النص المفهرس
صفحات 361-380
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦١ أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ زيادُ بن يحيى. ويعقوبُ: هو ابن إبراهيمَ الدَوْرَقي. والعَنْبَرِيُّ: هو العباسُ بن عبد العظيم. والجوهريُّ: هو إبراهيمُ بن سعيد. ولكنَّ العباسَ إنَّما خَرَّج له البخاريُّ تعليقاً. والجوهريَّ لم تقعْ روايةٌ البخاري عنه في (صحيحه)) صريحاً(١)، وإنما جَزَمَ به ابنُ عساكر(٢)، ومَن تَبِعه - فيما قاله شيخُنا -، ويحتاج إلى نظر (٣) . وقد ذَيَّلَ البَدْرُ بنُ سَلَامةَ الحنفيُّ(٤) عليهما بقوله: وأبو كُرَيبٍ رَوَوْا عنه بِأَجْمَعِهِمْ والفِيْرِيَابِيُّ قُلْ: شَيْخٌ لَهُمْ ثَانِي(٥) ثم إنَّ المُخَرِّجين لا يطلقون اسمَ ((الموافقة))، أو (البدل)) إلَّا مع العُلُوِّ. وحيثُ فُقِدَ فلا يلتَفِتُون لذلك كما قاله ابنُ الصلاح)»(٦). (١) بل نَفَى المزيُّ والذهبيُّ روايةَ البخاري عنه، فقد جاء في ((تهذيب الكمال)) (٩٦/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥١٦/٢)، و((السير)) (١٤٩/١٢) ما يلي: (روى عنه الجماعة سوى البخاري). كما أنَّ ابنَ طاهر في كتاب ((الجمع بين رجال الصحيحَين)) (٢١/١)، قد ذكره في ((أفراد مسلم ممن اسمُه إبراهيم))، وقبلَه الكَلَابَاذِيّ لم يَذكره في ((رجال صحيح البخاري)) (٤٩/١ - ٦٢). قلت: وما ذكره الذهبيُّ في ((التذكرة))، و((السير)) يعارِض ما نُسب إليه في البيتين السابقين. (٢) في ((المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل)) (٦٦). وأشارت مُحَقِّقَةُ الكتاب إلى أنَّ الرمزَ للبخاري ليس في إحدى النسخ الخطية. (٣) والصوابُ أنَّ البخاري لم يَروِ عنه، لما تقدَّم من نصِّ الإمام المِزّي والذهبي عليه، وأيضاً فقد جاء في حاشية ((تهذيب الكمال)) (٩٦/٢) عن مُغُلْطَاي أنّ جماعة من العلماء حَكَوْا أنَّ مسلماً تفرَّد به عن البخاري، منهم أبو عبد الله بن البَيِّع، وأبو الفَضْلِ بنُ طاهر، وأبو إسحاق الحبّال. وجاء في حاشية ((المعجم المشتمل)) (٦٦) نقلاً عن الحافظ محمد بن عبد الواحد: أنَّ ابنَ مَنْدَه والكَلَابَاذِيَّ لم يذكراه في مشايخ البخاري الذين أخرج عنهم في ((الصحيح)). والله أعلم. (٤) محمد بن محمد بن عثمان. مات سنة ٨٣٧. ((الضوء اللامع)) (١٩٥/٧). (٥) أما أبو كُرَيبٍ فهو محمد بن العَلَاء بنٍ كُرَيب الحافظُ الثقةُ الإمامُ (١٦١ - ٢٤٨هـ). («تذكرة الحفاظ)) (٤٩٧/٢)، و((السير)) (٣٩٤/١١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٨٥/٩)، وفي كلِّها النصُّ على روايةِ الجماعةِ عنه. وأما الفِيرِيَابيُّ المذكورُ فلم أعثرْ عليه، وقد استعرضتُ شيوخَ الأئمةِ السنةِ في ((المعجم المُشتمل)) لابن عساكر. و((الأنسابَ)) للسمعاني، و((تهذيبَ التهذيب)). وما ظَفِرتُ بشيء. (٦) في ((علوم الحديث)) (٢٣٣). أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٦٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولكن قد أطلَقه فيهما - مع التساوي في الطريقتَين - ابنُ الظاهري، وغيرُه من المتأخرِين، فإنْ علا قيلَ: موافقةٌ عاليةٌ، أو بَدَلاً عالياً(١). ولذا قال شيخُنا: ((وأكثرُ ما يعتَبِرُون ((الموافقةَ))، و((البَدَل)) إذا قَارَنَا العُلُؤَّ. وإلا فاسم ((الموافقةَ))، و((البدلِ)) واقعٌ بدونه))، انتهى(٢). بل في كلام ابنِ الظاهري، والذهبي استعمالُ الموافقةِ في النُّزُول، لكنْ مُقَيَّداً كما قُيِّدَتْ في العلوّ فيقالُ: موافقةٌ نازلةٌ. (وإنْ يكن) المُخَرِّج (ساواه) أي ساوى أحدَ أصحاب ((الستة)) (عَدّاً قَدْ حَصَل) أي من جهة العَدّ بأنْ يكونَ بين المُخَرِّج وبين النبي ◌َّ في المرفوع، أو الصحابيِّ في الموقوف، أو التابعي في المقطوع، أو مَنْ قبله على حسب ما يتّفق، كما بَيْنَ أَحَدِ ((الستة)) وبين أَحَدِ مَن ذُكر، في العَدَدِ سواءً - مع قطع النظر عن ملاحظة ذاك الإسنادِ الخاص - (فهو المساواة) لتساويهما في العدد. ٧٤٣ وهي مفقودةٌ في هذه الأزمانِ، وما قارَبها بالنسبة لأصحابٍ ((الكتب الستة))، ومَن في طبقتهم. نعم، يقعُ لنا ذلك مع مَنْ بعدَهم كالبَيْهقي، والبَغَوِي في ((شرح السنة)) ونحوِهما، بل قد وقعتْ لي ((المساواةُ)) مع بعضٍ أصحاب ((الستة)) في مطلق العَدَد، لا في مَتْن متَّحِد. وذلك أنني - كما قدّمت - بيني وبين النبي ◌َّ في بعض الأحاديث عَشرةُ رُواة. وكذا وقع للترمذي(٣)، والنسائي(٤) من أصحابٍ ((الستة)) حديثٌ عُشَارِيٌّ فقالا: أنا محمد بن بشارٍ، بُنْدارٌ ــ زاد الترمذي: وقُتَيبةُ، قالا : - ثنا عبدُ الرحمن - هو ابنُ مهدي - ورواه النسائي(٥) أيضاً عن أحمدَ بنِ سليمانَ عن (١) كذا في النسخ. والجادَّةُ: (أو بَدَلْ عالٍ). ويمكن تخريجُ ما ذكره المصنف - إنْ لم يكن خطأ منه - بتقدير لفظ: (تكون). (٢) من ((النزهة)) (٥٩). (٣) في ((فضائل القرآن)): باب ما جاء في سورة الإخلاص (١٦٧/٥). (٤) في ((الافتتاح)): باب الفضل في قراءة قل هو الله أحد (١٧٢/٢)، وفي ((الكبرى)) عمل اليوم والليلة - باب ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة (١٧٣/٦). (٥) في ((الكبرى)) ((الموضع السابق)) (١٧٤/٦). