النص المفهرس

صفحات 461-480

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٦١
التَّصْحِیفُ
وأنّه أَمْلَى أيضاً: أنّ النبيَّ بَّرِ قال: ((لا تَصْحَبُ الملائكةُ رُفْقةً فيها
جَرَسٌ))(١)، فَقَالَها بالخاءِ المعجمة المضمومة وبسكون الراء(٢).
على أنّ جَزَرَةَ إنّما لُقِّبَ بها لكونِهِ صَحَّف حديثَ: ((إنّ عبدَ الله بنَ بُسْرٍ
كان يَرْقِي وَلَدَهُ بِخَرَزَةٍ)) - بمعجمتين بينهما راءٌ مفتوحة - بِجَزَرة، بجيم ثم
معجمةٍ بعدَها مهملةٌ(٣)، كما سيأتي في ((الألقاب)) (٤).
واتفَق لبعضٍ مدرسي (النِّظَامِيّة)) بـ(بغدادَ))(٥) أنّه أولَ يوم إجْلَاسِهِ أَوْرِدَ
حديثَ: ((صلاةٌ في إثْرِ صلاةٍ: كتابٌ في عِلِِّين (٦))، فقال: ((كَنَارٍ فِي غَلَسٍ))(٧)،
فلم يفهَمِ الحاضرون ما يقول، حتى أخبرَهم بعضُهم بأنّه تصحَّف على
المُدَرِّس. ولابن أبي عاصم حيثُ قال في كتابٍ ((الأطعمة)) له: ((بابُ تحريم
السِّبَاعِ))، وساق حديثَ دَرَّاج عن أبي الهَيْثَم عن أبي سعيد رَفَعَه: ((السِّبَاعُ
حَرَامٌ))، فصحَّفه، وإنما هو: (الشِّيَاع)) (٨) بالمعجمة، والياء المثناة تحتُ، وهو
الصوتُ عند الجِمَاعِ(٩).
(١) أخرجه مسلمٌ في ((اللباس)): باب كراهة الكلب والجَرَس في السفر (١٦٧٢/٣) من
حديث أبي هريرة بلفظِ: ( .... كلبٌ ولا جَرَس).
(٢) أخرجها الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (١٤٦).
(٣) أخرجها الخطيب في ((الجامع)) (٢٩٥/١).
(٤) (٢٢٠/٤).
(٥) وهو أحدَ الضعفاءِ عبدُ الوهاب بنُ محمدِ الفارسي مات سنة ٥٠٠ كما في ((الميزان))
(٦٨٣/٢).
(٦) أخرجه أبو داود في ((الصلاة)): باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة (٣٧٨/١)،
وفي ((التطوع)): باب صلاة الضحى (٦٢/٢)، وأحمدُ (٢٦٨/٥)، وفي سنده: أبو
عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن، قال المنذري في ((مختصر أبي داود)) (٢٩٤/١):
فيه مقالٌ، وقال ابن حجر في ((التقريب)) (٤٥٠): صدوق يُغْرِب كثيراً.
(٧) ذكر الذهبي في ((الميزان)) (٦٨٣/٢) أنَّ هذا المدرِّسَ سُئِل عن معنى هذا فقال: (النارُ
في الغَلَسِ تَكونُ أَضْوَأَ) !.
(٨) أخرجه أحمد (٢٩/٣) وأبو يَعْلَى (٥٢٩/٢) من طريق ابنِ لَهِيعَةَ عن دَرَّاجِ، وهما
ضعيفان. قال الحافظُ في ((التقريب)) (٢٠١) في ترجمة دَرَّاجِ - بمهملتين وآخره جيم مع
تشديد الثاني - ابن سَمْعَان، أبي السَّمْحِ: (صدوقٌ، في حديثه عن أبي الهَيئَم ضَعْفٌ).
(٩) قال ابنُ لَهِيعَةَ - في المصدَرَين السابقَيْن - في تفسيرِه: (يعني به الذي يفتخرُ بالجِمَاع) . =

التَّصْحِیفُ
٤٦٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولعبدِ القدوس حيث جعلَ نَهْيَهِ نَّهِ ((أنْ يُتَّخَذَ شيءٌ فيه الرُّوحُ غَرَضاً))(١)
بفتح الراء من ((الرُّوح))، وفتح العين المهملة وإسكان الراء من ((غَرَضاً)). فقيل
له: أيُّ شيءٍ هذا؟ قال: يعني يَّخذ كُوَّةً(٢) في حائطٍ ليدخلَ عليه الرَّوْحُ(٣).
ولرجلٍ سألَ عُمرَ بنَ الخطابِ نَُّه: ((أَيُضَخَّى بالضَّنْي؟ فقال له: وما
عليك لو قلتَّ: بالظِّي؟ قال: إنّها لُغَةٌ. فقال له عُمرُ: فانقَطَع العِتَابُ))(٤) .
ولغلام حيث سألَ حمادَ بنَ زيد فقال: ((يا أبا إسماعيلَ حَدَّثكَ عَمْرٌو عن
جابر أنَّ النّبيَّ نَ ◌ّهِ نهى عن الخُبْزِ؟ فتبسَّم حمادٌ، وقال: يا بُنَيَّ إذا نُهِي عن
الخُبْزِ فَمِن أيِّ شيءٍ يعيشُ الناس؟! إنما هو: الخِبْرُ))(٥).
ولبعضِ المُغَفَّلين - كما حكاه غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ - حيث صحّف
= هذا ويظهر أنَّ (السِّبَاع) - بالمهملة والموحدة - ليست تصحيفاً، فقد أورده ابنُ الأثير
في ((النهاية)) (٣٣٧/٢) وقال: (هو الفَخَارُ بكثرةِ الجِمَاع ... )، ثم أوردَه بالمعجمةِ
والمثنَّة التحتية (٥٢٠/٢) وأشارَ إلى تَضْعِيفِه حيثُ قال: (كذا رواه بعضُهم، وفسَّره
بالمفاخرة بكثرة الجماع. وقال أبو عُمَر: إنَّه تصحيفٌ، وهو بالسين المهملة والباءِ
الموحّدة).
وجاء في ((القاموس)): (والسباع - يعني بالمهملة والموحدة - كَكِتَاب: الجِماعُ والفَخَار
بكثرتِهِ، والرَفَتُ، والتَّشَاتُم).
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الصيد)): باب النهي عن صَبْرِ البهائم (١٥٤٩/٣) من حديث ابن
عباس ولفظُه: (لا تتخذوا شيئاً فيه الرُّوحِ غَرَضاً)، ومن حديثِ ابنِ عُمر بنحوه.
وأخرجه أحمدُ (٢١٦/١) بلفظ: (نهى رسولُ اللهِ وَّرَ أَنْ يُتَّخَذَ ذو الرُّوحِ غَرَضاً)، عن
ابن عباس.
(٢) بفتح الكاف وضمِها: ثقب في الجدار. وأشار في حاشية (س) إلى الوجهين في
ضبطها .
(٣) في حاشية (س): (بفتح الراء: الهواءُ). وأخرج مسلمٌ القصةَ في ((المقدمة)) (٢٥/١).
(٤) ((الجامع)) (٢٩٣/١). يعني لا لومَ إذاً.
(٥) ضُبطت في (س) بفتح الخاء، وهو جائز، والكسرُ أفصحُ وأشهرُ، والمرادُ بها
المُخابَرَة. كما في حاشية (س) وهي - كما في ((النهاية)) (٧/٢): المعاملة على الأرض
ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثُلُّث والرُبُع. ثم نُسِخَ ذلك.
وقد أخرج ذلك الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٢٩٢).
والنَّهْيُ عن المُخَابرة أخرجه مسلمٌ في ((البيوع)): باب النهي عن المُحَاقَلةِ والمُزَابَنَةِ وعن
المُخَابَرَةِ (١١٧٤/٣) عن جابر.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٦٣
التّصْحِیفُ
قولَهم - في بعض الأحاديث الإلهِيَّة -: ((عن جبريلَ عن اللّهِ رَتْ))، فجعله: (عن
رجل))(١) .
(أو) في (الإسنادِ كـ ((ابْنِ النُدَّر))) - بالنون، والمهملة المشدّدة(٢)،
واسمُه: عتبة - حيث (صحّف فيه) الإمامُ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جَرِير (الطَّبَرِي)
و(قالا(٣): ((بذر)) بالباء) الموحدة (ونَقْطِ) المهملة (ذَالاً) أي للدال المهملة
فأعجمه(٤).
٧٧٤
وكالزُّبَير بنِ خِرِّيت - بكسرِ المعجمة، ثم راءٍ مشددة مكسورة - قاله بعضُ
المحدثين: خَرَيْت. فقال أحمدُ بنُ يحيى بنِ زهيرِ التُّسْتَرِي: لا خَرَيتَ ولا
دَرَيتَ(٥). وكَجَوَّابِ التَّيْمِي - بالجيم المفتوحة، والواو المشددةِ - قَرَأَهُ حبيبٌ
كاتبُ مالكٍ: جِرَاب، بكسر الجيم وتخفيف الراء(٦).
