النص المفهرس

صفحات 81-100

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨١
مَعْرِفَةُ الصَحَابَة
منهم يَحيى بنُ بُكَير، والفَلَّاسُ(١)، أو تسع كما قالَه خليفةُ في روايةٍ (٢)،
وغيرُهُ(٣)، كلُّ ذلك بعدَ السبعين. وكلَّهم أبناءُ صحابةٍ.
والأشبهُ: أنَّ الثانيَ آخِرُهُم (٤).
على أنَّه قد اختُلِف أيضاً في كونٍ وفاةِ الأخِيرَين(٥) بـ((المدينةِ)).
فأما أوّلُهما فقيل فيه: إنَّه مات بـ((إِسْكَنْدَريةَ))(٦)، أو (مصرَ))(٧)، ولكنْ قال
شيخُنا: ((المشهورُ أن ذلك وَلَدُهُ عَبّاسٌ))(٨) فلعلَّه اشتَبَه على حَاكِیه.
وأمّا ثانِيهما فقيلَ: إنّه مات بـ((قُبَاءَ)) (أو بـ (مكةٍ))) - بالنقل مع الصَّرْفِ
للضرورةِ - فيما قالَه أبو بكر بنُ أبي داود، وأنَّه آخِرُ مَن مات بها، ولكنَّ
الجمهورَ على أنَّه بـ((المدينة))(٩)، وكذا قد تأخر عنهم ممّن مات بـ((المدينة))
محمودُ بنُ لَبِيدَ الأَشْهَلِي إِنْ مَشَيْنا على قولِ البُخَارِي وابنِ حِبّان بصُحْبَتِه(١٠)،
وإلّا فقد عدَّه مسلمٌ وجماعةٌ في التابعين.
ومحمودُ بنُ الرَّبِيعِ الذي عَقَلَ مَجَّةَ النبيِّ وََّ فِي وَجْهِه وهو ابنُ خمس
سنین .
فأمَّا أولُهما فمات سنةَ خمسٍ وتسعين، أو التي بعدَها(١١).
وأما ثانيهما فمات سنة تسع وتسعين.
(وقيل: الآخِر) - بالنقل - موتاً (بها) أي بمكةَ - بعدَ ما عُلم مِن أنَّ ٨١٠
(١) وكذا هو عند ابن سعد في ((الطبقات)) (١١٢/٥) في ترجمة محمد بن الحنفية، و(٥٪
٢٢١) في ترجمة علي بن الحسين، وقاله ابنُ حِبان في ((الثقات)) (٥١/٣) بادئاً به.
(٢) لأنَّ خليفةَ في ((تاريخه)) (٣٦٥) جعل وفاتَه سنة ٦٨.
(٣) كابن حِبَّانَ في المصدر السابق.
(٤) قال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (٣١٤): (وهو الذي عليه الجمهور).
(٥) يعني سهلاً وجابراً.
(٦) قاله أبو بكر بن أبي داود كما في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٦/٣).
(٧) قاله قتادةُ كما في المصدر السابق.
(٨) ((الإصابة)) (٨٨/٢).
(٩) عزاه للجمهور فيه وفي سهل: العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٦/٣).
(١٠) ((التاريخ الكبير)) (٤٠٢/٧)، و((الثقات)) (٣٩٧/٣).
(١١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٦/٣) وعند ابن حِبّان في ((الثقات)) (٣٩٧/٣): سنة ثلاث
وتسعين .

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٨١
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الصحيحَ في جابرٍ أنَّه لم يمتْ بـ((مكةً)) فضلاً عن أنْ يكونَ الآخِرَ بها - (ابنُ
عُمَرا) عبدُ الله، فيما قالَه قتادةُ وأبو الشيخ ابنُ حَيَّنَ في ((تاريخِه))، وابنُ
الجَوزي في ((التلقيح)»(١)، وبه صَدَّر ابنُ الصلاح(٢) كلامَه.
والخلافُ فيه أيضاً ينشأُ عنه في وقتٍ وفاته، فقيلَ: إنَّها سنةُ اثنَتَين
وسبعين، أو ثلاثٍ وجزم به أحمدُ، وأبو نُعَيم، ويحيى بنُ بُكَير والجمهورُ، أو
أربع وبه جزَم سعيدُ بنُ جُبَير، وخليفةُ(٣)، والواقديُّ(٤)، وصحَّحه ابنُ زَبْرٍ
وقال: ((إنَّه أثبتُ))(٥). عن سبعٍ وثمانينَ على الصحيح.
واختُلِف في محلِّ دَفْنِه منها فقال ابنُه سالمٌ بـ((فَخْ)) (٦) - بالفَاءِ، والخاءِ المعجمةِ -
وهو فيما قيلَ: ((وادي الزَاهِر))(٧)، وتَبِعَه ابنُ حِبّان(٨)، وابنُ زَبْرٍ وغيرُهما .
وقال مُصعَب الزُّبَيري: بـ((ذِي ◌ُوَى))، يعني بمقبرةِ المهاجرين، وقال
غيرُهما: بـ((المُحَصَّب)). والصحيحُ: أنَّه بالمقبَرةِ العُلْيا عند (ثَنِيّة أَذَاخِر)) كما في
(تاريخِ الأزرقي)»(٩) وغيرِهِ، وهو يقرُب من القولِ الثالثِ.
وأمّا ما يقولُه الناسُ مِن أنَّه بالجبل الذي بـ((المَعْلَاةِ)) فلا يصحُّ من وجه.
وبالجُملة فلم يختَلِفوا في أنَّه تُوفي بـ(مكةَ)).
وإنما يكون كلٌّ من ابنِ عُمرَ وجابرٍ - على القولِ المرجوحِ فيه - آخِرَ من
مات بـ((مكة)) (إِنْ لَا) أي إنْ لَمْ يَكُنْ (أَبُوَ الطُّفَيل) الماضي أوّلاً (فيها) أي في
((مكةَ)) قَدْ (قُبِرا)، ولكنَّ الصحيحَ أنَّ قُبِر بها كما قدَّمتُه.
(وأنسُ بنُ مالِكِ) الآخِرُ موتاً بـ ((البَصرة))) - بتثليث الموحّدة، والكسرُ
أصحُها (١٠) - فيما قالَه قتادةُ، وأبو هِلال، والفَلَّاس، وابنُ المَدِيني، وابنُ
٨١١
(١) (ص٤٤٥).
(٢) ((علوم الحديث)) (٢٧٠).
(٣) ((تاريخ خليفة)) (٢٧١).
(٤) الذي ذكره عنه السمعاني في ((القواطع)) (٤٨٦/٢) أنه مات سنة ثلاث وسبعين.
(«تاريخ مولد العلماء)» (١٩٤/١).
(٥)
(٦) هو واد بمكة. ((معجم البلدان)) (٢٣٧/٤).
(٧) (المصدر السابق).
(٩) ((أخبار مكة)) (٢١٠/٢).
(٨) ((الثقات)) (٢١٠/٣).
(١٠) جاء في حاشية (س): (هذا وهمٌ، بل أصُها الفتحُ، کما قاله النوويُّ في تهذيبه) انتهى.
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨٣
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
سعد(١) وأبو زكريا ابنُ منده، وغيرُهم (٢).
وكانت وفاته في سنةٍ تسعينَ، أو إحدى، أو اثنَتَين، أو ثلاثٍ، ورجَّحه
النوويُ(٣) والذهبيُّ (٤)، والذي قبلَه ابنُ الأثيرِ(٥)، وهو قولُ الواقدي(٦) - أو
خمسٍ، أو ستٍ، عن مائةٍ ونَيّف (٧)، بل قيلَ: وعشرٍ. وهو عجيبٌ(٨).
وقد قال شيخُنا: ((أكثرُ ما قيلَ في سِنِّه إِذْ قَدمَ النبيُّ وَّهِ ((المدينةَ)) عشرُ
سِنِين، وأقربُ ما قيلَ في وفاتِه سنةُ ثلاثٍ وتسعينَ، فعلى هذا غايةُ ما يكونُ
عُمْره مائةَ سنةٍ وثلاثٍ سنين، وقد نصَّ على ذلك خليفةُ بن خيّاط في ((تاريخِه))
فقالَ: ((مات سنة ثلاثٍ وتسعينَ وهو ابنُ مائةٍ وثلاث سنين)) (٩).
وقول حُمَيدٍ وكذا الواقدي: ((مائةٌ إلَّ سنة))، قال النوويُّ: ((إنّه شاٌّ مَرْدود))(١٠).
وقال ابنُ عبد البر: «وما أعلمُ أحداً ماتَ بعدَه ممّن رأى النبيَّ وَ ◌ّ إلّا
أبَا الطُّفَيل))(١١).
وانتُقِدَ بمحمودِ بنِ الرَّبيع كما تقدَّمتْ وفاتُه، وبعبدِ الله بنِ بُسْرٍ كما سيأتي
في قولِ عبد الصّمَد.
