النص المفهرس

صفحات 81-100

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٨١
مَراتِبُ الصَّحيح
ولعلَّ ابنَ الصلاح اختارَ حسمَ المادة، لئلا يتطرَّق إليه بعضُ المتشبهين
ممن يزاحمُ في الوثوب على الكتب التي لا يهتدى للكشف منها، والوظائف
التي لا تبرأ ذمتهُ بمباشرتها .
وللحديثِ رجال يُعرفونَ به وللدواوين كُتَّابٌ وحُسَّابُ(١)
ولذلك قالَ بعضُ أئمةِ الحديث في هذا المحل: الذي يُطلقُ عليه اسمُ
المحدِّث في عرف المحدثين أن يكون كتبَ وقرأَ وسمعَ ووعى، ورحلَ إلى
المدائن والقرى، وحصَّل أصولاً، وعلَّق فروعاً من كتب المسانيدِ والعللِ
والتواريخ التي تقرُبُ من ألف تصنيف، فإذا كانَ كذلك، فلا يُنكرُ له ذلك،
وأمَّا إذا كان على رأسه طيلسان(٢)، وفي رجليه نعلان، وصَحِبَ أميراً من أمراء
الزَّمان، أو من تحلَّى بلؤلؤ ومرجان، أو بثياب ذاتِ ألوان، فحصلَ تدريس
حديث بالإفك والبهتان، وجعلَ نفسَه ملعبة للصبيان، لا يفهم ما يقرأ عليه من
جزء ولا ديوان، فهذا لا يُطلق عليه اسم محدث؛ بل ولا إنسان، وإنه مع
الجهالة آكل حرام، فإن استحله خرج من دين الإسلام. انتهى (٣).
والظاهرُ أنَّها نفئةُ مصدور، ورميةُ معذور، وبها يتسلَّى القائم في هذا
الزمان، بتحقيق هذا الشأن، مع قِلَّة الأعوان، وكثرةِ الحسَدِ والخذلان، والله
المستعان، وعليه التكلان.
إذا تقرَّرَ هذا: فاعلمْ أَنَّه لم يصرِّح أحدٌ من الشيخين بشرطه في كتابه،
(١) قال الخطيب في ((الكفاية)) (ص١٥٦): أخبرنا أبو سعد الماليني، قال: نا عبد الله بن
عدي، قال: أنا زكريا الساجي، قال: حُدِّثْتُ عن يحيى بن معين، قال: كان محمد بن
عبد الله الأنصاري يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ فقال:
للحرب أقوام لها خلقوا
وللدواوين حُسَّاب وكُتَّاب
(٢) في ((المغرب)) للمطرزي (٢٣/٢ - ٢٤): الطيلسان: تعريب تالشان، وجمعه: طيالسة،
وهو من لباس العجم مدور أسود، ومنه قولهم في الشتم: يا ابن الطيلسان، يراد أنك
أعجمي. اهـ.
(٣) انظر: في هذا المعنى: ((تدريب الراوي)) (ص٧ - ١٢)، وما أحسن ما قاله بعضهم:
يجهلُ ما يروي وما يكتبُ
إن الَّذي يروي ولكنه
تسقي الأراضي وهي لا تشرب
كصخرة تنبع أمواهها

مَرائِبُ الصَّحيح
٨١
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
ولا في غيره، كما جزم به غيرُ واحد، منهم: النووي(١)، وإنما عُرفَ بالسَّبْر
لكتابيهما، ولذا اختلفَ الأئمةُ في ذلك.
فقالَ أبو الفضل ابنُ طاهر(٢) الحافظُ في جزء سمعناه أفرده لشروط
الستة: شرطُهما أن يُخرجا الحديثَ المثَّفَق على ثقة نقلته إلى الصحابي
المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكونُ إسناده متصلاً غير
مقطوع، [فإن] (٣) كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وإن لم يكن له إلَّا راو
واحد وصحَّ الطريقُ إليه كفى (٤).
وما ادَّعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدشُ فيه وجودُ حكاية
التضعيف في بعضهم مِمَّن قبلهما(٥)، لتجويزِ أنَّهما لم يرياه قادحاً فنزلا كلامَ
الجمهور المعتمد عندهما منزلةَ الإجماع.
وكذا قوله: من غير اختلاف بين الثقات ليس على إطلاقه، فإنَّه ليسَ كلُّ
خلاف يؤثِّر، وإنما المؤثِّر مُخالفةُ الثقة لمن هو أحفظ منه، أو أكثر عدداً من
الثقات كما سيأتي في الشاذ(٦).
وقال الحافظُ أبو بكر الحازمي في جزء ((شروط الخمسة)) له مما سمعناه
- أيضاً - ما حاصله: أنَّ شرطَ الصحيح أن يكون إسنادُه متصلاً، وأن يكونَ
راويه مسلماً صادقاً غيرَ مدلس ولا مختلط، متصفاً بصفات العدالة، ضابطاً
متحفظاً، سليمَ الذهن، قليلَ الوهم، سليمَ الاعتقاد(٧)، وأنَّ شرط البخاري أن
(١) وابن حجر في: ((هدي الساري)) (ص٩).
(٢) هو: محمد بن طاهر بن علي المقدسي الحافظ العالم المكثر الجوال، المعروف بابن
القيسراني الشيباني، المتوفى سنة سبع وخمسمائة.
((العبر)) (١٤/٤)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٤٥٢ - ٤٥٣).
(٣) كذا في (س)، و((شروط الأئمة)) لابن طاهر، وفي (ح)، (م): (وإن).
((شروط الأئمة الستة)) لابن طاهر (ص ١٠).
(٤)
(٥) وبعدهما؛ لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، كما في ((شرح
التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٦٥/١).
(٦) (٧/٢ - ٨).
(٧) اختصر السخاوي كلام الحازمي من نحو أربع صفحات (٣٩ - ٤٣) تبعاً للحافظ ابن
حجر في ((هدي الساري)) (ص٩).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٨٣
مَراتِبُ الصَّحيح
يُخرِجَ ما اتَّصلَ إسنادُه بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمةً طويلةً
سفراً وحضراً، وأنَّه قد يُخرجُ - أحياناً - ما يعتمده عن أعيان الطبقة التي تلي
هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يَلْزَموه إلا ملازمةً يسيرة(١).
وأما مسلم: فيُخرِجُ أحاديثَ الطبقتين على سبيل الاستيعاب، وقد يخرجُ
حديثَ من لم يَسْلَم من غوائل الجرح، إذا كان طويلَ الملازمة لمن أخذ عنه،
كحمَّادٍ بن سلمة في ثابت البناني(٢)، فإنه لكثرة ملازمته له، وطولٍ صحبته إياه،
صارت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط، كما كانت قبله، وعمل
مسلم في هذه كعمل البخاري في الثانية(٣).
قلتُ: ولا يمنعُ من هذا(٤) اكتفاءُ مسلم في السند المعنعن بالمعاصرة،
والبخاري باللقاء ولو مرَّةً، لمزيد تَحرِّيهما في صحيحيهما(٥).