وكابنٍ سِيرِينَ - بالمهملة - قاله بعضُهم بالشين المعجمة(٦).
وكأبي حُرَّة - بضم المهملة، وتشديد الراء - قاله بعضُهم بالجيم
المفتوحة (٦).
وكالعَوّام بن مُرَاجِم - بالراءِ المهملة، والجيم - قاله ابنُ معين بالزاي
المنقوطة والحاءِ المهملة(٧).
في أمثلةٍ كثيرةٍ لكلِّ مِنَ القِسمَين في التصانيفِ المشار إليها، وكذا في
((جامع)) الخطيبِ منها نُبْذَةٌ(٨).
ومن أمثلتِه المُلْحقةِ بالإسْنادِ ما ذَكَره ابنُ عديٍّ في ترجمةِ أبي غَسّانَ
مالكِ بنِ إسماعيلَ النَّهْدِي: ((قال السَّعْذِيُّ: كان حَسَنِيًّا. يعني الحَسَنَ بنَ
صالح، عَلَى عِبَادَتِهِ، وسوءٍ مَذْهَبِهِ(٩))، قال شيخُنا: ((وأبو غسانَ وإنْ كانَ
من أصحاب الحَسَن بن صالحِ لكنْ لم يُرِدِ السَّعْدِيُّ نِسْبَتَه إلى الحَسَن،
(١) ((شرح ما يقع فيه التصحيف)) (١٨) و((الجامع)) (٢٩٤/١).
(٢) على وزن رُكَّع. كما في ((القاموس)): وابنُ النُّكَّرِ هذا صحابيٌ.
(٣) يعني: قال. والألف للإطلاق.
(٥) ((الجامع)) (٢٨٥/١).
(٧) ((علوم الحديث)) (٢٥٣).
(٩) ((الكامل)) لابن عدي (٢٣٧٩/٦).
(٤) ((علوم الحديث)) (٢٥٣).
(٦) ((الجامع)) (٢٨٦/٢).
(٨) ((الجامع)) (٢٨٥/١ - ٢٩٧).

التَّصْحِیفُ
٤٦٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وإنما قال: إنَّه خَشَبِيٍّ - بمعجمتين، وموحّدة - يريدُ أنَّه رَافِضِيٍّ.
قال: ((وشرحُ ذلك يطولُ، وهو معروفٌ في غيرِ هذا الموضعِ)) (١).
ومنه ما ذكرَ ابنُ السَّمعاني في ((الأنساب))(٢) في ترجمةِ الجَرِیري - بفتح
الجيم، وكسرِ الراء - نسبةً إلى مَذْهب محمدٍ بن جَرِير الطَّبَري، قال: ((وكان منهم
إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجَوْزَجَانِي))، ثم نَقَّلَ عن ابنِ حِبَّنَ أنّه قال فيه: «إنّه جَرِيرِيُّ
المَذْهب، ولم يكن داعيةً))(٣). قال شيخُنا: ((ولم يَنْسُبْه ابنُ حِبَّانَ لمَذْهب
محمد بن جَرِير الطبري، إنّما نَسَبَه لمذهب حَرِيزِ بنِ عُثْمَانِ (٤)، وهو بالحاء
المهملة، ثم رَاءٍ، ثم زاي)»(٥). ولو لمْ يكن في هذا إلَّا مخالفةُ التاريخ، فإنَّ
إبراهيمَ المذكورَ في طبقةِ شُيُوخِ محمدِ بنِ جَرِیر، وكانت وفاتُه بعدَ مَوْلِدِ ابنِ
جرير بأربعٍ وعشرينَ سنةً، فكيف يكون على مذهبٍ مَنْ هو في عِدَاد شُيُوخِه(٦)؟
وينقسمُ كلٌّ منهما إلى تَصْحِيفِ بَصَرٍ - وهو الأكثرُ -، وَسمْعٍ، وهو قليلٌ.
وكذا إلى تصحيفِ لَفْظٍ - وهو الأكثرُ -، ومعنّى، وهو قليلٌ.
(و) كذا (أطلَقوا) أي مَنْ صَنَّفَ في هذا الفنِّ (التّصحيفَ فيما ظَهَرا)
٧٧٥
(١) قال الحافظُ في ((هدي الساري)) (٤٤٢) في حق مالك أبي غسَّانَ: (مُجْمعٌ على ثقتهِ،
ذكره ابن عدي في (الكامل) من أجل قول الجوزجاني: (إنه كان خَشَبيًّا) يعني شيعياً)
وقال في ((تهذيب التهذيب)) (٤/١٠) - بعد إيراد عبارة الجوزجاني السعدي: (كان
حسنيا) - قال: (عَنَى بذلك أن الحسن بن صالح بن حَيّ - مع عبادته - كان يتشيّع،
فتبِعَه مالكٌ هذا في الأمرين). وبمراجعةِ كتاب السَّعْدِي هذا ((أَحْوَالِ الرجال)) (٨٣)
وجدتُه يقولُ فيه: ( .... كان حَسَنِيًّ - أعني الحَسَنَ بنَ صالح - على عبادته وسوءِ
مَذْهَبِهِ). وأشار مُحَقِّقُ الكتابِ إلى أنَّ كلمةَ: (حَسَنِيًّا) جاءَتْ فَي (النسخة الأصل):
(خَشَبِيًّا) بالمُعجَمَتين. قال: (وهو خطأ).
قلتُ: وما جاء في (النسخةِ الأصل) يشْهَدُ لِمَا قاله الحافظُ ابنُ حجر في ((الهدْي))، ولكنَّ تفسيرَه
بقولِهِ: (أعني الحَسَن بنَ صالحٍ) يدلُّ على أنَّها بالإهمال كما في ((التهذيب)). والله أعلم.
(٢) (٢٤٣/٣).
(٣) (ثقات ابن حبان)) (٨١/٨). وفيه: (حَرِيزي) بالحاء المهملة، وبعد المثناة التحتانية
زاي، وكأنه - كما ذكرَ ابن حجر - قد تصحَّفَ على السمعاني.
(٤) أحد المعروفين بالنَصْبِ.
(٥) معنى هذا الكلام في ((تهذيب التهذيب)) (١٨٣/١).
(٦) أشار إليه ابن حجر في (المصدر السابق).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٦٥
التَّصْحِيفُ
تحقيقُ حروفِهِ مِنْ غيرِ اشْتِباهٍ في الكتابةِ بغيرِها، وإنَّما حصلَ فيه خَلَلٌ من
الناسخ أو الراوي بنقصٍ أو زيادةٍ، أو إبدالِ حرفٍ بآخرَ.
فالأول(١) كحديثٍ جابرٍ: ((دَخَلَ رجلٌ يومَ الجمعة والنبيُّ وَّ يخطُب
فقال: صليتَ قبلَ أنْ تَجْلِسَ؟ ... )) الحديثَ. رواه ابنُ ماجه بلفظ: ((قَبل أنْ
تَجِيءَ» (٢)، وهو غَلَطٌ من الناسخ نَبَّه عليه المِزِّي.
وكما رَوى يحيى بنُ سَلَام المفسّرُ عن سعيد بنِ أبي عَرُوبةَ عن قتادَةً في
قولِه تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾(٣)، قال: ((مِصْر))، فقد استعظَم هذا
أبو زُرعة الرازي، واستقْبَحَه، وذَكَر أنّه في ((تفسيرِ سعيدٍ)) المذكورِ بلفظ:
((مَصِيرَهُم) (٤) .
والثاني(٥) كحديث أبي سعيد في خُطبةِ العِيد: ((كان ◌َِّ يخرُجُ يومَ العِيد
فيصلِّي بالناسِ ركعتين، ثم يسلِّمُ فيقفُ على رِجْلَيه، فيستقبلُ الناسَ وهم
جلوس ... )) الحديثَ(٦)، رواه بعضُهم فقال: ((على راحلته))(٧) بدلَ: ((رجليه)).
والصوابُ: الأولُ، فلا ريبَ في أنَّه ◌َلهَ كان يخرجُ إلى العيد ماشياً، والعَنَزَةُ
بين يديه. وإنّما خَطَب على راحلتِهِ يومَ النَّحْرِ بـ((مِنَى)).
والثالثُ (كقوله) في حديثٍ زيدٍ بن ثابتِ (: احْتَجَمَ) النبيُّ وَّ في
المسجد، حيثُ جعله ابنُ لَهيعةَ فيما ذكره مسلم في ((التمييز))(٨) له (مكانَ:
(١) يعني ما حصل الخلل فيه بالنقص.
(٢) أخرجه ابنُ ماجه في ((إقامة الصلاة)): باب ما جاء فيمن دخل والإمامُ يخطُب ـ (١/
٣٥٣)، وأصلُ حديثٍ جابرٍ متفقٌ عليه، البخاري في ((الجمعة)): باب إذا رأى الإمامُ
رَجلاً جاء وهو يخطبُ ... (٤٠٧/٢). ومسلمٌ في ((الجمعة)): باب التحية والإمام
يخطُب).