قلتُ: ولفظُ النووي كاملاً: (البصرة: بفتح الباء: البلدة المشهورة .... وفيها ثلاثُ
=
لغات: فتحُ الباءِ، وضمُّها، وكسرُها. حكاهن الأزهري، أفصَحُهن الفتحُ، وهو
المشهور)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣٧/٢). وجاء في ((تاج العروس)) بصر:
(والبَصْرَة: بفتح فسكون - وهي اللغةُ العاليةُ الفُصحى -: بلد معروف).
(١) ((الطبقات)) (٢٦/٧).
(٢) كالواقدي فيما حكاه عنه السمعاني في ((القواطع)) (٤٨٥/٢) وهو ما يراه الحَسَنُ فيما
نقله عنه ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٢٦/٧).
(٣) ((تهذيب الأسماء)) (١٢٧/١).
(٤) ((السير)) (٤٠٦/٣).
(٥) يعني ورجَّحَ الذي قبلَه وهو سنةُ اثنَتَين وتسعين ابنُ الأثير. قلت: ولم يظهرْ لي في
ترجمةِ أنسٍ مِن ((أَسَدِ الغابة)) (١٥٢/١) ترجيحُ ذلك، بل ترجيحُه للأخيرِ يكادُ يظهرُ.
(٦) نقلَه عنه ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٢٥/٧).
(٧) في المصدر السابق: (مائة سنة وسبع سنين).
(٨) سيأتي عن الحافظ ابنِ حجر بيانُ وجهِ هذا التَعجّب.
(٩) تاريخ خليفة)) (٣٠٦). وانظر معنى كلام الحافظ في ((الفتح)) (١٤٥/١١)، وقاله قبلَه ابنُ
الأثير في («أسد الغابة)) (١٥٢/١).
(١٠) («تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٨/١). (١١) ((الاستيعاب)) (٧٣/١).

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٨٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكأنَّ مستَنَدَ ابنِ عبد البر قولُ أنس - لِمَن سأله: أَأَنْتَ آخِرُ الصحابةِ؟ -:
((قد بَقِيَ قومٌ من الأَعْرَاب، فأمَّا مِن أصحابه فأنا آخِرُهم)) (١). ولكنْ قولُه
بخصُوصه قابلٌ للتأويلِ بحَمْله على صحبةٍ خاصة، أو أنَّه ذَكَر ما عَلِمَه، كما
يجابُ به عن ابنِ عبد البر. وقد أشرتُ إلى ذلك في تعريفِ الصحابي(٢).
(وابنُ أَبِي أَوْفَى) وهو عبدُ الله الأَسْلَمِي (قَضَى) أي ماتَ خاتِمَتَهم
بـ(الكوفة)) فيما قالَه قتادةُ، والحسنُ(٣) والفلّاس وابنُ حِبّان(٤) وابنُ زَبْرٍ(٥) وابنُ
عبدِ البر(٦) وأبو زكريا ابنُ منده وابنُ الجوزي في ((التلقيح))(٧).
وكانت وفاته في سنةٍ ستٍ وثمانين، أو سبعٍ أو ثمانٍ.
وقيل: بل آخِرُ أهلِ ((الكوفةِ)) أبو جُحَيفةَ وَهْبُ السُوَائِي. قاله عليُّ بن
المَدِيني(٨).
والأولُ أصحُّ، فإنَّ وفاةَ أبي جُحَيفَةَ سنة ثلاثٍ وثمانين، وقيل: أربعٍ
وسبعين.
نَعَمْ، عَمْرُو بنُ حُرَيثٍ - وهو قدْ مات بها - قد اختُلِفَ في وقتٍ وفاته،
فقيل: سنة ثمانٍ وتسعينَ كما رواه الخطيبُ في ((المُتَّفِقِ والمُفْتَرِق))(٩) له عن
محمد بن الحَسن الزَّعْفَرَاني.
فعلى هذا هو آخِرُ مَنْ ماتَ بها .
ولكن توقَّفَ شيخُنا في كونِها بتقديم التاءِ الفوقانيةِ على السين، وقال:
فيه نَظَر، ولعلَّه بتقديم السين على الموحدة، لا سيَّما وقد حكاه خليفةُ بن خياط
كذلك في ((تاريخه)) (١٠). ولذا (١١) جزَم شيخُنا في ((الإصابة)) بعدم ثُبُوتِهِ(١٢) .
وحينئذٍ فابنُ أبي أَوْفَى بعدَه، وكذا يكونُ بعدَه على القول بأنَّ عَمْراً مات
(١) ((علوم الحديث)) (٢٦٤) و((تهذيب الكمال)) (٣٧٦/٣).
(٢) (ص٢١).
(٤) في ((الثقات)) (٢٢٢/٣).
(٦) في ((الاستيعاب)) (٢٦٥/٢).
(٨) عزاه إليه ابنُ الجوزي في المصدر السابق.
(٩) (١٦٩١/٣).
(١١) فى (س): وكذا. من الناسخ.
(٣) ((الطبقات)) (٣٠٢/٤) (٢١/٦).
(٥) (تاريخ مولد العلماء)) (٢١٣/١).
(٧) (ص٤٤٥).
(١٠) (ص ٢٧٧).
(١٢) ((الإصابة)) (٥٣١/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨٥
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
سنة خمسٍ وثمانينَ كما قالَه البخاريُّ(١) وغيرُه كابنٍ حِبَّان في ((ثقاته))(٢)،
وقال: ((إنها بـ((مكة)))).
وبكلِّ هذا ظهرَ أنَّ ابن أبي أَوْفَى آخِرُ أهلِ ((الكوفة))، بل هو آخِرُ مَنْ
شَهِد بيعةَ الرِضْوان وفاةً.
٨١٢
(و) أمَّا الآخِر منهم موتاً بـ (الشام) - بفتح الشين ثم ألف إمَّا مع همزةٍ
ساكنةٍ، أو بدُونها، على لُغَتَين من لُغَّاتِها - بأَسْرِهِ (ف) إمَّا (ابنُ بُسْر) بضم
الموحدة، ثم سين مهملة واسمُه عبدُ الله المَازِني (أو ذُو باهِلَة) وهو أبو أُمامَةَ
صُدَيُّ بِنُ عَجْلَانَ البَاهِلِي (خُلْفٌ) أي في ذلك اختلاف.
فالقائلون بالأولِ: الأحوصُ بنُ حَكِيم، وابنُ المديني(٣)، وابنُ سعدٍ تَبَعاً
للواقدي (٤)، وابنُ حِبَّانَ(٥) وابنُ قَانِعِ، وابنُ عبدِ البَرّ (٦)، وغيرهم.
وبالثاني: الحَسنُ البصري، وابنُ عُيَينة في المروي عنهما، وبه جزم أبو
عبدِ الله ابنُ منده.
والصحيحُ: الأولُ. فقد قال البخاري في ((تاريخه الكبير)): قال عليٍّ
- يعني ابنَ المديني -: سمعتُ سفيانَ - هو ابنُ عُيَينة - يقولُ: قلتُ للأحوص:
كان أبو أمامةَ آخرَ من مات عندَكم من أصحاب النبيِ وَّ؟ قال: كان بعدَه
عبدُ الله بنُ بُسْر، قد رأيتُه))(٧).
والخِلافيَّةُ مترتبةٌ عليها في وفاتَيهما، فقيل في الأولِ: إنَّها سنة ثمانٍ
وثمانينَ، وهو المشهورُ، وقيل: ستٍّ وتسعينَ، قاله أبو القاسم عبدُ الصَّمَد بنُ
سعيد الحِمْصي القاضي، وبه جزم أبو عبد الله بنُ منده، وأبو زكريا ابنُ
منده(٨)، وقال: إنَّه صلَّى لِلْقِبْلَتَين.
فعلى هذا هو آخرُ مَن بَقِيَ ممَّن صلَّى للقبلتين، وأنّه مات عن مائةِ سنة.
(١) في ((التاريخ الصغير)) (١٨١/١، ١٨٩). (٢) (٢٧٢/٣).
(٣) ((التاريخ الكبير)) (١٤/٥).
(٤) ((الطبقات)) (٤١٣/٧).
(٥) ((الثقات)) (٢٣٣/٣).
(٦) ((الاستيعاب)) (٢٦٧/٢).
(٧) ((التاريخ الكبير)) (١٤/٥) و((التاريخ الصغير)) (١٨٦/١).
(٨) في حاشية (س): (حفيد الأول).

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٨٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكذا قال أبو نُعَيم في ((المعرفةِ)) وساق في ترجمته حديثَ وَضْعِ النبي ◌َّلـ
يَدَه على رأسه وقال: ((يعيشُ هذا الغلامُ قرناً))، فعاش مائة(١).
وقال أبو زُرَعةً: إنَّها قَبْلَ سنة مائة.
وقيل في الثاني: إنها سنة إحدى(٢)، أو ستُّ وثمانين، والثاني أَشْبَهُ،
قاله الفلّاس والمدَائِنِي وخليفةٌ(٣)، وأبو عُبَيد.