وقال ابن الجوزي(٦): اشترطَ البخاريُ ومسلم الثقة والاشتهار، قال:
وقد تركا أشياء تركها قريب، وأشياء لا وجه لتركها، فمِمَّا تركه البخاريُّ
الروايةَ عن حمَّد بن سلمة مع علمه بثقته، لأنَّه قيل: إنه كان له ربيب(٧) يُدخلُ
(١) ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص٤٣، ٤٧).
(٢) قال الإمام يحيى بن معين: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث ثابت.
انظر: ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٢٩٧/٤)، وثابت: هو ابن أسلم البناني، أبو
محمد البصري، الثقة العابد، المتوفى سنة بضع وعشرين ومائة.
((الكاشف)) للذهبي (١/ ١٧٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص ٥٠).
(٣) ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص٤٣ - ٤٤، ٤٧).
(٤) في حاشية (س): أعني اشتراط الملازمة.
(٥) في حاشية (س): وقوله في المدلس والمختلط والسليم الاعتقاد ليس على إطلاقه كما
علم في محاله.
(٦) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي، أبو الفرج الحافظ الكبير
جمال الدين البغدادي الحنبلي الواعظ، المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٣٩٤/١ - ٣٩٥)، و((العبر)) للذهبي (٢٩٧/٤ - ٢٩٨).
(٧) ربيب حماد: هو ابن أبي العوجاء، كما في الميزان (٥٩٣/١)، واسمه عبد الكريم،
مترجم في: ((الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث))، لبرهان الدين الجلبي
(ص٢٧٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٤٤/٢).

مَراتِبُ الصَّحيح
٨٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
في حديثه ما ليس منه، وتركَ الرواية عن سهيل بن أبي صالح(١)، لأنه قد
تُكلِّم في سماعه من أبيه (٢)، وقيل: صحيفة، واعتمدَ عليه مسلم لما وجده
تارة يحدِّث عن أبيه، وتارة عن عبد الله بن دينار(٣) عن أبيه، ومرة عن
الأعمش عن أبيه، فلو كان سماعُه صحيفة كان يروي الكلَّ عن أبيه.
(٤)
انتهى (٤) .
وردَّ كلٌّ من الحازمي(٥) وابنُ طاهر(٦) على الحاكم دعواه التي وافقه
عليها صاحبه البيهقي (٧) من أنَّ شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية
عن النبي سير راويان فصاعداً، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان، ثم
يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة
الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في
(١) هو: سهيل بن أبي صالح السمان أبو يزيد، وثقه جماعة، وقال أبو حاتم: لا يحتج
به، مات سنة أربعين ومائة.
((الكاشف)) للذهبي (٤٠٩/١)، والخلاصة (ص١٣٤).
(٢) هو: ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني،
ثقة ثبت، توفي سنة إحدى ومائة.
((التاريخ الكبير)) (٢٣٨/١/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢١٩/٣ - ٢٢٠).
(٣) هو: عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة
من الرابعة. مات سنة سبع وعشرين ومائة.
(تقريب التهذيب)) (ص١٧٢)، والخلاصة (ص١٦٦).
(٤) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٣٤/١).
(٥) في ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص٣١ - ٣٧).
(٦) في ((شروط الأئمة الستة)) (ص١٤ - ١٥).
(٧) ((سنن البيهقي)) (١٠٥/٤).
وقال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص٢١): قال البيهقي في رسالته إلى أبي محمد
الجويني - رحمهما الله -: رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ - حرسه الله - حكاية
عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قَبول الأخبار أن يروي عدلان عن عدلين
حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله وم* ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه، وكأن البيهقي رآه
في كلام أبي محمد الجويني فنبهه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث، والله أعلم.
قلت: راجعت رسالة البيهقي المذكورة المطبوعة في آخر الجزء الثاني من ((مجموعة
الرسائل المنيرية))، فلم أجد هذا الكلام فيها .

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٨٥
مَراتِبُ الصَّحيح
روايته، وله رواة ثم يتداولُه أهلُ الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا، كالشهادة على
الشهادة(١).
قال شيخُنا: وهو وإن كان منتقضاً في حق بعض الصحابة الذين أخرجا
لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية
من ليس له إلا راو واحد [قط(٢)]. انتهى (٣).
وقد وجدتُ في كلام الحاكمِ التصريحَ باستثناء الصحابة من ذلك، وإن
كان مناقضاً لكلامه الأول، ولعلَّه رجع عنه إلى هذا، فقال(٤): الصحابي
المعروف إذا لم نجد له راوياً غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصَحَّحنا
حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعاً.
فإنَّ البخاريَّ قد احتجَّ بحديث قيس بن أبي حازم(٥) عن كلٍّ من مرداسٍ
الأسلمي(٦)، وعديّ بن عميرة، وليس لهما راو غيره.
وكذلك احتجَّ مسلم بحديث أبي مالك الأشجعي (٧) عن أبيه (٨)، وأحاديثٍ
(١) انظر: ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٦٢)، والمدخل له (ص٨٧) ضمن ((مجموعة
الرسائل الكمالية)).
وبهذا القول قال أبو حفص الميانجي، كما في كتابه: ((ما لا يسع المحدث جهله))
(ص٩)، والكرماني شارح البخاري كما في (شرحه)) (٤٦/٢٢)، وأبو علي الجبائي
المعتزلي، كما في ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٦٢٢/٢).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (فقط).
(٣) ((هدي الساري)) (ص٩).
(٤) انظر: ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٣/١، ٢٥، ٤٢).
(٥) هو: قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد الله الكوفي، أحد كبار التابعين وأعيانهم،
ويقال: له رؤية، مات سنة ثمان وتسعين.
((تقريب التهذيب)) (ص٢٨٣)، والخلاصة (ص ٢٧٠).
(٦) حديث مرداس الأسلمي: ((يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة
الشعير أو التمر، لا يباليهم الله باله)). أخرجه البخاري: باب ذهاب الصالحين، كتاب
الرقاق (٢٥١/١١).
(٧) هو: سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، ثقة من الرابعة. مات في حدود الأربعين
ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص١١٨)، والخلاصة (ص١١٤).
(٨) حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من قال=

مَراتِبُ الصَّحيح
٨٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
مَجْزأة بن زاهر الأسلمي(١) عن أبيه.
وحينئذ فكلامُ الحاكم قد استقام، وزالَ بما تممت به عنه الكلام، وإن
كان الذي أخرج حديث عدي إنما هو مسلم (٢)، لا البخاري، مع كون قيس لم
ينفرد عنه (٣)، والذي أخرجَ حديث زاهر إنما هو البخاري(٤)، لا مسلم.
نعم. أخرجا معاً للمُسيِّب بن حَزن، مع أنَّه لم يرو عنه سوى ابنه
سعيد(٥)، ولكن له ذكر في السير، قال ابنُ يونس (٦): إنه قَدِمَ مصرَ لغزو إفريقية
= لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم الله ماله ودمه وحسابه على الله)).
