤).
وراجع في هذه المسألة: كتاب ((إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد))، للأمير الصنعاني.
(٤) هو: المحدث الثقة العالم محمد بن يوسف الفِرَبْري أبو عبد الله، المتوفى سنة عشرين
وثلاثمائة.
((العبر)» للذهبي (١٨٣/٢)، و((مرآة الجنان)) (٢٨٠/٢).
(٥) هو: الإمام المحدث الصدوق حمَّاد بن شاكر بن سَوِيَّة النَّسَفي، أبو محمد، المتوفى
سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٥/١٥)، و((تبصير المنتبه)) لابن حجر (٧٠١/٢).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٧) أي: ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٢٥).

نقلُ الحديث من الكتبِ المعتمدة
١١٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(وقالَ) الشيخ أبو زكريا (يحيى النووي) بالاكتفاء بالمقابلة على (أصل)
معتمد(١) (فقط)؛ إذ الأصل الصحيحُ تحصلُ به الثقة التي مدارُ الاعتماد عليها
صحة واحتجاجاً .
على أنَّ ابنَ الصلاح قد تَبِعهم في عدم اشتراط التعدد في مقابلة المروي
مع تقاربهما، ولكن قد يفرق بينَهما بمزيد الاحتياط للاحتجاج والعمل، وإذا
حُمِلَ كلامه هنا على الاستحباب، كان موافقاً لما سيأتي له (٢) عند الحسن في
نسخ الترمذي، واختلافها في الحكم، أهو بالحسن فقط، أو بالصحة فقط، أو
بهما معاً، أو بغير ذلك: أنَّه ينبغي أن تُصَحِّحَ أصلك بجماعة أصول، حيث
حمل على الاستحباب، وإن كانت (ينبغي) ليست صريحة في ذلك، كما أومأ
إليه الشارح(٣) .
ولا شك أنَّ القولَ بالأول فيه تضييق يفضي إلى التعطيل، وعدم تعقب
النووي(٤) القول بالتعدد في الترمذي، لافتراقه عما تقدم باختلاف نسخه.
ثم هل يُشترط في النقل للعمل أو الاحتجاج أن [تكون](8) له به رواية؟
الظاهر مما تقدم عدمه، وبه صرَّح ابنُ برهان(٦) في الأوسط، فقال: ذهبَ
الفقهاء كافة إلى أنَّه لا يَتَوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحَّتْ
عنده النسخةُ من الصحيحين مثلاً، أو من السنن، جاز له العمل بهما، وإن لم
يسمع، وكذا روي عن الشافعي أنه يجوز أن يُحَدِّث بالخبر - أي ينقله - وإن لم
يعلَمْ أنَّه سمعه، [ومن هنا جوَّزوا العمل في أقسام لم يعتبروها رواية كالإعلام
(١) ((التقريب)) للنووي (ص٨٤ مع التدريب).
(٢) (ص٣٢) من ((علوم الحديث)).
في قوله: فقوله هنا: ينبغي قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك. انظر: ((شرح التبصرة
(٣)
والتذكرة)) (٨٢/١)، لكن الحافظ ابن حجر أشار في ((نكته)) (٣٨٤/١) إلى أن هذه
العبارة تستعمل في اللازم أيضاً .
(٤) يعني لابن الصلاح. انظر: ((التقريب)) (ص٩٦) مع التدريب.
(٥) كذا في (ح)، وفي (س) (يكون) بالياء. أما م فبدون إعجام.
(٦) هو: أحمد بن علي بن محمد الوكيل أبو الفتح المعروف بابن برهان، الفقيه الشافعي
الأصولي، المتوفى سنة عشرين وخمسمائة.
((وفيات الأعيان)) (٩٩/١)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٠٧/١ - ٦٠٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٣
نقلَ الحديث من الكتب المعتمدة
بالمروي مجرداً عن الإذن، كما سيأتي(١) في مَحاله](٢).
