النص المفهرس
صفحات 161-180
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦١ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه وقال مرَّةً: ((اجتمع عليٌّ، وابنُ معين، وأحمدُ، وأبو خَيْئَمة، وشيوخٌ من أهلِ العلم يتذاكرون حديثَ عَمْرٍو بن شعيب فتَبَّتوه، وذكروا أنَّه حُجة))(١). وقال أبو جعفر أحمدُ بنُ سعيد الدارمي(٢): ((هو ثقةٌ، رَوَى عنه الذين نَظَروا في الرجال، مثلُ أيوبَ، والزهريّ، والحَكَم، واحتجَّ أصحابُنا بحديثِه، وسمع أبوه من عَبد الله بن عَمْرو))(٣). الكندي، وأبي حازم، وأبي ريحانةَ وغيرِهم، بألفاظِ متقاربةٍ وفي بعضِها زيادةٌ، وليس = في شيءٍ منها لفظُ البخاري الآنف. ولم يُورِدْ شيئاً عن ابن مسعود، ويغلبُ على الظنِّ أنَّ حديثَه المشارَ إليه عندَ الترمذي قريبُ اللفظ من حديثٍ أبي الأحوص عن أبيه، وعمرانَ بنِ حصين. قلتُ: ثم جاءَ الله بحديثِ ابنِ مسعود، فوقَفتُ عليه عندَ الطيالسي في «مسنَدِه)): ٤٠ برقم (٣١٢) بسندٍ فيه إبراهيمُ بنُ مسلم الهَجَري - وهو لَيِّنُ الحديثِ - بلفظ: (إذا آتّاك الله مالاً فَلْيُرَ عليك)، وفيه زيادةٌ. ونَسْتَخْلِصُ من كلِّ ما مَضَى أنَّ اللفظَ الذي عَلَّقه البخاريُّ مدارُه على عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وأنَّ البخاريَّ استشهدَ برِوَايَتِهِ، وأنَّ الذين رَجَّعُوا نُسخَة بَهزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جدِّهِ على نُسخةٍ عَمرِو بنِ شُعَيب عن أبيه عن جدّه - كما في ((التدريب)) (٢٪ ٢٥٩) - بحُجَّةِ أنَّ البخاريَّ اسْتَشْهَدَ بالأُ ولى دون الثانية قدْ غَفَلُوا عن هذا. والله أعلم. تنبيهان : أ - أوردَ الهيثميُّ في ((المجمع)) (١٣٣/٥) حديثَ أبي الأحوص عن أبيه، وهو عند أبي داود، والنسائي كما تقدم. ب - ذَكرَ الحافظُ في ((الفتح)) (٢٥٣/١٠) أنَّ إسنادَ حديثٍ عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قد انقَلَب على بعض الرواة. ودخلَه التصحيفُ، فقد ذكرَ ابنُ أبي حاتم في ((العلل)) (٤٨٨/١) أنه سألَ أَباه عن حديثٍ رواه أبو عبيدةَ الحَدّاد عن همّام عن قتادةَ عن عَمْرو بنِ سَعِيد عن أنس مرفوعاً: ((كُلُوا واشرَبوا في غير سَرَفٍ ولا مَخِيلة))، فقال: هذا خَطأُ وذكرَ أنَّ الصوابَ: قتادةُ عن عَمْرٍو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدّهِ مرفوعاً. وتصحَّف أيضاً عند ابن أبي الدنيا في كتاب ((الشَكر)) (٣١) فجاءَ: عَمْرو بن سَعِيد عن أبيه عن جده، وصوابُهَ عَمْرو بنُ شُعَيب عن أبيه عن جده. ثم إنَّ كلامَ أبي حاتم يؤكّد أنَّ مدارَ لفظِ البخاريِّ على عَمْرِو بنِ شُعَيب عن أبيهِ عن جدِّه. (١) (شرح التبصرة)) (٩٣/٣)، و((تدريب الراوي)) (٢٥٨/٢). (٢) الإمام العلامة الفقيه الحافظُ، كان يُنَظّر بأبي زُرعةَ وابنٍ وَارَةَ. مات سنة ٢٥٣ «تاريخ بغداد)) (١٦٦/٤)، و ((السير)) (٢٣٣/١٢). (٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٩/٢)، و(تهذيب التهذيب)) (٥٠/٨). روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ١٦٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وقال أبو بكر النَّيْسابوري: ((صَخَّ سماعُ عَمرِو مِنْ شعيب، وسماعُ شعيب من جدِّه))(١) . وقال يعقوبُ بنُ شَيبة: ((ما رأيتُ أحداً مِن أصحابِنا ممَّن ينظُر في الحديث وينتَقِي الرجالَ يقولُ فيه شيئاً، وحديثُه عندهم صحيحٌ، وهو ثقة ◌َبْت، والأحاديثُ التي أنكروا مِنْ حديثِه إنما هِيَ لِقَوْمِ ضُعَفاءَ رَوَوْها عنه، وما رَوى عنه الثقاتُ فصحیحٌ))(٢) . قال: ((وسمعتُ ابنَ المَدِيني يقولُ: قد سَمع أبوه شعيبٌ من جدِّه عبدِ الله)(٣)، وقال ابنُ المَدِيني: ((هو عندنا ثقةٌ، وكتابُه صحيحٌ))(٣)، وقال الحَسَنُ بنُ سفيانَ: عن إسحاقَ بنِ راهُويه: ((عَمْرُو بنُ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه كَأَيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَر)» (٤). قال النووي في ((شرح المُهذَّب)): ((وهذا التشبيهُ في نِهَايةِ الجَلَالَةِ من مِثلِ إسحاقَ))(٥). وقد أخرج له ابنُ خُزَيمة في (صحيحه)(٦)، والبخاريُّ في ((جُزْءِ القراءة خلف الإمام)»(٧) له على سبيلِ الاحتجاج، وآخرونَ. وخالفَ آخرونَ فضعَّفَه بعضُهم مطلقاً . وبعضُهم في خُصوص روايَتِه عن أبيه عن جدِّه، والإطلاقُ محمولٌ عليه. فقال ابنُ المَدِيني: عن يحيى بن سعيد: ((حديثه عندنا وَاهِي))(٨). وقال المَيْمُوني: ((سمعتُ أحمدَ يقولُ: له أشياءُ منها مَنَاكِيرُ، وإنَّمَا يُكتبُ (١) ((سنن الدارقطني)) (٥٠/٣). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٥٤/٨). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٥٤/٨). (٤) ((الكامل)) (١٧٦٦/٥)، وجاء لفظُه في ((السير)) (١٧٦/٥): (إذا كان الراوي عن عَمْرٍو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه ثقةً فهو كأيوب ... ) إلخ. (٥) ((شرح المهذب)) (١١١/١). (٦) (٨٩/١ - ح ١٧٤). (٧) ((خير الكلام في القراءة خلف الإمام)) (٧). (٨) ((الجرح والتعديل)) (٢٣٨/٦)، ولفظه: (عمرو بن شعيب عندنا واهي)، و((ضعفاء العقيلي)) (٢٧٤/٣)، و((الكامل)) (١٧٦٦/٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٣ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه حديثُه للاعتبار فأمَّا أنْ يكونَ حُجةً فلا))(١). وقال ابنُ أبي خَيثمة: عن ابنٍ معين: ((ليس بذاك))(٢)، وفي روايةٍ عنه: ((هو عن أبيه عن جدِّه كِتَابٌ)) أي وِجَادَةٌ، وليس المرادُ مُكَاتبةً. قال: ((ومن هُنا جاءَ ضعفُه))(٣). وقال الآجُرِّي: «قلتُ لأبي داودَ: هو عندك حجةٌ؟ قال: لا، ولا نصفُ حُجة)(٤). وحكى في ((شرح المهذب)»(٥) أنَّ الشيخَ أبا إسحاقَ نصَّ في كتابه (اللُّمَعِ)) (٦)، وغيرَه من أصحابِنا على أنَّه لا يجوزُ الاحتجاجُ به(٧). هكذا قالَ، وأكثرَ الشيخُ مِنَ الاحتجاج به في ((المُهَذَّب)»(٨)، كأنَّه لِمَا ترجَّحَ عنده حالَ تصنيفه. وفَضَّل الدار قطنيُّ بأنه إنْ أفصحَ بتسميةِ جدِّه عبدِ الله كان صحيحاً، لأنَّ شعيباً سمع منه، ولم يَترك حديثَه أحدٌ من الأئمة، وكذا إنْ قال عن جدِّه: سمعتُ النبيَّ وَّرِ؛ لأنَّ محمداً وَالِدَ شعيبٍ لم يُدركِ النبيَّ وَّهِ، وَإِلَّا فَلَا (٩). وكذا فَصَّل غيرُه بأنَّه إنِ استَوعبَ ذِكرَ آبَائِه - كما وَقَعَ في روايةٍ عندَ ابنِ حبان(١٠) فيها: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن مُحمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عَمرو عن أبيه - فهو حُجَّة، أو يقتصرُ على قولِهِ: عن أبيه عن جدِّه فلا(١١). (١) ((ضعفاء العقيلي)) (٢٧٤/٣). (٢) ((الجرح والتعديل)) (٢٣٩/٦). (٣) ((تاريخ ابن معين)) (٤٦٢/٤)، وقد تصحّفت كلمة ((كِتَاب)) في المطبوع من ((ضعفاء العقيلي)) (٢٧٤/٣) إلى: (كذاب). (٤) ((السير)) (١٦٩/٥)، و((الميزان)) (٢٦٤/٣). (٥) (١١١/١). (٦) (ص٧٥). (٧) ومثله قاله النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٩/٢). (٨) قال النووي في (المصدر السابق): (وهذا مما يُنكَر عليه). يعني تَنَاقُضَ الشيرازي وإلَّا فالنّوَوِي يحتجُ بحديثه كما سيأتي. (٩) ((السير)) (١٧٨/٥). (١٠) في صحيحه («الإحسان)) (٣٥٢/١)، وذلك لحديثِ: (أَلَا أُخبركم بأحبُّكُم إليَّ وأقرَبِكم مني مجلِساً يومَ القيامة؟ ... ) الحديث. (١١) عزا العراقيُّ في ((شرح التبصرة)) (٩٥/٣) هذا الرأي إلى ابنِ حِبَّن. روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ١٦٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لكنْ قد قال العَلَائِيُّ: ((إنَّ ما يَجيءُ فيه التصريحُ بِرِوَايةِ محمدٍ شاقٌ نادِرٌ))(١)، لا سيما وقد قيلَ: إنّه مات في حياةٍ وَالِدِهِ، وأنَّ الذي كَفَلَ شُعيَباً هو جَدُّه(٢) . وبالجُملةِ فالمُعتَمَدُ مِن هذا كلِّه: الأولُ، كما تقدَّمَ(٣). (١) قاله العلائي في (الوَشْي المُعَلّم) الآتي ذكرُه قريباً، (٢) قاله الذهبي في ((الميزان)) (٢٦٦/٣) و((السير)) (١٧٣/٥). (٣) إنَّ الكلامَ في عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه طويلٌ، والخلافَ فيه كثيرٌ، حتى إنَّ بعضَهم ، كيحيى بنِ معين وأحمدَ وابنٍ حِبَّان، وغيرِهم - اختَلَفتْ أقوالُهم فيه. ومدارُ الكلامِ فيه على نَاحِيَتَين: الأولى مرجعُ الَضَمِير في (جدِّه)، والثانيةُ: درجةُ الإسناد المذكور. وأحسَنُ ما رأيتُ في ذلك من الكلام وأعدَلُه ما قاله إمامُ الصَّنعةِ في عَصرِه وما بعده الإمامُ الحافظُ الناقدُ الكبيرُ الذَّهبِيُّ في كتابَيْه ((ميزان الاعتدال)) و((سِيَرِ أعلَام النُبَلاء)» فقد قال تَقْلَُّ: (الرجلُ - يعني عَمراً - لا يعني بجدِّه إلَّا جدَّه الأعلى عبدَ اللهِ نَظَته ... وقد ثبتَ سماعُ شعيبٍ والدِهِ من جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرو ... وما عَلِمْنا بشعيبٍ بأساً رُبِّيَ يَتِيماً في حَجْرِ جدِّه عَبدِ الله، وسمعَ منه، وسافرَ معه ... ثم لم نجد صريحاً [ثابتاً] لعَمْرِو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه محمدِ بنِ عبدِ الله عن النبيِّ وَّهِ. ولكن وَرَدَ نحوٌ من عشرةِ أحاديثَ هَيْئَتُها: عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، وبعضُها عن عَمْرٍو عن أبيه عن جدِّه عبد الله. وما أَدْري هل حَفِظ شعيبٌ شيئاً من أبيه (محمدٍ) أم لا؟ وَأنا عارفٌ بأنَّه لازَمَ جدَّهُ وسَمِعَ منه) ((السير)) (٥/ ١٧٣)، ولما ذَكَر في («الميزان)» (٢٦٥/٣) روايةَ شُعيبٍ عن أبيه محمد، وأنَّها في السُّنَنِ الثلاثِ قال: (ما عَلِمتُها صحَّت، فإنَّ محمداً قديمٌ الوَفَاةِ، وكأنَّه مات شاباً). وممَّنَ صحَّح سماعَ شعيبٍ من جدِّه عبدِ الله، عليٍّ بنُ المَدِيني والبُخَاريُّ، وكذا أحمدُ، وأبو بكر النَّيسابوري، والدارقطنيُّ، والحاكمُ، والبيهقيُّ وغيرُهم كما في ترجمة عَمْرٍو بن شعيب في ((التاريخ الكبير)) (٣٤٢/٦)، و((السير))، وكما في ((التقصِّي)) لابن عبدِ البر (٢٥٥)، و((سُنَنِ الدارقطنيّ)) (٥٠/٣) و((المستدرَك)) (٦٥/٢) و((سنن البيهقي)) (٣٩٧/٧). وقال كَثْتُ عن نُسخَةِ عَمْرِو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: (ولا ريبَ أنَّ بعضَها من قَبِيلِ المُسنَدِ المُتّصِل. وبعضها يجوزُ أَنْ تكونَ روايتُه وِجَادَةً أو سماعاً، فهذا محلُّ نَظَرٍ واحتِمَال. ولسنا ممَّن نعدُ نُسخةَ عَمرٍو عن أبيه عن جدِّه مِنْ أقسام الصحيح الذي لا نِزَاعَ فيه، من أجلِ الوِجَادَةِ، ومِنْ أجْلِ أنَّ فيها مَنَاكِيرَ، فينبغي أنْ يُتَأْمَّلَ حديثُه ويُتَحَايَدَ ما جاءَ منه مُنكَرَاً، ويُروَى ما عدا ذلك في السُّنَن والأحكامِ مُحَسِّنِين لإسناده. فقد احتجَّ به = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٥ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ولكنِ الظاهرُ - كما قال شيخُنا - أنَّ شعيباً إنَّما سمع من جدِّه بعضَ تلك الأحاديثِ، والباقي صَحِيفَةٌ. ويشهدُ له قولُ أبي زُرعةَ: ((روى عنه الثقاتُ، وإنَّما أنكروا عليه كثرةَ روايتِه عن أبيه عن جدِّه، وقالوا: إنّما سمع أحاديثَ يسيرةً، وأخذَ صحيفةً كانت عندَه فرَوَاها، وهو ثقةٌ في نفسه، إنّما يُتَكلَّم فيه بسببٍ كِتَابٍ عندَه، وما أقلَّ ما تُصيبُ عندَه مما روى عن [غيرٍ](١) أبيه عن جدِّه من المُنكَر))(٢) . ونحوُه قولِ ابنِ مَعِينٍ: «هو ثقةٌ في نفسِه، وما رَوى عن أبيه عن جدِّه لا حُجَّةَ فيه، فليس بمُتَّصل، وهو ضعيفٌ مِن قَبِيلِ أنَّه مرسَلٌ، وَجَدَ شعيبٌ كُتُبَ جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرو فكان يَرْويها عنه إرسالاً، وهي صحاحٌ عن عبدِ الله، غيرَ = أئمةٌ كبارٌ، ووثَّقُوه في الجُملة، وتوقفَ فيه آخرون قليلاً، وما عَلِمتُ أنَّ أحداً تَرَكَه). ((السير)) (١٧٥/٥). ولما قال ابنُ عدي في ((الكامل)) (١٧٦٨/٥): (رَوى عن عمرو بن شعيب أئمةُ الناسِ وثقاتُهم، وجماعةٌ من الضعفاء، إلّا أنَّ أحاديثه عن أبيه عن جدِّه عن النبيِ وَلِّ اجْتَنَبَها الناسُ مع احتمالِهِم إيّاه، ولَم