أخرجه مسلم: في باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، من كتاب
الإيمان (٢١٢/١). وله حديث آخر: في باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، من
كتاب الذكر والدعاء (٢٠/١٧).
(١) هو: مجزأة بن زاهر بن الأسود الأسلمي الكوفي وثقه أبو حاتم والنسائي، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
((الجرح والتعديل)) (٤١٦/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥/١٠ - ٤٦).
(٢) حديث عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله وهو يقول: ((من استعملناه منكم على
عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة ... الحديث))، أخرجه
مسلم: باب تحريم هدايا العمال، كتاب الإمارة (٢٢٢/١٢).
(٣) بل روى عنه - أيضاً - أخوه العرس بن عميرة، كما في ((الجرح والتعديل)) (٢/٢/٣)،
وحديثه عند ابن ماجه: في باب استثمار البكر والثيب من كتاب النكاح رقم (١٨٧٢)،
وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٦٨/٧، ١٦٩).
(٤) حديث مجزأة بن زاهر الأسلمي عن أبيه، قال: ((إني لأوقد تحت القدر بلحوم حمر،
إذ نادى منادي رسول الله وَّهو: إن رسول الله ( * ينهاكم عن لحوم الحمر))، أخرجه
البخاري: في باب غزوة الحديبية، من كتاب المغازي (٧/ ٤٥١).
(٥) حديث المسيب بن حزن، قال: ((لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ونَ *ل
وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي ◌َّطاهر: ((أي عم، قل: لا إله إلا الله
أحاتجُ لك بها عند الله ... )) الحديث))، أخرجه البخاري: في باب ما كان للنبي والذين
آمنوا أن يستغفروا للمشركين - تفسير سورة براءة - كتاب التفسير (٣٤١/٨)، ومسلم:
في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، كتاب الإيمان (٢١٣/١ - ٢١٦).
(٦) هو: الإمام الحافظ الثبت عبد الرحمن بن أحمد ابن الإمام يونس بن عبد الأعلى
الصدفي المصري أبو سعيد، المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
((العبر)) (٢٨٢/٢ - ٢٨٣)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٣٦٧).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٨٧
مَراتِبُ الصَّحيح
سنة سبع وعشرين(١).
وأوردَ الحاكمُ - أيضاً - حديثَ أبي الأحوص عوفٍ بن مالك
الجشمي(٢)، عن أبيه في ((مستدركه))، وقال: قد أخرجَ مسلم لأبي المليح ابن
أسامة (٣)، عن أبيه، ولأبي مالك الأشجعي عن أبيه، ولا راوي لوالدهما غير
ولدهما، وهذا أولى من ذلك كله (٤). [وستأتي)](٥) الإشارةُ لذلك فيمن لم يرو
عنه إلا واحد (٦) .
ثم [بعد تقرير ما تقدَّم من الخلاف في شرطهما، لعدم النص منهما عليه
فـ}(٧) -ما المراد [بقوله] (٨): على شرطهما؟
فعند النووي(٩)، وابن دقيق العيد(١٠)، والذهبي (١١) تبعاً لابن الصلاح(١٢)
هو أن يكونَ رجالُ ذاك الإسناد المحكوم عليه بأعيانهم في كتابيهما. وتصرُّفُ
الحاكم يقويه، فإنَّه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا معاً أو أحدهما لرواته
قال: صحيح على شرطهما(١٣)، أو أحدهما (١٤)، وإذا كان بعضُ رواته لم
(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في: ((تهذيب التهذيب)) (١٥٢/١٠).
(٢) الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، قتله الخوارج أيام الحجاج بن يوسف.
((تاريخ بغداد)) (٢٩٠/١٢ - ٢٩١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٦٩/٨).
(٣) هو: أبو المليح عامر بن أسامة بن عمير الهذلي، وثقه أبو زرعة، مات سنة ثمان
وتسعين، وقال ابن سعد: سنة اثنتي عشرة ومائة.
(«تقريب التهذيب (ص٤٢٨)، والخلاصة (ص٣٩٦).
(٤) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٥/١).
(٥) كذا في (ح)، وفي (س): (وسيأتي) بالياء، أما (م): فهي مغفلة من الإعجام.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) (١٧٨/٤).
(٨) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (بقولهم).
(٩) ((شرح صحيح مسلم)) (٢٦/١)، وانظر: ((تدريب الراوي)) (ص٦٧)، و((توضيح الأفكار))
(١٠٨/١).
(١٠) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٣٠)، و((النكت)) لابن حجر (٣١٩/١ - ٣٢١).
(١١) انظر: المرجعين السابقين.
(١٢) ((علوم الحديث)) (ص١٨)، و((صيانة صحيح مسلم)) (ص٩٩).
(١٣) انظر: ((المستدرك)) (٥/١، ٨، ٩، ١٠) مثلاً.
(١٤) انظر: ((المستدرك)) (٢٦/١، ٣٥، ٣٧، ٥٧، ٥٩) مثلاً.

مَراتِبُ الصَّحیح
٨٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
يخرِّجا له، قالَ: صحيحُ الإسناد حَسْبُ(١).
ويتأَيَّد بأنَّه حكمَ على حديث من طريق أبي عثمان بأنَّه صحيحُ الإسناد،
ثم قال: وأبو عثمان هذا ليسَ هو النهدي(٢)، ولو كان النهدي لحكمتُ
بالحديث على شرطهما(٣) .
وإن خالفَ الحاكمُ ذلك، فيُحملُ على السهو والنسيان، ككثير من
أحواله (٤)، ولا ينافيه قولُه في خطبة مستدركه: وأنا أستعينُ اللهَ - تعالى - على
إخراج أحاديثَ رواتها ثقات، قد احتجَّ بمثلها الشيخانُ أو أحدهما(٥).
لأنَّا نقولُ: المثليَّةُ أعمُّ من أن تكونَ في الأعيان أو الأوصاف، لا
انحصارَ لها في الأوصاف، لكنَّها في أحدهما حقيقة، وفي الآخر مجاز،
فاستعملَ المجازَ حيث قال عقب ما يكون عن نفس رواتهما: على شرطهما،
والحقيقة حيث قال عقب ما هو عن أمثال رواتهما: صحيح، أفاده شيخُنا،
وعليه مشى في توضيح النخبة، فقالَ: لأنَّ المراد به - يعني شرطهما - رواتُهما
مع باقي شروط الصحيح(٦)، يعني من نفي الشذوذ والعلة.
وسبقَه لنحوه غيرُه، قال رجل لشريح: إنِّي قلت لهذا: اشترِ لي مثلَ هذا
الثوبِ الذي معك، فاشترى ذلك الثوبَ بعينه؟
فقال شريح: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء بعينه، وألزَمه أخذَ الثوب(٧).
(١) انظر: ((المستدرك)) (١٩/١، ٤٢، ٤٩، ٥٤) مثلاً.
(٢) بل هو: أبو عثمان التبان - بمثناة ثم موحدة ثقيلة - مولى المغيرة بن شعبة، قيل: اسمه
سعيد، وقيل: عمران، وقيل: لا يعرف اسمه.