(٣) سورة الأعراف: الآية ١٤٥.
(٤) ((علوم الحديث)) (٢٥٤).
(٥) يعني ما حصل الخلل فيه بالزيادة.
(٦) أخرجه بنحوِه البخاريُّ في ((العيدين)): باب الخروج إلى المُصَلَّى بغيرِ مِنْبَرٍ (٤٤٨/٢)
ومسلمٌ في ((العيدين)) (٦٠٥/٢).
(٧) أخرجها ابنُ خُزَيمةَ في «صحيحه)) (٣٤٨/٢) مختصرةٌ مِنْ حديث أبي سعيدٍ. ثم ذَكَرَ
في تفسيرِها ما يناسِبُ لفظَ: (رِجْلَيه).
(٨) (ص١٨٧) وأخرجه مُصَحَّفاً أيضاً أحمد (١٨٥/٥).

التَّصْحِیفُ
٤٦٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
احْتَجَرَا)، بالميم بدلَ الراء، لكونه أَخَذَه من كتابٍ بغيرِ سماع، وأخطأً. فَبَقِيَّتُهُ:
(( ... بِخُصِّ (١)، أَوْ حَصِيرٍ حُجْرَةً يُصلِّي فيها))(٢). وقد جعلَ ابنُ الجَزَري هذا
مثالاً لتصحيفِ السمع في المتنِ. وهو ظاهرٌ.
٧٧٦
(و) كذا (وَاصِلٌ) حيثُ أُبدِل اسمُه (بعاصم)، بل (و) أُبدِل (الأَحْدَبُ)
لَقُبُه أيضاً (بأَخْوَلٍ) - بالصرف للضرورةِ - لقبُ عاصمً، وذلك في حديث شعبةً عن
واصلِ الأحْدَبِ عن أبي وائلٍ عن ابنِ مسعود: ((أيُّ الذَّنْبِ أعظمُ؟» (٣).
وكذا خالدُ بنُ علقمة (٤)، حيث أَبدلَه شعبةُ بمالك(٥) بنِ عُرْفُطَةَ(٦).
وكلٌّ منهما (تصحيفَ) بالنصب مفعولٌ مقدم (سَمْع) يعني في الإسناد
(لَقَّبُوا)، فَمِنَ المُلَقِّبِين بذلك للمثالِ الأولِ (٧) الدارقَّطنيُّ(٨)، وللثاني
أحمدُ. وليس تَلْقِيبُهُما بذلك(٩) بأَوْلِى من تلقيبٍ: ((احتَجَمَ)) به، بل ذلك أَوْلى
المشاركَتِهما مع الوزن في الحُروف إلَّا واحداً، بخلافِهِ فيهما، فليس إلَّا الوزنُ،
إذْ أكثرُ الحروف مختلفةٌ .
(١) الخُصُّ: بيتٌ يُعمل من الخَشَب والقَصَب. ((النهاية)) (٣٧/٢).
(٢) أخرجه - بلفظِ: احْتَجَرَ - البخاري في ((الأدب)): باب ما يجوزُ من الغضب والشدة
لأمر الله تعالى (٥١٧/١٠)، ومسلمٌ في ((المسافرين)): باب استحباب صلاة النافلة في
بيته، وجوازِها في المسجد (٥٣٩/١) من حديث زيد بن ثابت.
(٣) أخرجه من طريقٍ واصلِ البخاريُّ في ((الحدود)): باب إثم الزُّنَاة (١١٤/١٢)، كما
أخرجه هِو ومسلمٌ من غيرِ طريق واصلٍ. وأخرجَه النسائيُّ في ((تحريم الدم)): باب ذكرٍ
أعظم الذَّنْب (٧/ ٩٠) مُسَمِّياً له بعاصم.
(٤) في النسخ ((خالدُ بن عرفطة))، والتصويب من المصادر الآتية في حاشية (٦).
(٥) يريد أن شعبة جعل مالك بن عرفطة، بدلاً من ((خالد بن علقمة))، ومعلوم أن الباء هنا
إنما تدخل على المتروك.
(٦) قاله أحمد (٢٤٤/٦)، والترمذي في ((الطهارة)): باب وضوء النبي صل و كيف كان (١/
٦٩)، وأبو زرعة في ((العلل)): ٥٦/١)، وابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٥٢)
وغيرهم.
(٧) أي تصحيف ((واصل الأحدب)) إلى ((عاصم الأحول)).
(٨) ((علوم الحديث)) (٢٥٦) و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٩/٢).
(٩) أي تصحيف السَّمْع.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٦٧
التَّصْحِیفُ
ثم إنَّ جُلَّ التصحيفِ كما أشرتُ إليه: في اللفظِ.
(و) قد (صحَّفَ المَعْنى) فقطْ بعضُ شيوخ الخطابي في الحديث فيما ٧٧٧
حكاه عنه(١)، وأنَّه لمَّا روى حديثَ النَّهْي عنَ التَّحْلِيقِ يومَ الجُمعة قبلَ
الصلاة(٢)، قال: ((مُنْذُ أربعين سنةً ما حلَقْتُ رأسي قبلَ الصلاة))، فَهِمَ منه حَلْقَ
الرؤوس، وإنّما هُو تَحْلِيقُ الناس حِلَقاً.
وبعضُهم حيثُ سَمِعَ خطيباً يروي حديثَ: ((لا يَدخلُ الجنةَ قَتّاتٌ))(٣)
فبكى، وقال: ما الذي أصنعُ وليستْ لي حِرْفَةٌ إلَّا بيعُ القَتِّ(٤)؟ يعني الذي
يَعلِفُ الدَوَابَّ.
وأبو موسى محمدُ بن المثنى الزَّمِنُ (إمامُ عَنَزَةَ) حيث (ظَنَّ القَبِيلَ) يعني
القبيلةَ، واحدةُ القبائل الجامع لها أبٌ واحدٌ، فأبوها هنا: عَنَزَةُ بنُ أَسَد، حيٌّ
من ((ربيعةً)) (بِحَدِيثِ العَنَزَةِ)(٥) التي كان النبيُّ ◌َّهِ يُصلي إليها، فقال يوماً:
((نحنُ قومٌ لنا شَرَفٌ، نَحنُ مِن ((عَنَزَةَ)) قد صلَّى النبيُّ وََّ إلينا)). ذَكَره
الدَّارِ قُطْنِي(٦).
(وبعضُهم) - وهو كما ذكره الحاكمُ (٧) أعرابيٌّ - صحَّفَ لفظَهُ ومعناه معاً WA
(١) في ((إصلاح غلطِ المحدِّثين)) (٢٨).
(٢) الذي أخرجه: أبو داودَ في ((الصلاة)): باب التحلُّق يومَ الجمعة قبلَ الصلاة (١/
٦٥١)، والترمذيُّ في ((الصلاة)): باب ما جاء في كراهِيَةِ البيع والشراء في المسجد
(١٣٩/٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ، والنسائي في ((المساجد)): باب النهي عن البيع ...
والتحلُّقِ قبل صلاة الجمعة (٤٧/٢)، وأحمدُ (١٧٩/٢) كلّهم من طريق عمرو بنِ
شُعَیبٍ عن أبيه عن جده.
والحديثُ حسنٌ كما قال الترمذي.
(٣) أخرجه البخاري في ((الأدب)): باب ما يُكره من النمِيمة (٤٧٢/١٠)، ومسلمٌ في
((الإيمان)): باب بيانِ غِلَظِ تحريم النميمة (١٠١/١) من حديثٍ حُذَيفةَ، والقتات: النمّام.
(٤) لم أقف على مصدره.
(٥) أخرجه البخاري في ((الوضوء)): باب استعمال فضل وضوء الناس (٢٩٤/١) - ومواطن
أخر -، ومسلم في ((الصلاة)): باب سترة المصلي (١/ ٣٦٠) من حديث أبي جحيفة.
(٦) أخرجه الخطيب عنه في ((الجامع)) (٢٩٥/١).
(٧) في ((معرفة علوم الحديث)) (١٤٨).

التّصْحِیفُ
٤٦٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
حيث (ظَنَّ(١) سُكُونَ نُونِهِ) أي لفظ العَنَزة، ورواه مع هذا الظنِّ بالمعنى (فقال:
شأةٌ) فأَخطأً، و(خَابَ في ظُنُونِهِ) مِنْ وَجْهَين، إذِ الصوابُ: عَنَزة - بفتح النون -
وهي الحرْبةُ تُنْصَبُ بين يديه.
ولذلك حكايةٌ حكاها الحاكمُ عن الفقيهِ أبي منصورٍ قال: ((كنتُ بـ«عَدَنِ
اليَمَنِ)» يومَ عيدٍ فَشُدَّت عَنْزَةٌ - يعني شاةً - بقُرب المِحْراب، فلمَّا اجتمع الناسُ
سألتُهم بعد فراغ الخُطبة والصلاةِ: ما هذه العَنْزَةُ المَشْدُودَةُ في المحراب؟
قالوا: كان رسولُ اللهِ وَلِّ يُصَلِّي يومَ العيد إلى عَنْزة، فقلتُ: يا هؤلاءِ
صحَّفْتُم، ما فعلَ رسولُ اللهِوَ ◌ّه هذا، وإنَّما كان يُصلي إلى العَنَزَةِ. الحرْبَةِ))(٢).