يُدخِلوها في صِحَاحِ ما خَرَّجُوه، وقالوا: هي صحيفةٌ). علَّق عليه الذهبيُّ في ((السير)) (١٧٧/٥) بقولِه: (الضعفاءُ الرَاوُون عنه مثلُ المُثنَّى بنِ الصبَّاحِ، ومحمدِ بنِ عبدِ الله العَرْزَمِي، وحَجّاجِ بنِ أَرْطاة، وابنٍ لَهِيعَةَ، وإسحاقَ بنَ أبي فَرْوَةَ، والضَّحّاكِ بنِ حمزةَ ونحوِهم، فإذاَ انفَرَد هذا الضَرَبُ عنه بشيءٍ ضَعُفَ نُخَاعُهُ، ولم يُحتَجَّ به. بل وإذا رَوى عنه رجلٌ مختلَفٌ فيه كأُسامة بن زيد (الليثي). وهشام بنِ سعدٍ، وابنٍ إسحاقَ، ففي النَفْس منه. والأَوْلَى أَنْ لا يُحتجَّ به. بخلافِ روايةٍ حُسِّينِ المُعَلِّمِ، وسليمانَ بنِ موسى الفقيهِ، وأيوبَ السَّخْتِيَانِي فالأَوْلَى أنْ يُحتجَّ بذلك إنْ لمَ يَكُنِ اللفَظُ شاذاً ولا منكراً. فقد قال أحمدُ بنُ حنبل - إمامُ الجَمَاعةِ -: (له أشياءُ مناكير). وخَتَمَ الذهبيُّ كلامَه في «الميزان)» (٢٦٨/٣) على عَمْرٍو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه بقوله: (ولَسْنَا نقولُ: إِنَّ حديثَه مِنْ أعلى أقسامِ الصَحِيحِ، بل هو من قَبِيلِ الحَسَنِ). قلتُ: وهذا أَعَدَلُ الأقوالِ فيه، خاصةً وأنَّ شَعيباً وَالِدَه لا مَغْمَزَ فيه كما قال الذهبي في ((الميزان)) وأضافَ: ولكنْ ما عَلِمتُ أحداً وثَّقه، بل ذكرَه ابنُ حِبَّان في ((تاريخ الثقات)). والله أعلم. (١) ساقطةٌ من النُّسَخ، وزدتُها من ((الجرح والتعديل)) (٢٣٩/٦) وهي مُتَعَيِّنَةٌ، وكذا جاء في ((السير)» (١٦٩/٥) عن أبي زرعة. (٢) ((الجرح والتعديل)) (٢٣٩/٦). روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ١٦٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أنَّه لم يَسمَعْها))(١) . قال شيخُنا: ((فإذا شَهِد له ابنُ معين أنَّ أحاديثَه صِحَاحٌ غيرَ أنَّه لم يَسمعْها، وصحَّ سماعُه لبعضِها، فغايةُ الباقي أنْ يكونَ وِجَادَةً صحيحةً، وهي أحدُ وُجُوهِ التَّحَمّل))(٢). وقد صنَّف البُلْقِينيُّ: ((بَذْلُ الناقِدِ جُهْده في الاحتجاج بعَمْرٍو بنِ شُعَيب عن أبيه عن جده))، [وسَبَقَه العلائيُّ لذلك](٣)، وجَمَعَ مسلمٌ جُزءاً فيما استنكَره أهلُ العلم من حديثٍ عَمْرو بنِ شعيب، والحافظُ عبدُ الغني بنُ سعيد فيمَن رَوَى عنه من التابعين . ٨٥٠ ثم إنَّ هذا القِسمَ الثاني يتنوَّع أنواعاً بالنَّظَر لكثرةِ الآباءِ، وقِلَّتها، (و) قد (سَلْسَلَ الأَبَا) - بالقصر - أبو الفَرَج عبدُ الوهاب بنُ عبدِ العزيزِ بنِ الحارِثِ بنِ أَسَدِ بنِ الليثِ بنِ سليمانَ بنِ الأسودِ بنِ سفيانَ بنِ يزيدَ بنِ أُكَينَةَ بنِ عبدِ الله (التَمِيمِيّ) الفقيهُ الحنبليُّ وهو - كما قال ابنُ الصلاح(٤) - ممَّن كانت له بـ((بغدادَ)) في جامع المنصور حَلْقَةٌ للوَعْظِ والفَتْوى (فَعَدّ) فيما رَوَاهِ رِوَايَتَهُ (عن تسعةٍ) كلّ واحدٍ منهم رَوَى عن أبيه، وذلك فيمَا رَوَاه الخطيبُ قال: ((حدَّثَنَا عبدُ الوهاب - المذكورُ - مِن لفظِه: سمعتُ أَبِي أبا الحَسنِ عبدَ العزيز يقولُ: سمعتُ أَبِي أَبَا بَكرِ الحارثَ يقولُ: سمعتُ أَبِي أَسَداً يقولُ: سمعت أبي الليثَ يقول: سمعت أبي سليمان يقول: سمعت أبي الأسودَ يقول: سمعتُ أَبِي سفيانَ يقولُ: سمعتُ أَبِي يزيدَ يقولُ سمعتُ أَبِي أُكَينةَ يقولُ: سمعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ◌َُه - وقد سُئِلَ عن الحَنّان المَنّان - قال: ((الحَنَّانُ: هو الذي يُقبِلُ على مَن أَعْرَض عنه، والمَنَّنُ: الذي يبدأُ بالنَّوَالِ قبلَ السُؤَال))(٥). (١) (تهذيب التهذيب)) (٥٤/٨) وعزاه للساجي عن ابن معين. (٢) (المصدر السابق)، ومضى فيما أوردتُه عن الذهبي معنى هذا الكلام. (٣) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م) و(الأزهرية). وقال السيوطي في ((التدريب)) (١٥٨/٢): (وقد ألَّف العَلَائِيُّ جزءاً مُفرداً في صِحَّةِ الاحتجاج بهذه النسخةِ، والجواب عمّا ◌ُعِن به عَلَيها). (٤) في ((علوم الحديث)) (٢٨٤). (٥) أخرجه الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (٣٢/١١) عن أبي الفرج المذكور به. وسنَدُه هالكٌ كما سيأتي إيضاحُه. فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٦٧ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه (قلتُ): هكذا اقتصرَ ابنُ الصلاح على هذا العددِ، وقال: ((إنَّه من أظرفِ ذلك))(١)، (و) لكنْ (فوقَ ذا وَرَد) فباثنَي عَشَرَ فيما أخبرَني أبو المَعَالي ابنُ الذَّهبي: أخبرنا أبو هُرَيرة ابنُ الحافظ: أخبرنا البهاءُ أبو محمد بنُ عساكر عن كَرِيمةَ ابنَةِ عبدِ الوهَّابِ حُضُوراً وإجازةً قالت: أخبرَنا مسعودُ بنُ الحَسَن الثقفيُّ، والقاسمُ بنُ الفَضلِ الصَّيْدَلانيُّ، وعبدُ الحالِم بنُ ظَفَر، ومحمدُ بنُ عليٍّ بنِ محمدٍ قالوا: أخبرَنا رِزقُ اللهِ بنُ عبدِ الوهاب التَّمِيمِيُّ: سمعتُ أَبِي أبا الفَرَج عبد الوهاب ... بهذا السَّنَدِ إلى أُكَينةَ قال: سمعتُ أَبِي الهيثمَ يقولُ: سمعتُ أَبِي عبدَ الله يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌َِّ يقول: ((ما اجتمعَ قومٌ على ذِكْرٍ إلَّا حقَّتهمُ الملائكةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرحمةُ))(٢)، وسَنَدُه - كما قال العَلَائِيُّ : - غريبٌ جداً. قال: ((ورِزقُ الله كان إمامَ الحنابلةِ في زمانه، مِن الكبارِ المَشهُورين، متقدِّماً في عِدَّة علومٍ، مات سنةً ثمانٍ وثمانين وأربعمائة. وأبوه إمامٌ مشهورٌ أيضاً، ولكنْ جدُّه عبدُ العزيز متكلَّمٌ فيه كثيراً على إمامَتِهِ، واشتَهَر بوَضْع الحدیثِ. وبقيةُ آبائِهِ مجهولونَ، لا ذِكْرَ لهم في شيءٍ من الكُتُبِ أصلاً . وقد خَبَّطَ فيهم عبدُ العزيز أيضاً بالتَّغْبِيرُ(٣). أي فزادَ في الثاني أباً لِأُكَينَةَ - وهو الهيثمُ - وجعله من روايةِ أبيه عبدِ الله، وجعلَه صحابيًّا . وبأربعةَ عشرَ في عِدَّةِ أحاديثَ، منها : ما رواه أبو سعدِ بنُ السمعاني في ((الذيلِ)) قال: ((أنا أبو شجاع عُمرُ بنُ (١) ((علوم الحديث)) (٢٨٤). (٢) أخرجه العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٩٧/٣) من طريقٍ رزقِ الله التميمي، والحافظُ العلائي في ((الوشي المُعَلّم)) ومن طريقِه العراقيُّ كما في ((المناهِلِ السلسلة)) (٢١٨). وسيأتي كلامُ العلائيِّ على سَنَدِهِ. وأما متنُ الحديثِ فصحيحٌ أخرجه مسلمٌ في ((الذكر)»: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن)» (٢٠٧٤/٤) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وفيه زيادة. (٣) (الوَشْيُ المُعَلّم) قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٩٨/٣) و((التقييد والإيضاح)) (٣٤٨). روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ١٦٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث أبي الحَسَن البِسْطَاميُّ الإمامُ بقراءتي، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ عليّ بنِ ياسر الجَيَّانِيُّ من لفظه قالا: ثنا السيدُ أبو محمدٍ الحسنُ بنُ عليّ بنِ أبي طالب من لفظِه بـ(بَلْخ)): حدَّثَنِي سَيِّدي وَالدِي أبو الحسن عليُّ بنُ أبي طالبٍ سنةَ ستٍ وستين وأربعِمائة: حدثني أبي أبو طالبٍ الحسنُ بنُ عُبَيدِ الله سنةَ أربعٍ وثلاثين وأربعمائة: حدثني والدي أبو عليٍّ عُبِيدُ الله بنُ محمدٍ: حدثني أَبِيَ محمدُ بنُ عُبيدِ الله: حدثني أَبِي عُبيدُ الله بنُ عليٍّ: حدثني أَبِي عليُّ بنُ الحَسَن: حدثني أَبِي الحَسنُ بنُ الحُسَين: حدثني أَبِي الحُسَينُ بنُ جَعفر - وهو أَوَّلُ مَنْ دخل (بَلْخَ)) مِن هذه الطائفةِ -: حدثني أَبِي جعفرُ المُلَقَّبُ بالحُجةِ: حدثني أبي عُبيدُ الله: حدَّثني أَبِي الحُسينُ الأصغرُ: حدثني أَبِي زَيْنُ العَابِدينِ عليُّ بنُ رَضُْه قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ))(١). الحُسينِ بنِ عليٍّ عن أبيه عن جدِّه عليّ وحديثُ: ((المَجَالِسُ بالأمَانَةِ))(٢). (١) أوردَه العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٩٩/٣) وعزَاه للسمْعَانِي في ((الذيل)). والحديثُ أخرَجه - دون تَسَلْسُلِ - أحمدُ (٢١٥/١، ٢٧١)، والطبرانيُّ في ((الكبير)) (٥٤/١٢)، وابنُ حِبّان في صحيحه ((الموارد)) (٥١٠)، وأبو الشيخ ابنُ حَيَّان في («الأمثال)» (٥) والحاكمُ (٣٢١/٢) وقال: (حديثٌ صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَين) ووافقه الذهبيُّ. بعضُهم من طريقٍ هُشَيم وبعضُهم من طَرِيق أبي عَوَانَةَ كلاهما عن أبي بِشْرٍ - جَعْفَرِ بنِ أبيٍ وَحْشِيّة - عن سَعيدٍ بنِ جُبَير عن ابنِ عباس، وفي بعضِها زيادةٌ. وأخرَجُه الخطيبُ أيضاً في «تاريخ بغداد)) (٢٠٠/٣ - ٣٦٠) عن أنس و(٢٨/٨) عن أبي هريرة. (٢) أخرجه أبو داودَ في ((الأدب)): بابٌ في نَقْلِ الحديث (١٨٩/٥)، وأحمدُ (٣٤٢/٣) من حديثٍ جابر، وفيه زيادةٌ، وفي السَّنَد ابنُ أَخِي جابرٍ وهو مَجهولٌ كما قال المُنذريُّ في ((مختصر أبي داود)) (٢١٠/٧) والمِزِّيُّ في «التحفة)) (٤٠١/٢) حيثُ قال: (لَمْ يُسَمَّ هو ولا أبوه). وأخرَجه القُضَاعي في ((مُسنَدِ الشهاب)) (٣٧/١) والخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (١٦٩/١١) من حديثٍ عليٍّ وفي سنَدِه: الحُسَينُ بنُ عبدِ الله بن ضميرة، كذبه مالكٌ وغيرُه كما في ترجمته في («الميزان)) (٥٣٨/١)، وأخرجه الخطيبُ (٢٣/١٤) من طريقٍ آخرَ عن عليٍّ وفي سنَدِ: مَسْعَدةُ بنُ صَدَقَةَ العَبْدِي قال فيه الدار قطنيُّ: مَتروٌ، كما في («الميزان)» (٩٨/٤). وأخرجه أبو داود في (المصدر السابق)، والترمذيُّ في («البِرِّ والصِلَة)»: باب ما جاء في المجالس أمانة (٣٤١/٤)، وأحمدُ (٣٢٤/٣، ٣٧٩) كلَّهم من طريقِ ابن أبيِ ذِئب عن عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر بن عَتِيك عن جابرٍ مرفوعاً: ((إذا حدَّث الرجلُ بالحديثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فهي أمانة))، لفظُ = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٦٩ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه و(الحَرْبُ خَدْعَةٌ))(١)، و((المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ))(٢)، و((المُسلِمُ مِرْآةٌ المُسْلِم)(٣) . = أبي داود، والآخَرَانِ بلفظٍ قريبٍ جداً منه، وقال الترمذيُّ: (حديثٌ حسن) انتهى. وذلك لأنَّ في سنَدِهِ: عبد الرحمن بنَ عطاءٍ وهو - كما قال الحافظُ: صَدُوقٌ فيه لِينٌ. («التقريب)) (٣٤٦). وبهذا يرتَقِي حديثُ ((المَجَالِس بالأمانة)) إلى الحَسَن. والله أعلم. تنبيهان : أ ◌ِ لم يُشِرِ المِزِّيُّ في ((تهذيب الكمال)) إلى ابنِ أخي جابرٍ في الرُّوَاة عن جابرٍ، كما أنَّ الحافظَ في (التقريب)) (٧٠٤) لم يَذكُرْهُ في فَصْلِ مَنْ قِيلَ فِيه: (ابنُ أخي فُلَانْ). ب - أَوْرَدَ السيوطيُّ حديثَ ((المجالس بالأمانة)) في ((الجامع الصغير)) (٢٦١/٦) من حديثٍ عليٍّ ورَمَزَ لَحُسْنِهِ، وعلَّق عليه المُنَاوِيُّ بقوله: (وقضيةُ كلام المصنفِ أنَّ ذا ممّا لَمْ يُخَرَّجْ في أحدٍ دَوَاوين الإسلام الستةِ، وهو ذُهُول، فقد عَزَاهَ هو في ((الدُّرَرِ)) لابنِ ماجه من حديثٍ جابرٍ بهذا اللفظ). وفي هذا الكلام نَظَرٌ من وجوهٍ: أولاً : تحسينُ الَسيوطيّ لحديثِ عليٍّ وقد مضَى بيانُ حالٍ سَنَدَيْهِ. ثانياً: قولُ المُنَاوِي: إنَّ السيوطيَّ عَزَاهُ في ((الدُرَر)) لابن ماجه من حديثٍ جابٍ. والذي رأيتُه في ((الدُرَرِ)) (١٥٩) عَزْوُهُ لأبي داودَ. ثالثاً: لم يُخرج ابنُ ماجه هذا الحديثَ عن جابرٍ ولا غيره. واللهُ أعلمُ. (١) أخرجه البُخَاري في ((الجهاد)): باب الحرب خَدْعة (١٥٨/٦)، ومسلمٌ في ((الجِهاد)): باب جوازِ الخِدَاعِ في الحَرب (١٣٦١/٣) كلاهما عن أبي هُرِيرةَ وجابِرٍ . وخدعة: فيها ثلاَثُ رواياتٍ: الأُولى - وهي أَصَحُها واللغةُ الفُصْحَى -: فتحُ الخاءِ المعجمةِ وسكونُ الدالِ المهملةِ، ومعناها: أنَّ الحَرْبَ يَنْقَضِي أمُرُها بِخَدْعَةٍ واحدةٍ، فإذا خُدِعَ المُقاتلُ مرَّةً واحدةً لم تكنْ لها إِقَالَةٌ. الثانية: ضمُّ الأولِ وإسكانُ الثاني، وهو