((تهذيب التهذيب)) (١٢/ ١٦٣ - ١٦٤).
والنهدي: هو عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي أبو عثمان الكوفي، أسلم
وصدق ولم ير النبي ◌َّ مات سنة خمس وتسعين. ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال))
(ص١٩٩).
(٣) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٤٩/٤).
(٤) انظر: ((النكت)) لابن حجر (٣٢٠/١ - ٣٢١).
(٥) ((المستدرك)) (٣/١).
(٦) ((شرح نخبة الفكر))، لابن حجر (ص٣٨).
(٧) ((أخبار القضاة))، لوكيع (٣٤٧/٢ - ٣٤٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٨٩
مَراتِبُ الصَّحيح
وكذا هل المرادُ بالمثلية عندهما، أو عند غيرهما؟.
الظاهرُ - كما قال المؤلف(١) - الأوَّلُ، وتعرفُ بتنصيصهما - وقلَّما يوجدُ
ذلك - أو بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل، ولكن ينبغي ملاحظةُ حالٍ
الرَّاوي مع شيخه، فقد يكونُ من شرط الصحيح في بعض شيوخه دون بعض.
وعدم النظر في هذا من جملة الأسباب المقتضية لوهم الحاكم.
ولذا لمَّا قالَ عقب حديث أخرجه من طريق الحسن(٢) عن سمرة: صحيح
على شرط البخاري(٣)، قال ابنُ دقيق العيد: ليسَ من رواية الحسن عن سمرة
من شرط البخاري (٤).
وإن أراد أنَّ الحسنَ [وسمرة](٥) في الجملة من شرطه، فهو من شرط
مسلم - أيضاً -. انتهى. فعُلِمَ منه أنَّ الشرط إنما يتمُّ إذا خرَّج لرجال السند
بالصورة المجتمعة.
ويمكنُ أن يجابَ عن الحاكم بأنَّه أرادَ أن مسلماً ينفي سماعَ الحسن من
سمرة أصلاً، والبخاريُّ ممن يثبتُ ذلك، بدليل إخراجه في صحيحه من حديث
حبيب بن الشهيد(٦) أنَّه قال: قال لي ابن سيرين: سلِ الحسنَ ممن سمع
حديثَ العقيقة؟ فسألته، فقالَ: من سمرة(٧) .
(١) في شرحه الكبير على ألفيته. انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) له (٦٦/١).
(٢) هو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري، مولاهم، أحد أئمة الهدى
والسنة. مات سنة عشر ومائة.
((الكاشف)) (٢٢٠/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٦٩).
(٣) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٧٢/١).
(٤) في ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص٥٣١): القسم السابع في أحاديث يصححها بعض
الأئمة ليست من شرط الشيخين، ثم ذكر أحاديث، منها ثلاثة من رواية الحسن عن
سمرة. انظر: (ص ٥٣١، ٥٤٠، ٥٦٠) من الكتاب المذكور.
(٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): (أو سمرة).
(٦) هو: حبيب بن الشهيد الأزدي أبو محمد البصري، ثقة ثبت، روى له الجماعة، مات
سنة خمس وأربعين ومائة.
(تهذيب الكمال)) (٣٧٨/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١٨٥/٢ - ١٨٦).
(٧) ((صحيح البخاري)): باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، كتاب العقيقة (٥٩٠/٩).
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥٩٣/٩): ولم يقع في البخاري بيان =

مَرَائِبُ الصَّحيح
٩٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
[فائدة: شرطُ ابن حبان في راوي صحيحه العدالة، وفسَّرَها بمن ظاهر
أكثر أحواله الطاعة - فيشملُ مرتكبَ يسير الصغائر، وكذا المستور، إلَّا أن يريدَ
بالظاهر الاحتراز عما في نفسٍ الأمر، مع استبعاده لما قدمته في الصحيح
الزائد على الصحيحين من مذهبه في المجهول(١)، بل ويأتي - أيضاً - عند ذكر
الخلافِ فيه (٢) - والشهرة بالطلب، والعقل بصناعة الحديث، حتى لا يُسندَ
موقوفاً، ولا يرفعَ مرسلاً، ولا يصحِّف اسماً (٣)، وكأنه كناية عن الضبط.
ويتأَيَّدُ بجعله في مقدمة ((الضعفاء)) من أسباب الجرح الوصف بذلك،
فقال: ومن الرواة من كتب وغلبَ عليه الصلاحُ والعبادةُ، وغَفَل عن الحفظ
والتمييز، فإذا حدَّث رَفَعَ المرسلَ، وأسندَ الموقوفَ، وقلَّبَ الأسانيد، إلى آخر
كلامه(٤)، ثم نقلَ قولَ وكيع في بعض الرواة: رجل صالح، ولكن للحديث
رجال(٥) .
بل قَرَّرَ بعد في خطبة صحيحه - أيضاً - أنَّ العدلَ المخطئ إن أفحشَ
بحيث غلبَ على صوابه استحقَّ التركَ، وإن لم يُفحِشْ قُبِل فيما لم يخطئ فيه(٦)،
يعني بالمتابع ونحوه، دونَ ما ينفرد به، كما صرَّح به في مقدمة ((الضعفاء))(٧).
ونحوه قوله في الخطبة: إنَّه لا يخرِّجُ لمختلط ما رواه بعد اختلاطه خاصة، أو
لم يتابع عليه، والعلمُ بما يحيل المعاني، يعني إن لم يؤد لفظاً، والاتصال، فلا يكون
الحديث المذكور، وكأنه اكتفى عن إيراده بشهرته، وقد أخرجه أصحاب السنن من
=
رواية قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي 8* قال: ((كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه
يوم السابع ... )) الحديث.
انظر: ((سنن أبي داود)»: باب في العقيقة، من كتاب الأضاحي رقم (٢٨٣٧، ٢٨٣٨)،
والترمذي: باب ما جاء في العقيقة من أبواب الأضاحي رقم (١٥٢٢)، والنسائي في
باب متى يعق؟ من كتاب العقيقة (١٦٦/٧)، وابن ماجه: باب العقيقة، من كتاب
الذبائح رقم (٣١٦٥).
(١) انظر: ما تقدم (ص٦٤).
(٢) انظر: ما سيأتي (٢٠٦/٢).
(٣) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١١٢/١ - ١١٣)
(٤) مقدمة ((المجروحين)) لابن حبان (٥٦/١).
(٥) المرجع السابق (٥٦/١ - ٥٧).
(٧) مقدمة ((المجروحين)) (٧٦/١).
(٦) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١١٥/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٩١
مَراتِبُ الصَّحيح
في رواته مدلس بالعنعنة، إلّا إن علم - كابن عيينة - أنَّه لا يُدلس إلا عن ثقة متقن(١).
قال شيخُنا: وحاصلُ شرطِه أن يكونَ الراوي عدلاً مشهوراً بالطلب، غيرَ
مدلس، سمعَ ممن فوقه إلى أن ينتهي، فإن كان يروي من حفظه فليكن عالماً بما
يُحيل المعاني، قال: فلم يشترط وجودَ الضبط، وانتفاءَ الشذوذ والعلة. انتهى (٢).