بل عيَّن قتادةٌ وأبو زكريا ابنُ منده والدارَقُطنيُّ - كما ستأتي الإشارة إليه -
لِوَفاةٍ أَوَّلِهما ((حِمْصَ)). وكذا عبدُ الصَّمَد قال: ((وقبرُه في قريةِ تَنْوِيْنَةَ))(٤).
(وقيل) مما سُلِك فيه طريقةٌ أخرى في تفصيلِ نواحٍي من ((الشام)) - وهي
((دِمشقُ))، و((حِمْصُ))، و((الجَزِيرةُ)(٥)، و((بيتُ المقدس)) -: إنَّ آخرهم موتاً
(بـ(دمشقَ)) واثلةُ) هو ابنُ الأَسْقَع فيما قالَه سعيد بن بَشير عن قتادةً(٦)، وكذا
ذكرَه أبو زكريا ابنُ منده(٧). ولكَن في كونه مات بـ «دمشقَ)) اختلافٌ، فالقائلُ به
مَعَ هَذَيْن دُخَيمٌ(٦) .
وأما أبو حاتم الرازي فقال: بابيتِ المقدس))(٨). وقال ابنُ قانِعٍ:
بـ((حِمْصَ)).
وكذا اختُلِفَ أيضاً في وقته، فقيل: سنة ثلاثٍ، أو خمسٍ، أو ستٍ
(١) (التاريخ الصغير)) (١٨٦/١).
(٢) وهو قول ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (١٩٨/٢).
(٣) ((تاريخ خليفة)) (٢٩٢).
(٤) في حاشية (ح): (قرية بالشام). وقد ضُبِطَت بالشكلِ في (س) و(ح) بفتح المثناة
الفوقية وسكون النون وكسر الواو وإسكان المثناة التحتية وفتح النون. وجاء ضبطُها
بالشكل في ((معجم البلدان)» (٢/ ٥٠) بفتح ثم ضم ثم سكون ثم كسر ثم فتح وقال:
(من قری حمص).
هي ما بين نهري دجلة والفرات من العراق.
(٥)
(٦)
((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٠/٣)،
(٧) قال العراقي في (المصدر السابق): إنَّه قال ذلك في جزءٍ جَمَعَهُ في (آخر من مات من
الصحابة). وأنَّه رَوَاه عنه من ذلك الجزء، وسيُشِير المصنف (ص ٩٠) إلى هذا الجزء
وأن ما نسب إلى أبي زكريا ابن منده هنا فهو من ذلك الجزء.
(٨) ((الجرح والتعديل)) (٩/ ٤٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨٧
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
وثمانين، قيل: وهو ابنُ مائةٍ وخمسٍ سنين(١).
٨١٣
(وأنَّ في ((حِمْصَ))) كما قيلَ (ابنُ بُسْرٍ) الماضي كما سَبَقَ (قُبِضَا) آخِرَهم
(وأنَّ بـ((الجَزِيرةِ)) - التي بين ((دجلةَ)) و((الفُرَاتٌ)) - كما قيل أيضاً (العُرْسُ) - بضم
العين المهملة، ثم راءٍ ساكنةٍ، ثم سينٍ مهملة - بنُ عَمِيرَةَ - بفتح أوله -
الكِنْدِي، أَحَدُ مَنْ نزل ((الشامَ)) (قَضَى) أوَ مَضَى (٢) أي مات آخرَهم فيما قالَه
أبو زكريا ابنُ منده. لكن قال أبو بكر الجِعَابِي(٣): إنّ آخِرَ الصحابةِ موتاً
بـ((الجزيرة) وَابِصَةُ بنُ مَعْبد، وكان قد نزَلَها. ونحوهُ قولُ هلالٍ بن العَلَاءِ: ((قبرُ
وابِصَةَ عندَ منارةِ جامع ((الرَّقَّة))، إذ ((الرَّقة)) على جانبٍ ((الفرات)) الشمالي
الشرقي، وهي قاعدةُ ديارِ ((مُضَر)) من ((الجزيرة)) (٤)، كما أنَّ ((حَرَّانَ)) أيضاً مِن
ديارِ ((مُضَر))، فاللهُ أعلم أيّهما الآخِرُ(٥).
٨١٤
(و) أنَّ آخرَ من مات منهم - فيما قيل أيضاً - (بـ((فِلَسْطِينَ))) بكسر الفاء، وفتح
اللام، وسكون المهملة: ناحيةٍ كبيرةٍ وراءَ ((الأُردنّ)) من أرضِ ((الشام))، فيها عِدَّةُ
مدنٍ منها: ((القُدْسُ))، و((الرَّمْلَةُ))، و((عَسْقَلَان))، وغيرُها، والمرادُ هنا: أَوَّلُها (أَبُو
أُبَّ) فيما قاله أبو زكريا ابنُ منده، ثم الدِّمْياطي في ((أربَعِينِهِ الكُبْرى))، وهو بضم
الهمزة مُصَغّرٌ، أنصاريٌّ مشهورٌ بِكُنْيته، واسمُه عبدُ الله، ويقالُ له: ابنُ أُمِّ حَرَام،
وهي أمُّه وهي خالةُ أنسٍ بنِ مالك، وامرأةُ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وقيلَ غيرُ ذلك.
وفي اسم أبيه اختلافٌ، قيلَ: عَمْرو بنُ قيس بنِ زيدٍ كما قاله ابنُ سعد(٦)
وخليفةٌ (٧)، وابنُ عبد البر(٨). وقيل: أُبَيِّ، وقيل: كعبٌ.
(١) ((الطبقات)) (٤٠٨/٧).
(٢) يعني أنه بالقاف أو بالميم.
(٣) محمد بن عمر بن محمد التميمي البغدادي، حافظٌ علّامة، مات سنة ٣٥٥ بعد أنْ
سقط عند كثيرٍ من أصحاب الحديث. وبعدَ أنْ قام بإحراق کتبه.
((تاريخ بغداد)) (٢٦/٣) و((السير)) (٨٨/١٦) ولعلَّ الكلامَ الآتي عن الجعَابي في كتابه:
(تاريخ الطالبيِّين) الذي سيذكره المصنف (ص٩٢).
(٤) وقد ترجم له ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٤٧٦/٧) ضِمْنَ (من نزل الجَزِيرةَ مِن أصحاب
رسول الله وَلقد).
(٥) والأكثرونَ على الأولِ كابنِ الصلاح والنوويِّ وابنِ كثيرٍ وغيرِهم.
(٦) في ((الطبقات)) (٤٠٢/٧).
(٨) ((الاستيعاب)) (١٤/٤).
(٧) ((طبقات خليفة)) (٨٧).

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٨٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وكذا اختُلِف في كَون وفاتِهِ بـ(بيتِ المَقْدِس)) فقال بِهِ ابنُ سُمَيع(١)، ويتأيَّدُ
بقول شَدّادِ بنِ عبد الرحمن: ((كان يسكُن ((بيتَ المَقْدس))).
وقيل: بـ((دمشقَ))، ففي مَقْبَرة ((البابِ الصغير)) منها خارجَ الحَظِيرة قبرٌ
مكتوبٌ عليه بالخَطِّ الكوفيِّ القديم: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا قَبِرُ
عبدِ الله بنِ أمِّ حَرَامٍ يُكْنَى أبا الْبَرَاء ابنَ امرأةٍ عُبَادَةَ بنِ الصامتِ)).
وبأنَّه مات بـ(دمشقَ)) جَزَم الكَتَّانِيُّ، وَأَرَى قَبْرَهُ لِلْأَكْفَانِي.
فإِنْ صَحَّ فيكونُ آخِرَ من مات بـ((فِلَسْطينَ)) قيسُ بنُ سعدِ بنِ عُبَادة، فقد
حَكَى أبو الشيخ ابنُ حَيَّان في (تاريخهِ) عن بعضٍ وَلَدِ سعدٍ أنَّ قيساً تُوفي
بـ(افِلَسْطِين)) في سَنةِ خمسٍ وثمانينَ في ولايةِ عبدِ الملك بنِ مَرْوان.
ولكنَّ المشهورَ أنَّه تُوفي بـ((المدينةِ)) في آخرِ خلافةِ معاويةَ. قاله الهيثمُ بنُ
عَدِي، والواقديُ (٢)، وخليفةٌ (٣) وغيرُهم(٤)، بل رأيتُ في ((ثقات ابن حِبَّان))(٥)
ممَّا حكاه شيخُنا أيضاً أنَّه هَرَبَ مِن معاويةَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وسكن
(تَفْلِيس)) يعني بفتح المثناة الفوقانية، ثم فاءٍ وآخرُه سينٌ مهملةٌ: أَحَدُ بلادٍ
(آذربِيجَان)) مما يلي ((الثَغْر))، ومات بها في ولايةِ عبد الملك(٦) فلعل
أحدهما(٧) تصخَّفَ.
وأمَّا الآخِرُ منهم موتاً (بـ((مصرَ)) فابنُ الحَارِثِ بنِ جَزْي) أي بإبدَال الهمزةِ
ياءً للضرورة، فإنه جَزْءٌ، وهو الزُّبَيدِي بضم الزاي مصغّر، نسبة لـ ((زُبَيد)).