الاسم من الخِدَاعِ. الثالثةُ: ضمُّ الأول وفتحُ الثاني أي أنها تَخْدعِ الرِجالَ وتُمَنِّيهِم، ولا تَفِي لهم، كما يقالُ: فلانٌ ضُحَكَةٌ أي كَثِيرُ الضَّحِك. ((النهاية)) (١٤/٢). (٢) أخرجه أبو داود في ((الأدب)): باب في المَشُورة (٣٤٥/٥)، والترمذيّ في ((الأدب)): بابُ أنَّ المستشارَ مُؤْتَمَن (١٢٥/٥)، وابنُ ماجه في ((الأدب)): بابُ المستشار مؤتمنٌ (١٢٣٣/٢) والبخاريُّ في ((الأدَبِ المُفْرَد)) (٩٩)، كلِّهم من حديث أبي هريرة، وقال الترمذيُّ: (حديثٌ حسنٌ). وأخرجه أحمدُ (٢٧٤/٥) وابنُ حبَّان في صحيحه ((الموارد)) (٤٨٨) من حديث أبي مسعود الأنصاري. (٣) أخرجه أبو داود في ((الأدب)): بابٌ في النصيحة (٢١٧/٥)، والترمذيُّ في ((البِرِّ = روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه ١٧٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال شيخُنا: ((ولفظهُ: حدَّثني سيِّدي وَالِدِي(١). وهو اصطلاحٌ لا يُعرَف في المُتَقدمين، والمتونُ مُنكَرةٌ بهذا الإسنادِ))، يعني لكونها جاءَت من غيرِ هذا الطريق(٢). وقد أخرج أَوَّلَها أحمدُ، وابنُ مَنِيع، والطبرانيُّ عن ابنِ عباس، وغيرُهم عن أنس. ونحوُه قولُ ابنِ دِحْيَةَ في ((المَّوْلِد))(٣): أَخبرَتني خالةٌ أَبِي أَمَةُ العزيزِ قالتْ: حدَّثني جدِّي الحسنُ قال: حدثني أَبِي عبدُ الله: حدثني أَبِي الحُسَينُ: حدثني أَبِي جعفرٌ: حدثني أبي عليٍّ: حدثني أبي محمدٌ: حدثني أبي عليٍّ: حدثني أبي مُوسى: حدثني أبي جعفرٌ: حدثني أبي محمدُ البَاقِرُ: حدثني أبي عليٍّ: حدثني أبي الحُسَين: حدثني أبي عليُّ بنُ أبي طالب قال: ((كان لي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي بِبَدرٍ)) (٤). نقلتُه من خَطّ مُغْلُطاي. وقد صنَّفَ ابنُ أبي خَيْئمةَ جُزْءاً فيمَن رَوى عن أبيه عن جدِّه وهو - فيما أعلَمُ - أوَّلُ مُصَنِّفٍ فیه. وكذا المِزِّيُّ، وأرسَلَ به إلى الدِّمْيَاطي - شيخِه - لكونه كان أَرسلَ إليه مِن ((مصرَ)) يسألُه عن جُمَلٍ من ذلك. والعَلَائِيُّ وهو أجمعُ مُصنَفٍ في ذلك سمَّاهُ: ((الوَشْي المُعلم فيمَن رَوَى والصِلَة)): باب ما جاء في شَفَقَةِ المُسلم على المسلم (٣٢٥/٤)، والبخاريُّ في ((الأدب = المفرد)» (٩٣) كلَّهم من حديث أبي هريرة، ولفظُ الأول: (المُؤْمنُ مِرْآةُ المُؤْمِن)، والثاني: (إنَّ أحدكم مرآة أخيه)، والثالثِ: (المُؤْمنُ مِرْآةً أخِيه) وفيها زيادةٌ. وسنَدُ أبي داودَ والبخاريِّ حَسَنٌ كما قال العراقيُّ في ((تخريج الإحياءِ)) (٢/ ١٨٢) وسنَدُ الترمذي فيه رَاوٍ ضعيفٌ. (١) يعني في تَسَلْسُلِ تلكَ الأحاديثِ بالسَّنَدِ المُتَقَدِّم. (٢) مضى بيانُها في تخريجها وانظُرها مسلسلةً في ((المناهل السلسلة)) (٢١٣ _ ٢١٥). (٣) يعني كتابة: ((التنوير في مولد السراج المنير)) ((الأعلام)) (٢٠٢/٥). (٤) أخرجه البخاريُّ في ((البيوع)): باب ما قيل في الصُوَّاغ (٣١٦/٤) - ومواطنَ أُخرَ - ومسلمٌ في ((الأشربة)): باب تحريم الخمر (١٥٦٨/٣) كلاهما من طريق الزُّهري عن عليٍّ بنِ الحُسَين به. والشارِفُ: الناقةُ المُسِنَّةُ. ((النهاية)) (٤٦٢/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧١ روايةُ الآباءِ عن الأبناءِ، وعكسُه عن أبيه عن جدِّه عن النبيِّ وٍَّ)(١)، وقد لَخَّصَهُ شيخُنَا(٢). وذكر أبو الفَضْلِ ابنُ طاهرٍ في آخِرِ كتابِهِ في ((المُبْهَمَاتِ)) منه فصلاً كبيراً(٣)، والقُطْبُ القَسْطَلَّانِيُّ منه جُمْلَةً(٤). (١) قال الحافظُ في ((النزهة)) (٦٠): (وقسّمهُ أقساماً، فمِنهُ ما يعودُ الضميرُ فِي قولِ: (عن جدِّه) على الرَّاوِي، ومنه ما يعودُ الضميرُ فيه على أبيهِ. وبيَّن ذلك وحقَّقه وخرَّج في كل ترجمةٍ حديثاً مِنْ مَرْوِيِّه). (٢) قال في ((النزهة)) (٦٠): (وزدتُ عليه تراجِمَ كثيرةً جداً). (٣) أوردَه العراقيُّ في كتابِهِ ((المستفاد من مهمات المتن والإسناد)) (١١٧) عن ابنِ طاهر. (٤) في كتابه ((الإِفْصَاح عن المُعْجَمِ مِن إيضاحِ الغَامِضِ والمُبْهَم)). السَّابِقُ واللَّحِقُ ١٧٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (الشَّابِقُ واللَّحِقُ)(١) وهو نوعٌ ظَرِيفٌ سمَّاه كذلك الخطيبُ (٢)، وأمَّا ابنُ الصلاح فإنَّه قال: (معرفةُ مَنِ اشترَكَ في الروايةِ عنه رَاوِيانِ متقدّمٌ ومتأخرٌ))(٣). وفائدةُ ضبطِه: الأَمْنُ مِنْ ظَنِّ سُقوطِ شيءٍ في إسنادِ المُتَأخِّر، وتَفَقُّهُ الطالب في معرفةِ العالي والنازِل، والأقدَمِ من الرواة عن الشيخ، ومَنْ به خُتِم حديثُه، وتقريرُ حَلاوةِ علوِّ الإسنادِ في القلوب. وعلى الأخيرةِ اقتصرَ ابنُ الصلاح(٣)، لكنْ قالَ ابنُ كثيرٍ: ((وقد أكثرَ المِزِّيُّ في ((تَهْذِيبِه)) من التعرّضِ لذلك - يعني كَوْنَ فلانٍ آخِرَ مَنْ رَوَى عن فلانٍ - وهو مما يتحلَّى به كثيرٌ من المحدِّثين، وليس من المُهِمَّاتِ فيه))(٤). وهو مُتَعَقَّبٌ بأوّلِ فوائِدِه(٥) . ٨٥١ ٨٥٢ (وصنَّفُوا) كالخطيبِ، ثم الذهبي(٦) (في سابقٍ ولاحقٍ، وهو اشتراك رَاوِيَين سابقٍ موتاً كزهري) وهو محمدُ بن مُسلمٍ بنِ شِهاب، (و) لا حقٍ (ذِي تَدَارُكِ) للسابِقِ (كابْنِ دُوَيْدٍ) بمهملتَين مصغر هو زَكريا الكِنْدِيُّ، فإنَّهما (رَوَيَا) جميعاً (عن مالك) بن أنس، و(سبعٌ) - بسين مهملةٍ، ثم موحدةٍ - و(ثلاثونَ) من السنين (وقَرْنٌ وَافِي) أَي تامّ (أُخِّر) - بضم أَوّله - ابنُ دُوَيدٍ بها عن الزهري، فإنه كانتْ وفاتُه في سنةٍ نيِّفٍ وستين ومائتَين، والزهريُّ مات في سنة أربعٍ وعشرينَ ومائةٍ. ٨٥٣ (١) وهو النوعُ السادسُ والأربعون من كتاب ابنِ الصلاح. (٢) (السابق واللاحق) (٤٧). (٣) ((علوم الحديث)) (٢٨٦). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) (٢٠٠). (٥) وهي الأَمْنُ مِنْ ظَنِّ سقوطِ شيءٍ في إسناد المتأخِّر. وهي فائدةٌ عظيمةٌ لها أثرها في الحُكْمِ باتصال السندِ أو انقطاعهِ. (٦) واسمُ كتابِهِ: (التَّلْوِيحُ بِمَن سَبَقَ وَلَحِقَ). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٣ السَّائِقُ وِاللَّاحِقُ ولكنَّ التمثيلَ بابْنِ دُوَيدِ غَيرُ جَيِّدٍ، فقد كان كذَّاباً رُمِيَ بالوَضْعِ(١). والصوابُ: أنَّ آخِرَ الرُّواةِ عن مالك - كما قالَه المِزِّي (٢) - أحمدُ بنُ إسماعيلَ السهميُّ، لكنْ لا تبلُغُ المُدَّةُ بَينه وبينِ الزهري ذلك، فإنَّ السهميَّ كانتِ وفاتُه في سنةٍ تسع وخمسينَ ومائتَين، فيكونُ بينه وبينِ الزهري مائةٌ وخمسٌ(٣) وثلاثونَ سنةً. والسهمي وإن كان ضعيفاً أيضاً فإن أبا مصعب شهد له أنه كان يحضر معهم العرض على مالك(٤) . قال ابنُ الصلاحِ: ((ولقدْ حَظِيَ مالكٌ بكثيرٍ من هذا النوع)»(٥) . و(كالجُعْفِيِّ) بضم الجيم، ثم عين مهملة، وفاءٍ - كما سَلَفَ في ((آداب طالِبِ الحديثِ))(٦) - وهو محمدُ بنُ عُمَرَ النَّيْسابوريِّ الزاهدِ (والخَفَّافِ) - بفتح الخاء المعجمة، ثم فاءٍ مشددةٍ نسبةً لعَمَلِ الخِفَافِ أو بَيْعِها - في مُجرَّد طولٍ المدة بين وفاتَيهما، لا في خُصوصِ المدةِ قبلَها؛ إذْ بينَهما مائةُ سنةٍ وثمانٌ(٧) وثلاثونَ سنةً وَأَزْيَدُ (٨)، لأنَّ وفاةَ الجُعْفِيِّ كانت في شوالٍ سِنةَ سِتِّ وخمسين ومائتَين، والخَفَّافِ فِي ثانِي عَشَرَ ربيعِ الأولِ سِنةَ خمسٍ وتسعين وثلاثمائة - وقولُ المصنفِ: ((إنَّها في سنةِ ثلاثَ وتِسْعِين»(٩) غَلَظٌ - مع اشتِرَاكِهما في الروايةِ عن أبي العبّاسِ محمدِ بن إسحاقَ السَّرَّاج، فإنَّ البخاريَّ روى عنه أشياءَ في ((تاريخِه)) وغيرِهِ، وصحَّ سماعُ الآخَرِ منه كما هو بخطّ أبيه أبي نَصْرِ حتى (١) قالَه الحافظُ العراقيُّ فِي ((التقييد والإيضاح)) (٣٥١) و((شرح التبصرة والتذكرة)» (٣/ ١٠١). وذكرَ فيهما أنَّ ابنَ الصلاحِ تَبعَ في ذلك الخطيبَ البغداديَّ حيثُ ذَكَّرَهُ في (السابق واللاحق) (٣٣١). (٢) ((تهذيب الكمال)) (٢٦٦/١). (٣) في النسخ: وخمسة. خطأ . (٤) قال كل ذلك العراقي في (مصدريه السابقين). (٥) (علوم الحديث)) (٢٨٦). (٦) (٣٢٦/٣). (٧) في النسخ: وثمانية. خطأ . (٨) قال الخطيبُ في ((السابق واللاحق)) (٣٢٥): (وبين وفاتَيهما: مائةٌ وتسعٌ - أو ثمانٌ، أو سبعٌ - وثلاثونَ سنةً). (٩) (شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٣/٣). وممن أرخ وفاته في سنة خمس وتسعين: الذهبي في ((العبر)) (١٨٧/٢)، وابن العماد في ((الشذرات)) (١٤٥/٣)، وغيرهما. السَّابِقُ واللَّحِقُ ١٧٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث صارَ وَاحدَ عَصْرِهِ في عُلُوِّ الإسنادِ حسبما ذكرَه الحاكمُ في ((تاريخ نيسابورَ)) قال: ((وكان مُجَابَ الدعوة))، انتهى. وقد وقعت لنا جُملةٌ مِن عَوَالِيه. وكأبي عَمْرٍو أحمدَ بنِ المُبَارك المُسْتَمْلِي الحافِظِ المَشهورِ الراوي عن قُتَيبةَ وطَبقتِه، والحافظِ أبي نُعَيم الأصبهانيِّ بين وفاتَيهما مائةٌ وستُّ(١) وأربعونَ سنةً(٢). مع اشتِرَاكِهما في الروايةِ عن أبي العِبَّاسِ محمدِ بنِ يعقوبَ الأَصَمِّ(٣)، لكنْ ثانِيهما بالإجازةِ المُكَاتَبَةِ، حتى كان خاتمةَ أصحابِه على وَجْهِ الأرض. وكمحمدِ بنِ طاهرِ الحافظِ(٤)، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ بنِ عبدِ السلام السَّفَاقُسِيِّ بين موتَيهما مائَةٌ وسبعٌ(٥) وأربعونَ سنةً(٦)، مع اشتراكِهما في الروايةِ عَنِ السِّلَفِي. الأولِ بالسماعِ، والثاني بالحُصُورِ . قال الذهبيُّ: ((وهذا شيءٌ لم يتَّفِق لأحدٍ أبداً فيما علمتُ في السابقِ واللاحقٍ))(٧). كذا قال، وهو مَردُودٌ بأَبِي عليّ البَرَدَاني - أحدِ شُيوخِ السِّلَفِي - وأبي القاسم عبد الرحمن بنِ مَكّي الطَّرَابُلسي سِبْطِ السِّلَفي، فبَيَّن وفاتَيهما مائةٌ وخمسون سنةً، لأنَّ وفاةَ البَرَدَاني على رأسِ الخمسمائة، والآخرِ سنة خمسين وستِمائة (٨)، مع اشتراكِهما في الرواية عن الحافِظِ السِّلَفِي. (١) في النسخ: وستة. خطأ. (٢) إذْ إنَّ وفاةَ المُستَملِي كانت سنةَ ٢٨٤، وكانت وفاةُ أبي نُعَيم أحمدَ بنِ عبدِ الله الأصبهاني سنة ٤٣٠. ((تذكرة الحفاظ)) (٦٤٤/٢ و١٠٩٧/٤). (٣) كانت وفاته سنة ٣٤٦. (المصدر السابق). (٤) المشهور بابنِ طاهرِ القَيْسَرَانِي. (٥) في النسخ: سبعة،. خطأ. (٦) إذ إنَّ وفاةَ الحافظِ ابنِ طاهرِ سنة ٥٠٧ ووفاةَ السَفَاقُسِي - كما في ((العِبَر)) (٢٧٣/٣) سنة ٦٥٤، وسيذكر السخاويُّ سنةً وفاته قريباً. (٧) الظاهرُ أنَّه في كتابِهِ: ((التَلْوِيحُ بمَن سَبَق ولَحِقٍ)). (٨) ذكر روايته عن جَدَّه الذهبيُّ في ((السير)) (٢٧٨/٢٣)، لكنْ ذَكَر أنَّ وفاتَه كانت سنةَ ٦٥١. : فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٥ السَّابِقُ واللَّحِقُ قال شيخُنا: ((وهذا أكثرُ ما حَصلَ الوقوفُ عليه في أمثلةِ ذلك من المُدة بين الوفاتَين)»(١). كذا قال، وهو محمولٌ على السَّمَاعِ، وإلَّا فقد تأخّر بعدَ السِّبْطِ جماعةٌ منهم محمدُ بن الحسنِ بنِ عبد السلامَ أبو بَكرِ السَّفَاقُسِي - ويُعرَف بابْنِ المَقْدِسِيَّةِ، لكون أُمِّهِ أختَ الحافِظِ ابنِ المَّفَضَّلِ المَقْدِسِي - مات في سنة أربع وخمسينَ، وهو ممَّن يَرْوِي عن السِّلَفي حضوراً الحديثَ المُسلسلَ بالأوليةِ(٢) فَقِطْ. وتأخَّر بعدَه قليلاً جماعةٌ لهم إجازةٌ من السِّلَفي كابنِ خَطِيبٍ القَرَافَةِ (٣)، وغيرِهِ. على أنَّ وفاةَ البَرَدَانِي كانت في جُمَادَى - كما قالَه ابنُ السمعاني(٤)، وتبعه ابنُ الأَثِير(٥) - أو شَؤَّالٍ - كما جَزَم به الذهبيُّ(٦) - سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وحينئذٍ فالمدةُ أَزْيَدُ مما ذكرَه شيخُنا بنحوٍ سنتَين(٧). وغالبُ ما يقعُ من ذلك أنَّ المَسْموعَ منه قد يتأخرُ زماناً بعد موتِ أحدِ الرَّاوِيَين الذي سمع منه عند تقدُّم ◌ِنَّه حالَ كون المُسَمِّع في ابتداءِ أمرِه حتى يسمعَ منه - عند تقدُّم ◌ِنْه - بعضُ الأحدَاث، ويعيشُ بعدَ السماع منه دهراً طويلاً، فيحصلُ من مجموعِ ذلك نحوُ هذهِ المُدّةِ(٨). ثم إنَّه لأجل اختلافِ المُدَدِ بين الراوِيَين - بالنظر لما لذلك من الأمثلةِ - (١) ((النزهة)) (٦٠). (٢) قاله الذهبي