وقد بانَ بما قررته النزاعُ في إطلاق العدالة، وكذا في عدم الضبط، نعم.
هو لا يشدِّد فيه، لإدراجه الحسنَ في الصحيح، وأما انتفاءُ الشذوذ، فقد ينازع
فيه - أيضاً - باشتراطه في الحكم بقبول المجهول أن لا يكون الحديثُ منكراً
مع شرطين آخرين كما سلف في الزائد على الصحيحين(٣)، ويأتي (٤) - أيضاً -
لكون النكارة قرينة يترجَّح بها جانبُ عدم القبول.
ووجه النزاع: أنها بالنظر لما فَسَّر به إمامُه الشافعي الشاذ المخالفة(٥)، فلما
اشترط نفي بعض أسبابها، أشعر بالتعميم، وأما انتفاء العلة ففيه نظر - أيضاً -.
ثم قال شيخُنا: وسمى ابن خزيمة كتابه: ((المسندُ الصحيحُ المتَّصلُ بنقل
العدل عن العدل من غير قطع في السند، ولا جرح في النقلة))(٦). قال: وهذا
مثلُ شَرط ابن حبان سواء؛ لأنَّ ابنَ حبان تابع لابن خزيمة يغترف من بحره،
ناسج على منواله(٧)](٨).
(١) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٢١/١ - ١٢٢).
(٢) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٢٩٠/١).
(٣) (ص٦٤ - ٦٥).
(٤) (ص ٦٠٥ - ٦٠٦).
(٥) انظر: تعريف الشاذ عند الإمام الشافعي فيما سيأتي (٥/٢).
(٦) ((صحيح ابن خزيمة)) (٣/١) ومثله شرطه في كتاب التوحيد له، كما في صفحة عنوانه، و(ص٤).
(٧) انظر: ((النكت)) لابن حجر (٢٩١/١).
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). وفي حاشيتها: ثم بلغ نفع الله به كذلك. كتبه مؤلفه.
وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك عوداً على بدء والجماعة سماعاً.
ملحوظة: انظر: بحث مراتب الصحيح في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٢٣ - ٢٤).
٢ - (شرح التبصرة والتذكرة)) (٦٤/١ - ٦٨).
٣ - ((تدريب الراوي)) (ص٦٤ - ٧٠).
٤ - ((توضيح الأفكار)) (٨٦/١ - ١٢٠).
٥ - ((منهج ذوي النظر)) (ص٢٤ - ٢٦).

حكمُ الصَّحیحین الماضي ذكرُهما
٩٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
حكمُ الصّحيحين الماضي ذكرُهما
فيما أسند فيهما وغيره والتعليق
أي: وتعريفُ التعليق الواقع فيهما وفي غيرهما .
لمَّا أشير إلى [شرط](١) صاحبي الصحيحين، وانجرَّ الكلامُ فيه إلى أنَّ
العدد ليس شرطاً عند واحد منهما حسُنَ بيانُ الحكم فيهما لسائله: أيرتقي عن
أخبار الآحاد لسموِّهما وجلالتهما، وشفوف(٢) تحريهما في الصحيح أم لا؟.
٤٠
فقيل له: (واقطعْ بصحَّة لِما قد أسندا)، أي: أنَّ الذي أورده البخاري
ومسلم مجتمعين ومنفردين بإسناديهما المتصل - دون ما سيأتي(٣) استثناؤه من
المنتقد والتعاليق وشبههما - مقطوع بصحته، لتلقّ الأمة المعصومة في إجماعها
عن الخطأ - كما وصَفَها وَّه بقوله: ((لا تجتَمِعُ أمَّتي على ضَلالةٍ))(٤) - لذلك
(١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): (شروط).
(٢) الشفوف: الزيادة والفضل والرقة. انظر: ((لسان العرب)) مادة (شفف).
(٣) (ص ٩٥ - ٩٦).
(٤) الحديث: أخرجه أبو داود: باب ذكر الفتن ودلائلها، كتاب الفتن والملاحم رقم
(٤٢٥٣) مطولاً عن أبي مالك الأشعري وسكت عنه، والترمذي: باب ما جاء في لزوم
الجماعة من أبواب الفتن رقم (٢١٦٨) عن ابن عمر بنحوه، وقال: غريب من هذا
الوجه، وابن ماجه: باب السواد الأعظم، كتاب الفتن رقم (٣٩٥٠)، والحاكم في
((المستدرك)) (١١٦/١ - ١١٧) عن أنس، وأحمد في «المسند» (٣٩٦/٦) عن أبي
بصرة، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢٠٨/٢) عن سمرة، والحاكم (٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧)
عن أبي مسعود، وقال: صحيح على شرط مسلم.
قال الزركشي في ((المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر)) (ص٦٢): اعلم أن
طرق هذا الحديث كثيرة، ولا يخلو من علة.
وقال ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١٦١/٣): حديث مشهور، له طرق كثيرة لا
يخلو واحد منها من مقال.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٣
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
بالقبول من حيث الصحة، وكذا العمل ما لم يمنع منه نسخٌ أو تخصيصٌ أو
نحۇُهما .
وتَلَقِّي الأمة للخبر المنحظّ عن درجةِ المتواتر بالقبول يوجبُ العلمَ
النظري، [ولا نقول: فائدة الإجماع وجوبُ العمل، لعدم توقفه عليه، ولا
ترجيحه على صحيح غير مجمع عليه عند المعارضة، فليس منحصراً - أيضاً -
فيه، ولا قبول تصحيحه بدون بحث، لأنَّ تمييزَ المنتقد والمعارض المستثنيين
لا بدَّ منه، وهو بحث في الجملة](١).
(كذا له) أي: لابنِ الصلاح حيث صرَّح باختياره له، والجزْمُ بأَنَّه هو
الصحيح، وإلّا فقد سبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقى بالقبول الجمهورُ
من المحدثين والأصوليين، وعامةُ السلف، بل وكذا غيرُ واحد في الصحيحين.
ولفظُ الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني(٢): أهلُ الصنعة مجمعون على أنَّ
الأخبارَ التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوعٌ بصحة أصولها ومتونها، ولا
يحصلُ الخلاف فيها بحال، وإن حصلَ فذاك اختلاف في طرقها ورواتها،
قال: فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه،
لأنَّ هذه الأخبارَ تَلَقَّتْها الأمة بالقبول(٣).
(وقيل): هو صحيح (ظناً)؛ لأنَّه لا يفيد في أصله قبل التلقي - لكونه خبرَ
آحاد - إلا الظن، وهو لا ينقلبُ بتلقيهم قطعياً، وتصحيح الأئمة للخبر
المستجمع للشروط المقتضية للصحة إنَّما هو مجرى على حكم الظاهر، كما
تقدَّم في ثاني مسائل الكتاب(٤)، وأيضاً: فقد صَحَّ تلَقِّهم بالقبول لما ظنت
صحته .