واسمُه عبدُ الله.
(١) الإمامُ الحافظُ محمودُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمد الدمشقي مؤلف كتاب ((الطبقات)) مات سنة
٢٥٩. (الجرح والتعديل)) (٢٩٢/٨)، و ((السير)) (٥٥/١٣)، وكنيتُه في الأولِ: أبو
الحسن، وفي الثاني: أبو القاسم. والأول أكثرُ - كما سيأتي في (ص٩٤)، وكما في
((شذرات الذهب)) (١٤٠/٢).
(٢) نقله عنه ابن سعد في ((الطبقات)) (٥٣/٦).
(٣) فقد ذكره في ((تاريخه)) (٢٢٧) في وفيات سنة ٥٩.
(٥) (المصدر السابق).
(٤)
وأشار إليه ابنُ حِبّان في ((الثقات)) (٣٣٩/٣).
(٧) يعني (فلسطين) و(تفليس).
(٦) وقال: في سنة خمسٍ وثمانين.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٨٩
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة
وكونُ موتِهِ بـ((مصرَ))، وأنَّه آخرُهم قاله ابنُ عُيَينة، وابنُ المَدِيني، وأبو
زكريا ابنُ منده (١)، وابن الجوزي في ((تلقيحه)) (٢).
وكذا أطلَق ابنُ عبدِ الحكم أنَّه مات بـ((مصرَ))(٣). وعن الطَّحَاوِي (٤) أنه
مات بـ(سَفْطِ القُدُور))(٥) وهي التي تعرف اليوم بـ((سَفْط أبي تراب)) من ((الغربية))
قريباً من ((المَحَلَّة))(٦).
وقيلَ: إنَّه مات بـ((اليمامةِ)). حكاه أبو عبدِ الله ابنُ مندة عن ابن يونس،
وأنه شَهِد بدراً.
وقال شيخُنا: ((إنَّه خَبْطٌ فَاحِشرٌ))، قال: ((وأظنّه عَمَّه مَحْمِيَةَ بنَ جَزْءٍ))(٧)،
وكذا قال المصنفُ: إنَّه لا يصحُّ أنَّه شَهِد بدراً، فإنْ صَّ فهو آخرُ البَدْرِيِّين
موتاً(٨).
وكذا اختُلف في وقتٍ وفاته فقيل: سنةُ خمسٍ، أو ستٍّ - وهو المشهورُ -
أو سبعٍ، أو ثمانٍ، أو تسع وثمانين.
٨١٥
(وَقُبِضَ الهِرْمَاس) بكسر الهاء، وإسكان الراء المهملة، ثم ميم مفتوحة،
وآخره سين مهملة: ابنُ زيادِ الباهِلِي آخرَهم (بـ((اليمامة))) فيما قاله أبو زكريا
ابنُ منده، وذكر عكرمةُ بنُ عمَّار: أنَّه لَقِيَه في سنةِ اثْنَين ومائة (٩).
(و) قُبض (قبلَه رُوَيفِعٌ) بضم الراء وكسرِ الفاءِ: ابنُ ثابتِ الأنصاري
المدني (بـ(بَرْقَة))) بفتح الموحدةِ الثانية وبالصَّرف للضرورةِ: من بلادِ ((المَغْرِب)»
فيما قالَه أحمدُ بنُ البَرْقي، قال: ((وقد رأيتُ قبرَه بها، وكان أميراً عليها))(١٠).
(١) قال ذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٢/٣).
(٢) (ص٤٤٤).
(٣) ((فتوح مصر وأخبارها)) (٢٥٣) للمؤرخ أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الحكم، مات سنة ٢٥٧. ((الأعلام)) (٨٥/٤).
(٤) للطحاوي كتاب اسمه ((التاريخ الكبير)) ذكره ابنُ خَلِّكان وغيرُه فيظهرُ أنَّ هذا فيه.
(٥) سفط: بفتح السين المهملة وإسكان الفاءِ، والقُدُور جمع قِدْر بالكسر، قال في ((معجم
البلدان)) (٢٢٤/٣): وهي قريةٌ بأسفلِ مصرَ. وسيذكرُ المصنف أنَّها من (الغربية).
(٧) ((الإصابة)) (٢٩١/٢).
(٦) في (س): (سمنود).
(٨) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٢/٣).
(١٠) ((تهذيب الكمال)) (٢٥٤/٩).
(٩) المصدر السابق.

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٩٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكذا قال ابنُ يونُس: إنَّه كان أميراً عليها لمَسْلَمَةَ بنِ مُخَلَّد، وأنَّ قبرَه
معروفٌ بـ((بَرْقَة)) إلى اليوم، وعَيَّن وفاتَه في سنةِ ثلاثٍ وخمسين(١) .
٨١٦
(وقيل): إنّ وفاتَه كانت بـ ((إِفْرِيقِية))) - بكسر الهمزة، وسكون الفاء،
وكسر الراء، ثم ياء ساكنة بعدها قاف مكسورة، ثم ياء تحتانية خفيفة،
وبالصرفِ أيضاً، من ((المغرب)) أيضاً - فيما قالَه أبو زكريا ابنُ منده(٢) .
لكنْ قال ابنُ الصلاح: ((إنَّ الثانيَ لا يَصِحُ)(٣).
وكذا صحَّحَ المِزْيُّ الأولَ(٤). ووقع له في حِكايةِ ابنِ يونُس في وَفَاتِه
سَهْوٌ تَبِعِه عليه شيخُنا في ((الإصابة))(٥)، و((التهذيب))(٦)، ومِن قَبْلِه الذهبي(٧).
والذي في ((ابن يونس)) ما قدّمته.
وفي محل وفاته قول ثالث وأنه ((أَنْطَابُلُس)) (٨)، قاله الليثُ بنُ سعد، وقد
يشهد له كونُ معاويةَ وَلَّاه ((طَرَابُلُس المغرب)) سنةَ ستٍ وأربعينَ، فغزًا ((إقْرِيقية)
في التي بعدَها ودخلَها ثم انصرف. وقيل: إنَّها كانت بـ(الشام)) (٩).
(و) قُبِضَ (سَلَمة) بنُ عَمْرو بنِ الأَكْوَعِ الأَسْلَمِي إِمَّا (بَادِياً) أي بالباديةِ
فهو آخرُهم بها، قاله أبو زكريا ابنُ منده (أو بـ(طَيْبَةَ))) أي ((بالمدينةِ)) (المُكَرَّمةِ)
بالرسولِ وَ﴿، فيما قالَه ابنُهُ إياسُ بنُ سَلَمَة (١٠)، ويحيى بنُ بُكَير، وأبو عبدِ الله
ابنُ منده (١١). ورجَّحه ابنُ الصلاح(١٢)، وهو الصحيحُ.
وكذا اختُلِف في وقتِ وفَاتِهِ، فالصحيحُ أنَّه سنةُ أربع وسبعينَ(١١)، وقيلَ:
سنة أربع وستين.
ومما لم يَذكره ابنُ الصلاح ممَّا هو في جُزْء أبي زكريا ابنِ منده المشارِ
(شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٣/٣).
(١)
((علوم الحديث)) (٢٧١).
(٢)
(٣) المصدر السابق.
((تهذيب الكمال)) (٢٥٤/٩).
(٤)
(٥) (٥٢٢/١).
(٦) (٢٩٩/٣).
في «السير» (٣٦/٣) ووجهُ السهوِ المذكورِ أنَّهم نَقَلُوا عن ابنِ يونُسَ أنَّه مات سنة ٥٦.
(٧)
(٨) مدينة بين (الإسكندرية) و(برقة). ((معجم البلدان)) (٢٦٦/١).
(٩) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٣/٣).
(١٠) ((الطبقات)) (٣٠٨/٤).
(١١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٣/٣).
(١٢) ((علوم الحديث)) (٢٧١).

:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩١
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
إليه في ذلك أنَّ آخِرَ مَن مات منهم بـ(خُرَاسَانَ)) بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيب(١). قلتُ:
وكان قد غَزَا إليها في زَمن عثمانَ، ثم تحوَّلَ إلى ((مَرْوَ)) فَسَكَنَها حتى ماتَ في
سنةٍ ثلاثٍ وستين. وحينئذٍ فقد تأخّر بعدَه أبو بَرْزَةَ نَضْلَةُ بنُ عُبَيد الأَسْلَمِي(٢)،
لقولٍ خليفةَ: إنَّه ماتَ بعدَ سنةٍ أربعٍ وستين(٣).
وحقَّق شيخُنا أنَّه كان حيًّا في سنةٍ خمسٍ وستين، وكان بـ«خُرَاسَانَ))(٤).