قال ابنُ كثير: ((وقد كان شيخُنا المِزِّيُ من أَبْعد الناس عن هذا المقام،
ومن أحسن الناس أَدَاءً للإسنادِ والمَتْن، بل لم يكنْ على وجه الأرضٍ - فيما
نَعلمُ - مثلُه في هذا الشأن أيضاً. وكان (٣) يقولُ - إذا تَغَرَّب عليه أحدٌ بروايةٍ
مما يذكرُه بعضُ شُرّاح الحديثِ على خلافِ المشهورِ عنده -: هذا من
التصحيفِ الذي لم يقفْ صاحبُهُ إلّا على مُجَرَّدِ الصُّحُف، والأَخْذِ منها))(٤).
وفي بعضٍ ما دَرَج في هذا البابِ من الأمثلة تجوُّز بالنسبة لتعريفِهِ، فقد
قال شيخُنا: ((وإنْ كانتِ المخالفةُ بتغييرِ حرفٍ أو حرفَين(٥) مع بقاءِ صُورَةٍ
الخطّ في السياق، فإنْ كان ذلك بالنسبةِ إلى النَّقْطِ فالمصحَّف، أو إلى الشَّكْل
فالمُحَرَّف))(٦) .
ولذا قال ابنُ الصلاح: ((وتسميةُ بعضٍ ذلك - يعني المذكورَ - تصحيفاً مجازٌ))،
قال: ((وكثيرٌ من التصحيفِ المنقولِ عن الأكابرِ لهم فيه أَعذارٌ لم ينقلْها ناقِلُوها))(٧).
قال غيرُهُ(٨): ((ومن الغَريبِ وقوعُ التصحيفِ في قراءةِ القرآنِ لجماعةٍ من
(١) من قوله هنا: (ظن) إلى قوله الآتي (٢٠/٤): (يجري في عرف الاستعمال) ساقط من
(م).
(٢) ذكرها الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (١٤٨) بأخصرَ ممّا هنا.
(٣) أي المِزِّي.
(٤) (اختصار علوم الحديث)) (١٦٩).
(٥) في ((النزهة)) (٤٧): (حرف أو حروف).
(٦) ((النزهة)) (٤٧).
(٧) ((علوم الحديث)) (٢٥٦).
(٨) هو الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (١٦٦).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٦٩
التَّصْحِیفُ
الأكابر، لا سيَّما عثمانَ بنَ أبي شيبة فإنّه يُنقَل عنه في ذلك أَشياءُ عجيبةٌ، مع
تصنيفِه تفسيراً)). وأُودٍعَ في الكُتُبِ المشارِ إليها من ذلك أيضاً جُملةٌ (١).
نسأل اللهُ التوفيقَ والِعِصْمةَ.
فائدةٌ :
كتب سليمانُ بن عبد الملك إلى ابنِ حَزْمُ (٢) - عامِلِه على ((المدينة)) -:
((أَنْ أَخْصِ مَنْ قِبَلَك مِنَ المُخَنَِّينَ)). فصحَّفَ الكاتبُ، فَخَصَاهُم(٣). وقِيلَ: إنّه
عَلِمَ بذلك قَبل الفِعْلِ، وكَفَّ كما قدَّمتُه في ((كتابة الحديث وضبطه))(٤).
وضدُّ هذا أنَّ الفَرَزْدَقَ كان مَنِ استَجَارَ بِقَبْرٍ أَبِيه قامَ في مُساعدته حَدَّ
القيام، فاتَّفق أنَّ تميمَ بنَ زيدِ القَيْسي خَرَج في جيشٍ مِن قِبَلِ الحجاج، فجاءتْ
امرأةً إلى الفَرَزْدَقِ فقالت: إنِّي استجرتُ بقبرِ غالبِ أنْ تَشِفَعَ لي إلى تَميم في
ابْنِي خُنَيسِ أنْ يَقْتُلَه. فكَتَبَ الفرزدقُ أبياتاً إلَى تَمَيَم يسألُه في ذلك، فلمَ يَدْرِ
تميمٌ أهو حُبَيْشٌ أو خُنَيَسٌ، فَأَظْلَقَ كلَّ مَنْ في عَسْكَرِهَ ممَّن تَسمَّى بِهِما(٥).
(١) أوردَ عنه العسكريُّ والدارقطني في كتابَيهما شيئاً من ذلك، والخطيبُ - من طريقهما -
في ((الجامع)) (٢٩٨/١ - ٣٠٠).
وفي ثبوت ذلك نظر، لمكانته من الحفظ، ولأن له كتاباً في التفسير. والله أعلم.
ومن أهم أسباب التصحيف: نقل الحديث من الصحف، دون لقاء الشيوخ والسماع
من الأئمة، وشدة الاشتباه في الخط العربي؛ إذ ربما لا يكون بين المعنيين المتضادين
غير الحركة أو النقطة. أشار إلى ذلك ابن السِّيد في الإنصاف (١٧٤ - ١٨٨).
(٢) هو أبو بكر بنُ محمدِ بنِ عَمْرو بنِ حَزْم الأنصاري الخَزْرَجي مات سنة ١٢٠ وقيل غيرُ
ذلك. ((تهذيب التهذيب)» (٣٨/١٢).
(٣) أخرجها العسكريُّ في (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) (٤٢).
(٤) (ص٣٣).
(٥) شرح ما يقع فيه التصحيف (٤١).

مُخْتَلِفُ الحدیثِ
٤٧٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(مُخْتَلِفُ الحديثِ)(١)
أي اختلافُ مَدْلُوله ظاهراً
وهو من أهمِّ الأنواع، يضطرُّ إليه جميعُ الطوائفِ من العلماء. وإنّما
يكمُل للقيام به مَن كان إماماً جامعاً لِصِنَاعَتَي الحديثِ والفِقهِ، غائصاً على
المعاني الدقيقةِ. ولذا كان إمامُ الأئمةِ أبو بكر ابنُ خُزَيمةَ من أحسن الناس فيه
كلاماً، لكنَّه توسَّعَ حيث قال: ((لا أَعرِف حديثَين صحيحَين متضادين، فمن كان
عنده شيءٌ من ذلك فليأتِني به لِأُؤلِّفَ بينَهما))(٢). وانتُقِد عليه بعضُ صَنِيعه في
توسّعه. قال البُلْقِيني: ((إنّه لو فتَحنا بابَ التأويلاتِ لانْدَفَعَتْ أكثرُ العِلَل)).
وأولُ مَن تكلَّم فيه إمامُنا الشافعي(٣)، وله فيه مُجلَّدٌ جَلِيل من جُملةٍ كُتُبٍ
((الأم))(٤)، ولكنّه لم يقصد استيعابَه، بل هو مَدخلٌ عظيمٌ لهذا النوعِ يَتَنَبَّهُ به
العارفُ على طريقهِ (٥).
وكذا صنّف فيه أبو محمد ابنُ قُتَيبة (٦)، وأتى فيه بأشياءَ حَسَنَةٍ، وقَصُرَ
باعُه في أشياءَ قَصَّر فيها(٧)، وقد قرأتُهما .
وأبو جعفرِ ابنُ جَرِير الطبري(٨)، وأبو جعفرِ الطحاوي في كتابه: ((مُشْكِلٍ
الآثار))، وهو من أجلِّ كُتُبِهِ، ولكنَّه قابلٌ للاختصار غَيرُ مُسْتَغْنٍ عن الترتيبِ
(١) وهو النوع السادس والثلاثون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) أخرجه عنه الخطيب في ((الكفاية)) (٤٣٢)، وذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث))
(٢٥٨).
(٣) قاله ابن الصلاح. والعراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٠٢/٢).
(٤) وطبع مفرداً باسم: (اختلاف الحديث)). (٥) قاله البلقيني في ((المحاسن)) (٤١٤).
(٦)
مطبوع باسم: (تأويل مختلف الحديث). (٧) قاله ابن الصلاح، والبلقيني، والعراقي.
(٨) واسم كتابه (تهذيب الآثار)) طبع بعضُه.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٤٧١
مُخْتَلِفُ الحدیثِ
والتهذيبٍ، وقد اختصره ابنُ رُشْدٍ (١). هذا مع قولِ البيهقي: إنه(٢) بَيَّن في
كلامِهِ أنَّ علمَ الحديثِ لم يكنْ من صِنَاعته، وإنَّما أَخَذَ الكَلِمَة بعد الكلمة مِن
أَهْله، ثم لَمْ يُحْكِمْها)»(٣).