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة
ثمان عشرة وأربعمائة.
((وفيات الأعيان)) (٢٨/١)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٥٨/١).
(٣) في ((شرح الكوكب المنير)) (٣٥٢/٢) نقلاً عن أبي إسحاق: أنه يفيد القطع عملاً، لا
قولاً .
(٤) (ص٢٩).

٤١
حکمُ الصَّحیحین الماضي ذکرُهما
٩٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(و) هذا القولُ (لدى) أي: عند (محققيهم)، وكذا الأكثرين هو المختارُ،
كما (قد عزاه) إليهم الإمام (النووي)(١) .
ولكن قد وافقَ اختيارَ ابن الصلاح جماعةٍ من المتأخرين (٢)، مع
(٣)
كونه لم ينفرد بنقل الإجماع على التلقي، بل هو في كلام إمام الحرمين
- أيضاً(٤) - فإنه قال: لإجماع علماء المسلمين على صحتهما(٥)، وكذا هو في
كلام ابن طاهر (٦) وغيره، ولا شك - كما قال عطاء(٧) - أنَّ ما أجمَعتْ عليه
الأمة أقوى من الإسناد (٨).
(١) في ((شرح صحيح مسلم)) (١/ ٢٠)، والتقريب (ص٧٠)، مع التدريب.
(٢) في ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (٤١/١٨): خبر الواحد المتلقى بالقبول
يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،
وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري، كالإسفراييني وابن فورك. ونقل السراج
البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص١٠١) عن بعض الحفاظ المتأخرين أنه قول أبي
حامد، والقاضي أبي الطيب، وتلميذه أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، والسرخسي
من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وجماعة من الحنابلة كأبي يعلى وأبي
الخطاب، وابن الزاغوني إلى أن قال: وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة
أنهم يقطعون بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول. اهـ.
(٣) هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي، الأصولي
المتكلم، الفقيه الشافعي المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
((العبر)) (٢٩٣/٣)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (١٦٥/٥ - ٢٢٢).
(٤) ((البرهان في أصول الفقه)) لإمام الحرمين الجويني (٥٨٤/١ - ٥٨٥) نقلاً عن ابن
فورك.
(٥) نقل النووي في ((شرح مسلم)) (١٩/١ - ٢٠) عن إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق
امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي والقر لما ألزمته
الطلاق، ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. اهـ. وانظر كتاب: صيانة
صحيح مسلم من الإخلال والغلط لابن الصلاح (ص٨٥).
(٦) في ((صفوة التصوف)) له (ص١١١).
(٧) هو: عطاء بن أبي رباح، مفتي مكة ومحدثهم، القدوة العلم، أبو محمد ابن أسلم
القرشي مولاهم، المتوفى سنة أربع عشرة ومائة.
((حلية الأولياء)) (٣١٠/٣ - ٣٢٥)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٨/١).
(٨) ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٣١٤/٣).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٩٥
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
ونحوه قولُ شيخِنا: الإجماعُ على القول بصحة الخبر أقوى في إفادة
العلم من مجرَّد كثرةِ الطرق، وكذا من القرائنِ المُحْتَفَّة التي صرَّح غيرُ واحد
بإفادتها العلمَ؛ لا سيما وقد انضمَّ إلى هذا التلقِّي الاحتفافُ بالقرائن، وهي
جلالةُ قدرٍ مصنِّفيهما، ورسوخُ قدمهما في العلم، وتقدُّمهما في المعرفة
بالصناعة، وجودةُ تمييز الصحيح من غيره، وبلوغُهما أعلى المراتب في
الاجتهاد والإمامةُ في وقتهما(١) .
على أنَّ شيخَنا قد ذكرَ في توضيح النخبة(٢): أنَّ الخلافَ في التحقيق
لفظي، قال: لأن من جَوَّز إطلاقَ العلم فيَّده بكونه نظرياً، وهو الحاصلُ عن
الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خصَّ لفظَ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده ظني،
لكنه لا ينفي أنَّ ما احتفَّ بالقرائن أرجحُ مما خَلا منها(٣) .
(و) لأجل كونه نظرياً قيل (في الصحيح) لكلٍّ من البخاري ومسلم:
(بعض شيء) وهو يزيدُ على مائتي حديث(٤)، (قد روي) حال كونه (مضعَّفاً)(٥)
بالنسبة لبعض من تأخر عنهما، وفاتَ بذلك فيه تلقي كل الأمة المشار إليه.
ومن ثم استثناه ابنُ الصلاح من القطع بقوله: سوى أحرف يسيرة تكلم
عليها بعضُ أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني(٦)، وغيره(٧)، وهي معروفة
٤٢
(١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٧٨/١)، و((شرح النخبة)) (ص٢٠ - ٢٢).
(٢) (ص٢٠).
(٣) وممن صرح بأن الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري الغزالي في ((المنخول))
(ص٢٤٠)، والرازي في ((المحصول)) (٤٠٢/١/٢ - ٤٠٣)، والآمدي في ((الإحكام))
(٣٢/٢)، وابن الحاجب في ((مختصره)) (٥٥/٢).
(٤) عدتها كما في ((هدي الساري)) (ص٣٤٦) مائتان وعشرة أحاديث، في البخاري منها
ثمانية وسبعون، وفي مسلم مائة حديث، واشتركا في اثنين وثلاثين حديثاً.
(٥) في حاشية (س) (في نسخة معتمدة مضعف). فالنصب على الحالية، والرفع صفة
لبعض، كما في ((فتح الباقي)) للشيخ زكريا الأنصاري (٧٠/١).
(٦) في كتاب أسماه ((التتبع)) طبع بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، مع الإلزامات
الذي سبقت الإشارة إليه (ص٥٤).
(٧) كأبي مسعود الدمشقي في أطرافه، وأبي الفضل ابن عمار في تصنيف لطيف، وأبي
علي الجياني في جزء العلل، والتقييد. انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (٢٧/١)،
و((هدي الساري)) (ص٣٤٦)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٣٨١/١).

حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
٩٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عند أهلِ هذا الشأن. انتهى(١).
ولا يمنعُ الاستثناءَ اجتهادُ جماعة في الجواب عنه، ودفع انتقاد ضعفه،
وأفردَ الناظمُ مؤلفاً لذلك عُدمت مسودتُه قبل تبييضها(٢)، وتكفَّل شيخُنا في
مقدمة شرح البخاري بما يخصُّه منه(٣)، والنووي في شرح مسلم بما يخصه
منه(٤)، فكان فيهما - مع تكلف في بعضه - إجزاء في الجملة.
وأمَّا ما ادَّعاه ابنُ حزم في كون كل واحد من الشيخين - مع إتقانه وحفظه،
وصحة معرفته - تَمَّ عليه الوهم في حديث أورده، لا يمكنُ الجوابُ عنه، وحكم
على حديث مسلم(٥) خاصة بالوضع، فقد ردّه بعضُ الحفاظ في جزء مفرد (٦).