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٣ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ حُسَينٍ بن علي الجُعْفِي كلاهما(١) عن زَائِدَةَ. ورواه النسائي(٢) أيضاً عن أبي بكر بنِ علي عن عُبَيد الله بن عُمَرَ القَوَارِيري، ويوسفَ بنِ مروان(٣)، كلاهما عن فضيل بن عِيَاض، كلاهما (٤) عن مَنْصورٍ بِنِ المُعْتَمر عن هلال بن يَسَافٍ عن الرَبِيعِ بن خُثَم(٥)، عن عَمْرِو بنِ مَيْمُون [- وقُدّم على الذي قبله في رواية فُضَيل ـ(٦)](٧) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة [من الأنصار}(٨)، عن أبي أيوبَ، عن النبيِ وَّ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ثلث القرآن))(٩). وقال النسائيُّ عَقِبه: ((لا أعرف في الحديثِ الصحيح إسناداً أطولَ من هذا))(١٠) . قلت: وسيأتي قريباً من عند النسائي أيضاً مثالٌ لهذا(١١). (١) يعني عبد الرحمن بنَ مَهْدي وحسينَ بنَ علي الجُعْفي، لكن طريق حسين هو وجه آخر، ومعضل، وليس عُشارياً .. (٢) في ((الكبرى)) ((الموضع السابق)) (١٧٣/٦). (٣) في النسخ: (مهران)، وهو خطأ صوابه (مروان) كما في (الكبرى)، ثم إن يوسف بن مهران متقدم يروي عن بعض الصحابة، وليس من رجال النسائي. (٤) يعني زائدةَ - وهو ابن قُدَامةَ الثقَفِي - وفُضَيلَ بنَ عِيَاض. (٥) بالمثلثة بعد المعجمة مصغر. وهو الأكثر المشهورُ كما مضى. وعند الترمذي (خيثم) بالمثناة التحتية بعد المعجمة وبعدها مثلثة. ومثلُه في ((الخلاصة)) للخزرجي. (٦) ما بين المعكوفين ليس في (س) و(م)، ومراده: أن هذا لفظ رواية زائدة، وأما لفظ رواية فُضَيل فقد قُدّم فيها عمرو بن ميمون على الربيع بن خُثَيم. (٧) كذا في نسخة (ح) و(الأزهرية): (الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون). ومثله في ((الترمذي)) والنسائي في ((المجتبى والكبرى)) من رواية زائدة عن منصور. وفي (س) و(م): (عمرو بن ميمون عن الربيع بن خثيم). وهي رواية فُضَيل بن عياض كما في ((الكبرى))، وكلاهما عُشاري. (٨) ما بين المعكوفين ساقط من (س). وهذه المرأة هي امرأة أبي أيوب. (٩) أخرجه الترمذي والنسائي - كما تقدم - من حديث أبي أيوبَ. وأخرج البخاري في فضائل القرآن: باب فضل ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ (٥٩/٩) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (والذي نفسي بيده إنَّها لتعدلُ ثُلثَ القرآن). وفي الباب عند أبي داود وابن ماجه ومالك وغيرهم. (١٠) هذا لفظه في ((الكبرى)) (١٧٣/٦)، ولفظه في ((المجتبى)) (١٧٢/٢): (ما أعرف إسناداً أطولَ من هذا). (١١) أي حديثٌ عُشَارِي، انظر: (ص٣٦٦) وما بعدها روايةَ النسائي عن زكريا بن يحيى خياطِ السنة ... إلخ. أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٦٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث (و) أمَّا (حيث رَاجَحَهُ الأصلُ) أي زَادَ أحدُ أصحاب ((الستة)) على المُخَرِّج (بالواحد) في حديثٍ كأنْ يكونَ بين أحدٍ أصحاب ((السِّتة)) وصاحبٍ الخبر عَشَرَةٌ - مَثَلاً -، وبين المُخَرِّج وبينه أَحَدَ عَشَرَ، بحيثُ يستوي مع تلميذِه، ويكونَ شيخُ المُخَرّج مساوياً لأَحَدِ المُصَنِّفِين (ف) هو المساواةُ للشيخ، و(المُصَافحةُ) للمخَرِّج. وسُمِّيتْ بذلك، لأنَّ العادةَ جَرَتْ في الغالب بالمصافَحَة بين المتلاقِيَين. والمُخَرِّجُ في هذه الصورةِ كأنّه لاقى أحدَ أصحابِ ((الستةِ))، فكأنَّه صافحه. فإنْ كانت ((المساواةُ)) لشيخ شيخه كانت ((المصافحةُ)) لشيخِه. أو لشيخ شيخٍ شيخِه فالمصافحةُ لشيخ شيخُه . والمُخَرِّجُون - غالباً - يُنَبِّهون على ذلك ترغيباً فيه، وتنشيطاً لِطَالِبِيه، فيقولُ الواحد منهم - في الصورة الأولى -: فكأنّي سمعتُ فلاناً - ويُسَمِّي ذلك المصنفَ الذي وقع التصافحُ معه ۔ وصافحتُه. وحينئذٍ فأنتَ بالخيار في ذِكر ذلك وعَدمِه. ثم إذا ذكرتَه فأنت بالخيار فيما إذا كانتِ المصافحةُ لشيخك، أو شيخ شيخك بين أن تُعَيِّنَه بأنْ تقولَ: فكأنَّ(١) شيخي، أو شيخَ شيخي، أو تقولَ: فكأَنَّ فلاناً، فقط. قال ابنُ الصلاح: ((ثم لا يخفى على المتأمّلِ أنَّ في المساواة والمصافحةِ الواقعتَين لك لا يلتقي إسنادُك وإسنادُ المصنّف إلَّا بعيداً عن شيخه. فيلتقيان في الصحابي، أو قريباً منه، فإن كانت المصافحةُ التي تذكرها ليست لك، بل لمن فوقَك من رجال إسنادك أمكنَ الْتِقَاءُ الإسنادَين فيها في شيخ المصنف ودَاخَلَتِ المصافحةُ حينئذٍ المُوافقةَ. فإنَّ معنى الموافقةِ راجعٌ إلى مساواةٍ ومصافحةٍ مخصوصة، إذْ حاصلُها أنَّ بعضَ مَن تقدّم من رواة إسنادك العالي سَاوَى، أو صافحَ ذاك المصنِفَ، لكونه سمعَ ممن سمعَ من شيخِهما مع تأخرٍ طبقته عن طبقتهما))(٢) قال: ((ثم اعلم أنَّ هذا النوعَ من العُلوِّ علوٌّ تابعٌ لنزولٍ، إذ لولا نزولُ (١) في (س) و(م): وكان. (٢) ((علوم الحديث)) (٢٣٤). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٣٦٥ أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ذلك الإمام في إسناده لم تَعْلُ أنتَ في إسنادك))(١) . ثم ذكر أنَّه لما قرأَ بـ«مَرْوَ)) على شيخِه أبي المُظَفَّرِ بنِ السَّمْعَاني ((الأربعينَ)) لأبي البَرَكات الفُرَاوِي، ومرَّ فيها في حديثٍ: ((أَنَّه كأنَّه سمعه هو أو شيخُه من البخاري)). قال أبو المُظَفَّر: ((إنَّه ليس لك بعالٍ، ولكنَّه للبخاري نازلٌ)). قال ابنُ الصلاح: «وهذا حَسَنٌ لَطِيفٌ، يَخْدِشُ وجهَ هذا النوعِ من العُلوّ))(١). لكن قال المؤلفُ: ((إنَّ هذا محمولٌ على الغالب)(٢)، وإلا فقد يكون الحديثُ مع عُلُوِّه النِسْبِيِّ عالياً(٣) لذاك المُصَنف أيضاً، وذلك ــ كما قال بعضُ المتأخرين -: أَنْ يتأخرَ رفيقُ أحدِ الأئمة الستةِ في سَمَاعِه عنه في الوفاةِ، ثم يسمعَ منه مَن تتأخرُ وفاتُه فيحصلَ للمُخَرِّج الموافقةُ العاليةُ من غيرِ نُزولٍ لذاك المصنفِ. وحينئذٍ فيكونُ من العلوِّ المُطلَق. وقد أفردَ كثيرٌ من الحُفّاظ كثيراً من ((الموافقاتِ)) و((الأَبْدَال)). ومِن أَوسِعها: كتابُ الحافِظِ أبي القاسم بنِ عساكر، وهو ضخمٌ أَنْبَأ عن تَبَثُّرِه في هذا الفَنِّ(٤) . وكذا خَرَّجَ غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظِ ((المُسَاوَاةَ)) و((المُصَافَحَةَ))(٥). وذكر ابنُ طاهر في تصنيفِه المشارِ إليه (٦) عدةَ أمثلةٍ مما وقع له فيها المصافحةُ، بل وَذَكر فيه(٧) شبيهاً بالموافقة الماضيةِ، فإنه قرَّر أنَّ كُتُبَ الخطّابي (١) ((علوم الحديث)) (٢٣٥). (٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٥٧/٢). (٣) في النُسخ: (عال). خطأ. (٤) قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٣٢٩/٤) في ذكر مصنفات ابنٍ عساكر: ( ... و((الموافقات)) في ست مجلدات). وقال في ((السير)) (٥٥٩/٢٠) نقلاً عن ابنه القاسم