(قلت: ولابن خَيْر) بفتح المعجمة ثم تحتانية ساكنة، وآخره مهملة، وهو ٤٩
الحافظ المقرئ أبو بكر محمدُ (٣) الأَموي - بفتح الهمزة (٤) - اللمتوني الإشبيلي
المالكي، خالُ مصنف ((روض الأنف))(٥) الحافظ أبي القاسم السهيلي (٦)،
وأحدُ الأئمة المشهورين بالإتقان والتقدم في العربية والقراءات والروايات،
والضبط، بحيث تغالى الناس في كتبه بعد موته، وزادت عدة من كتب - هو -
عنه على مائة - مات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة عن ثلاث
وسبعين سنة(٧) - مما وجد بأول برنامجه الذي وضعه في أسماء شيوخه
ومروياته (امتناع) أي: تحريم (نقل سوى) أي: غير (مرويه) وهو أعم من أن
يكون للرواية المجردة أو العمل أو الاحتجاج، والتحريم فيه عنده بينهم
(إجماع).
ونصُّ كلامه (٨): وقد اتفق العلماءُ - رحمهم الله - على أنَّه لا يصحُّ
لمسلم أن يقول: قالَ رسولُ الله وَّ كذا، حتى يكونَ عنده ذلك القول مروياً،
ولو على أقل وجوه الروايات، لقول رسول الله وَله: ((من كَذَبَ عليَّ متعمداً
فليتبوأُ مقعَدَه من النار))(٩).
(١) (٥١٢/٢ - ٥١٣).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) في حاشية (س): ابن خير بن عمر بن خليفة.
(٤) في حاشية (س): ليس منسوباً إلى بني أمية؛ بل هو منسوب إلى مدينة اسمها ((أمو)) بفتح همزه.
(٥) الذي شرح فيه ((السيرة النبوية)) لابن هشام، طبع مراراً.
(٦) هو: الحافظ البارع عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي الأندلسي، أبو القاسم
وأبو زيد المالقي الضرير، المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
((إنباه الرواة) للقفطي (١٦٢/٢)، و((طبقات القراء)) لابن الجزري (٣٧١/١).
(٧) ترجمة ابن خير في: ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٣٦٦/٤)، و((فهرس الفهارس
والأثبات)) للكتاني (٣٨٤/١ - ٣٨٥).
(٨) في ((فهرسته)) (ص١٦ - ١٧).
(٩) أخرجه البخاري: في باب إثم من كذب على النبي ◌َّ، من كتاب العلم (٢٠٢/١)،
ومسلم في مقدمة صحيحه (٦٧/١) عن أبي هريرة.
(١٠) رواه البخاري في الباب المذكور آنفاً (١٩٩/١)، ومسلم في المقدمة (٦٦/١) من
حديث علي بن أبي طالب.
=

نقلُ الحديث من الكتبِ المعتمدة
١١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وفي بعض الروايات: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ)) مطلقاً بدون تقييد(١)، وهو ظاهر
في الجزم خاصة، ولذا عبّر الناظم - كما في خطه - به، مكان ((نقل)) المشعر
بمجرد النقل، ولو ممرضاً.
لكنَّه جزمَ في خطبة ((تقريب الأسانيد)) له بذلك - أيضاً - لكن بدون عزو،
فإنه بعد أن قرَّر أنه يقبح بالطالب أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني
بها عن كذا وكذا، قال: ويتخلص به من الحرج بنقل ما ليست به رواية، فإنه
غير سائغ بإجماع أهل الدراية، فإمَّا أن يكونَ اعتمدَ في حكاية الإجماع ابنَ
خير فقط، أو وقف عليه في كلام غيره(٢) .
ونحوه: قول غيره نقلاً عن المحدثين: إنهم لا يلتفتون إلى صحة
النسخة، إلا أن يقول الراوي: أنا أروي، وهم في هذا الباب أهل الفن على
الحقيقة.
ولكن انتصر للأول جماعة حتى قيل - وإن كان فيه نظر -: إنَّ الثاني لم
يقل به إلَّا بعضُ المحدثين، ولو صح لخَدشَ في دعوى الإجماع، كما يخدش
فيها قول ابن برهان(٣)، إلا إن حُمل على إجماع مخصوص.