وأوضحتُ الكلامَ على ذلك مع مهمات كثيرة في هذا الباب وفي غيره
في النكت، لا يستغني من يروم التبخّرَ في الفن عنها .
ويستثنى من القطع - أيضاً - ما وقعَ التجاذبُ بين مدلوليه، حيث لا
ترجيحَ، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما
على الآخر، قاله شيخنا(٧).
(و) كذا (لهما) في [صحيحيهما](٨) (بلا سند) أصلاً، أو كامل، حيثُ
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٢٥).
(٢) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٤٢)، وذكر ابن الناظم الولي أبو زرعة أنها ضاع منها
كرَّاسان أولان، فكان ذلك سبب إهمالها، وعدم انتشارها كما في ((النكت)» لابن حجر
(٣٨٠/١).
(٣) انظر: ((هدي الساري)) (ص٣٤٦ - ٣٨٣).
(٤) فرَّقه في مواضعه من الشرح المذكور، كما في مقدمته (٢٧/١).
(٥) الذي رواه ابن عباس: أن أبا سفيان قال للنبي ويتر: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن، قال:
نعم ... الحديث أخرجه مسلم في ((فضائل أبي سفيان))، من كتاب الفضائل (١٦ / ٦٢
- ٦٣). حكم عليه ابن حزم بالوضع في إحكامه (٧٦٣/٦ - ٧٦٤)، وحديث البخاري
هو حديث الإسراء الطويل الذي أخرجه في كتاب التوحيد (٤٧٨/١٣ - ٤٧٩)، وكلام
ابن حزم في جزء له انتقد فيه هذين الحديثين، مطبوع ضمن مجلة عالم الكتب - عدد
٤ مجلدا سنة ١٤٠١، وانظر: ((فتح الباري)) (١٣ /٤٨٤).
(٦) كما رده الحافظ العراقي في جزء له. انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٤٢).
(٧) في ((شرح النخبة)) (ص٢٢ - ٢٣).
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م) (صحيحهما).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٧
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
أضيف لبعض رواته، إمَّا الصحابي أو التابعي فمن دونه، مع قطع السند مِمَّا
يليهما (أشيا) بالقصر للضرورة، كأن يقالُ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَه، أو قال ابنُ
عباس، أو عكرمة (١)، أو الزهري.
والجمعُ بالنظر إليهما معاً، إذ ليسَ عندَ مسلم بعد المقدِّمة مِمَّا لم يوصله
فيه سوی موضع واحد(٢) .
والحكمُ في ذلك مختلف (فإن يجزم) المعلِّق منهما بنسبته إلى الرسول ﴾
أو غيرهِ مِمَّن أضافه إليه (فصحِّح) أيها الطالبُ إضافته لمن نُسِبَ إليه، فإنه لن
یستجیزَ إطلاقه إلا وقد صحَّ عنده عنه.
(١) هو: عكرمة البربري مولى ابن عباس أبو عبد الله، أحد الأئمة الأعلام، المتوفى سنة
خمس ومائة.
((طبقات المفسرين)) للداوودي (٣٨٠/١)، والخلاصة (ص٢٢٩).
(٢) وهو في التيمم من صحيحه (٦٣/٤ - ٦٤) قال مسلم: وروى الليث بن سعد عن
جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول:
أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ◌ّ حتى دخلنا على أبي
الجهم، كذا في مسلم، وصوابه كما في البخاري وغيره أبو الجهيم بالتصغير - ابن
الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: ((أقبل رسول الله وَّله من نحو بئر
جمل ... الحديث. وقد أسنده البخاري: في باب التيمم في الحضر، من كتاب التيمم
(٤٤١/١) عن يحيى بن بكير عن الليث.
وفي مسلم - أيضاً - خمسة أحاديث يرويها مسلم متصلة، ثم يقول: ورواه فلان.
وفيه ستة أحاديث متصلة الأسانيد، لكن أبهم في كل واحد منها اسم من حدثه، أربعة
منها موصولة، واثنان لم يوصلهما في مكان آخر، وهما :
١ - حديث عمرة عن عائشة
◌ّا قالت: ((سمع رسول الله صل صوت خصوم
بالباب ... )) الحديث، أخرجه مسلم: باب استحباب الوضع من الدَّين، كتاب
المساقاة (٢١٩/١٠ - ٢٢٠).
٢ - حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ◌َّر قال: ((إن الله يت إذا أراد رحمة أمة من
عباده قبض نبيها قبلها ... )) الحديث، رواه مسلم: باب إذا أراد الله - تعالى - رحمة
أمة قبض نبيها قبلها، كتاب الفضائل (٥٢/١٥). انظر: كتاب ((صيانة صحيح مسلم))
(ص٧٦ - ٨١)، و(شرح النووي على مسلم)) (١٦/١ - ١٨)، و((النكت)) لابن حجر
(٣٤٤/١ - ٣٥٤).

حکمُ الصَّحیحین الماضي ذكرُهما
٩٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولا التفاتَ لمن نقضَ هذه القاعدة (١)، بل هي صحيحة مُطَّردة، لكن مع
عدم التزام كونه على شرطه.
٤٣
(أو) لم يأت المعلِّق بالجزم، بل (وردَ ممرضاً فلا) تحكمْ له بالصحة عنده
عن المضاف إليه بمجرد هذه الصيغة، لعدم إفادتها ذلك، وحينئذ فلا يُنتقد بما
وقع بها مع وصله له في موضع آخر من كتابه.
على أنَّ شيخَنا - وهو من أئمة الاستقراء خصوصاً في هذا النوع - أفادَ
أنه لا يتفق له مثل ذلك إلا حيث علقه بالمعنى، أو اختصره، وجزم بأنَّ ما
يأتي به بصيغة التمريض - أي فيما عداه - مشعر بضعفه عنده إلى من علقه عنه،
لعلة خفية فيه، وقد لا تكونُ قادحة، ولذلك فيه ما هو حسن(٢)، بل وصحيح
عند بعضٍ الأئمة، بل رواه مسلم في صحيحه(٣).
(١) بأن البخاري أخرج حديثاً قال فيه: قال عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة
عن النبي ◌َّم قال: ((لا تفاضلوا بين الأنبياء ... )) الحديث، أخرجه البخاري: في باب
وكان عرشه على الماء. كتاب التوحيد (٤٠٥/١٣). لكن أبا مسعود الدمشقي حكم
على البخاري بالوهم؛ لأن عبد الله بن الفضل يروي عن الأعرج، لا عن أبي سلمة.
وقد رواه البخاري عن الأعرج موصولاً في باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ
الْمُرْسَلِينَ ﴿َ﴾ [الصافات: ١٣٩] كتاب الأنبياء (٤٥٠/٦ - ٤٥١)، لكن الحافظ ابن
حجر حقق أن لعبد الله بن الفضل في هذا الحديث شيخين. انظر: ((هدي الساري))
(ص١٨)، و((فتح الباري)) (٤١٤/١٣)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٣٦٢/١).