وممّن صنّف فيه أيضاً أبو بكر ابنُ فُورَك (٤)، وأبو مُحمد القَصْرِي(٥)،
وابنُ حَزْم(٦) وهو نَحْوُ عشرةِ آلاف وَرَقَةٍ (٧) .
وكان الأنسبُ عَدَمَ الفَصْلِ بينَه وبين ((الناسخ والمنسوخ))، فكلُّ ناسخ
ومنسوخ: ((مُخْتَلِفٌ))، ولا عَكْسَ.
(و) جملةُ الكلام فيه أَنّا نقول: (المتنُ) الصالحُ للحجة (إنْ نافاه) بحسب ٧٧٩
الظاهر (متنٌ آخرُ) مثلُهَ، (وأمكنَ الجَمعُ) بينهما بوجهٍ صحيح زال به التعارضُ
(فلا تنافُرُ) بينهما حينئذٍ، بل يُصار إليهما، ويعملُ بهما معاً.
٧٨٠
وأمثلتُه كثيرةٌ (كمتن: ((لا يُورِهُ) - بكسر الراء - مُمْرِضٌ - بضم أوله،
وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، اسمُ فاعل من: أَمْرَضَ الرجلُ: إذا أصاب ماشيتَه
مَرَضٌ - على مُصِحِ)) (٨) - اسمُ فاعل من: أَصحَّ: إذا أصابتْ ماشيتَه عاهةً، ثم
(١) الإمام العلامةُ أبو الوليد محمدُ بنُ أحمدَ بنِ رُشْدٍ القرطبي المالكي. مات سنة ٥٢٠
واسمُ كتابِهِ (مُخْتَصَرُ مُشْكِلِ الآثار). كما في ترجمته في ((السير)) (٥٠١/١٩).
(٢) يعني أبا جعفر الطحاويَّ.
(٣) ((معرفة السنن والآثار)) في الكلام على حديث الوضوء من مس الذكر (٢٣٠/١ -
٢٣١). هذا ومكانةُ الطحاوي ◌َلَُّهُ في الفقه والحديثِ ليست بخافيةٍ، وكتابُه ((شرحُ
معاني الآثار)) واحدٌ من الشواهد على تلك المكانة. وقد قال الذهبيُّ عنه في ((السير))
(٢٨/١٥): (وبَرَزَ في عِلْمِ الحديث وفي الفِقه).
(٤) العلَّامة المتكلم محمدُ بَن الحَسن الأصبهاني. مات سنة ٤٠٦ ((السير)) (٢١٤/١٧).
وقد طُبع كتابه باسم: ((مشكلُ الحديث وبيانُهُ).
(٥) الإمام العلامة عبدُ الجليل بن موسى، الأنصاري القُرْطُبي، ولقِّب بالقَصْرِي لِنُزُوله
بقصرِ عبد الكريم بالمغرب. مات سنة ٦٠٨ ((السير)) (١١/٢٢). واسم كتابه: (تنبيهُ
الأفهام في مشكل أحاديثه وَلاير)، ((معجم المؤلفين)) (٨٤/٥).
(٦) واسمُ كتابِهِ: ((كتابُ الآثار التي ظاهِرُها التعارُضُ، ونَفْيُ التناقضِ عنها). ((السير))
(١٨/ ١٩٤).
(٧) قال الذهبي: لكنه لم يُتِمَّهُ. (المصدر السابق) أثناءَ ترجمةِ ابن حَزْم.
(٨) أخرجه البخاري في ((الطب)): باب لَا هَامَة (٢٤١/١٠)، ومسلم في ((السلام)): باب =

مُخْتَلِفُ الحدیثِ
٤٧٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ذهبتْ عنها، وصَحَّتْ - المُوَازِي(١) لمعنَى مَثْنٍ: ((فِرَّ مِنَ المَجْذُوم فِرَارَكَ من
الأَسَد))(٢)، المشارِ إليه بعدُ (مع) - بالسكون - متنِ: ((لا عَدْوَى) ولاَ طِيَرَةَ)) (٣) -
وكلُّها في ((الصحيح)) - فظاهرُها التنافرُ، ومنافاةُ الأخيرِ للأوَّلَين، حتى بالغ أبو
حفص ابنُ شاهين، وغيرُه، وزَعموا النَّسْخَ في الأوَّلَيْن، ولكنَّ الجمعَ بينهما
ممكنٌ كما قال ابنُ الصلاح (٤) تبعاً لغيرِه(٥). (فَالنَّفْيُ) في قولهِّ: ((لا
عَدوى)) (لِلطَّبع) أي لِمَا كان يعتقِدُه أهلُ الجاهلية، وبعضُ الحُكَماء من أنّ هذه
الأمراضَ منَ الجُذَامِ، والبَرَصِ تُعْدِي بالطّبْعِ، ولهذا قال: ((فمنْ أَعْدَى
الأوّلَ؟)) (٦)، أي أنَّ اللهَ هو الخالقُ لذلك بسببٍ وَبغيرِ سببٍ، والنهيُ والأمرُ في
حديثَي: ((لا يُورِدُ))، (و ((فِرَّ)) عَدْواً) أي سريعاً - كنايةٌ عن ((فِرارَك من
الأَسَد))(٧) - للخوفِ من وجودِ المخالَطة والمُمَاسّة التي جعلَها اللهُ سبباً للإعْداء،
ثم قد يتخلّفُ عن سببِهِ كما في سائرِ الأسباب مما هو مشاهَد في بعض
المخالِطِين، بل نشاهدُ من يجتهد في التَّحرّز من المُخالَطة والمُمَاسَّةِ يُؤخذٌ
بذلك المرضِ. إلى غير ذلك من المَسالك التي سلكها الأئمةُ في الجَمع(٨):
= لا عَدْوى ولا ◌ِيرَةَ (١٧٤٣/٤) من حديث أبي هريرة.
(١) أي المُمَاثل، وهو صفةٌ لقوله السابقِ: (كمتن: لا يُورِدُ ... ) إلخ.
(٢) هذا هو الشطرُ الأخيرُ من حديثٍ أخرجه البخاري في ((الطب)»: باب الجذام (١٠/
١٥٨) من حديث أبي هريرة، ولفظُه بتَمَامِهِ: (لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ ولا هَامَةً ولا صَفَرَ،
وفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ).
(٣) أخرجه أيضاً مسلم في ((السلام): باب لا عدوى ولا طيرة (١٧٤٣/٤) عن أبي هريرة.
(٤) في ((علوم الحديث)) (٢٥٧).
(٥) كابن قُتَيبةَ في ((تأويل مختلف الحديث)) (١٠٢) حيثُ ذكرَ إمكان الجَمع.
(٦) جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاري في ((الطب)): باب لا هَامَةَ (٢٤١/١٠)، ومسلم في
مصدره السابق.
(٧) يعني أنّ قوله: (فِرَّ عَدْواً) المذكورَ في النَّظْم هو كِنَايةٌ عن حديثٍ: (فِرَّ من المجذوم
فرارَك من الأسد). هذا وقد جاء في (س): (والأمرُ بالفِرَار في قوله: ((فِرّ))، والنَّهْيُ
في قوله: ((لا يُورِد)» لخوف (عَدْواً) من وجود المخالطة ... ) إلخ.
والمُثبتُ مِنْ (ح)، و((الأزهرية)) وهو الأَوْلَى فقد فسَّر العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة))
(٣٠٣/٢) قوله: (عَدْواً) بأنْ قالَ: (مَصْدَرُ قولِكَ عَدَا يَعْدُو عَذْواً: إذا أسرعَ في مَشْيهِ ... ).
(٨) للتوسع في ذلك يراجع ((فتح الباري)) (١٥٩/١٠) وما بعدها.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٧٣
مُخْتَلِفُ الحدیثِ
أحدُها - وعليه نقتَصر - ما ذهب إليه أبو عُبَيد(١)، وجماعةٌ كابن خُزَيمةَ(٢)
والطحاوي(٣)، واختاره شيخُنا فقال في ((توضيح النخبة)): ((والأَّوْلَى في الجَمع
بينهما أنْ يقال: إنّ نَفْيَه ◌َّرَ للعَدوى باقٍ على غُمومه، وقد صحَّ قولُهُ وَلير: ((لا
يُعْدِي شيءٌ شيئاً)(٤)، وقولُهُ وَّهِ لِمَنْ عَارَضَه بأنَّ البعيرَ الأَجْرَبَ يكونُ في الإبِلِ
الصحيحةِ فيخالِطُها فَتَجْرَبُ حيثُ رَدَّ عليه بقوله: ((فَمَنْ أَعْدَى الأوَّل؟))، يعني
أنّ اللهَ وَّ ابتدأَ ذلك في الثاني كما ابتدأَه في الأول.
وأمّا الأمرُ بالفِرار من المَجْذومِ فمن باب سدِّ الذَرائع لئلا يتفقَ للشخصِ
الذي يخالطُه شيءٌ من ذلك بتقديرِ الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المنفية فيَظُنَّ أَنَّ
ذلك بسبب مخالطتِهِ، فَيَعتقدَ صِحَّة العدوى، فيقعَ في الحَرَجِ، فأُمِرَ بتجنُّبه
حسْماً للمادّة))(٥).