في ذكر مصنفات والده ابن عساكر: ( .. وجَمَعَ ((الموافقاتِ)) في اثنين وسبعينَ جُزءاً .. ). (٥) قال الذهبي في ((التذكرة)) (١٣٣٠/٤) في ترجمة ابن عساكر: (وخرّج لجماعة منهم رفيقُه أبو سعدِ السمعاني، خرَّج له (أربعين المصافحات) وللفُرَاوِي (أربعين مساواة). (٦) وهو كتاب: ((مسألة العلوّ والنزول في الحديث)). (٧) في (س): فيها. أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ ٣٦٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وَشِبْهِهِ عندَه بواسطتَين بينه وبين مصنِّفُها، وأجلُّ شيخ للخطابي: أبو سعيد ابنُ الأعرابي، وحديثُه عنده بالعَدَد المذكورِ (١). ثم إن ((المصافحةَ)) مفقودةٌ في هذه الأزمانِ أيضاً، ولكنْ قد وقعتْ لقدماء شيوخنا، فأخبرتْني أمُّ محمدٍ ابنةُ عُمرَ بنِ جَمَاعةَ عن جماعةٍ منهم: أبو حفصٍ المِزِّيُّ: أنا أبو الحسن السعديُّ مشافهةً عن عَفِيفةَ ابنةِ أحمدَ قالت: أخبرتُنَا فاطمةُ ابنةُ عبد الله قالت: أنا محمدُ بن عبد الله الضَبِّي: أنا أبو القاسم اللَّخْمِي الحافظُ: أخبرنا أبو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بنُ الفَرَج، ويوسفُ القاضي، قال الأولُ: ثنا يحيى بن بُكَير، وقال الثاني: ثنا أبو الوليدِ الطَّيَالسيُّ، قالا - واللفظ لأولهما -: ثنا الليثُ: حدثني الرَبِيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهَني عن أبيه سَبْرةَ أنه قال: ((أَزِنَ لنا رسولُ اللهِ وَّهُ بِالمُتْعَة ... )) الحديثَ. وفيه: ((ثم إن رسولَ الله وَّه قال: من كان عنده شيءٌ مِن النساءِ اللاتي يتمتّعُ بهنَّ فليُخَلِّ سبيلَها)). هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلمٌ(٢)، والنسائي(٣) معاً عن قُتَيبةً عن الليثِ، فوقع لنا بدلاً لهما عالياً. وورد النهيُ عن نكاح المُتعة من حديثٍ جماعةٍ من الصحابة، منهم عليّ، وهو متفق عليه من حديثه من جهة مالك(٤). وقد رواه النسائيُّ في جَمْعِه لحديث مالكِ(٥) عن زكريا بن يحيى - خياطِ السُنَّةُ (٦) - عن إبراهيمَ بنِ عبد الله الهَرَوِي عن سعيد بن محبوب عن عَبْثَرِ بنِ (١) ((مسألة العلو والنزول في الحديث)) (٨٥، ٨٦). (٢) في النكاح: باب نكاح المُتعة (١٠٢٣/٢) بالسند الآتي. (٣) في النكاح، باب تحريم المتعة (١٢٦/٦) بالسند الآتي. (٤) أخرجه البخاري في ((المغازي)): باب غزوة خَيبرَ (٧/ ٤٨١) ومواطنَ أُخرَ، ومسلمٌ في ((النكاح)): باب نكاح المُتعة ... (١٠٢٧/٢). (٥) هو ((مسندُ حديث مالك)) للنسائي وذَكره المزيُّ في مقدمة «تهذيب الكمال)» (١٥٠/١)، وابنُ حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٦/١). ويبدو أنَّه مفقود، إذ لم يُورده فؤاد سزكين في آثار النسائي في ((تاريخ التراث العربي)) قسم علوم القرآن والحديث (٣٢٨)، والله أعلم. (٦) جاء في حاشية (س - ٢١٠/ب) وحاشية (ح - ٢١٨/ب) ما نصه: (أفاد شيخُنا أنه يمكنُ أنْ يكون على حَذْف مضافٍ، وتقديرُه: خياط أهل السُنّة. ولعله كان يخيطُ لهم ملبوسَهم) انتهى. وزاد في (ح) سطراً صغيراً انطمست حروفُه. = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٧ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ القاسم عن سفيانَ الثوري عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابنَي محمد بن عليّ عن أبيهما عن علي. فباعتبار هذا العددِ كأنَّ شيخَتنا لقيتِ النَّسائيَّ وصافَحتْه، وروتْ عنه هذا الحدیثَ. ولكنْ قد نازعَ القاضي أبو بكر بنُ العَرَبي في التمثيل بما الصحابيُّ فيه مختلِفٌ في الطريقَين كما وقع هنا(١). وتعقّبه أبو عبد الله ابن رُشَيدٍ في ((فوائد رحلته))(٢)، وقال: ((بل الشَّنزيلُ إلى التابع والصاحب(٣) سواءٌ، إذِ المقصودُ إنَّما هو الغايةُ العظمى وهو الرسولُ وَ)). قال: ((وقد عَمِلَ بهذا التنزيل - يعني كذلكَ - القاضي عياضٌ في معجم شيخه القاضي أبي علي الصَّدَفِي، وعَمِلَ به غيرُه من، المتأخرين. وهي طريقةٌ عند المَشَارقة معروفةٌ، ما رأيتُ، ولا سمعتُ مَنْ أنكرها))، انتهى. وسماه تنزيلاً لما فيه من تنزيلٍ رَاوٍ مكانَ آخرَ. وكذا سمَّاه عصريُّه ابنُ دقيق العيد في بعض أقسامه. وجعلَه قِسماً مستقلاً فقال: ((وعلوُّ التنزيلِ - وهو الذي يُولَعون به - بأن يكونَ بيننا وبين النبيِ وَ لاَ تسعةُ أَنْفُسِ، ويكوَّنَ أحدُ هؤلاء المصنِّفين بينه وبين النبيِ وَلاَ سبعةٌ - مثلاً -، فَيُنَزَّلُ هذاَ المصنفُ منزلةَ شيخ شيخنا)»(٤). (ثم) حيثُ انقَضتِ الأقسامُ الثلاثةُ التي هي علوُّ المسافةِ فَلْنَشرع في علوِّ الصفةِ، وعبَّرَ عنه شيخُنا، وغيرُه بالعلوِّ المعنوِي. وهو كما قال بعضُ محقِّقِي ٧٤٤ = هذا وقد جاء في ((الخلاصة)) (١٢٢) للخَزْرَجي في ترجمة المذكورِ: (كان يخيطُ أكفانَ أهلِ السنة) وله ترجمة في ((تذكرة الحفاظ)) (٦٥٠/٢)، و((السير)) (٥٠٧/١٣). (١) لابن العربي كتابٌ اسمُه كتاب ((مصافحة البخاري ومسلم)) ذكره ابنُ خَيْرِ الإشبيلي في ((فهرسته)) (١٦٦) فلعل هذا الكلامَ المعزوَّ إليه فيه. والله أعلم. (٢) هي رحلتُه المشرقيةُ الكبرى، واسمُها ((ملُ العَيْبَةِ فيما جُمع بطول الغَيْبة، في الوِجهتَين الكريمتين مكةَ وطَيْبة)). وهي في ست مجلَّدات وفيها من الفوائد شيء كثير، وقفَ عليها ابنُ حجر، وانتخب منها. ((الدرر الكامنة)) (١١١/٤)، و(كشف الظنون)) (٢/ ١٨١٣). كلاهما في ترجمة الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيد (٦٥٧ - ٧٢١هـ). (٣) في (س) و (م): والصحابي. (٤) ((الاقتراح)) (٣٠٦ - ٣٠٧) مختصراً. أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ ٣٦٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المغاربة: ((بابٌ متسعٌ، ومدارُه على وجودِ المُرَجِّحات، وكثرتِها، وقلَّتها. وبحسب ذلك يقعُ الاختلافُ بين أئمةِ الشأن في أنْ يُصَحِّحَ بعضُهم ما لا يُصَحِحُ الآخرُ، إِذْ قُطبُ دائرته: الظُّ. وأهمُّه ما يَرجع إلى صفةِ الراوي كأنْ يكون أفقهَ، أو أحفظَ، أو أتقنَ، أو أضبطَ، أو أكثرَ مجالسةً