(٢) كقوله: في باب لا يجمع بين متفرق، من كتاب الزكاة (٣١٤/٣): ويذكر عن سالم
عن ابن عمر رضيها عن النبي ◌َّار: ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع)).
وهو حديث حسن كما في ((النكت)) (٣٣٧/١)، وأخرجه أبو داود: باب زكاة السائمة،
كتاب الزكاة رقم (١٥٦٨)، والترمذي باب زكاة الإبل والغنم من أبواب الزكاة رقم
(٦٢١)، وأحمد في المسند (١٥/٢).
(٣) ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٢٥/١ - ٣٢٦)، ومثال ما رواه مسلم من ذلك: حديث
عبد الله بن السائب، قال: ((قرأ النبي ◌ّطلقة المؤمنون في الصبح ... )) الحديث، رواه
البخاري: باب الجمع بين السورتين، كتاب الأذان (٢٥٥/٢) بصيغة التمريض يذكر،
وأخرجه مسلم: في باب القراءة في الصبح، كتاب الصلاة (١٧٧/٤)، وأبو داود: في
باب الصلاة في النعل، رقم (٦٤٩)، والنسائي في باب قراءة بعض السورة من كتاب
الصلاة (١٧٦/٢)، وابن ماجه: في باب القراءة في صلاة الفجر، كتاب إقامة الصلاة
رقم (٨٢٠)، وأحمد في ((المسند)) (٤١١/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٩
حكمُ الصَّحيحين الماضي ذكرُهما
وما قاله هو التحقيقُ، وإنْ أوهم صنيعُ ابنِ كثير خلافَه(١)، (ولكن) حيث
تجرَّدت، فإيرادُ صاحب الصحيح للمعلَّق الضعيف، كذلك في أثناء صحيحه
(يُشعر بصحة الأصل له) إشعاراً يؤنس به، ويركن إليه(٢).
وألفاظُ التمريض كثيرة (كيُذكر) ويُروى، ورُوي، ويُقال، وقِيل،
ونحوها، واستغني بالإشارة إلى بعضها عن أمثلة الجزم، كَذَكر، وَزَاد، ورَوَىُ،
وقال، وغيرها لوضوحه.
حتى نقلَ النوويُّ اتفاقَ محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما كذلك،
وأنَّه لا ينبغي الجزمُ بشيء ضعيف؛ لأنَّها صيغة تقتضي صحتَه عن المضاف
إليه، فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صحَّ.
قالَ: وقد أهملَ ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرِهم، واشتدَّ
إنكارُ البيهقي على من خالف ذلك، وهو تساهل قبيح جداً من فاعله؛ إذ يقول
في الصحيح: يُذكر ويُروى، وفي الضعيف: قال ورَوى، وهذا قلبٌ للمعاني،
وحَيْد عن الصواب.
قال: وقد اعتنى البخاري تَُّ باعتبار هاتين الصيغتين، وإعطائهما
حكمَهما في صحيحه، فيقول في الترجمة الواحدة بعضَ كلامه بتمريض،
وبعضه بجزم، مراعياً لما ذكرنا(٣)، وهذا مشعر بتحرِّيه وورعه. انتهى(٤).
(١) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص٣٤).
(٢) انظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٢١).
(٣) انظر: مثلاً: قوله: في باب اغتسال الصائم، كتاب الصوم (١٥٣/٤): وبل ابن
عمر ◌ًا ثوباً فألقي عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمام وهو صائم، وقال ابن
عباس: لا بأس أن يتطعم القِدْرَ أو الشيء، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد
للصائم، وقال ابن مسعود: إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً، وقال
أنس: إن لي أَبْزن أتقحم فيه وأنا صائم، ويُذكر عن النبي ◌َّر أنه استاك وهو صائم.
ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة آثار عن ابن عمر وعطاء وابن سيرين بصيغة الجزم. والأبزن - بفتح
الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها نون -: حجر منقور شبه الحوض، وهي كلمة
فارسية، ولذلك لم يصرفه، وأتقحم فيه أي أدخل. انظر: ((فتح الباري)) (١٥٤/٤).
(٤) انظر: مقدمة ((شرح النووي على البخاري)) (ص١٤) المطبوع ضمن ((مجموعة شروح
البخاري)).

حکمُ الصَّحیحین الماضي ذکرُهما
١٠٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وستأتي المسألةُ في التنبيهات التي بآخر المقلوب(١).
والحاصلُ: أنَّ المجزومَ به يُحكم بصحته ابتداء، وما لعله يكون كذلك
من الممرض إنَّما يُحكم عليه بها [بعد](٢) النظر، لوجود الأقسام الثلاثة فيه
فافترقا .
وإذا حكمتَ للمجزوم به بالصحة، فانظر فيمن أبرزَ من رجاله تجد مراتبه
مختلفة، فتارة يَلتحق بشرطه، وتارة يَتقاعد عن ذلك، وهو إمَّا أن يكون حسناً
صالحاً للحجة، كالمعلَّق عن بَهْز بن حكيم (٣) عن أبيه (٤) عن جده رفعه: ((الله
أحقُ أن يُستحيى منه مِنَ الناس))(٥)، فهو حسن مشهور عن بَهْز أخرجه أصحابُ
السنن(٦).
بل ويكونُ صحيحاً عند غيره(٧)، وقد يكونُ ضعيفاً، لكن لا من جهة
قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، كالمعلَّق عن طاوس (٨)،
(١) (١٥٠/٢ - ١٥١).
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (بعض).
(٣) هو: بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، أبو عبد الملك البصري، وثقه ابن
معين وابن المديني والنسائي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. توفي قبل الستين ومائة.
((الجرح والتعديل)) (٤٣٠/١/١ - ٤٣١)، ((تهذيب الكمال)) (٢٥٩/٤ - ٢٦٣).
(٤) هو: حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري التابعي، وثقه العجلي وابن حبان، وقال
النسائي: لا بأس به.
((ترتيب ثقات العجلي)) (ص ١٣٠)، و(تهذيب التهذيب)) (٤٥١/٢).
(٥) ((صحيح البخاري)): باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، كتاب الغسل (٣٨٥/١).
(٦) أخرجه أبو داود: باب ما جاء في التعري، كتاب الحمام رقم (٤٠١٧)، والترمذي:
باب ما جاء في حفظ العورة من أبواب الأدب رقم (٢٧٦٠)، وابن ماجه: باب التستر
عند الجماع، كتاب النكاح رقم (١٩٢٠)، وأحمد في ((المسند)) (٣/٥ - ٤).
(٧) مثاله قوله: في باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا، كتاب الأذان (١١٤/٢): وقالت
عائشة: ((كان النبي وَلا يذكر الله على كل أحيانه)).
وهو حديث صحيح على شرط مسلم، فقد أخرجه موصولاً في ((صحيحه)): باب ذكر الله
- تعالى - في حال الجنابة وغيرها، كتاب الحيض (٦٨/٤).
(٨) هو: طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم الفارسي، ثقة فقيه
فاضل. مات سنة ست ومائة.
((الكاشف)) (٤١/٢)، والتقريب (ص١٥٦).