وعبارةُ أبي عُبَيد: ((ليس في قوله: لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحِّ)) إثباتُ
العدوى، بل لأنَّ الصِّحَاحَ لو مَرِضتْ بتقدير الله تعالى ربّما وقع في نفس
صاحبِها أنَّ ذلك من العدوى، فَيَفْتَتِنُ، ويتشكَّك في ذلك، فَأُمِرَ باجتنابِه)).
قال: ((وكان بعضُ الناس يذهبُ إلى أنّ الأمرَ بالاجتناب إنّما هو للمخافَةِ على
الصحيحةِ من ذوات العاهة))، قال: ((وهذا شَرُّ ما حُمِلَ عليه الحديثُ، لأنّ فيه
إثباتَ العدوى التي نفاها الشارعُ. ولكنْ وجهُ الحديثِ عندي: ما ذكرتُه))(٦).
(١) لعله في كتابه: (ناسخ الحديث ومنسوخه)، وهو مفقود، وستأتي عبارة أبي عبيد.
(٢) في ((كتاب التوكل)) له. قاله الحافظ في ((الفتح)) (١٦١/١٠) وذكر أنه أطنَب في ذلك.
(٣) في ((مشكل الآثار)) (٢٦٢/٢) و((شرح معاني الآثار)) (٣٠٣/٤).
(٤) طرفُ حديثٍ أخرجه الترمذي في ((القَدَر)): باب ما جاء لا عدوى ولا هامةَ ولا صَفَر
(٤/ ٤٥٠) وأحمدُ (٤٤٠/١) كلاهما من حديثِ ابن مسعود، و(٣٢٧/٢) من حديثٍ
أبي هريرة.
وأخرج الطحاويُ في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٧/٤) عن علي بن أبي طالب مرفوعاً
(لا يُعْدِي سقيمٌ صحيحاً).
والحديث صحيحٌ كما مرَّ آنفاً .
(٥) ((النزهة)) (٣٨).
(٦) أورده عنه بهذا اللفظِ الحافظُ في ((الفتح)) (١٦١/١٠).
هذا ويمكنُ أنْ يزولَ التعارضُ بين قولِه: (لا عَدْوى) من جهةٍ وقولِه: (فِرَّ من =

مُخْتَلِفُ الحدیثِ
٤٧٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(أَوْ لَا) أي وإنْ لم يُمكن الجمعُ بين المتنَين المختلفَين، واستمر التنافي
على ظاهرِهِ، وذلك على ضَرْبَين .
(فإنْ نَسْخٌ بدا) أي ظهر بطريقٍ من الظُرُق المشروحةِ في بابه (فاعملْ به)
أي بمقتضاه في الاحتجاج وغيرِه.
(أَوْ لَا) أي وإنْ لِم يَبْدُ نَسْخٌ (فرجِّحْ) أحدَ المتنَين بوجهٍ من وُجوه
الترجيحات التي تتعلّق بالمتن، أو بالإسناد، كالترجيح بكثرة الرُّواة، أو
المجذوم ... ) و(لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٌّ) من جهةٍ أخرى بأنْ يُقالَ: إنَّ النفي في
=
قوله: (لا عدوى) معناه النهيُ، أي لا يُعْدِ بعضُكُم بعضاً، ويكون الحال فيه كما هو
في بقيَّة الحديثِ: (ولا ◌ِيَرَةَ، ولا هَامَةَ، ولا صَفَرَ)، أي لا تتطَيَّروا، ولا تتشاءموا
بالهامة - وهي البُومة - ولا بشهر صفر. قال ذلك فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في
تحقيقه لـ ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) (٤٧). وهو جمعٌ لم أرَ مَنْ سبقَه
إليه، ويبدو لي أنه المتعيِّنُ هنا لما ذَكَرَه من ارتباطِ أولِ الحديث: (لا عدوى) بآخره:
(وفِرَّ من المَجْذوم). ولِمَا فيه من توحيدِ معنى (لا) المتكررةِ في الحديثِ نفسِه أربعَ
مرَّات.
لكن يبقى التعارضُ ظاهراً بين مجموعتين من الأحاديث:
الأولى: وتشملُ قوله: (لا عدوى) - على المعنى الآنفِ - و(فِرَّ من المَجْذوم) و(لا
يُوردنَّ ممرضٌ على مُصح).
والثانيةُ: وتشمل قوله: (فَمَنْ أعدى الأولَ؟) و(لا يُعْدِي شيءٌ شيئاً) و(لا يُعْدي سَقِيمٌ
صحيحاً)، وأَخْذَه ◌َ ◌َّ بِيَدِ المَجذومِ وأَكْلَه معه.
ويجمعُ بينها بما قاله أهلُ العلمِ، وأحسنُها - عندي - ما قاله ابنُ الصلاح في ((علوم
الحديث)) (٢٥٧) حيث قال: (إنّ هذه الأمراضَ لا تُعْدي بطبعِها، ولكنَّ اللهَ تبارك
وتعالى جعلَ مُخالطَةَ المَريضِ بها للصحيحِ سبباً لإعدائهِ بالمرض، ثم إنّه قد يتخلفُ
ذلك عن سببِهِ - كما في سائرِ الأسباب - فيخالطُ المريضَ الصحيحُ، ولا تصيبه
العَدْوى. وعلى هذا فالأحاديثُ النافيةُ للعدوى المرادُ منها نَفْيُ ما كان يعتقِدُه أهلُ
الجاهلية من أنّ ذلك يُعدي بطبعِه، ولذا قال: (فمَن أعدى الأولَ؟). والأحاديثُ
الناهيةُ عن العدوى المرادُ منها الإعلامُ بأنه سبحانه جعل المخالطةَ للمريضِ سبباً
للعدوى، وحذَّره من الضررِ الذي يغلِب وُجودُه عند وُجودِهِ بفعل الله نََّ)، انتهى مع
بعض التصرف. والله أعلم.
وتُرَاجَع أقوال أهل العلم في الجمع بين تلك الأحاديث في ((الفتح)) (١٥٩/١٠) وما
بعدها كما سبق التنبيهُ علیه.
٧٨١

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٧٥
مُخْتَلِفُ الحدیثِ
بصفاتِهم - وقد سَرَدَ منها الحازميُّ في كتابه: ((الناسخ والمنسوخ)) (١) خمسين،
مع إشارته إلى زيادتها على ذلك(٢)، وهو كذلك فقد زادها الأصوليون(٣) في
بابٍ معقودٍ لها أكثرَ من خمسين أيضاً، أوردَ جميعَها المؤلفُ في ((النُّكَت على
ابن الصلاح)» (٤)، فلا نُطِيلُ بإيرادِها - (واعمَلَنْ) - بنون التأكيدِ الخفيفة - بعد
النظر في المرجِّحات (بالأشبهِ) أي الأرجح منهما .
وإنْ لم يجدِ المجتهدُ مرجِّحاً توقَّف عن العمل بأحدِ المتنَين حتى يظهرَ.
وقيل: يَهجُمُ فيفتي بواحدٍ منهما، أو يفتي بهذا في وقتٍ، وبهذا في آخرَ
كما يفعَلُ أحمدُ، وذلك - غالباً - سببُ اختلاف رواياتِ أصحابِه عنه(٥) .
قال شيخُنا [- تبعاً لغيرِه(٦) -]: ((فصار ما ظاهرُه التعارضُ واقعاً على هذا
الترتيبِ: الجَمْعُ إنْ أمكنَ، فاعتبارُ الناسخ والمنسوخ، فالترجيحُ إِنْ تعيَّنَ، ثم
التوقفُ عن العمل بأحد الحديثَين.
[قال:](٧) والتعبيرُ بالتوقّف أَوْلَى من التعبير بالتساقُطِ، لأنّ خفاءَ ترجيح
أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتَبِر في الحالة الراهنة، مع احتمال أنَّ
يظهرَ لغيره ما خَفِي عليه))(٨)، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٩).
وإذا لم يكنْ للمتنِ ما ينافِيه بل سَلِمَ مِن مجيء خبرٍ يُضَادُّهُ فهو المُحْكَمُ،
وأمثلتُه كثيرةٌ، [أوردَ الحاكمُ منها من مسندٍ عائشةَ: ((إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم
(١) اسمه كاملاً - كما مضى -: (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار).
(٣) كالفخر الرازي، والآمدي.
(٢) ((الاعتبار)) (١٤ - ٤٠).
(٤) يعني ((التقييد والإيضاح)) (٢٨٦ - ٢٨٩) وجُمْلةُ ما أوردَه عشرةُ أَوْجُه ومائةُ وَجْهٍ. منها
خمسون وجهاً ذكرها الحازميُّ، وأضافَ إليها العراقيُّ ستين وجهاً. وأشار إلى أنَّ
هناك أيضاً وجوهاً أُخَرَ للترجيح، وأنَّ في بعض ما ذَكر نظراً. كما أنّه ذَكر في ((شرح
التبصرة والتذكرة)) (٣٠٥/٢) خمسينَ وجهاً، وقال: إنّها ما أودعَه المحدثون كُتُبَهم.
(٥) إفتاءُ أحمدَ تَخُّْ في وقتٍ بشيءٍ ثمَّ افتاؤُه بغيرِهِ في آخرَ سببُه اطلاعُه على دليلٍ لم يكنْ
بَلَغَه أوَّلاً. والله أعلم.
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٨) ((النزهة)) (٣٩).
(٩) سورة يوسف: الآية ٧٦. وجاء في (ح) و(الأزهرية) ففوق. من الناسخ.

مُخْتَلِفُ الحدیثِ
٤٧٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
القيامة الذين يُشَبِّهون(١) بخلق الله))(٢)، و(«جاءت امرأةُ رِفَاعَةَ فقالت: إنَّ رِفَاعَةَ
طلَّقني، فتزوجتُ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزُّبِير ... ))(٣).
ومِنْ مُسنَدٍ غَيرِها (٤) غَيْرَهُمَا، وسمَّاهُ: ((معرفةَ الأخبارِ التي لا مُعَارِضَ لها
بوجه من الوجوه)»(٥)، قال: ((وفيه كتابٌ كبير لعثمانَ بنِ سعيدِ الدارمي)» (٦)](٧) .
(١) في (ح): يتشبهون. والتصحيحُ من ((مسلم)) و((معرفة علوم الحديث)) (١٢٩).
(٢) أخرجه عنها البخاري في ((اللباس): باب ما وُطئ من التصاوير (٣٨٦/١٠)، ومسلم
في ((اللباس)»: باب تحريم تصوير صورةٍ الحيوان (١٦٦٧/٣).
(٣) أخرجه عنها البخاري في ((الشهادات)): باب شهادة المختبئ (٢٤٩/٥)، ومسلم في
((النكاح)): باب لا تَحِلُّ المطلقةُ ثلاثاً لِمُطَلِّقها حتى تُنكَح (١٠٥٥/٢)، والزَّبير: بفتح
الزاي، وكسر الموحدة.
(٤) في (ح): (غيره). من الناسخ. ومراد السخاوي أنَّ الحاكمَ أوردَ من أمثلة المُحْكُم
عِدَّةَ أحاديثَ منها اثنان من مُسنَد عائشةَ وأحاديثُ أخرى من مسند غيرِها. وهي:
حديثٌ من مسنَدِ ابنِ عُمَر، وآخرُ مِن مسنَد أنسٍ وثالثٌ من مسند جابرٍ.
(٥) ((معرفة علوم الحديث)) (١٢٩).
(٦) (المصدر السابق - ١٣٠). والدارمي المذكور مات سنة ٢٨٠ ((السير)): (٣١٩/١٣)
وهو غيرُ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحبِ ((السُنَنَ)) المتوفى سنة ٢٥٥، ((السير))
(٢٢٤/١٢). وكتابُ عثمانَ المشارُ إليه اسمُه: (المُسنَد الكبير) كما في ((السير)) وغيرِه.
(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (س).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٧٧
خَفِيُّ الإِرْسالِ، والمَزِيدُ في مُتَصِلِ الإسنادِ
(خَفِيُّ الإرسالِ(١)، والمَزِيدُ في مُتَّصِلِ الإسنادِ) (٢)
هذانِ نوعانِ مُهِمّان عظيمًا الفائدة، عَمِيقا المَسْلَك، لم يتكلمْ فيهما قديماً
وحديثاً إلّا نقادُ الحديث وَجَهَابِذَتُه، وهما متجاذِبان، فلذلك قَرَنَ بينَهما، وفصَلَ
أَوَّلَهما عن ((المُرْسل)) الظاهِرِ مع أنّ ذلك لم يكنْ بمانعٍ من الإشارة إليه هناك.
ثم لأجلِ ما أبدَيتُه من المُؤَاخاة بينهما لو قَرَن بين ((المُخْتَلِف)) و((الناسخِ))
- الماضي شَرْحُهما - لكان حسناً.
فأمَّا أَوَّلُهما(٣) فليس المرادُ به قولَ التابعي: قال رسول اللهِ وَّ. كما هو
المشهورُ في ((المُرسَلِ)) الظاهرِ، ولا الانقطاعَ بين رَاويَين لم يُدرِكْ أحدُهما
الآخرَ كرِوَايةِ القاسمِ عن ابنِ مسعود، وإبراهيمَ بنِ أبي عَبْلَة عن عُبادَةِ بنِ
الصامِت، ومالكٍ عَنَ سعيدٍ بن المُسَيّب، بل هو - على المعتَمِد في تعريفه
حسبما أشار إليه شيخُنا (٤) -: الانقطاعُ في أيِّ موضِعٍ كان من السنَد بين رَاوِيين
متعاصِرَين لمْ يَلْتَقِيا، وكذا لو الْتَقَيَا ولم يقَعْ بيّنْهما سَمَاعٌ. فهو انقطاعٌ
مخصوصٌ يندرج في تعريفِ مَن لمْ يتقيدْ في ((المرسَل)) بِسَقْطٍ خاصّ.
وإلى ذلك الإشارةُ بقَول البُلْقِيني: ((إنّ تسميتَه بالإرسال هو على طريقةٍ
سبقتْ في نَوعِ المُرسَل(٥))، وبهذا التعريفِ يُبَايِنُ ((التَدليسَ)) إذْ هو (٦) كما حُقّق
أيضاً - على ما تقدم في بابِه(٧) -: ((روايةُ الراوي عمَّن سَمِعَ منه ما لم يَسْمَعْه
(١) وهو النوعُ الثامنُ والثلاثون من كتاب ابنِ الصلاح.
(٢) وهو النوعُ السابعُ والثلاثون من كتاب ابن الصلاح وقد جمع بينَهما الناظمُ وبدأ
بآخرِهما عند ابنِ الصلاح.
(٣) يعني (خفيَّ الإرسال).
(٥) ((محاسن الاصطلاح)) (٤٢١).
(٧) (٣١٤/١).
(٤) في ((النزهة)) (٤٣).
(٦) يعني (التدليسَ).

خَفِيُّ الإِرْسالِ، والمَزِيدُفي مُتَصِلِ الإسنادِ
٤٧٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
منه)). فأمَّا مَن عرَّفَ ما نحن فيه بـ: ((رواية الراوي عمّن سمع منه ما لمْ يَسْمعه
منه، أو عمَّن لَقِيَه ولم يسمعْ منه، أو عمَّن عَاصَره))(١): فيكونُ بينَهما عمومٌ
مطلقٌ. والمعتَمَدُ ما حقَّقْناه أَوَّلاً(٢).
(و) حينئذٍ فـ (عَدَمُ السَّمَاعِ) مُظْلَقاً لِلرَّاوي مِن المَرْويِّ عنه ولو تَلَاقيا،
(و) كذا عدمُ (اللَّقاءِ) بينهما حيثُ عُلِمَ أحدُهما بأحدِ أمرَين:
٧٨٢
١ - مِن إِخْبارِ الراوي عن نفِسه بذلك، كقولِ أبي عُبَيدةَ بنِ عبد الله بنٍ
مسعود - وقد سُئِلَ: هل تذكرُ مِنْ أبيك شيئاً -: ((لا))(٣). ونحوهُ قولُ عُمرَ بنِ
عبدِ الله مَوْلَى غُفْرَةَ(٤) - وقد سأله عيسى بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعي،
الراوي عنه: أسمعتَ من ابنِ عباس؟ -: ((قَدْ أَدْرَكتُ زَمَنَهُ))(٥).
٢ - أو جَزْم إمام مُطَّلِعٍ بكونِهِ لم يثبتْ عنده - من وجهٍ يُحتَجّ به - أنهما
تلاقَيَا، مثلُ أبي زُرْعةً الرازيّ وغيرِه في قولهم: ((إنَّ الحَسَنَ البصريَّ لم يلقَ
عَلِيًّا))(٦). ومِثْلُ المِزِّيِّ في المتأخِّرِين - وكان في هذا عَجَباً من العَجَب - في
قولِهِ: ((إنَّ عُمَرَ بنَ عبد العزيز لم يَلْقَ عُقبةَ بنَ عامر))(٧).
(يَبْدُو بِهِ) أي يظهرُ بكلِّ مِن عدمِ السماع واللقاءِ (الإرسالُ ذو الخَفَاءِ)
بحيثُ يكونُ في الأكثرِ سبباً للحُكم بذلك كحَديثِ أبي هُريرةَ: ((إذا استيقظَ
أحدُكم من الليل فلْيُوقِظِ امرَأَتَه))، رواه أبو عامر العَقَدِي عن الثَوري عن ابنِ
(١) يعني وَلَمْ يَلْقَه، وانظر التعريفَ المشار إليه في: ((جامع التحصيل)) (١٤٥) و((التدريب))
(٢٠٥/٢).