وأيضاً: فلو لم يورد ابنُ خير الحديثَ الدال على تحريم نسبة الحديث
إلى النبي وَ﴿ل حتى يتحقق أنَّه قاله، لكان مقتضى كلامه منعَ إيراد ما يكون في
الصحيحين أو أحدهما، حيث لا رواية له به، وجواز نقل ما له به رواية، ولو
والحديث بالإطلاق والتقييد مروي عن جماعة من الصحابة، منهم؛ سلمة بن الأكوع،
=
وابن مسعود، والزبير بن العوام، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة. وغيرهم. انظر:
((جامع الأصول)) (٦٠٩/١٠ - ٦١١).
والحديث معدود من الأحاديث المتواترة، قال صاحب ((نظم المتناثر من الحديث
المتواتر)) (ص١٢):
مما تواتر حديث من كذب
ومن بنى لله بيتاً واحتسب
(١) ((تقريب الأسانيد)) (١٧/١) مع شرحه طرح التثريب.
(٢) الاحتمال الأول هو الصحيح، فقد وضح مستنده في شرحه ((طرح التثريب))
(١/ ١٧) ولم يذكر غيره.
(٣) الذي سبقت حكايته قريباً (ص١١٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٥
نقلُ الحديث من الكتبِ المعتمدة
كان ضعيفاً؛ لا سيما وأوَّلُ كلامه كالصَّريح فيما صحّتْ نسبتُه إلیه ◌َێِّ، حیث
ذكر - كما حكيته في أصله(١) - من فوائد الإجازة التخلص من الحرج في
حكاية كلامه وقدسافر من غير رواية(٢).
(١) في حاشية (م): (أي: في ((النكت))).
(٢) في حاشية (ح): (ثم بلغ نفع الله به).
ملحوظة: انظر: بحث نقل الحديث من الكتب المعتمدة في:
١ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٢٥).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٨١/١ - ٨٣).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٣٨٤/١).
٤ - «تدريب الراوي» (ص٨٣ - ٨٥).
٥ - ((توضيح الأفكار)) (١٥١/١ - ١٥٤).
٦ - ((منهج ذوي النظر)) (ص٢٩ - ٣٠).

الحَسَنُ
١١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
القسمُ الثاني: الحَسَنُ
٥٠
وقُدِّمَ لاشتراكه مع الصحيح في الحُجِّيَّةِ، (والحسَن) لمَّا كان بالنظر
لقسميه الآتيين تتجاذبه الصِّحَّةُ والضعفُ، اختلفَ تعبيرُ الأئمة في تعريفه،
[بحيث أفرد فيه بعضُ متأخري شيوخ شيوخنا رسالة](١).
فقيل: هو (المعروفُ مخرجاً)(٢) [أي المعروفُ مخرجُه](٣) وهو كونه
شامياً، عراقياً، مكياً، كوفياً، كأن يكونَ الحديثُ من رواية راو قد اشتهر
برواية حديث أهل بلده، كقتادة (٤)، ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين
إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفاً بخلافه عن غيرهم.
وذلك كناية عن الاتصال؛ إذ المرسَلُ والمنقطعُ والمعضلُ - لعدم بروز
رجالها - لا يُعلمُ مخرجُ الحديث منها، وكذا المدلَّس - بفتح اللام - وهو الذي
سقطَ منه بعضُه مع إيهام الاتصال.
(وقد اشتهرت رجالُه) بالعدالة، وكذا الضبط المتوسط بينَ الصَّحيح
والضعيف، ولا بُدَّ مع هذين الشرطين أن لا يكونَ شاذاً ولا معللاً، لكن
(بذاك) أي: بما تقدم من الاتصال والشهرة (حدّ) الإمامُ الحافظُ الفقيهُ أبو
٥١ سليمان (حَمْد) - بدون همزة وقيل بإثباتها ولا يصح(٥) - ابن محمد بن
(١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٢) مخرجاً: منصوب على التمييز، محول عن نائب الفاعل، أي: المعروف مخرجه، أي:
رجاله، وكل منهم مخرج خرج منه الحديث ودار عليه، وذلك كناية عن الاتصال.