في ((العبر)) (٢٧٣/٣). وفي ((السير)) (٢٩٦/٢٣). (٣) الشيخُ العالِمُ أبو عَمْرو عثمانُ بنُ عليّ القُرَشي الأسدي الدمشقي. مات سنة ٦٥٦. ((السير)) (٣٤٧/٢٣). (٤) إنما قال ابن السمعاني في ((الأنساب)) (١٣٦/٢): (وتوفي في شوالٍ سنةَ ثمانٍ وتسعينَ وأربعمائة)، وكان قد قالَ قبلَ ذلك: (وكانت ولادَتُه - يعني أبا عليّ البَرَدَانِي - في جمادى ... )، فلعلَّ نظرَ السخاوي سَبَق إليه. والله أعلم. (٥) نَصَ ابنُ الأَثِير في ((الكامل)) (٢٢٩/٨) على أنَّ وفاتَه كانت في شوالٍ. (٦) في ((العبر)) (٣٧٦/٢). (٧) يعني أنَّ الحافظَ في ((النزهة)) (٦١) ذكرَ أنَّ البَرَدَاني مات على رأس الخمسمائة وسبطً السِّلَفي مات سنة ٦٥٠، فبينَ وفاتَيهما مائَةٌ وخمسون، في حين أنَّ وفاةَ البَرَدَانِي كانت سنة ٤٩٨، فيكونُ بين وفاتَيهما مائةٌ وثِنْتانِ وخمسونَ سنةً . (٨) ذكر ذلك الحافظ في ((النزهة)) (٦١). السَّابِقُ واللَّحِقُ ١٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لم يَحُدَّه ابنُ الصلاح وأتباعُه بقَدْرٍ معيّن، بل قال: ((مَن اشترَكَ في الرواية عنه راويانِ متقدمٌ ومتأخرٌ، وتبايَن وقتُ وفاتَيهِما تَبَايُناً شديداً يحصل بينهما أَمَدٌ بعيدٌ، وإنْ كان المتأخرُ منهما غيرَ معدودٍ مِنْ مُعَاصِري الأولِ))(١) . وقد حذَّدهُ الخطيبُ - فيما نُقِلَ عن شيخِنا - بخمسينَ، أو ثلاثين سنةً على اختلافِ الناقلين عنه(٢) . قال شيخُنا - مما هو مُؤَيِّدٌ للنقلِ الأولِ -: ((وكأنَّ أعمارَ هذه الأمةِ لما كانت ما بين الستين والسبعين كانَ الزائدُ على المُقَدَّرِ هنا يقعُ بعدَه الطلَبُ، فكأنَّ المتأخرَ بهذا القَدْرِ تأخّر بِقَرْنٍ». ومن ظريفٍ ما يدخُل في هذا النوعِ ما رُوِّينَاه عن إبراهيمَ بنِ [أبي](٣) طالبٍ أنه قالَ: «سمعتُ عبد الرحمن بنَ بشرِ بنِ الحَكَم يقولُ: حَمَلَني أبي على عاتِقِه في مجلس سفيانَ بنِ عُيَينة، فقال: يا معشرَ أصحابِ الحديثِ أنا بشرُ بنُ الحَكَم بنِ حبيب، سمع أبي الحكمُ من سفيانَ، وقد سمعتُ أنا منه وحدثتُ عنه بـ((خراسانَ))، وهذا ابني عبدُ الرحمن قد سمعَ منه)) (٤). ونحوُهُ أنَّ القاضيّ جلالَ الدين البُلْقِينيَّ كتبَ عن شيخِنا بعضَ تصانِيفِه، وقابَلَه معه، وتأخَّر شيخُنا حتَّى أَخَذَ عنه حَفِيدَا القاضِي وأبوهُما، بل وَوَلَدُ كلِّ مِنَ الحَفِيدَين. وكذا اتَّفقَ أنَّ أبا العبَّاس الأصمَّ (٥) صاحبَ الربيعِ سَمع منه الحَسنُ بنُ الحُسَين بنِ منصورٍ كتابَ ((الرِّسَالة))(٦)، ثم سمعه منه ابنُهَ أبو الحَسن، ثم سمعه (١) ((علوم الحديث)) (٢٨٦). (٢) الذي قاله الخطيبُ في (السابق واللاحق) (٤٨): ( ... وجعلتُ اعتبارَ أَقَلِّ مُدَدِهِمْ أنْ تكونَ زائدةً على الستين. دونَ ما قَصَر عنها من السِّنِين لأنَّها القَدْرُ الذي حدَّه رسولُ اللهِ وَّر في أعمارِ أُمَّتِهِ، والغَايَةُ المُؤَقَّةُ لإعْذَارِ الله وَقَ إلى خَلِيفَتِهِ). (٣) ساقطة من النسخ. والتصويب من ترجمة إبراهيم في ((السير)) (٥٤٧/١٣)، وأبوه هو أبو طالب محمد بن نوح. وكذا جاء في سنَدِ القصة عند الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٢٧٢). (٤) تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٢). (٦) للإمام الشافعي. (٥) المتقدم (ص١٧٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٧ السَّابِقُ واللَّحِقُ منهُ أبو نَصْر ابنُ أبي الحَسَن، ثم سمعه منه عُمَرُ بنُ أبي نَصْر. ويُوصَفُ مَن يتّفق له ذلك بِمُلْحِقِ أبناءِ الأحفادِ بالأجدادِ. وهذا غايةُ ما يكون. ويدخلُ في هذا البابِ نوعٌ مُستغرَبٌ يتعلَّق بتعدُّدِ الأنسابِ، صنَّف فيه عبدُ الغني بنُ سعيد فَذَكَرَ: عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز بنِ مَروانَ بينَه وبين فِهْرِ بنِ مالكِ - جِمَاعِ قُرَيشٍ - ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَباً، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ الحارثِ بنِ أَبيضَ بنِ أسودَ بَنِ نافعِ الفِهْرِيُّ بينَه وبين فِهْرٍ ثَلَاثَةً عَشَرَ أَباً، ومات عُمَرُ سنةَ إحدى ومائةٍ، وماتَ أبو بكرٍ سنةَ ثمانٍ وأربعين وثلاثِمائة، فبينَهُما في الوفاةِ مائتان وسبعٌ(١) وأربعونَ سنةً. وعبدُ الصَّمَد بنُ عليٍّ بنِ عبدِ الله بنِ عبَّاس بنِ عبدِ المُطَلِبِ بنِ هاشم بنِ عبدٍ مَنَافٍ في التَعَدُّدِ مِثْلُ يَزِيدَ بنِ معاويةً بنِ أبي سفيانَ بنِ حَرْبٍ بَنِ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمس بنِ عبدِ مَنَاف، وبينَهما في الوفاة مائةٌ وبضعٌ(٢) وثلاثون سنةً(٣). (١) في (الأزهرية): وسبعة. من الناسخ. (٢) في النسخ: بضعة. خطأ . (٣) بل إحدى وعشرون ومائةُ سنة، فقد مات يزيدُ بنُ معاويةً سنةَ ٦٤ كما في ((تاريخ خليفة)) (٢٥٣)، و((السير)) (٤٠/٤). ومات عبدُ الصمدِ سنةَ ١٨٥ كما في (المصدرين السابقين): (٤٥٧) و(١٣١/٩). مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّ رَارٍ وَاحِدٌ ١٧٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث (مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ) - مِنَ الصحابةِ أو التابِعِين فمَن بعدَهم - (إلَّ رَاوٍ وَاحِدٌ) (١) ٨٥٤ (ومسلمٌ) صاحبُ ((الصحيح)) (صنَّف في) المُنْفَرِدَاتِ، وَ(الوُحْدَانِ) من النساءِ والرجالِ ممَّا أَصْلُ ابن طاهرٍ بهِ عِنْدي، وعليه خَظُ العَلَاءِ مُغْلُطاي(٢)، وقال: ((إنَّ له عليه زَوَائِدَ سَيُفْرِدُها)). ٨٥٥ وهو: (مَنْ عَنْهُ) أي عن الرَّاوِي انفَرَدَ بالرِّوَايةِ (رَارٍ وَاحِدٌ لا ثانيَ) له، وأمثلَتُه إمَّا (كَعَامِرٍ بِنِ شَهْر) الهَمْدَانِي (او) بالنقل (كَوَهْبٍ هُو ابن خَنْبَشٍ) بمعجمة، ثم نُونٍ، ثم مُوخَّدةٍ، ثم معجمةٍ - وزنُ جعفر - الطائي، الذي لكُّلِّ واحدٍ منهما صحبةٌ، وعِدَاده في أهل ((الكُوفَة))، (وعنه) أي عن كُلِّ واحدٍ منهما تَفَرَّدَ بالروايةِ عامِرُ بنُ شَرَاحِيلَ (الشَعْبِيُّ) - بفتح المعجمة - فيما ذَكَره مُسلمٌ(٣) وغیرُه(٤) . ولأوَّلِهما