قال الخَطِيبُ: ((إنَّه شَهِد مع عليّ قتالَ الخَوَارِجِ بـ(النَّهْرَوَان))، وغَزَا بعدَ
ذلك ((خراسانَ))، فمات بها)). وكذا جَزَمَ خليفةُ(٥) والواقديُّ، وابنُ سعد(٦) بأنَّه
مات بها(٧)، لكنْ قال أبو عليّ محمدُ بنُ علي بنِ حمزة المَرْوَزِي: ((قيل: إنّه
مات بـ(نَيْسَابُورَ))، وقيل: بـ((البَصْرَةِ))، وقيل: بِمَفَازةٍ بين ((سِجِسْتَانَ))، و((هَرَاة»،
حكاه الحاكمُ في ((تاریخ نيسابور)).
وبـ(الرُّخْجِ)) - وهي بضم الراء، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم جيم، من
أعمال ((سِجِستانَ)) - العَدَّاءُ - بوزن: العَطّار - ابنُ خالدٍ بن هَوْذَة العامري.
قال شيخُنا: ((وكأنَّه عُمِّر، فإنَّ عندَ أحمدَ: أنَّه عاش إلى زَمن خُروجٍ
يزيدَ بنِ المُهَلّب (٨). وكان ذلك في سنةِ إحدى - أو اثنَتَين - ومائة))، وقال: ((إنَّه
فيما ذَكَّرِه ابنُ سعدٍ وَفَد على النبيّ ◌َّهِ فَأقطَعَه مِيَاهاً كانت لبني عامِر، يقالُ لها
((الرُخَيخ)) - بِخَاءَين مُعْجَمَتَين مصغر(٩) - فكان ينزل بها))(١٠).
(١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٤/٣).
(٢) ويقالُ: نَضْلةُ بنُ عبدِ الله، وقيل: ابن عُبَيد الله.
(٣) ((طبقات خليفة)) (١٠٩). ولكنَّه في ((تاريخه)) (٢٥١) ذكره في سنة ٦٣، وأنه مات بالبصرة.
(٤) ((الإصابة)) (٥٥٧/٣).
(٥) ((الطبقات)) (١٠٩) ولفظهُ في ترجمة أبي بَرْزَةَ: (له دارٌ بالبصرة. وأتى خراسانَ ومات
بعدَ أربع وستين بعدَما أُخرِجٌّ ابنُ زياد من البصرة).
(٦) ((الطبقاتْ)) (٢٤٢/٤).
(٧) وكان خليفة في ((تاريخه)) (٢٥١) نصَّ على أنه مات بالبصرة. كما تقدم قريباً.
(٨) ((مسند أحمد)) (٣٠/٥).
(٩) وقبل الأولى راءٌ. وقد تصحّف في المطبوع من ((مسند أحمد)) إلى الزجيج بزاي
وجيمين، وتصحف في الإصابة إلى ((الوخيم)).
(١٠) الإصابة (٤٦٦/٢).

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٩٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ومما ليس في ((الجُزْءٍ) (١) أيضاً أنَّ آخِرَ من ماتَ بـ((أَصْبَهَانَ)) منهم النابغةُ
الجَعْدِي، فقد ذكر وفاتَه بها أبو الشيخ في ((طبقات الأصْبَهَائِيِّين))(٢)، وأبو نُعَيم
في ((تاريخ أصبهان))(٣) بعدَ أنْ عُمِّرَ طويلاً وكان معاويةُ سَيَّره إليها .
وبـ((الطائفِ)) عبدُ الله بنُ عباس(٤)، وقد زرته(٥) .
ومما لم يذكرْه المؤلِّفُ(٦) أيضاً: أنَّ آخِرَ مَن مات بـ(سَمَرْقَنْدَ)): قُثَمُ بنُ
العبّاس شهيداً، وهذا على الصحيح(٧)، وقيل: بـ«مَرْو)).
وبـ((وَاسِطَ)) لُبَيُّ - بلام وموحدة مصغر - ابنُ لَبَا: بموحدةٍ خفيفة وزن عَصَا
على المعتمدِ فيهما كما سيأتي(٨). وكان يكونُ بها(٩). قاله أبو بكر الجِعَابي في
(تاريخ الطَّالِين)).
وقد جمع الصَّغَانِيُّ اللُّغَوِيُّ جُزْءاً فيمَن عَرَفَ أَمْكِنَةَ وفاتِه من الصحابة
سمّاهُ: (دَرّ السحابة))، وهو عندِي بخطِّه، واختصَرَهُ خَطِيبُ ((دَارَيًّا))(١٠)، وفيهما
فوائدُ مع احتیاجهما إلى تنقيبٍ.
ومما يُشْبِهِ ما تقدَّم أنَّ آخرَ مَن مات من البذْرِيِّين بقَيدِ الأنصارِ: أبو أُسَيد
مالكُ بنُ رَبيعةَ الساعِدِي، فيما قالَه المَدَائِنِي وأبو زَكَرِيًّا ابنُ منده (١١)، أو أبو
(١) يعني (جزءً أبي زكريا ابنٍ منده في آخر من مات من الصحابة) الذي مضت الإشارةُ إليه.
(٢) ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (١/ ٢٧٣). (٣) (١/ ٧٣).
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٤/٣). وذلك سنة سبعين كما عند البخاري في ((الكبير))
(٣/٥) و((الصغير)) (١٢٦/١) وقيل: سنة ثمانٍ وستين، أو سبعٍ وستين.
(٦) يعني العراقيّ.
(٥) يعني زارَ قَبْره.
(٧) ((التاريخ الصغير) (١٦٩/١، ١٧١)، وقاله الحاكم. ((السير)) (٤٤٢/٣).
(٨) في نوع ((أفراد العلم)) (ص١٩٥).
(٩) أي بـ (واسط) كما في ((الجرح والتعديل)) (١٨٢/٧).
(١٠) في كتاب اسمه: (تحصيلُ الأَدَوَاتِ بتفصيلِ الوَفَيات) في بيان من عُلِم محلُّ موته من
الصحابة. وخطيبُ دَارَيًّا هو: محمدُ بنُ أحمدَ بَنِ سليمانَ، أبو المعالي، الدمشقي الشافعي،
لُغَويٌّ أديبٌ علامةٌ ويُعرَف بابنِ خطيبٍ دَارَيًّا. مات سنة ٨١٠ أو سنة ٨١١. ((الضوء اللامع))
(٣١٠/٦)، و(١٧١/١١) و((الشذرات)) (٨٨/٧). و(دَارَيًّا) بالدال المهملة والراء المفتوحة
والمثناة التحتية المشددة: قرية من قرى دمشق. ((معجم البلدان)) (٤٣١/٢).
(١١) قال ابنُ حجر في ((الإصابة)) (٣٤٤/٣): (وهو آخرُ البدرِيِّين موتاً). يعني مطلقاً، وذكر
أنَّ وفاتَه كانت سنةَ ستين. وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥١٦/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٣
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
اليَسَر كعبُ بنُ عَمْرو فيما قالَه ابنُ إسحاقَ ثم ابنُ الجَوزِي(١) .
وآخِرَهم بقَيدِ المهاجِرين سعدُ بنُ أبِي وَقّاص، وهو أيضاً آخرُ العَشَرَةِ موتاً(١).
وآخِرَ مَنْ شَهِد بيعةَ الرِّضوانِ موتاً - على ما تقدَّم - عبدُ الله بنُ أَبِي أَوْفَى.
وآخِرَ مَنْ صلَّى لِلْقِبْلَتَين موتاً - على ما تقدَّم أيضاً - عبدُ الله بنُ بُسْر.
وآخِرَ مَن شَهِدَ ((العَقَبَةِ)) موتاً - فيما قالَه ابنُ الجوزي(١) - جابرٌ. وآخِرَ مَوَالي
النبيِّ وَِّ موتاً سَفِينَةُ.
وآخِرَ أزواجِه ◌ِ﴿ موتاً مَيْمونةُ فيما قالَه الواقِدِيُّ (٢) وغيرُه، وقيلَ: أمُّ
سَلَمَة كما رواهُ يونُس عن ابنِ شهاب. قال شيخُنا(٣): وهو الصحيحُ. وفي
((صحيح مسلم)) ما يُقَوِّيهِ(٤).
وأَغْرَبَ ابنُ حزم فزَعم أنَّ صَفِيَّةَ آخِرُ الزوجاتِ موتاً(٥)، وقال غيره: سنة خمسين.
وقيل: سنة اثنتين وخمسين(٦)، وقيل: سنة خمس عشرة(٧).
(١) ((التلقيح)) (٤٤٥).
(٢) عزاه إليه ابن الجوزي في (المصدر السابق). وأخرج ابنُ سعدٍ عنه في ((الطبقات)) (٨)
٩٦) أنها ماتت سنةً ٥٩.
(٣) في ((الإصابة)) (٤٢٤/٤).
(٤) (صحيح مسلم)) الفِتَنُ وأشراط الساعة: باب الخَسْف بالجَيْش الذي يَؤُمُّ البيتَ - (٤/
٢٢٠٨). ففيه أنَّ الحارثَ بنَ أبي ربيعةَ وعبدَ الله بنَ صفوانَ دخلا عليها فسألاها عن
الجَيْشِ الذي يخسِفِ به وكان ذلك في أيامِ ابنِ الزُّبَير.