(٢) ذكر الحافظُ ابن حجر في ((النزهة)) (٤٣) أنّ مما يدلّ على لُزوم اعتبارِ اللُّقِيّ في
(التدليس) دون المعاصرة وحدَها: إطباقَ أهلِ العلم بالحديث على أنّ روايةً
المُخَضْرَمين عنه وَِّ من قبيل (الإرسال) لا من قبيل (التدليس)، ولو كان مجردُ
المعاصرةِ يُكتَفَى به في (التدليس) لكان هؤلاءِ مُدَلِّسينَ، لأنهم عاصروه بَّهُ قطعاً ولكنْ
لم يُعرَفْ هل لَقُوهُ أو لا؟
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (٢٥٦).
(٤) بمعجمتين في أوله - وَزْنُ غُرْفَةَ - ((التقريب)) (٤١٤)، وهي غُفْرَةُ بنتُ رَبَاحِ أختُ بِلَال.
(٥) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (١٣٨) و((جامع التحصيل)) (٢٩٦).
(٦) ((المراسيل)) (٣١)، وكذا قال عليُّ بن المديني في ((العلل)) (٥٤).
(٧) ((تحفة الأشراف)) (٣١٤/٧).
:

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٧٩
خَفِيُّ الإِرْسَالِ، والمَزِيدُفي مُتَصِلِ الإسنادِ
المُنْكَدِر عنه(١). وابنُ المُنْكَدِرٍ - فيما قاله ابنُ معين(٢)، والبَزّارُ(٣) - لم يَسمعْ
مِن أبي هريرة. بل قال أبو زُرعة: ((إنّه لم يَلْقَه))(٤)، وهو مُقْتَضَى ما نقله ابنُ
المَديني عن ابنِ عُيَينَ مِن كونِ ابنِ المُنْكَدِر بلغَ مِنَ العُمُر نَيِّفاً وسبعين سنةً.
وبيانُ ذلك أنّ وفاتَه كانت في سنةِ ثلاثينَ ومائة، أو التي بعدَها، فيكونُ مولدُه
على هذا قبلَ السِّين بيسيرٍ، ووفاةُ أبي هريرةَ كانت أيضاً قبل الستين
(٥)
بيسيرٍ (٥).
وقد رواه ابنُ مَهديٍّ، ووكيعٌ، والعَدَنِي، وغيرُهم عن الثوري بإثباتِ
الواسِطَةِ التي لم تُسَمَّ عند واحِدٍ منهم بينِ ابنِ المُنْكَدِرِ وأبي هريرةَ، وهو مِمَّن
لمْ يُوصَفْ بالتدليس. فظهرَ أنَّ الروايةَ الأُولى من المرسَلِ الخَّفِي.
هذا مع تخريج أبي داودَ في ((سننه))(٦) لحديثٍ من طريقهِ عن أبي هريرة
بلا واسطة. بل وخرّج غيرُه أحاديثَ كذلك.
و(كذا زِيَادةُ اسم رَاوٍ) يتوسَّط (في السَّند) بين الراوِيَين اللذين كان يُظَن
الاتصالُ بينهما مُظْهَرَةٌ للإرسالِ الخَفِيِّ في الروايةِ التي لم يُذْكَرْ فيها (إِنْ
كان حَذْفُهُ) أي ذاك الاسم الزائدِ وَقَعَ بِصِيغةٍ: ((عن))، و((قال)) ونحوِهما مما ليس
٧٨٣
(١) لم أجدْه بهذا اللفظِ والسندِ. وقد أخرجه أبو داودَ في ((الصلاة))): باب قيام الليل (٢/
٧٣)، والنسائي في ((قيام الليل وتطوّع النهار)): باب الترغيب في قيام الليل (٢٠٥/٣).
وابن ماجه في (إقامة الصلاة والسنة فيها) باب ما جاء فيمن أَيْقظ أهله من الليل (١/
٤٢٤)، وأحمدُ (٢٥٠/٢)، والحاكمُ (٣٠٩/١) كلُّهم من طريق يحيى بن سعيدِ القطان
عن ابن عَجْلانَ عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((رَحِمَ اللهُ
رَجُلاً قامَ من الليل فصلَّىٍ، وَأيقظَ امرأتَه فإنْ أبتْ نَضَحَ في وجهِها الماءَ، رَحِمَ اللهُ
امرأةً قامتْ من الليل فصلَّت، وأيقظتْ زوجَها فإن أبى نَضَحَتْ في وجهِه الماءَ) لفظُ
أبي داودَ، قال الحاكمُ بعد إخراجه: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم)، وأقرَّه
الذهبيُّ.
وفي البابِ عن أبي سعيدٍ، أخرجه أبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه في المواطنِ السابقة،
وعن أبي مالكِ الأشعري كما عند الطبراني في ((الكبير)): (٢٩٥/٣).
(٢) في ((تاريخه)) (٢٠١/٣ - ٢٤٣).
(٣) (٤) ((المراسيل)) (١٨٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٧٤/٩).
(٥) ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٤/٩).
(٦) ((سنن أبي داود)) - الصيام -: باب إذا أخطأ القوم الهِلالَ (٧٤٣/٢) بالعنعنة.

خَفِيُّ الإِرْسَالِ، والمَزِيدُ في مُتَّصِلِ الإسنادِ
٤٨٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
صريحاً في الاتصالِ (فيه) أي في السنَد الذي بدُونه (وَرَدَ) فإنّه حينئذٍ تكونُ
الروايةُ الناقصةُ مُعَلَّةً بالإسنادِ الآتي بالزيادةِ مع التصريحِ بالتَّحْدِيث، أو نحوِهِ،
إذِ الزيادةُ من الثقةِ مقبولةٌ. وعبَّر شيخُنا بقولِه: ((ترجَّحتَّ الزيادةُ)). مثالُه حديثُ
أبي ذَرّ: ((ثلاثةٌ يحبُّهم اللهُ، وثلاثةٌ يبغضهم اللهُ(١)) رواه الفِرْيَابِيُّ، وعبدُ الملك بنُ
عَمْرو - كلاهما - عن الثَّوْرِي عن منصورٍ عن رِبْعِيٍّ بنِ حِرَاشٍ عنه(٢) بالعنعنة،
ورواه شعبةُ عن منصور: سمعت رِبْعِيّاً يُحدث عن زيدِ بنِ ظَبْيان رَفَعه إلى أبي
ذرّ(٣) . بل وتُوبع شعبةُ عليه كذلك (٤).
وكذا رواه شيبانُ عن منصورٍ لكنَّه قال: عن زيدِ بن ظَبيان أو غيرِه عن
أبي ذر (٥).
بل رواه الأشجعيُّ، وأبو عامرٍ كلاهما عن الثوري بإثباتِ زيد (٦). وكذا
رواه مُؤَمَّلٌ عن الثَّوري لكنَّه لم يُسَمِّه قال: عن رجل عن أبي ذر(٧) .
فالروايةُ الأولى مرسَلَة، وإنْ كان رِبْعِيٍّ من كبارِ التابعين فقد جَزَم
الدار قطنيُّ، ثم ابنُ عساكرٍ بأنَّه لم يسمَعْ من أبي ذرّ (٨). وحكاه المِزِّيُّ بصيغةٍ
(٩)
التمريض(٩) .
(١) طَرَفٌ من حديثٍ أخرجه الترمذي في ((صفة الجنة)): باب حدثنا أبو كُرَيب (٦٩٨/٤)،
والنسائيُّ في ((قيام الليل وتطوع النهار)): بابُ فضلِ صلاةِ الليل في السفر (٢٠٧/٣)،
وأحمدُ (١٥٣/٥)، وابنُ خُزَيمة في ((صحِيحه)) (١٠٤/٤)، وابنُ حِبان ((الموارد))
(٢٠٨)، والحاكمُ (٤١٦/١) و(١١٣/٢) كلَّهم - عدا ابنَ حِبان - من طريق شُعبةَ عن
منصورٍ عن رِبْعِيٍّ عن زيدٍ بن ظَبْيانَ عن أبي ذرّ. وأمَّا ابنُ حِبان فمِن طريق جريرٍ عن
منصورٍ به. والحديثُ صحيحٌ كما قال الترمذي وغيرُه.
(٢) أمَّا طريق الفِرْيابي عن الثوري فأخرجها النسائيُّ في ((الكبرى)). ((تحفة الأشراف)) (٩/
١٦٠).
وأما طريقُ عبدِ الملك بنِ عَمْرو - وهو العَقَدي - فأخرجها أحمد (١٥٣/٥).
(٣) مضى بيانُ من أخرج هذا الطريق.
(٤) وممَّن تابعه جريرٌ كما مضى عند ابنِ حبان.
(٦) لم أَهْتَدِ إلى مصدرها.
(٥) أحمد (١٥٣/٥).
(٧) أخرج روايةَ مؤمَّلِ هذه: أحمدُ (١٥٣/٥).
(٨) قاله ابنُ عساكر في ((الأطراف)) كما في ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٧/٣).
(٩) ((تحفة الأشراف)) (١٦٠/٩).