ذِكْرٌ في السِّيرَة فقد ذَكَرَ سَيفُ بنُ عُمَر التَمِيمِيُّ في ((الفُتُوح)) عن طَلحةَ الأعلم عن عكرمةَ عن ابنِ عباس أنَّه أولُ مَنِ اعتَرَضَ في نَاحِيَتِه على الأَسْوَدِ العَنْسِيِّ لَمَّا ادَّعى النُّبوَةَ وكَابَرَهُ، وكان أحدَ عُمَّالِ النبيِّ وَِّ على (٥) ((اليمن))(٥) . وأمَّا ثانِيهما فتسميتُه بوَهْب هي الأكثرُ، ووقعَ في روايةٍ لابن ماجه (١) وهو النوع السابع والأربعون من كتاب ابن الصلاح. (٢) وكتابُ مسلم هذا نَصَ ابنُ الصلاح (٢٨٧) على أنَّه لَمْ يَرَهْ. (٣) (المُنْفرداتُ وَالوُحْدان) برقم (٣٨، ٣٩). (٤) كالحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (١٥٨) وابنِ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٨٧). (٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٤/٣)، و((التقييد والإيضاح)) (٣٥٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٩ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ تسميتُه: هَرِماً (١)، وكذا ذَكَرَه الحاكمُ وأبو نُعَيم في ((علومهما)) (٢). وخطَّأ ذلك ابنُ الصلاح(٣) تبعاً للخطيب (٤). وكذا نصَّ أبو عيسى الترمذيُّ وغيرُه على أنَّ ذلك غلطٌ. وقال الدارَقُطْنيُّ: ((وَهِمَ فيه داودُ بنُ يزيدَ الأَوْدِي عن الشعبِي، وإنَّما هو: وَهْبٌ. كذلك رواهُ الحُفَّاظُ عن الشعبي)) (٥). قلتُ: ومَمَّن رواه كذلك: بَيَانٌ، وفِرَاسٌ، وجَابِرٌ (٦)، وهو المشهورُ المحفوظُ، والأوَّلَان أوثقُ مِنْ دَاودَ (٧)، ولذا قال المِزِّي: ((مَنْ قال: وَهْبٌ أكثرُ، وأحفظُ))(٨). ٨٥٦ (وَغُلِّطَ الحَاكِمُ). أبو عبدِ الله صاحبُ ((المُسْتَدْرَك)) وغيرِهِ من غيرٍ واحدٍ (حيثُ زَعَما) فِي ((المَدْخَل إلى كتابه الإكْلِيلِ)) (٩)، وتَبِعَه صاحبُه البيهقيُّ في (السُنَن))(١٠) وغيرِها (بأنَّ) أَيْ أَنَّ (هذا النوعَ ليس فيهِما) أي ليس في (١) أخرجه ابنُ ماجه في ((المَنَاسك)): باب العُمرة في رمضان (٩٩٦/٢) من طريق داودَ بن يزيد الزَّعَافِيِّ الأَوْدِيِّ عن الشَّعْبِيِّ عن هَرِمٍ بن خَتْبَشٍ قال: قال رسولُ الله ◌َيِ: معُمْرَةً في رمضانَ تَعْدِلُ حبَّةً. ثم أخرجَه ابن ماجه من طريقٍ بَيَانٍ - وهو ابنُ بِشرِ الأَحْمَسِيُّ الثقةُ الثَّبْتُ - وجابرٍ - وهو الجُعْفِيُّ المعروفُ بالضعفِ - كلاهما عن الشعبيِّ عن وَهْبٍ بنِ خَنْبَش، ومثلُه عند أحمدَ (١٧٧/٤، ١٨٦) والطبرانيّ (١٣٤/٢٢)، والنَّسَائيّ في (الكبرى) كما في ((التحفة)) (٩٦/٩)، وهو سَنَدٌ صحيح. وأمَّا سنَدُ داودَ بنِ يزيدَ فهو ضعيف لضعفِه، وقد أخرجه كابن ماجه أحمدُ (١٧٧/٤)، ومتنُ الحديثِ أَخَرَجه مسلمٌ وغيرُه. (٢) ((معرفة علوم الحديث)) (١٥٨) للحاكم. (٣) ((علوم الحديث)) (٢٨٧). (٤) في ((موضح أوهام الجَمْع والتَفْرِيقِ)) (٤٣٩/٢). (٥) ((المؤتلف والمختلف)) (٦٩٥/٢). (٦) مضى تخريجُ روايةِ بيانٍ وجابرٍ. وأمَّا فِرَاسٌ - وهو ابنُ يحيى الهَمْداني الخَارِفِي - فأخَرَجَ الحديثَ من طريقِهِ الطبرانيُّ (١٣٤/٢٢ - ١٣٥). (٧) يَقْصِدُ بالأوَّلَين: بَيَاناً وفِرَاساً، لأنَّ الثالثَ: وهو جابرُ الجعفيُّ ضَعيفٌ كما أنَّ داودَ بنَ يزيدَ ضعيفٌ أيضاً. (٨) (تهذيب الكمال)) (١٢٨/٣١) وقال أيضاً في ((التحفة)) (٩٦/٩) عن رواية: هَرِمٍ: (إنَّها وَهْم). (٩) (ص٣٦). (١٠) (١٠٥/٤). مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا رَارٍ وَاحِدٌ ١٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ((الصحيحَين)) التَّخْرِيجُ عن أحدٍ من الصحابَةِ، فَمَن بعدَهم ممَّن لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ(١). ٨٥٧ وممن غلَّطه ابنُ طاهرٍ (٢)، والحازِميُّ (٣)، وابن الجوزي(٤)، وغيرُهم(٥)، (ففي ((الصحيح))) للبخاريّ ومسلم (أخرجا المُسَيب) - بضم الميم، وفتح المهملة، ثم تحتانية مفتوحة أو مكسورة كما ضبطتُه في ((معرفة الصحابة))(٦) . صحابِيَّ حديثٍ وَفَاةِ أبي طالبٍ، إذ أَوْرَدَاهُ مِن جِهَتِهِ(٧)، وهو ابنُ حَزْنٍ - الصحابيِّ أيضاً - ابنِ وَهْبِ القُرَشَي، مع أنَّه لمْ يَرْوِ عنه سوى ابنه سعيد. وعدَّه مسلمٌ، وأبو الفتح الأَزديُّ فيمَن لم يَرْوِ عنه إلَّا واحدٌ(٨). (وأخرج الجعفيُّ) بضم الجيم كما مضى قريباً وهو البخاريُّ وحدَه (لابْنِ تَغْلِبا) - بفتح المثناة الفوقانية، ثم غين معجمة ساكنة بعدها لام مكسورة، ثم موحدة مفتوحة، وهو: عَمْرو، صحابيٍّ - حديثَ: ((إني لأعطي الرجلَ، والذي (١) لفظُ الحاكم - تَعْلِيقاً على حديثٍ لعُروةَ بنِ مُضَرِّس -: (ولَمْ يُخْرِجْه البخاريُّ ولا مسلمٌ في الصحيحين إذْ ليس له راوٍ عن عروةَ بَنِ مُضَرِّسٍ غيرُ الشعبي. وشواهِدُ هذا كثيرةٌ في الصحابةِ كِعُمَيرِ بنِ قَتَادَةَ اللّيْثِي ... )، وَذَكَرَ جُمّلةً كلّهم مِن الصحابةِ، وسيأتي في التعليقِ عدمُ تَفَرُّد الشعبي عن عُروةَ. وأما البيهقي فقال معلِّقاً على حديثٍ لبَهْزِ بنِ حَكِيم عن أبيه عن جدِّه: ( .... فأمَّا البخاريُّ ومسلمٌ رحمهما الله تعالىٍ فِإِنَّهَماَ لَمْ يُخْرِجَاه جَرْياً على عادَتِهما في أنَّ الصحابيَّ أو التابعيَّ إذا لمْ يكنْ له إلَّا رَارٍ واحدٌ لَمَّ يُخْرجا حديثَه في الصحيحَين. ومعاويةُ بنُ حَيْدَةَ الْقُشَيريُّ لم يثبتْ عندَهمَا روايةُ ثقةٍ عنه غيرِ ابْنِهِ) يعني حكيمَ بنَ معاويةَ. وسيأتي في التعليقِ عدمُ تفرُّد حَكِيمٍ عن أبيهِ. فالحاكمُ قَصَرَ كلامَه على الصحابة، والبيهقي زاد التابعين، وستأتيّ عودة لرأي الحاكم آخر المبحث إن شاء الله. (٢) فى ((شروط الأئمة الستة)) (٢٢). (٣) في ((شروط الأئمة الخمسة)) (٤٥). في ((الموضوعات)) (٣٣/١ - ٣٤). (٤) (٥) كابن الصلاح (٢٨٨) والعراقيٍّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٥/٣). (٦) (ص٢٢). (٧) فالبخاري في ((مناقب الأنصار)): باب قصة أبي طالب (١٩٣/٧) ومسلم في ((الإيمان)): باب الدليل على صحة إسلام مَن حضره الموتُ ما لم يَشْرَع في النَزْع (٥٤/١). (٨) مسلم في ((المنفردات والوحدان)) برقم (١٤).