ووجهُ التَّقْوِيةِ: أنَّ أيامَ ابنِ الزُّبَير كانت بَعَدَ وَفاةِ معاويةَ رَ﴿ُهِ وتولِّي ابنِهِ يزيدَ، وكان
ذلك بعدَ سنةٍ ستینَ.
(٥) هذا انتقالُ ذِهْنٍ من السخاوي تَغْلَفُ، فقد قالَ ابنُ حزم في ((جوامع السيرة)) (٣٣) في
ترجمةِ أم سَلَمَةُ: (وهي آخرُ نسائِهِ موتاً، ماتت سنة تسع وخمسين ... وقال عطاء:
آخِرُهُنَّ موتاً صَفِيَّةُ. وهَذَا وَهَمٌ. انتهى.
(٦) قالَهما الواقدي كما في ((طبقات ابن سعد)) (١٢٨/٨، ١٢٩) وقال الحافظ عن أوَّلِهما:
وهذا أقْرَبُ.
(٧) لم أجد مصدرَ هذا القولِ، وهو بعيدٌ جدًّا، فإنَّ ابنَ منده وكذا ابنَ الأثير في ((أسدٍ
الغابة)) (٦/ ١٧١) لما ذكرًا أنَّها تُوفيت سنة ستٍ وثلاثين تعقَّب الحافظُ في ((الإصابة))
(٤ / ٣٤٨) هذا القولَ بقوله: (وهو غَلَط فإنَّ عليّ بنَ الحُسين لم يَكُنْ وُلِدَ، وقد ثَبَتَ
سماعُه منها في ((الصحيحَين))).
وعلى هذا فسنةُ خمسَ عشرةَ أشدُّ غَلَطاً .

معرفةُ التابِعِين
٩٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(معرفةُ التابِعِين)(١)
وهو كالذي قبلَه أصلٌ عظيمٌ في معرفةِ ((المُرسَل)) و((المُتَّصل))، ولذا قال
الحاكمُ: ((ومهمَا غَفَلَ الإنسانُ عن هذا العلم لم يُفَرِّقْ بينَ الصحابة والتابعين،
ثم لم يُفَرِّق بين التابعين وأتباعهم)) (٢) .
ومن مظانّهم المذكورون فيها على التوالي: ((الطبقاتُ لمُسلمٍ، ولا بنِ
سَعْد، ولخليفةَ بنِ خَيّاط، وأبي بكر ابنِ البَرْقِي، وأبي الحَسَن ابنِ سُمَيَع.
بل أفردَهم أبو حاتم الرازي، وأبو القاسم ابنُ منده بالتأليفِ،
وغيرهما .
وكان يمكنُ حصرُهم في عدَدٍ تقريبيٍّ بالنَظَر لما في كُتُبِ الرجالِ، وإِنْ
كان قليل الجدوى.
٨١٧
(و) فيه مَسَائِلُ :
الأُولى: في تعريفِه، فـ (التَّابِعُ) - ويقال له: التابعيُّ أيضاً، وكذا
التَّبَع، ويجمع عليه أيضاً، وكذا على أتْبَاع - هو: (اللّاقِي لمن قد صحبا)
النبيَّي ◌َّ، واحداً فأكثرَ، سواءٌ كانتِ الرؤيةُ مِن الصحابي نفسِه حيث كان
التابعيُّ أعمَى، أو بالعكس، أو كانا جميعاً كذلك، لِصِدْق أنّهما تلاقَيَا،
وسواءٌ كان مُمَيِّزاً أم لا، سَمِعَ منه أم لا، لِعَدِّ مسلم(٣)، ثم ابنِ حِبَّانَ(٤)،
ثم عبد الغنيِّ بنِ سعيد(٥) فيهم الأعمشَ مع قولِ الترمَّذي: ((إنَّه لم يسمعْ من
(١) وهو النوع الأربعون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) (٤١).
(٣) في ((الطبقات)) (٣٣٢/١).
(٤) في ((الثقات)) (٣٠٢/٤).
(٥) في جزءٍ له جَمَعَ فيه مَنْ رَوَى من التابعين عن عَمْرِو بنِ شُعَيب. قاله العراقيُّ في =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٥
معرفةُ التابِعِين
أحدٍ من الصحابةِ))(١).
وعبدِ الغنيِّ جَرِيرَ بنَ حازِمِ لكَونِهِ رَأَى أنساً.
وموسى بنَ أبي عائشةَ مع اقتصار البُخَارِيِّ وابنِ حِبانَ فيه على رُؤيةِ
عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ(٢).
ويحيى بنَ أبي كثيرٍ، مع قولِ أبي حاتم: ((إنَّه لم يُدْرِْ أحداً من الصحابة
إلَّا أَنَساً رآه رُؤية))(٣).
وهذا مصيرٌ منهم إلى الاكتفاءِ بالرُّؤية، إذْ رؤيةُ الصالِحِين بلا شكِّ لها أَثَرٌ
عظيمٌ، فكيفَ بالصحابةِ منهُم، كما قيلَ بمثلِه في ((الصحابِيِّ)) مما أسلفتُه في
أولِ ((معرفة الصحابة))(٤)، ولكنْ قيَّده ابنُ حِبَّنَ بكونه حين رُؤْيَتِهِ إِيَّاه في سنٌّ
من يَحفظ عنه، كما صرح بذلك في ترجمةِ خَلَفِ بنِ خَلِيفَة(٥) - الذي قال
البخاريُّ فيه: ((يقالُ: إنَّه ماتَ في سنةٍ إحدى وثمانِينَ ومائة، وهو ابنُ مائةٍ سنةٍ
وسنةٍ))(٦)، وبذلك جَزَم ابنُ حِبَّان. وقال فيه غيرُهما: إنّه آخِرُ التابعين موتاً -
حيثُ ذَكَرِه في ((أتباع التابعين))، وساقَ بسنده إليه قال: ((كنتُ في حِجْر أبي إذْ
مرَّ رجلٌ على بَغْلٍ، أو بغلة. فقيل: هذا عَمْرُو بِنُ حُرَيثٍ صاحبُ النبيّ(وَ)).
فقال (٧): ((لم نُدْخِلْ خَلَفاً في ((التابعين)) وإنْ كانت له رؤيةٌ مِنَ الصحابةِ لأنه
رأى عَمْرَو بنَ حُرَيث وهو صبيٍّ صغيرٌ لم يَحْفظ عنه شيئاً - يعني فإنَّ عَمْراً
تُوفي كما قال البخاري وغيرُه في سنةِ خمسٍ وثمانينَ - وأَدخَلْنَا الأعمشَ فيهِم
مع أنَّه إنَّما رأى أيضاً فقط، لكونِه حين رُؤْيَتِه لأَنَسٍ وهو بـ ((واسطَ)) يَخْطُبُ كان
= ((التقييد والإيضاح)) (٣١٨).
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٢/١) ولفظُه: (ويقال: لم يَسْمَعِ الأعمشُ من أنسٍ ولا من أحدٍ من
أصحاب النبي ◌َّه، وقد نَظَرَ إلى أنس بن مالك.
(٢) ((التاريخ الكبير)) (٢٨٩/٧) و((الثقات)) (٤٠٤/٥)، لكن في ((الثقات)): (رأى عمرو بنَ حُرَيث،
وغَيْرَه من أصحابِ النبي ◌َِّ)، وفي («مشاهير علماء الأمصار)) (١٠٥): ((سمعِ عَمرو بنَ حُريث)).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (١٤١/٩) ولفظه: (روى عن أنسٍ مرسلاً، وقد رَأَى أنساً يُصلي في
المسجد الحرام ولم يَسمَعْ منه).
(٥) ((الثقات)) (٢٧٠/٦).
(٤) (ص٨) من هذا الجزء.
(٦) ((التاريخ الصغير)) (٢٢٥/٢)، وينظر: ((التاريخ الكبير)) (١٩٤/٣).
(٧) أي ابنُ حبان.

معرفةُ التَابِعِين
٩٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
بالغاً يَعْقِل، بحيثُ حَفظ منه خُطبتَه، بل حَفظ عنه حينَ رآه بـ((مكةَ)) وهو يُصَلِّي
عندَ المَقَامِ أَحْرُفاً معدودةً حكاها، إذْ ليس حكمُ البالغ إذا رأى وحَفِظ كحُكم
غيرِ البالغ إذا رأى ولم يَحفظ)»، انتهى(١).
وبه ظهرَ أنَّ ما نُقِل عن شيخِنا من احتمالٍ أنْ يكونَ ابنُ حِبَّانَ(٢) إِنَّمَا عَدَّ
خَلَفاً في أتباع التابعينَ لِمَا قِيل: إنَّه إنَّما رأى جَعفَرَ بنَ عَمْرٍو بنِ حُرَيث لا
عَمْراً نَفْسَه، وأَنَّ هذا القولَ تَرجَّح عندَه: ليس بجيِّد.