انظر: ((فتح الباقي)) للشيخ زكريا الأنصاري (٨٤/١).
(٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (أي الموضع الذي خرج منه).
(٤) هو: قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة
بضع عشرة ومائة.
((الجرح والتعديل)) (١٣٣/٢/٣ - ١٣٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٨١).
(٥) انظر: الخلاف في اسمه في: ((سير أعلام النبلاء)» (٢٥/١٧ - ٢٦).
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٧
الحَسَنُ
إبراهيم بن الخطاب الخطابي البُستي الشافعي، مصنفُ ((أعلام الجامع الصحيح
للبخاري)) و((معالِم السنن لأبي داود)) وغيرهما، وأحدُ شيوخ الحاكم، مات
بُيُسْت في ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة(١).
كما عرَّف الصحيحَ بأنَّه ما اتَّصلَ سندُه، وعُدِّلَتْ نقلتُه، غير متعرض لمزيد،
ولأجل تعريفه له في معالمه (٢) بجانبه نوَّع العبارة، وتعين حمل الاشتهار فيه على
المتوسط كما قررته، وتقوَّى به قول ابن دقيق العيد: وكأنَّه - أي الخطابي - أراد
ما لم يبلغ مرتبة الصحيح، قال: وإلا فليس في عبارته كبيرُ تلخيص، لدخول
الصحيح في التعريف، لأنه - أيضاً - قد عُرِفَ مخرجُه، واشتهرَ رجالُه(٣).
هذا مع أنَّ التاج التبريزي ألزمَ ابن دقيق العيد بانتقاده إدخالَ الصحيح في
الحسن، مع قوله في الجواب عن استشكال جمع الترمذي بين الحسن والصحة
- كما سيأتي (٤) -: كل صحيح حسن(٥) التناقضَ(٦)، وقال: إنَّ دخولَ الخاص
- وهو هنا الصحيح - في حدِّ العام ضروري، والتقييدُ بما يخرجه عنه مخل
للحد (٧)، وقال الشارح: إنه متجه(٨). انتهى.
وبه - أيضاً - اندفعَ الاعتراضُ، وحاصله أنَّ ما وجدت فيه هذه القيود
كان حسناً، وما كان فيه معها قيد آخر يصير صحيحاً، ولا شك في صدق ما
ليس فيه على ما فيه إذا وجدت قيودُ [الأول](٩).
= وفي حاشية (س): لو قال الناظم: ((أحمد. قال الترمذي: ما سلم))، سلم من قبح
هذه الضرورة، لمحرره أبي الوفاء العرضي.
(١) ترجمة الخطابي في: ((معجم الأدباء)) لياقوت (٢٤٦/٤ - ٢٦٠)، و((طبقات الشافعية))
للسبكي (٢٨٢/٣ - ٢٩٠).
(٢) ((معالم السنن)) للخطابي (١١/١).
(٣) (الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص١٦٣ - ١٦٥).
(٤) (ص١٦٤ - ١٧٠).
(٥) ((الاقتراح)) (ص١٧٦).
(٦) التناقض: مفعول ثان لألزم.
(٧) انظر: ((التقييد والإيضاح)) للعراقي (ص٤٤).
(٨) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٨٥/١).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (الآخر)، وفي حاشيتها أن في (خ): الأول.
كما أن في حاشية (س): في (خ): الآخر. والخاء اختصار لنسخة.

الحَسَنُ
١١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لكن قال شيخُنا: إنَّ هذا كُلَّه بناء على أنَّ الحَسَن أعمُّ مطلقاً من
الصحيح، أمَّا إذا كان من وجه - كما هو واضح لمن تدبَّره - فلا يَرِدُ اعتراضُ
التبريزي؛ إذ لا يلزمُ من كون الصحيح [أخص](١) من الحسن من وجه أن
يكونَ أخصَّ منه مطلقاً، حتى يدخُلَ الصحيحُ في الحسن(٢)، انتهى.