للمَرْوِيِّ عنه، أو أقدمَ سماعاً من غيرِهِ، أو وفاةً)). قال: ((وعلوُّ الصفةِ عند أئمة الحديثِ بـ((الأندلسِ)) أرجحُ من علوِّ المسافةِ، خلافاً للمشارقةِ))، يعني المتأخرين. ولأجل هذا قال العِمَادُ ابنُ كثير: «إنه نوعٌ قليلُ الجدوى بالنسبة لباقي الفنون))(١) . ونحوُه قولُ شيخِنا: ((وقد عَظُمتْ رغبةُ المتأخرين فيه حتى غَلب ذلك على كثيرٍ منهم، بحيثُ أهملوا الاشتغالَ بما هو أهمُّ منه)(٢). وسبقَه ابنُ دقيق العيد فقال: ((وقد عَظُمت رغبةُ المتأخرين في طلب العلوِّ حتى كان ذلك سبباً لخَلَلِ كثيرٍ في الصنعة)»(٣). ولو لم يكن فيه إلا الإعراضُ عَمَّن طلبَ العلمَ بنفسه بتَّمْيِيزِهَ إلى من أُجلسَ صغيراً لا تمييزَ له، ولا ضبطَ، ولا فهمَ، طلباً للعلوِّ وتقدّمِ السماع. وكذا قال ابنُ الصلاح - عند ذكر الموافقات، وما معها -: ((وقد كثُر اعتناءُ المحدثين المتأخرين بهذا النوع))(٤) - يعني مُفرَّقا، ومجموعاً على حِدَةٍ كما فعل ابنُ عساكر - قال: ((وممَّن وجدتُه في كلامه: الخطيبُ، وبعضُ شيوخه، وابنُ مَاكُولا، والحُمَيدِي، وغيرُهم من طبقَتِهم، وممَّن جاء بعدهم)) (٤). فأولُ أقسام عُلُوِّ الصفةِ - وهو الرابع - (علوُّ) الإسنادِ بسبب (قِدَمِ الوفاةِ) في أحدٍ رواته(٥) بالنسبة لراوٍ آخرَ متأخرِ الوفاة عنه. اشترك معه في الرواية عن شيخه بعينه . (١) ((اختصار علوم الحديث)) (١٥٦). (٢) ((النزهة)) (٥٨)، والأهمُّ هو ثبوت نسبته إلى الرسول وَلَه (٤) ((علوم الحديث)) (٢٣٣). (٣) ((الاقتراح)) (٣٠١). (٥) من قوله: (رواته) إلى قوله: (بالسماع عائشة) (ص٣٧٣): ساقط من (الأزهرية). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٩ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ فسماعُنا - مَثَلاً - (للبخاري)) ممن رَوَاه لنا عن البهاءِ أبي البَقَّاء السُّبْكِي(١)، أو التقيّ ابنِ حاتم (٢)، أو النَّجْمِ ابنِ رَزِين(٣)، أو الصَّلاحِ الزِّفْتَاوِي (٤)، - أو غيرهم ممن هو في طبقتهم - أَعْلَى منهَ ممّن رواه لنا عن عائشة ابنةِ ابن عبد الهادي(٥)، وإن اشترك الجميعُ في روايتهم له عن الحَجَّار، لتأخر وفاةِ عائشةَ عن الجميعِ . وكذا سماعُنا لـ((مسلم)) ممّن رواه لنا عن التقيّ بنِ حاتم، أو النجم البَالِسي (٦)، أو التقي الدِجْوِيّ(٧) - أو عن غيرهم ممن هو في طبقتهم - أعلى منه ممّن رواه لنا عن الشَّرَفِ ابنِ الكويك (٨)، وإن اشتركَ الجميع في روايتهم له عنِ الزَّيْنِ عبدِ الرحمن بن عبد الهادي (٩)، لتأخر وفاة ابنِ الكويك عن الجميع. ومثَّل له ابنُ الصلاح (١٠) بأنَّ روايته عن شيخ عن آخرَ عن البيهقي عن الحاكم أعلى من روايته عن شيخٍ عن آخرَ عن أبي بكر بنِ خلَف (١١) عن الحاكم، وإنْ (١) بهاء الدين محمد بن عبد البر بن يحيى. مات سنة ٧٧٧. ((إنباء الغُمر)) (١٨٣/١)، و ((الشذرات)) (٢٥٣/٦). (٢) تقي الدين محمد بن أحمد بن محمد المصري. مات سنة ٧٩٣، ((إنباء الغُمر)) (٣/ ٩٦)، و((الشذرات)) (٣٣٠/٦). (٣) نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الكريم بن عبد الرحيم القاهري. مات سنة ٧٩١. ((إنباء الغمر)» (٣٧١/٢)، و((الشذرات)) (٣١٧/٦). (٤) جاء في ((لحظ الألحاظ)) (ص٢٦٨) - في ترجمة الحافظ الأَقْفَهْسِي - أنَّ الزِّفْتاويَّ هذا خاتمةُ أصحابِ الحَجَّار. (٥) الشيخة المُسْنِدة المُعمَّرة ابنة محمد بن عبد الهادي (٧٢٣ - ٨١٦هـ). ((الضوء اللامع)) (١٢/ ٨١). (٦) نجم الدين محمد بن علي بن محمد. مات سنة ٨٠٤. ((إنباء الغُمر)) (٤٩/٥)، و ((الشذرات)) (٤٥/٧). (٧) تقي الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الشافعي. مات سنة ٨٠٩. ((الضوء اللامع)) (٩/ ٩١). (٨) شرف الدين محمد بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي. مات سنة ٨٢١. ((الضوء اللامع» (١١١/٩). (٩) زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي. مات سنة ٧٧٩ ((إنباء الغمر)) (٣/ ٢٥٤)، و((الدرر الكامنة)) (٣٢٣/٢) لكن في بعض نسخها أن وفاتَه سنة ٧٨٩. (١٠) في ((علوم الحديث)) (٢٣٥). (١١) في ((علوم الحديث)) (٢٣٥): (عن أبي بكر عبد الله بن خلف). وهو خطأ في اسم أبي = أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٧٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث تساوَى الإسنادان في العَدَد، لتقدّم وفاةِ البيهقي على ابنِ خلَف، فالبيهقي مات في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، والآخرُ في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وممَّن صرَّح بهذا القسمِ في العلوّ أبو يَعْلَى الخَلِيلي في ((الإرشاد)) فقال: ((قد يكون الإسنادُ يَعْلو عَلَى غيره بتقدّم موتِ راويه، وإنْ كانا متساوِيَين في العَدَد))(١) . وكذا صرَّح به ابنُ طاهر في تصنيفه المشار إليه(٢)، وَمَثَّلَهُ بروايةِ الحَسن عن أنس(٣) لحديث: ((أنه ﴿ كان يخطبُ يومَ الجمعة إلى جنب خَشَبة))(٤)، فإنَّها أعلى من رواية حُميد عنه(٥)، لأنَّ وفاةَ الحسن كانت في رجب سنة عَشْرٍ ومائة، ووفاةَ حُمَيدٍ في سنة ثلاث وأربعين ومائة)). قال: ((فلا يكون الإسنادُ إلى الحسن مِثْلَ الإسنادِ إلى حُمَيد، وإنِ استَوَيا في الرُّتْبة. بل الطريقُ إلى الحسن أعلى وأجلُّ). قال: ((ثم إنَّ الراويَ لهذا عن الحسن هو المُبَاركُ بنُ فَضَالَةً(٦) وتُوفي في سنة ست وستين ومائة، والراويَ عن حُمَيدٍ هو يزيدُ بنُ بكر إذ هو أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الشيرازي النيسابوري، المُسنِد الأديب النحوي (٣٩٨ - ٤٨٧هـ). ((السير)) (٤٧٨/١٨)، و((الشذرات)) (٣٧٩/٣). (١) ((الإرشاد)) (١٧٩/١). (٢) ((مسألة العلو والنزول في الحديث)) (٧٦). (٣) تمثيلُه برواية الحسن عن أنس وما عليها من تعليق هي في المصدر السابق (٧٧) وما بعدها . (٤) طَرَفٌ من حديث أخرجه عن أنس أحمدُ (٢٢٦/٣)، والترمذيُّ في ((المناقب)): باب (٥٩٤/٥) وقال: ((حسن صحيح)). وأخرج البخاريُّ نحوَه من حديث ابنِ عُمرَ وجابرٍ في ((المناقب)): باب علامات النبوة في الإسلام (٦/ ٦٠١، ٦٠٢). (٥) يعني في حديثٍ آخرَ، وقد مَثَّل له ابنُ طاهر في ((مسألة العلو والنزول في الحديث)) (٧٩) بحديثٍ ساقه من طريق يزيدَ بنِ هارونَ عنِ حُمَيد - وهو الطويل - عن أنس قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «دخلتُ الجنةَ فَرأيتُ قَصْراً من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لشابٍّ من قريش، فظننتُ أني هُوَ. فقلتُ: لمن؟ قالوا: لِعُمَر بن الخطاب)). أخرجه الترمذي في ((المناقب)): باب مناقب عمر (٦١٩/٥) من طريق إسماعيلَ بنِ جعفر عن حُمَيد عن أنس، وقال: ((حسن صحيح)). وأخرج البخاريُّ شاهداً له عن جابرٍ وأبي هريرة في ((النكاح): باب الغَيْرة (٣٢٠/٩)، وكذا مسلمٌ في ((فضائل الصحابة)): باب من فضائل عُمرَ (١٨٦٢/٤، ١٨٦٣). (٦) روايةُ المباركِ بنِ فَضَالَةَ عن الحَسن في ((مسند أحمد)» (٢٢٦/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧١ أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ هارونَ(١) وتوفي في سنة ست ومائتين)). قال(٢): ((وقد يقعُ في طبقات المتأخرين ما هو أعجبُ من هذا، فإنَّ البخاري حدّث في كتابه عن أحمدَ بنِ أبي داودَ أَبِي جَعْفَرِ المُنَادِي - واسمُه على المُعْتَمَدِ: محمدٌ، لا أحمدُ(٣) - عن رَوْحِ بنِ عُبَادَةَ بحديثِ: ((أنه وَ قَال لِأُبَيِّ إنَّ اللهَ أمرني أنْ أقرأَ عليك))(٤). وحَدَّث به بعينه أبو عمرو ابنُ السَّمَّاك عن أبي جعفر المنادي(٥)، وبين وفاتيْهما ثمانٌ وثمانون سنة. فالبخاري كانت وفاتُه في سنة ستُّ وخمسين ومائتين، وتأخَّرَ شيخُه المذكورُ بعده أربعَ عَشْرَة سنةً(٦) حتى سَمِعَ منه ابنُ السَّمَّاك، ثم كانت وفاةُ ابنِ السَّماك في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة (٧). ((فَهُما وإن اجتمعا في المنزلةِ فقد افترقا في الجلالة وقِدَمِ السماع، فلا يكونُ الطريقُ إلى البخاري كالطريق إلى ابنِ السَّمَّاك)). ومقتَضَى ما تقرَّر أنَّ المتقدمَ الوفاةِ يكون حديثُه أعلى سواءٌ تقدَّم سماعُه، (١) روايةُ يزيدَ عن حُمَيد أخرجها ابنُ طاهر كما مضت الإشارةُ إليه قريباً. (٢) أي ابنُ طاهر في ((مسألة العلو) ... (٨٠). (٣) ((تاريخ بغداد)) (٣٢٦/٢، ٣٢٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٢٥/٩ - ٣٢٦) وفيهما: (أنه اشتَبَهَ على البخاري فجعلَ مُحمداً أحمدَ، أو كانَ يَرَى أنَّ محمداً وأحمدَ شيءٌ واحدٌ). قلت: والثاني فيه بُعْدٌ لا سيما إذا عَلِمْنَا دِقَّةَ البخاري في تَحَرِّيه. ثم رأيتُ الحافظُ ابنَ حجر في ((الفتح)) (٧٢٦/٨) قال: ((كذا (أي حدثنا أحمدُ بن أبي داودَ أَبُو جَعْفَرٍ المُنَادِي) وَقَعَ عند الفِرِبْرِي عن البخاري. والذي وقع عند النَّسَفِي: (حدثني أبو جعفرٍ المُنَادِي) حَسْبُ. فكأنَّ تَسْمِيَتَه مِنْ قِبَلِ الفِرَبْري. فعلى هذا لم يُصِبْ مَنْ وَهَّمَ البخاريَّ فيه، وكذا من قال: إنَّه كان يرى أنَّ مَحمداً وأحمدَ شيءٌ واحد))، انتهى. (٤) طرف من حديثٍ أخرجه البخاري في ((التفسير)) سورة (لم يكن) (٧٢٥/٨، ٧٢٦)، ومسلم في ((فضائل الصحابة)): باب من فضائل أَبَيّ بنِ كعب .. (١٩١٥/٤) من حديث أنس بن مالك. (٥) أخرجها ابنُ طاهر في ((مسألة العلو)) (٨١). (٦) في النسخ الثلاث: (أربعة عشر سنة). ثم إنَّ كون الفارق بين وفاةِ البخاري وشيخِه ابنِ المُنَادِي أربعَ عشرةَ سنةً خطأٌ تَابَعَ فيهِ السخاويُّ ابنَ طاهرٍ في ((مسألة العلو)) (٨١). وقد نَبَّه محققُ كتابٍ ابنِ طاهر إلى أنَّ الصوابَ: ستَّ عَشْرةَ سنةً، فقد مات ابنُ المنادِي سنة ٢٧٢ كما في ((تاريخ بغداد)» (٣٢٩/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٢٦/٩). (٧) لابن السّمّاك ترجمة في ((السير)) (٤٤٤/١٥). أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٧٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث أو اقتَرَنَ، أو تأخرَ. وإنْ كان في المتأخرِ يَنْدُر وقوعُه كما سيأتي في الذي بعده(١)، لأنَّ المتقدمَ الوفاةِ يَعِزُّ وُجُودُ الرُواة عنه بالنظر لمتأخرها، فيُرغَبُ في تحصيلٍ مَرْوِيُّه لذلك. على أنَّ ابنَ أبي الدَّم قد نازع في أَصل هذا القسم، وقال: ((يلزمُ على هذا أنَّه إذا روى صحابيان عن النبي ◌َّةِ، ثم رواه عن كلٍّ منهما جماعة، واتصلتْ سلسلةُ كل جماعةٍ بمن روى عنه، وتساوى الصحابيان مع العدالة في بقية الصفات، وتساوى الإسنادُ في العَدَدِ وصفاتِ الرُواة إلَّا أنَّ أحدَ الصحابيين توفي قبلَ الآخر أنَّ إسنادَ مَن تقدمتْ وفاتُه أعلى من إسنادٍ من تأخرت وفاتُه - قال : - وهذا لم أجده منقولاً كذلك، وهو لازمٌ لا محالةَ)) انتهى(٢). والظاهرُ أنَّ ابن دقيق العيد أيضاً لم يَرْتَضِهِ، فإنَّه لم يذكرْه في ((الاقتراح))(٣)، وكذا لم يذكرْه شيخُنا في ((توضيح النخبة))(٤). ثم إنَّ هذا كلَّه في العُلوِّ المُبْتَنَى على تقدّم الوفاةِ المُستفادِ من نسبةٍ شيخٍ إلى شيخ، وقياسٍ رَاوٍ بِرَاوٍ . ٧٤٥ و(أَمَّا العلوُّ) المستفادُ من مجرّد تقدم وفاة شيخِك (لا مَعَ الْتِفَاتِ) نَظَرِ (J) شيخ (آخرٍ) - بالصرف للضرورة - فقد اختُلِفَ في حَدِّه (فقيل): يكونُ (للخَّمسينا) من السنين مضتْ بعد وفاته، كما نقلَه الحافظُ أبو علي النَّيْسَابُوري(٥) عن شيخه الحافظ أبي العباس أحمدَ بنِ عُمَير بنِ يوسفَ بن موسى بن جَوْصًا الدمشقي شيخ الشام(٦) - وكان من أركان الحديثِ - أنه قال: (١) (ص٣٧٤). (٢) يظهر أنه من كتابه: ((تدقيقُ العنايةِ في تحقيقِ الرِوَاية)). (٣) مبحث ((معرفة العالي والنازل)) (٣٠١ - ٣٠٨). (٤) ((نزهة النظر)) (٥٨ - ٥٩). (٥) اسمه: الحُسين بن علي (٢٧٧ - ٣٤٩هـ)، وذكر الذهبي في ((السير)) (٥٦/١٦) أنه عاش ثنتين وتسعين سنة. والصواب: أنه عاش ثنتين وسبعين. وانظر: ((تاريخ بغداد)) (٧٢/٨). (٦) جَوْصَا: بفتح الجيم وإسكان الواو ثم صاد مهملة، اسمٌ لأحدٍ أجدادِ الحافظ المذكور ((الأنساب)) (٣٧٢/٣). وقد وُلِدَ ابنُ جَوْصَا في حدود سنة ٢٣٠ ومات سنة ٣٢٠. ((السير)) (١٥/١٥). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٣٧٣ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ ((إسنادُ خمسين سنةً من موت الشيخ إسنادُ عُلُوٍ))(١)، (أو الثلاثين مضتْ سنينا) أي من السنين كما قال الحافظُ أبو عبد الله بنُ مَنْدَه: ((إنَّه إذا مَرَّ على الإسناد ثلاثون سنة فهو عالٍ))(٢). قال ابنُ الصلاح: ((وهذا أوسعُ من الأول))(٣) يعني سواءٌ أرادَ قائلُه مُضِيَّها من موته، أو من حين السماع منه. ولكنه في ثانيهما - كما قال المصنف: (٤) - بعيدٌ، لأنّه يجوز أن يكونَ شيخُه إلى الآنَ حيّاً. قال: ((والظاهرُ: أنَّه أراد إذا مضى على إسنادِ كتابٍ أو حديثٍ ثلاثون سنة، وهو في تلك المدة لا يقعُ أعلى من ذلك كسماعٍ ((كتاب البخاري))(٥) في سنة ستين وسبعمائة - مَثَلاً - على أصحابِ أصحاب ابنِ الزَّبِيدي (٦) فإنه قد مضت عليه ثلاثون سنة من موت مَنْ كان آخِرَ مَنْ يرويه عالياً وهو الحَجَّار. وكهو أيضاً (٧) في سنة أربع وثمانين وثمانمائة على مَنْ يرويه عن أصحاب الحَجَّار وطبقته، فإنه قد مضت عليه بـ((مِصْرِنا)) نحوُ ثمانٍ(٨) وستين سنةً - وبغيرِهِ أكثرُ وهو في هذه الطبقة - لأنَّ آخرَ مَن كان يرويه بالسماع(٩) عائشةُ ابنةُ ابنِ عبد الهادي، وكانت وفاتُها في ربيع الأول سنةَ ستَّ عشرةَ وثمانمائة)). وقال الحافظ المِزِّي - مما هو أوسعُ -: ((الذي أختارُه - وهو الأحسنُ - أنَّ من مات شيخُ شيخِه قبلَ أن يُولَد فسماعُه من شيخِه عالٍ)). ٧٤٦ (ثم) يليه ثاني أقسام الصفة وهو خامسُ الأقسام (علوُّ) الإسناد بسبب (قِدَمِ السماع) لأحدِ رُواته بالنسبة لراوٍ آخرَ اشترك معه في السماع من شيخه، (١) ((علوم الحديث)) (٢٣٦)، و((السير)) (١٦/١٥). (٢) ((علوم الحديث)) (٢٣٦). (٣) ((علوم الحديث)) (٢٣٦). (٤) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٢/٢). (٥) في النسخ الثلاث (ككتاب البخاري). والتصحيح من كلام الحافظ العراقي في المصدر السابق. (٦) هو: سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك الرَبَعي الزبيدي الأصل البغدادي (٥٤٦ - ٦٣١هـ)، وآخِر من روى عنه الحَجَّارُ كما سيأتي. ((شذرات الذهب)) (١٤٤/٥). (٧) أي: وكسماع كتاب البخاري أيضاً. (٨) في النسخ الثلاث: (ثمانية). خطأ . (٩) إلى هنا ينتهي السقط من (الأزهرية) الذي مضى التنبيه عليه (ص٣٦٨). أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أو لراوٍ سمع من رفيقٍ لشيخه، وذلك بأن يكونَ سماعُ أحدِهما مِنْ ستين - مثلاً -، والآخَرِ مِنْ أربعين، ويتساوى العددُ إليهما فالأولُ أعلى، سواءٌ تقدمتْ وفاته عن الآخرِ أم لا، وكذا - كما نَبَّه عليه ابنُ الصلاح(١) ۔ یقعُ التداخلُ بينه وبين القِسم الذي قبلَه بحيثُ جَعَلَهما ابنُ طاهرٍ(٢)، ثم ابنُ دقيق العيد(٣) واحداً، ولكنهما يفترقان في صورة يندُر وقوعُها كما أسلفتُه قريباً (٤) وهي ما إذا تأخرت وفاةُ المتقدم السماع. ولأجلها - فيما يظهرُ - غايَرَ بينهما ابنُ الصلاح(٥) . على أنه قد يُنَازَع في ترجيح المتقدم - حيث لم يكن الشيخُ اختلطَ أو خَرِفَ لِهَرَمِ أو مَرض - بأنَّه ربّما كان حينَ تحديثه له لمْ يبلغْ درجةَ الإتقانِ والضبطِ. كما أنه يمكنُ أن يقالَ: قد يكونُ المتقدمُ السماع مُتيقظاً ضابطاً، والمتأخرُ لم يصلْ إلى درجته وحينئذٍ فَيُقَيَّد بما إذا لم يحصلْ تَرَجيحٌ بغير القِدَمِ. وَمِن صُوَرِ عُلُوِّ الصفةِ أيضاً - وأَفْرَدَه الخَلِيليُّ(٦) بقِسم - تساوِي السَّنَدين، وامتيازُ أحدِهما بكَوْن رُواتِهِ حُفّاظاً عُلَمَاءَ، فهذا أعلى من الآخر. ونحوُه تفسيرُ شيخِنا العلوَّ المعنويَّ بإسنادٍ جميعُ رجاله حُفّاظُ ثقاتٌ، أو فقهاءُ، أو نحوُ ذلك مِثْل أنْ يكونَ سندُه صحيحاً كما سيأتي آخرَ الباب. وكذا من أقسام العُلُوِّ - مما لم يلتحقْ بصفةٍ ولا مسافةٍ - الحديثُ الذي لا بدَّ للمحدثِ من إيرادِه في تصنيفٍ، أو احتجاجٍ به، ويَعِزُّ عليه وجودُهُ مِن طريقِ مَن حديثُهُ عندَه بواسطةٍ واحدةٍ إلَّا بأكثرَ منها، فهوَ مع نزولِه بالنسبةِ لما عِنْدَه عالٍ لِعَزَّتِهِ. أشار إليه ابنُ طاهر(٧)، ثم مثَّل ذلك بأنَّ البخاريّ - مع گونه روی عن أتباع التابعين، وعن أماثِل أصحاب مالكٍ - رَوَى حديثاً لأبي إسحاقَ الفَزَارِي عن مالكٍ - الذي يروي عن التابعين - لمَعْنَّى فيه وهو تصريحُ مالكِ بالتحديثِ. فكان بينَه وبين مالكٍ فیه ثلاثةُ رجالٍ . (١) في ((علوم الحديث)) (٢٣٦). (٣) في ((الاقتراح)) (٣٠٧). (٥) في ((علوم الحديث)) (٢٣٥، ٢٣٦). (٧) في ((مسألة العلو)) (٨٦) وما بعدها. (٢) في ((مسألة العلو)) (٧٦). (٤) (ص٣٧٢). (٦) في ((الإرشاد)) (١٢٥/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧٥ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ فهذه أقسامُ العلوِّ على الاستقصاءِ والإيضاح الشافي. (وَضِدُّهُ) أي وضدُّ العلوِّ (النزولُ) بحيث تتنوعُ أقسامه (كالأنواع) السابقة للعلوّ، فما مِنْ قِسْم مِنْ أقسامه الخمسةِ إلَّا وضدُّه قِسمٌ من أقسام النزول، فهو إذاً خمسةُ أقسام. وَتفصيلُها يُدرَكُ مِن تفصيل أقسام العُلُوِّ على نحوٍ ما تقدم. وأَنزلُ(١) ما في ((الصحيحَين)) - مما وقفتُ عليه - ما بينَهما وبين النبي ◌َِل فيه ثمانيةٌ، وذلك في غير ما حديثٍ، كحديثِ تَوْبَةِ كَعْبٍ في تفسيرِ ((بَرَاءَةَ))، وحديثِ («بَعْثِ أبي بَكْرٍ)) لأبي هريرةَ في الحج في ((بَرَاءَةَ» أيضاً، وحديثٍ: ((مَنْ أعتقَ رقبةً ... )) في ((الكفاراتِ)) - تِلْوَ الأَيْمَانِ، و((النُّذُور)) - في بابٍ قولِ الله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَّةٍ﴾، وحديثِ: ((أَنَّهِ وَ طَرَقَ عَلِيّاً وفاطمةَ)) في ((المَشِيئَةِ والإرادةِ)) مِن ((التوحيد)) - وأَرْبَعَتُها في ((البخاري))(٢) - وحديثٍ النعمان: ((الحَلَالُ بَيِّنٌ)) وحديثِ عَدِيٍّ بنِ كعب: ((لا يَحْتَكْر إلَّا خاطِئٌ - وهما في ((مسلم)) (٣). بل [فيهما ((التُّسَاعياتُ))، وأفردَها [من ((مسلم))](٤) الضِّيَاءُ في جُزْءٍ. و](٥) وقفتُ للَّسائي على عُشَارِيَّيْن - شاركه الترمذيُّ في أحدِهما - سَلَفَا (١) من قوله: (وأنزل) إلى قوله - الآتي بعد حوالي سبعة أسطر -: (وحيثُ ذُمّ ... ) ساقط من المطبوع (٢٣/٣). (٢) الأولُ في التفسيرِ: باب: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِين خُلِّفُوا .. ) (٣٤٢/٨)، والثاني في التفسير: باب (إلَّا الَّذِينَ عاهَدتُّم من المشركين) (٣٢٠/٨)، والثالثُ في الكتابِ والبابِ اللذَين ذكرَهما المصنفُ (٥٩٩/١١)، والرابعُ في الكتابِ والبابِ اللذَينَ ذكرَهما المصنفُ (٤٤٦/١٣). (٣) أَوَّلُهما في المساقاة: بابُ أَخْذِ الحلالِ وتَرْكِ الشُّبُهات (١٢٢١/٣). وأمَّا الثاني فليس حديثاً لعديِّ بنِ كعب وليس ثُمَانِيّاً بل سُبَاعيّاً وسندُه عنده في - المساقاةِ: بابُ تحريم الاحتكار في الأَقْوَات (١٢٢٨/٣) - كالآتي: (قال مسلم: وحدثني بعضُ أصحابنا عن عَمرو بنِ عَوْنٍ: أخبرنا خالد بن عبد الله عن عَمْرو بنِ يحيى عن محمدِ بن عَمروٍ عن سعيدٍ بن المسيب عن مَعْمر بنِ أبي مَعْمر - أَحدٍ بَني عَدِيٍّ بنِ كعب - قال: قال رسول الله وَ﴿ ... ). فَمَعْمَرٌ: أحدُ بني عدي بن كعب وليس عن مَعْمَرٍ عَنْ عَدِيٍّ بنِ كعب، وليسٍ في ((صحيح مسلم))، بل ليس في الكُتبِ الستةِ رَاوٍ باسم عَدِيٍّ بن كعب. فلعلَّ النظرَ أَعْجَلَه. والله أعلم. (٤) ما بين المعكوفين ساقط من (م). (٥) ما بين المعكوفين ساقط من (س). أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث في ((المُصَافحة، والمُسَاواة))(١). ٧٤٧ (وحيثُ ذُمَّ) النزولُ - كقولِ عليّ بنِ المَدِيني، وأبي عَمْرو المُسْتَمْلِي كما في ((الجامع))(٢) للخطيبٍ، وغيرِهِ: ((إنَّه شُؤْمٌ))، وقولِ ابنِ مَعِينٍ كما في ((الجامع))(٣) أيضاً: ((إنّه قَرْحَةٌ في الْوَجْهِ)) - (فهو مَا لَمْ) تدعُ ضرورةٌ لسماعه، كقَصْد التبخّر في جَمْعِ الطُرق، أو غَرابةِ اسمِ راويه عند من يَقْصد جَمعَ شيوخه على حروف المعجم، أو عَدمِ وجودٍ غيرِه في بلدٍ عظيم لمن قَصَدَ الاعتناءَ بالأحاديثِ ((البُلْدَانِيات)) - كما اتفق للحافظِ الخطيب أنَّه كَتَبِّ بـ«بيتِ المَقْدِس)» عن شابٌّ اسمُه: وَفِيٌّ، رَوَى [له (٤)] عن بعضٍ تلامذته ممَّن كان إذْ ذَاك في قَيدِ الحياة، لغرابةِ اسمِه. واقتفيتُ أَثَرَه في ذلك حيثُ سمعتُ على امرأةٍ اسمُها: لَمْيَاءُ مع نزولِ إسنادها -. أو ما لم (يُجْبَرِ) النزولُ بصفةٍ مُرَجِّحةٍ، كزيادةِ الثقةِ في رجاله على العالي، أو كونِهم أحفظَ، أو أضبطَ، أو أفقهَ، أو كونِه مُتَّصِلاً بالسماع وفي العالي حضورٌ، أو إجازةٌ، أو مُنَاولةٌ، أو تساهُلٌ من بعضِ رُوَاتِهِ في الحَمْل، أو نحوُ ذلك فإنَّ العُدولَ حينئذٍ إلى النُزولِ ليس بمذمومٍ ولا مَفْضُول. ونحوُه قولُ ابنِ الصلاح: ((وما جاء في ذمِّ النزولِ مَخْصُوصٌ ببعض النزول، فإنَّ النزولَ إذَا تَعَيَّن - دون العُلُوِّ - طريقاً إلى فائدةٍ راجحةٍ على فائدةِ العُلُوِّ كان مختاراً غَيْرَ مَرْذُولٍ))(٥). قال بعضُهم: ((وفيه نَظَرٌ، لأَنَّه - والحالةُ هذه - لا يُسمَّى نازلاً مطلقاً». وهو ظاهر (٦). وقد رُوِّينا من جهةٍ عبد الله بن هاشم الطُوسي، وعليّ بن خَشْرَم أنَّهما قالا: ((كُنَّا عند وكيع فقال لنا: أيُّ الإسنادَين أحبُّ إليكم؟ الأعمشُ عَن أبي وائلٍ عن ابنِ مسعودٌ، أو سفيانُ الثوري عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن علقمةَ عن ابنِ مسعود؟))، فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائلٍ، فقال: يا سبحانَ الله! الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائلٍ شيخٌ. وسفيانُ فقيهٌ عن فقيهٍ عن فقيهٍ عن فقيهٍ، وحديثٌ (١) الأول في (ص٣٦٢)، والثاني في (ص٣٦٦). (٢) (١٢٣/١، ١٢٤). (٣) (١٢٣/١). (٤) ما بين المعكوفين سقط من (س). (٥) ((علوم الحديث)) (٢٣٨). (٦) قد أشار ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٣٧) إلى أنَّ ما كان بمثلِ هذه الحالةِ فهو عالٍ من حيثُ المعنى. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧٧ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ يَتَدَاوَلُه الفقهاءُ خيرٌ من أنْ تَتَدَاوَلَهُ الشيوخُ)) (١). وقد فضَّل شيخُنا تفصيلاً حسناً، وهو أنَّ النظرَ إنْ كان للسندِ فالشيوخُ، وإنْ كان للمتنِ فالفُقَهَاءُ(٢) وإذا رجَّحَ وكيعُ الإسنادَ الثانيَ - مع نُزوله بدرجتَين لِمَا امتاز به رُواتُه مِن الفِقه المنضمِّ لمعرفةِ الحديث - على الإسنادِ الأول - مع كونه صحيحاً - فكيف بغيرِه مما لا يَصِحّ. (والصِحَّةُ) بلا شك - مع النزولِ - هي (العلوُّ) المعنويُّ (عند النظرِ) والتَّحْقِيقِ. والعالي عندَ فَقْدِ الضبطِ والإتقانِ علوٍّ صُورِيٌّ، فكيفَ عند فَقْدِ التَّوْثِيقِ. وإليه أشار السِّلَفِي حيث قال: ((الأصلُ: الأخذُ عن العلماءِ، فنزولُهم أَوْلِى مِن علوِّ الجَهَلَة على مذهب المحققين من النَّقَلَةِ، والنازلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق))(٣). وقال إبراهيمُ بنُ الجُنَيد: ((قلتُ لابن مَعين: أيُّما أحبُّ إليك؟ أَكْتُبُ ((جامعَ سفيانَ الثوري)) عن فلانٍ أو فُلانٍ - يعني عنه -، أو عَنْ رجلٍ عن المُعَافَى بِنِ عِمْرَانَ - يعني عنه ؟ فقال: عن رَجُلٍ عن رَجُلٍ - حتى عَدَّ خمسةً أو ستةً - عن المُعَافَى أحبُّ إليّ)). ورَوَى السِّلَفِيُّ - وكذا الخطيبُ - مِن طريقِ ابن مَعِين قال: ((الحديثُ بنزولٍ عن ثَبَتٍ خيرٌ من علوٍّ من غير ثبَتٍ))(٤). قال السِّلَفِي: وأنشدَ محمدُ بن عَبد الله بنِ زُفَرَ في معناه: وَتَرْكُكُمْ ذَاكُمُ ضَرْبٌ من العَنَتِ عِلمُ النزولِ اكتُبُوهُ فَهُوَ ينفعُكُمْ أَعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوِّ غِيرٍ ذِي ثَبَتِ إِنَّ النُّزُولَ إذا ما كان عن ثَبَتٍ وأَسندَهما الخطيبُ في «جامعه»(٥) إلى أبي بكرِ بنِ الأَنْبَارِي أنه أنشدهما، فاللهُ أعلم. (١) ((السير)) (١٥٨/٩) عن الطُوسي بنحوه. و((المحدث الفاصل)) (٢٣٨)، و((معرفة علوم الحديث)) (١١) عن علي بنِ خَشْرم. (٢) هذا التفصيلُ لابنِ حِبَّانَ. قال السيوطي في ((التدريب)) (١٧٢/٢): (قال شيخُ الإسلامِ: ولابنٍ حبانَ تفصيلٌ حَسَنٌ ... ) إلخ. (٣) ذَكَرَهُ عنه العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٥/٢). (٤) ((الجامع)) (١/ ١٢٤). (٥) (١٢٤/١) وفيه: (وتَرْكُكُمْ كَتْبَه .. ). أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ ٣٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وكذا أسندَ عن مُحمد بنِ عُبيد الله العامِرِي الأديبِ من قولِه: أَرْتَضِيهُمْ بِنُزُولٍ لَكِتَابِي عَنْ رِجَالٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْ كِتَابِي بِعُلُوِّ عن طُبُولٍ (١) وللحافِظ أبي الحَسن ابنِ المُفَضَّلِ المَقْدِسي: لِ عن الثِّقَاتِ الأَعْدَلِینَا إِنَّ الروايةَ بالنُزُو ـالٍ والمُسْتَضْعَفِينَا خَيْرٌ مِنَ العَالِي عَنِ الجُهَّـ وللخطيبٍ من جهة عليٍّ بن مَعْبد قال: ((سمعتُ عُبَيْدَ الله بنَ عَمْرٍو (٢)، وذُكِرَ له قُرْبُ الإسنادِ فقال: حديثٌ بعيدُ الإسناد صحيحٌ خيرٌ من حديثٍ قریبِ الإسنادِ سقيم - أو قال: ضعيفٍ -)). وعن ابنِ المُبَارك قال: ((ليس جُوْدَةُ الحديثِ قُرْبَ الإسنادِ، جودةُ الحديث صحةُ الرجال))(٣) . ونحوُه ما حكاه أبو سعد السَّمعاني عن والده عن أبي القاسم عبدِ الله بنِ علي عن أخيه الوزيرِ نظامِ المُلك الحسن بن علي(٤) أنَّه قال: ((مَذْهَبِي في علوٍ الحديث غيرُ مذهبٍ أصحابِنا، إنَّهم يذهبون إلى أنَّ الحديثَ العاليَ ما قلَّ رواتُه، وعندي أنَّ الحديث العاليَ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ وَ له وإنْ بَلَغَتْ رُوَاتُه مائةً)(٥) . وكذا قال ابنُ بَرْهان الأُصولي (٦) في كتاب ((الأوسط)): ((علوُّ الإسناد (١) ((الجامع)) (١٢٥/١). (٢) في النُّسخ (عَبْد الله بن عمرو). والمُثْبت من ((الجامع)) (١٢٤/١) للخطيبِ، وهو الصوابُ. وهو عُبَيدُ الله بنُ عَمرو الرَّقِّي، أبو وهب، حافظٌ كبيرٌ، روى له الجماعة. مات سنة ١٨٠، وله ترجمةٌ في ((السير)) (٣١٠/٨)، وللراوي عنه علي بن مَعْبد بن شَدّاد الرقي المتوفى سنة ٢١٨هـ ترجمته في ((السير)) (٦٣١/١٠). (٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٥/٢). (٤) له ترجمة في: ((وفيات الأعيان)) (١٢٨/٢)، و((السير)) (٩٤/١٩) وغيرهما، مات سنة ٤٨٥. (٥) ((علوم الحديث)) (٢٣٧)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٥/٢). (٦) العلامة الفقيهُ أبو الفتح أحمدُ بن علي بن بَرْهان البغداديُّ الشافعيُّ مات سنة ٥١٨. ((السير)) (٤٥٦/١٩)، وفي ((وفيات الأعيان)) (٩٩/١) أنه مات سنة ٥٢٠. والأول أكثرُ وأشهرُ. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧٩ أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ يعظِّمُه أصحابُ الحديث، ويشدّدون في البحثِ عنه، - قال -: وعلوُّ الحديثِ عندهم ليس عبارةً عن قِلّة الرجال، وإنَّما هو عبارةٌ عن الصِحَّة، ولهذا يَنْزِلون أحياناً طلباً للصِّحة، فإذا وَجَدُوا حديثاً له طريقان إحداهما بخمسةٍ وسائط - مثلاً - والأخرى بسبعةٍ يُرَجِّحون النازلَ على العالي طلباً للصحة))(١). وقد نَظَ هذا المعنى السِّلَفِيُّ فقال: عندَ أربابٍ عِلْمِه التُّقّادِ لَیس حُسنُ الحدیثِ قُرْبَ رجالٍ والإتقانِ صِحَّةُ الإسنادِ بل علوُّ الحديثِ بين أُوْلِي الحفظ فاغْتَنِمْه فذاكَ أقصى المُرَادِ (٢) وإذا ما تَجمَّعا في حديثٍ قال ابنُ الصلاحِ: ((فهذا - ونحوُه - ليس من قبيل العُلُوِّ المُتَعارَف إطلاقُه بين أهل الحديث، وإنَّما هو علوٍّ من حيثُ المعنى فَحَسْبُ))(٣). ونحوُه قولُ ابنِ كثير - عَقِبَ القولِ بأنَّ العاليَ: ما صحَّ سندُه وإنْ كَثُرت رجالُه -: «هذا اصطلاحٌ خاصٌ. وماذا يقول قائلُه إذا صَحَّ الإسنادان، لكنْ هذا أقربُ رجالاً(٤)؟ قلتُ: يقول: إنَّه بالوصفِ بالعُلُوِّ أَوْلى، إذ ليس في الكلام ما يُخْرِجُه. تَتِمَّةٌ : لو جَمعَ بين سندَين أحدُهما أَعْلَى فبأيِّهما يبدأُ؟ فجمهورُ المتأخرين يبدأُ بالأَنْزَلِ (٥)، ليكونَ لإِيرَادِ الأَعْلَى بعدَه فَرْحةٌ. وأكثرُ المتقدّمين: بالأَعْلَى لِشَرَفِهِ. ومن أمثلته في ((البخاري) قوله: ((ثنا محمدُ بنُ سِنَان: ثنا فُلَيح ح، وحدَّثَنا إبراهيمُ بنُ المُنذر: ثنا محمدُ بنُ فُلَيح: ثنا أَبي))(٦). وقولُه: ((حدثنا عَبْدَانُ: أخبرني أَبِي عن شُعبةَ عن أبي إسحاقَ ح، (١) يعني إذا كان النازلُ أصحَّ. (٢) أورد منها ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٣٧) البيتَ الثاني فقط مع عَزْوِهِ للسِّلَفِي وأسندَها الذهبيُّ في ((السير)) (٣٧/٢١) مع اختلاف يسيرٍ في البيت الثاني. وذكرَها العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٥/٢) بلفظها. (٣) ((علوم الحديث)) (٢٣٧). (٥) في (ح): (بالإنزال). من الناسخ. (٦) العلم: باب مَن سُئِل عِلْماً ... (١٤١/١). (٤) (اختصار علوم الحديث)) (١٥٩). أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ ٣٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وحدثني أحمدُ بن عثمانَ: ثنا شُرَيح بنُ مَسلمة: ثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ عن أَبِيه عن أَبي إسحاقَ))(١). وفي ((مسلم)): ((ثنا ابن نُمَيرٍ، والأَشَجُّ - كلاهما - عن وَكيعِ. وثنا إسحاقُ بنُّ إبراهيمَ: أنا عيسى بن يونس - كلاهما (٢) - عن الأعمش. وثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِي، وأبو بكر بنُ نافع - كلاهما - عن ابن مَهْدِي عن الثوري عن الأعمش)). ولا يَسْلُكان خِلافَه إلَّا لِنُكْتَةٍ أو ضَرورةٍ، ومنه قولُ البخاري: ((ثنا مُسَدَّدٌ: ثنا يحيى بنُ سعيد عن سفيانَ الثوري - فذكر حديثاً -، ثم قال: ثنا أبو نُعَيم عن سفیانَ نحوه)). (١) الوضوء: باب إذا أُلْقِي على ظهر المصلي قَذَرٌ ... (٣٤٩/١). (٢) يعني وكيعاً وعيسى بنَ يونس الرّاوِيَين عن الأعمش.