ثم إنَّ إطلاقَ اللُقِيّ يشمَلُ أيضاً مَنْ لَمْ يكنْ حينئذٍ مُسْلِماً ثم أسلمَ بعدَ
ذلك، وجَنَح إليه شيخُنا فيما نُقل عنه.
ولا ينافيه قولُ ابنِ كثير: ((إنَّ في كلام الحاكم ما يقتضي عدمَ الاكتفاءِ
باللقاءِ، وأنَّه لا بدَّ مِن الرواية، وإنْ لمْ يصحَبَّه))(٣) إذَ الروايةُ لا يُشتَرَطُ لتحمُّلِها
الإسلامُ.
على أنَّ ما نَسَبَه للحاكِم فيه نَظَر، فقد قال الحاكمُ: ((وطبقةٌ تُعَدُّ في
التابعين ولم يصحَّ سماعُ أحَدٍ منهم مِنَ الصحابةِ))(٤)، يعني اكتفاءً فيهم
بالرُّؤيةِ(٥) .
(١) من ((الثقات)) (٦/ ٢٧٠).
(٢) في (ح): عند ابن حبان - من الناسخ. (٣) ((اختصار علوم الحديث)) (١٨٦).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) (٤٥).
(٥) أَيْ مِنَ الذِين عَدُّوهم مِنَ التابعين، أما هُو فلا يَعُدُّ هذه الطبقةَ منهم بدليلِ أنّه ذَكَر في
((علوم الحديث)) (٤٣) أنَّ التابعين خمسَ عَشْرَةَ طبقةً (آخِرُهم مَنْ لَقِيَ أنَسَ بنَ مالك
من أهل البصرة ومَن لَقِيَ عبدَ الله بنَ أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائبَ بنَ
يزيدَ من أهل المدينةِ، ومن لقي عبدَ الله بنَ الحارث بنِ جَزْءٍ من أهل مصرَ، ومن لقي
أبا أُمَامَةَ الباهِلي من أهل الشام). انتهى.
ثم قال: (ص٤٥): (ومن التابعين طبقةٌ وُلِدُوا في زمانِ رسولِ اللهِ وَّهِ ولم يَسْمَعُوا منه)
ومثّل لذلك بمحمدِ بنِ أبي بكر وعَمْرِو بنِ سَلِمَةَ وغيرِهما ثم قال: (وطبقةٌ تُعَدُّ في
التابعين ولم يصحَّ سماعُ أحدٍ منهم من الصحابة)، وذكر أمثلتَهم ثم قال: (وطبقةٌ
عِدَادُهم عند الناس في أتباع التابعين وقد لَقُوا الصحابةَ منهم أبو الزنَاد .. ).
فهو بعد أن عدَّ من التابعين مَنْ وُلِدُوا في زمانِ النبي ◌َّه ولم يسمعوا منه - وقد عذَّهم
كثيرٌ من المُحَققين صحابةً كما تقدَّم - بَيَّن أنَّ هناك مَن عَدَّ مِن التابعين مَنْ لمْ يَصِحَّ
سماعُهم من الصحابةِ، وهناك مَنْ عَدَّ مِن أتباع التابعين مَنْ لَقِيَ الصحابةَ في حينِ أنَّ =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٧
معرفةُ التَابِعِين
ثم إنَّ ظاهرَ كلامِ ابنِ كثير عدمُ انفِرَاد الحاكم بما فَهِمَه عنه، فإنّه قال:
((فلم يكتَفُوا بمجرَّدِ رُؤْيَتِهِ الصحابِيّ، كما اكتَفَوا في إطلاق اسم الصحابيِّ على
مَن رَآهَ عَُّ لِشَرَفِ رُؤيته وعِظَمِها))(١). وهذا مُحتَمل، لاشتراطهَ مع الرؤيةِ كَوْنَه
في سِنُّ مَنْ يَحفَظُ كما لابن حِبَّان(٢)، أو الروايةَ صريحاً(٣). وعلى كلِّ حالٍ
فهو قولٌ آخَرُ.
(وللخطيب) أيضاً (حَدُّهُ: أَنْ يَصْحَبَا) الصَّحَابِيَّ(٤).
ولكنَّ الأولَ أصحُ، وعليه - كما قال المصنفُ : - عَمَلُ الأكثَرِينَ(٥).
وقال شيخُنا: ((إنَّه المُختارُ))(٦). وقال النوويُّ: ((إنَّه الأظهرُ))(٧). وسبقَه
لترجيحِه ابنُ الصلاح فقال: ((والاكتفاءُ في هذا بمجرَّدِ اللقاءِ والرُؤْيَةِ أقربُ منه
في الصَّحَابِي، نظراً إلى مُظْلَقِ اللفظِ فيهما))(٨)، أي في الصحابي والتابعي،
وإذا اكتُفِي به في الصَّحَابي فهنا أَوْلَى.
وفيه نَظرٌ، فاللُّغَةُ والاصطلاحُ في الصحابي - كما تقدَّم - مُتَّفِقان. وكأنَّه
نظر إلى أنّه لا يُطلَق عُرْفاً على الرُؤية المجرَّدة بخلافِه في التابع، فالعُرفُ
واللغةُ فيه متقاربَانٍ. هذا مَعَ أنَّ الخطيبَ عَدَّ منصورَ بنَ المُعْتَمِرِ في التابعين مع
كونه لم يسمعْ مِنْ أحدٍ من الصحابةِ. وقولُ الخطيبِ: ((وَلَهُ مِنَ الصحابةِ ابنُ
أَبِي أَوْفَى))(٩) يريدُ في الرُؤية، لا في السَّمَاعِ والصُّحْبةَ(١٠).
واحتمالُ كونِ الخطيبِ يَرَى سماعَه منه: بعيدٌ، لا سيّما وقد قال
الصوابَ هو العكسُ. وكأنَّه أوردَ ذلك مَوْرِدَ الانتِقَادِ. وبهذا يظهرُ أنَّ استظهارَ ابنِ كثير
=
أقربُ. والله أعلمُ.
(١) ((اختصار علوم الحديث)) (١٨٦).
(٢) ((الثقات)) (٢٧٠/٦).
(٣) يعني أنه يُشترط مع الرؤيةِ أنْ يكونَ التابعيُّ في سِنِّ مَنْ يَحفَظُ، أو ثَبَتَتْ روايتُه عن
الصحابي صراحةً.
(٤) ((الكفاية)) (٢٢).
(٦) ((النزهة)) (٥٦).
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٥/٣).
(٧) ((التقريب)) (٢٣٤/٢).
(٨) ((علوم الحديث)) (٢٧٢).
(٩) قاله الخطيب في جُزْءٍ له جَمَعَ فيه رِوَايةَ الستةِ من التابعين بعضِهم عن بعضٍ.
قاله العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣١٩).
(١٠) قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٦/٣).

معرفةُ التابِعِين
٩٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المصنفُ: ((لم أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ في التابعين))(١).
وقال النوويُّ في ((شرح مسلم)): ((إنَّه ليس بتابِعي، ولكنَّه من أتباع
التابعين))(٢).
ثم إنَّه قد يُسْتَأْنَسُ للأولِ بقولِهِ نَّه: «طُوبَى لِمَنْ رآني وآمنَ بِي، وُطُوبَى
لمن رَأَى مَنْ رَآني))(٣)، حيث اكتَفَى فيهما بمجرد الرؤية.
وإِذْ قد بان تعريفُه فمطْلقُه ينصرف إليه، وإنْ قال ابنُ الصلاح: ((إنه مُقَيَّد
بالتابعِ بإحسان»(٤).
الثانية: في تَفَاؤُتِهم بأنَّ فيهم القديمَ المُلَاقِي لقُدَماءِ المُهَاجِرين، أو
المُذْرِكَ للزمن النَّبَوِي، أو للجاهليةِ، والمُخْتَصَّ بمزيدِ الفَضِيلةِ عن سائرِهم،
وبالعدالةِ، وبروايةِ الصحابةِ عنهم، والمُتَصَدِّي للفَتْوى وإنِ اشْتَرَكُوا في الاسم.
(وهم) لتفاوتهم (طِيَاقٌ) قيل: ثلاثٌ، كما في ((الطََّقَاتِ)) لِمُسلمٍ، وابنٍ
سعدٍ وربّما بلَغ بها أربعاً.
٨١٨
(وقيل) كما للحاكِم في ((علوم الحديث))(٥): (خَمسَ عَشِرَة) بكسر الشين
المعجمة كما كتبَه الناظمُ [بخطّه](٦) مشياً على لُغَةِ ((تميم))، ليكونَ مُتَغَايِراً مع
(١) المصدر السابق.
(٢) (شرح صحيح مسلم)) (١/ ٥٣).
(٣) أخرجه الحاكم (٨٦/٤) عن عبدِ الله بنِ بُسْر بأطولَ مما هُنا وفي سنَده: جَمِيعُ بنُ
ثُوَب، قال الذهبيُّ: (وَاهٍ)، والخطيبُ في ((التاريخ)) (٤٩/٣) عن عليّ، وفي سنده أبو
الدُّنْيا المُعَمَّرُ أحدٌ الكذابين و(٣٠٦/٣) عن أنس بسندٍ فيه موسى الطويلُ أحدُ الكذابين
و(٦ / ٢٠٠) عن أنس بسندٍ فيه أبو هُدْبَةَ أحدُ الوضّاعين، و(١٢٧/١٣) عن أنس بسندٍ
فيه المُظَفَّر بن عاصم ابن أبي الأغر أحدُ الكذابين.