وبيانُ كونه وجهياً فيما يظهرُ أنَّهما يجتمعان فيما إذا كان الصحيحُ لغيره،
والحسن لذاته، ويفترقان في الصحيح لذاته، والحسن لغيره، ويعبر عنه بالمباينة
الجزئية .
ثم رجعَ شيخُنا فقال: والحقُّ أنَّهما متباينان، لأنَّهما قسمان في الأحكام
فلا يصدق أحدُهما على الآخر ألبتة(٣) .
قلتُ: ويتأيَّدُ التباين بأنَّهما وإن اشتركا في الضبط، فحقيقته في أحدهما
غير الأخرى، لما تقرَّرَ في المشكّك(٤) من اختلاف أفراده، وأن من أقسامه
كون معنى الشيء في بعض أفراده أشدّ من الآخر، وتمثيل ذلك ببياض الثلج
والعاج على ما بسط في محاله، وهو مثل من جعل المباحَ من جنس الواجب،
لكون كل منهما مأذوناً فيه، وغفل عن فصل المباح وهو عدمُ الذم لتاركه.
فإنَّ من جعلَ الحسن من جنس الصحيح للاجتماع في القبول، غَفَلَ عن
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (أعم).
(٢) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٠٥/١).
(٣) انظر: ما سيأتي (ص١٦٩).
(٤) المشكك: هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده، بل كان حصوله في بعضها
أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر، كالوجود فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد
مما في الممكن.
((التعريفات)) للجرجاني (ص٢١٦).
والمشكك: نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك؛
سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده، أو متماثلاً.
((التدمرية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص١٨٧).
والمتواطئ - كما عرفه الشريف الجرجاني في ((التعريفات)) (ص١٩٩): هو الكلي الذي
يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية، كالإنسان
والشمس، فإن الإنسان له أفراد في الخارج وصدقه عليها بالسوية، والشمس لها أفراد
في الذهن، وصدقها عليها - أيضاً - بالسوية.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٩
الحَسَنُ
فصل الحسن، وهو قصورُ ضبط راويه، على أنَّه نقل عن شيخنا - مِمَّا لم يصح
عندي - الاعتناءُ بابن دقيق العيد، بأنَّه إنَّما ذكر أنَّ الصحيحَ أخصُّ استطراداً
وبحثاً، بخلاف مناقشته مع الخطابي، فهي في أصل الباب، وما يكون في بابه
هو المعتمدُ، وليس بظاهر بل الكلامان في باب واحد.
(وقال) الحافظُ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التِّرمذي) بكسر
المثناة والميم، وقيل بضمهما، وقيل بفتح ثم كسر، كلها مع إعجام الذال،
نسبة لمدينة قديمة على طرف جَيْحُون نهرٍ بَلْخ(١)، أحد تلامذة البخاري الآتي
ذكره في تاريخ الرواة والوفيات(٢)، في العلل التي بآخر جامعه ما حاصله: وما
ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فهو عندنا (ما سلِمَ مِن الشذوذ) يعني:
بالتفسير الماضي في الصحيح(٣)، (مع راو) أي مع أن رواة سنده كل منهم (ما
اتُّهم بكذب) فيشملُ ما كان بعضُ رواته سيءَ الحفظ، ممن وصف بالغلط أو ٥٢
الخطأ [غير الفاحش](٤)، أو مستوراً لم ينقل فيه جرح ولا تعديل، وكذا إذا
نقلا ولم يترجح أحدُهما على الآخر، أو مدلساً بالعنعنة، أو مختلطاً بشرطه(٥)،
لعدم منافاتها اشتراط نفي الاتهام بالكذب [الملحق به اشتراط انتفاء كل مفسِّق،
لكون الكذب من أفراده، وإنما اقتصرَ عليه لكونه من آكد أسباب الرد](٦).