هذا وقد أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٢٨٠/٤) من حديث عبدِ الله بنِ بُسْر
وعزاه للطبراني والحاكم ورَمَزَ لحُسْنِهِ، وصحَّحه العَزيزِيُّ في ((السراج المنير)) (٢/
٤٢١)، كما أوردَهُ السيوطي من حديث أبي سعيد وعزاه لعَبْدِ بن حُمَيد، ومن حديثٍ
وائلةَ وعزاه لابن عساكر، ورَمَزَ لحُسْنه، وقال العَزِيزي: (صحيح لغيره)، قلتُ: وذلك
بمجوع طُرُقِهِ غيرِ الهالكة. وقد صحَّحه الألباني كما في ((صحيح الجامع الصغير)) (٤/
١٣).
(٤) ((علوم الحديث)) (٢٧١).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٥) ((معرفة علوم الحديث)) (٤٢).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٩٩
معرفةُ التابعِين
آخِرِ البيتِ [لفظاً كتَغَايُرِهما معنًى بالنظَر للعَدَدِ والأشْخَاصِ](١). ولم يُفَصّلِ
الحاكمُ الطِّبَاقَ كلَّها .
نَعَمْ، أشعرَ تصرُّفُه بأنَّ كلَّ مَنْ لَقِي مَنْ تقدَّم كان من الطَبَقة الأُولى، ثم
هكذا إلى آخرِها بحيثُ يكونُ آخرَها سليمانُ بنُ نافع إنْ صحَّ أنَّ والدَه من
الصحابة، وزِيادَ بنَ طارقٍ الراوي عن زُهَير بنِ صُرَدٍ، ونحوَهما كخَلَفَ بنِ
خليفة المتوفَّى - كما سلفَ قريباً - في سنةِ إحدى وثمانين ومائة، وأنَّهُ آخِرُ
التابعين موتاً .
وحينئذٍ فـ (أوَّلُهم رُواةُ كلِّ العَشَرة) المشهودِ لهم بالجنةِ، الذين سَمِعُوا
منهم.
(وقيسٌ) هو ابنُ أبي حَازِمِ (الفَرْدُ) منهم (بهذا الوصفِ) أي روايتِه عن ٨١٩
كلِّهم كما نصَّ عليه عبدُ الرحمن بنُ يوسفَ بنِ خِرَاش(٢)، وعبارَتُه: ((هو كُوفِيٌّ
جَلِيل، وليس في التابعين أحدٌ رَوَى عن العشرةَ غيرُه))(٣) .
وكذا قال ابنُ حِبَّن في ((ثقاتِه))(٤): ((روى عن العَشَرة)).
(وقيل) - كما لأبي داودَ مما قالَه الآجُرِّي عنه(٣)، وليعقوبَ بنِ شَيبةَ -:
إنّه (لم يسمعْ من ابن عوف)(٥) عبدِ الرحمن، أَحَدِهم.
(و) أمّا (قولُ مَن عدَّ) مع قيسٍ فيمَن سمع العشرةَ (سعيداً) هو ابن ٨٢٠
المُسَيب، وهو الحاكمُ في النوع الثامنٍ، والرابعَ عَشَر معاً من ((علومه))(٦)، بل
(١) ما بين المعكوفين ليس في (س)، وقولُه: (بالنَّظَر للعدَدِ والأشخاص)، يعني أنَّ
العدَدين مختلفان، فالعدَدُ الأولُ يدلُّ على توزيعِ التابِعِين من حيثُ الجُملةُ، والثاني
يدلّ على أناسٍ معيَّنین.
(٢) أبو محمد، مُروزيٌّ، بغدادي، حافظ ناقِدٌ رَافِضِيٍّ، مات سنة ٢٨٣. ((تاريخ بغداد)»
(٢٨٠/١٠) و((السير)) (٥٠٨/١٣).
(٣) ((سؤالات أبي عبيد)) (١١٣) وأخرجه عنه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٥٤/١٢).
(٤) (٣٠٧/٥).
(٥) جاء في ((السير)) (١٩٩/٤) كلامٌ طويلٌ ليعقوبَ بنِ شَيبةً عن قَيس، عزاه مُحَقِّقُ الكتاب
إلى ابنِ عساكر.
(٦) ((معرفة علوم الحديث)) (٢٥، ٤٢).

معرفةُ التابِعِين
١٠٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وعدَّ في ثاني المَوْضِعَين غيرَهُ(١) (فَغَلط) صريحٌ، لأنّ سعيداً إنَّما وُلِد باتفاقٍ في
خلافةِ عُمَرَ(٢)، فكيف يسمعُ من أبِي بَكر؟! والحاكمُ نفسُه مُعتَرفٌ بذلك حيثُ
قال: ((أدرَك عُمَرَ فَمَنْ بعدَه مِنَ العَشَرة))، انتهى(٣). بل سماعُه من عُمرَ مختَلَفٌ
فيه .
ولكنْ ممَّن جزمَ بسماعه منه الإمامُ أحمدُ(٤)، وأيَّده شيخُنا بروايةٍ صحيحةٍ
لا مَطْعَنَ فيها، مصرِّحةٍ بسَماع سعيدٍ منه(٥)، وكذا في ((الصحيح)) سماعُه من
عثمانَ وعليّ الاختلافَ في الإهلالِ بالحجِّ والعُمرةِ، وإهلالِ عليٍّ بهما (٦).
وكذا جاء عنه قولُه: ((أَنَا أَصْلَحْتُ بينَهما))(٧).
(١) كأبي عثمان النَّهْدِي، وقيسٍ بنِ عُبَاد وغيرِهما .
(٢) ليس باتفاق، فقد قال مالك: إنَّه لم يُدرِكْ عُمرَ. ((تهذيب التهذيب)) (٨٦/٤).
(٣) من ((معرفة علوم الحديث)) (٢٥)، لكن قال البُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٤٤٥):
(الذي رأيتهُ في الكلام على ((النوعِ الثامنِ: في معرفةِ المُرسَلِ)): (وقد أدرَك سعيدٌ أبا
بكرٍ وعُمرَ ... لم يسقط أبا بكر). وكذا عزا العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣/
٤٨) إلى الحاكمِ ذِكرَ أبي بكرٍ مِن ضِمْنِهم.
(٤) ((الجرح والتعديلَ)) (٦١/٤).
(٥) ((تهذيب التهذيب)) (٨٧/٤)، وأخرج أبو نُعَيم في ((الحلية)) (١٧٤/٢) بسنَدٍ ليِّن عن
سعيد بن المسيب قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ الخطاب يقول: سمعتُ رسولَ الله وَّله يقول:
(مَن اعتزَّ بالعَبِيد أذلّه اللهُ).
هذا والقولُ المشهور والصحيحُ أنَّ سعيداً وُلِدَ لِسِنَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ خِلافِةِ عُمَرَ نَبه، وعلى
هذا فقد كانَ حينَ ماتَ عُمَرُ تجاوزَ الثامنةَ من عُمُرُه ومَنْ هُو في مثلِ هذا السِنِّ فإنَّه
يحفَظُ ويَعِي، ويدلُّ لسماعِه منه أيضاً ما أوردَه الذهبيُّ في ((السير)) (٢٢٢/٤) بسندٍ قال
فيه مُحَقّقُ الكتاب: (رجاله ثقاتٌ) عن سعيدٍ قال: سمعتُ عُمَرَ على المِنْبَر وهو يقولُ:
(لا أَجِدُ أحداً جَامَعَ فَلَمْ يغْتَسِلْ أَنْزَلَ أو لَمْ يُنْزِلْ إلَّا عاقبتُه)، وقد أخرجه ابنُ سعد في
((الطبقات)) (١٢٠/٥).
(٦) البخاري في (الحج)): باب التَّمَتُّع والقِرَانِ والإِفْرَادِ بالحج (٤٢٣/٣)، ومسلم في
((الحج)): بابُ جوازِ التمتع (٨٩٧/٢) عن سعيدِ بنِ المسيب، ولكنْ ليس فيهما
التصريحُ بسماعِهِ من عثمانَ وعليّ، إذْ عندَهما - واللفظُ للبخاري -: (اختلف عليٍّ
وعثمانُ وهما بـ ((عُسْفَانَ)) في المِتْعَةِ، فقال عليٍّ: ) ما تريدُ إلَّا أنْ تَنْهى عن أمرٍ فعلَه
النبيُّ وَ ﴿، فلمَّا رأى ذلك عليٍّ أهلَّ بِهِما جميعاً).
(٧) رواه البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) (٥١١/٣) عن سليمانَ بنِ حَرْبٍ: حدَّثَنَا سَلَامُ بنِ =