ولأجل ذلك مع اقتضاء كل منها التوقُّفَ عن الاحتجاج به - لعدم الضبط
في سيء الحفظ، والجهلِ بحال المستور والمدلس، وكذا لشموله ما به انقطاع
بين ثقتين حافظين، والمرسَل الذي يرسله إمامٌ حافظ، لعدم اشتراطه الاتصال -
اشترط ثالثاً فقال: (ولم يكن فرداً ورد) بل جاء - أيضاً - من وجه آخر فأكثر
فوقه أو مثله، لا دونه، ليترجح به أحدُ الاحتمالين (٧)؛ لأنَّ [سيءَ الحفظ](٨)
(١) ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٦/٢ - ٢٧).
(٢) (٤٢٢/٤ - ٤٢٣).
(٣) (ص٢٥).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٥) سيأتي الحديث عن الاختلاط والمختلطين، وشرط قبول رواياتهم (٤٥٨/٤ - ٤٩٨).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٧) انظر: تعريف الترمذي للحديث الحسن في العلل التي بآخر جامعه (٤٥٧/٩).
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (المستور).

الحَسَنُ
١٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
مثلاً حيث يروي يحتمل أن يكونَ ضبط المروي، ويحتمل ألا يكون ضبطه،
فإذا ورد مثلُ ما رواه أو معناه من وجه آخر، غلب على الظن أنه ضبط، وكلما
كثُرَ المتابع قوي الظن، كما في أفراد المتواتر، فإن أوَّلها من رواية الأفراد، ثم
لا تزال تكثر إلى أن يقطع بصدق المروي، ولا يستطيع سامعه أن يدفع ذلك
عن نفسه .
على أنَّه يمكن إخراجُ اشتراط الاتصال من اشتراط عدم الاتهام في
رواته، لتعذر الحكم به مع الانقطاع، كما مضى (١) في تعذر معرفة المخرج
معه .
ولكن ما جزمت به هو المطابق، لما في جامعه، فقد حَكّمَ بالحسن مع
وجودِ الانقطاع في أحاديثَ(٢)، بل وكذا في كلِّ ما لا ينافيه نفي الاتهام مما
صرَّحت به.
وحينئذٍ فقد تبيَّنَ عدمُ كون هذا التعريف جامعاً للحسن بقسميه، فضلاً عن
دخول الصحيح بقسميه، وإن زعمه بعضهم(٣)، فراويه لا يكتفى في وصفه بما
ذكر؛ بل لا بدَّ من وصفه بما يدلُّ على الإتقان.
(قلت: و) مع اشتراط الترمذي عدمَ التفرد فيه (قد حسّن) في جامعه
(بعضَ ما انفرد) راويه به من الأحاديث بتصريحه هو بذلك، حيث يوردُ
الحديث، ثم يقول عقبه: إنَّه حسن غريب(٤)، أو حسن صحيح غريب لا نعرفه
(١) (ص١١٩).
(٢) مثال ذلك ما رواه الترمذي في جامعه في مناقب العباس بن عبد المطلب من أبواب
المناقب رقم (٣٧٦٥) عن أبي البختري عن علي ◌ّ أن النبي وَلّ قال لعمر في
العباس: ((إن عم الرجل صنو أبيه)). وكان عمر كلمه في صدقته، وقال: هذا حديث
حسن صحيح، وفي بعض النسخ: حسن. انظر: جامع الترمذي مع شرحه ((تحفة
الأحوذي)) (٣٣٨/٤) ط: الهند. وهو منقطع لأن أبا البختري واسمه سعيد بن فيروز
لم يسمع من علي ◌ّ شيئاً، كما في («تهذيب التهذيب)» (٧٣/٤).
وحسنه الترمذي لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره. انظر: ((النكت
على ابن الصلاح)) لابن حجر (٣٩٦/١).
(٣) في حاشية (م): هو ابن المواق.
(٤) من ذلك ما رواه في باب ما جاء في تخليل الأصابع من أبواب الطهارة رقم (٣٩) عن=