النص المفهرس
صفحات 281-300
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
in
٢٨١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
رأسُ الصالحين))(١).
فإذا حضَرتك نيةٌ صحيحةٌ في الاشتغال بهذا الشأنِ، وعزمتَ على سماع
الحديث وكتابتِه، ولا تحديدَ لذلك بسنِّ مخصوص. بل المعتَمد الفهمُ كما
تقدم في ((متى يصح تحمل الحديث))؟ فينبغي أن تُقَدمَ المسألةَ لله تعالى أنْ
يوفقَكَ فيه، ويعينَك عليه كما قال الخطيب(٢).
ثم بادِرْ إلى السماع (وَجِدَّ) - بكسر أوله ـ في الطلب، واحْرِص عليه
بدون توقف ولا تأخير، فمن جَدَّ وَجَدَ، والعلمُ - كما قال يحيى بنُ أبي كثير -
لا يُستطاع براحة الجسم(٣).
قال ◌َله: ((اخْرِص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)) (٤).
وقال أيضاً: ((الُّؤَدَةُ في كل شيءٍ خيرٌ إلَّا في عمل الآخرة))(٥).
ومِن أبلَغ ما يُحكى عن السلف في ذلك قولُ سلمةَ بن شَبيب: ((كنا عند
يزيدَ بنِ هارون فازدحم الناس عليه، فوقع صَبِيٍّ تحت أقدام الرجال. فقال
يزيدُ: اتقوا اللهَ، وانظروا ما حالُ الصَّبِيّ. فنظروا، فإذا هو قد خَرَجَتْ حَدَقَتَاهُ
وهو يقول: يا أبا خالدٍ زِدْنَا. فقال يزيدُ: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، قد نزل بهذا
الغلام ما نَزلَ وهو يطلبُ الزيادةَ!)).
قولُ سفيانَ بِن عُيَينة)). وزادَ القاري: ((لكن اللفظ إنْ كان (تَرْؤُوُن) بواوين - من
=
الرواية - فيدلُّ في الجملة على أنَّه حديثٌ وله أصل. وإن كان (تُرَون) - من الرؤية -
مجهولاً أو معلوماً فلا دِلالة فيه، إذْ معناه: تَعْتَقِدون أو تَظُنون))اهـ.
قلت: لو قال: تظنون أو تعتقدون لكان لَفّاً ونَشْراً مرتباً.
ويظهر لي أنه من الرواية ولكن معناه: تَذْكرون، وليس: تُسْنِدون. والله أعلم.
(١) ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٢٢).
(٢) في ((الجامع)) (١١٥/١).
(٣) أخرجه مسلم في (المساجد ومواضع الصلاة - باب أوقات الصلوات الخمس - ١/
٤٢٨).
(٤) أخرجه مسلم في ((القدَر)): باب في الأمر بالقوة وترك العجز .. (٢٠٥٢/٤) من حديث
أبي هريرة بأطولَ منه.
(٥) أخرجه أبو داود في ((الأدب)): باب في الرفق (٤/ ١٥٧) عن سعد بن أبي وقاص بلفظه
سوى لفظة: ((خير)) فليست فيه. والحاكم)) (٦٣/١) عن سعد بلفظه. وقال: (حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.
آدابُ طالب الحَدِيثِ
٢٨٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وامتَهِنْ نفسَك بالتقنّع، وخُشُونَةِ العيش، والتواضع، فقد قال
الشافعي تَُّهُ: ((لا يَطلُب هذا العلمَ أحدٌ بالتملّك، وعزِّ النفسِ فَفلحَ. ولكن
مَنْ طَلَبَه بذلةِ النفسِ، وضيقِ العيش، وخِدْمةِ العلماءِ، والتواضُعِ أَفْلَحَ))(١) .
(وابْدَأْ بـ) أخذ (عَوَالِي) شيوخ (مِصْرِكا)، ولا تنفكً عن مُلَازمتهم
والعكوفِ عليهم حتى تستوفيَها (و) ابْدَأ منها بـ (ما يُهِم) - بضم أوله - مِن
ذلك وغيرِه كالمَرْوِي الذي انفرد به بعضهم، فَمَن شَغَل نفسَه - كما قال أبو
عُبَيدة - بغير المُهِم أَضَرَّ بالمُهم(٢) .
٧١٤
وإنِ استوى جماعةٌ في السند وأردتَ الاقتصارَ على أحدهم فالأَوْلى أن
تتخيَّرَ المشهورَ منهم بالطلب، والمشارَ إليه من بينهم بالإتقان فيه، والمعرفةِ له.
فإنْ تَسَاوَوْا في ذلك أيضاً فَتَخَيَّرِ الأَشْرافَ وذَوِي الأنسابِ منهم،
لحديثٍ: ((قَدِّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها))(٣).
فإنْ تساوَوْا في ذلك فالأسنّ، لحديثِ: ((كَبِّر كَبِّر))(٤).
(١) أخرجه عنه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٢٠٢)، وابن عبد البر في ((جامعه))
(٩٨/١) وفيه: (بالمال) بدل (بالتملك) وجاء في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٢٤/٢):
(بالتملل) ولعله من الناسخ.
(٢) أخرجه الخطيب عنه في ((الجامع)) (١٦٠/٢).
(٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (٢٧٨) عن ابن أبي فُدَيك عن ابن أبي ذئب عن ابن
شهاب الزهري: بَلَغَه، وساقَه بلفظه مع زيادة في آخره. وأخرجه عبدُ الرزاق في
((المصنف)) (٥٤/١١) عن مَعْمَر عن الزهري عن سليمانَ بن أبي حَتْمَةَ أنَّ رسول الله، وَه
قال: ((لا تُعَلِّمُوا قريشاً وتعلَّموا منها، ولا تَتَقَدَّموا قريشاً ولا تتأخروا عنها .. )).
وأورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٥١١/٤، ٥١٢) من حديث أبي هريرة،
وعبد الله بن السائب، وعلي ﴿ه ورَمَزَ له بالصحة عليها كلُّها. وللزيادة على ذلك
راجع: ((إرواء الغليل)) (٢٩٥/٢) وقد انتهى فيه إلى تصحيح الحديث.
(٤) أخرجه بهذا اللفظِ أبو داود في ((الديات)): باب القتل بالقَسَامَة (٦٥٩/٤) عن سَهل بن
أبي حَثْمَة ورجالٍ من كُبَرَاءِ قومه. وابنُ ماجه في ((الديات)): باب القَسَامَة (٨٩٢/٢)
عن سهل بن أبي حَثْمة عن رجالٍ من كُبَراءِ قومه، وهو جزء من حديثٍ طويل في قصة
مَقْتَل عبدِ الله بنِ سَهل في (خَيْبَرَ).
والحديثُ عند البخاري في ((الأدب)): باب إكرام الكبير (٥٣٥/١٠)، ومسلم في
((القَسَامَة)): باب القسامة (١٢٩١/٣) كلاهما من حديث رافعٍ بنِ خَدِيجٍ وسهل بنَ أبي
حَئمة ولكن بلفظ: (كَبِّرِ الكُبْرَ).
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٨٣
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
(ثم) بعد استيفائك أَخْذَ ما ببلدك من المَرْويّ، وتَمَهُّرِك في المعرفة به،
واستيعابِك باقي الشيوخ ممّن فَنَعْتَ عما عندهم مِن المرويِّ بغيرهم بالأخْذِ
عنهم لِمَا قَلَّ بحيثُ لا يفوتُك من كلٍّ من مَرْوِيِّها وشيوخِها أَحَدٌ، وأَخْذَ الفنّ
عن الحافظ العارفِ به منهم. (شُدَّ الرَّحْلَا) أو اركبِ البحرَ حيثُ غَلَبَتِ السلامةُ
فيه، أو امْشِ حيثُ استطعتَ بلا مَزِيدِ مشقةٍ (لِغَيرِهِ) أي لغير مِصْرِكَ مِن البُلدان
والقُرى لتجمعَ بين الفائدتين من علوِّ الإِسنادَين، وعلم الطائفتين. وقد رُوِيَ
أنه وَّه قال: ((أعلمُ الناس من يجمع علمَ الناس إلى علمه، وكلُّ صاحبٍ عِلْم
غَرْثَانُ))(١).
وعن بعضِهم قال: ((مَنْ قَنَعَ بما عنده لم يعرفْ سعةَ العلم)).
وعن ابنٍ مَعين قال: ((أربعةٌ لا تُؤْنِس منهم رُشْداً ... ))، وَذَكَر منهم:
( ... رجلٌ يكتُبُ في بلده ولا يَرْحَل))(٢).
وسأل عبدُ الله بنُ أحمدَ أباه: ((هل ترى لطالب العلم أن يَلْزَمَ رجلاً عندَه
علمٌ فيكتبَ عنه، أو يرحلَ إلى المواضع التي فيها العلمُ فيسمعَ فيها؟ قال:
يرحلُ، فيكتبُ عن الكوفيين، والبصريين، وأهلِ (المدينة))، و((مكةَ)) يُشَامُّ الناسَ
(٣)
یسمعُ منهم)»(٣).
(١) أخرجه الدارمي عن طاوس مرسلاً في المقدمة (٨٦/١) بلفظ: ((قيل: يا رسول الله أي
الناس أعلمُ؟ قال: مَنْ جَمَعَ عِلمَ الناس إلى علمه، وكِلُّ طالِبٍ علم غرثان إلى علم)).
وأخرجه أبو يعلى في «مسنده)) (١٣٢/٤) عن جابرٍ أنَّ رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ قال:
((يا رسولَ الله .. )). بلفظ الدارمي، وآخرُه: ((وكل صاحب علم غرثان)). وفي سند أبي
يعلى: مَسْعَدَةُ بنُ الْيَسَع، قال عنه الذهبيُّ في ((الميزان)) (٩٨/٤): (( ... هالكٌ. كذَّبه
أبو داود)). وأورد الهيثميُّ في ((المجمع)) (١٦٢/١) حديثَ جابر ثم قال: ((رواه أبو
يعلى وفيه مسعدة بنُ الْيَسَعَ، وهو ضعيفٌ جداً، وأورده السيوطي في ((الجامع الصغير))
(٨/٢) وعزاه لأبي يعلى ورمز لضَعفه. هذا وسَنَدُ أبي يعلى وإنْ كان واهياً جداً فإن
سندَ الدارمي يجعلُ الحديثَ ضعيفاً، والله أعلم.
ومعنى (غَرْثان): جائع. ((النهاية)) (٣٥٣/٣) وهو بفتح الغين المعجمة ثم راء ساكنة ثم
مثلثة .
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) (٩)، و((الجامع)) (٢٢٥/٢)، و((الرحلة)) (٨٩).
(٣) ((الرحلة)) (٨٨)، ويشامُّ الناس: يعني ينظرُ ما عندهم، ويختبرُهم بما يسمعه منهم
((النهاية)) (٥٠٢/٢). وأوردَها الخطيب أيضاً في ((الجامع)) (٢٢٤/٢).
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٨٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقيل لأحمدَ أيضاً: ((أيرحلُ الرجل في طلب العلم؟ فقال: بَلَى واللهِ
شديداً، لقد كان عَلْقَمةُ، والأَسْوَدُ يَبْلُغُهُما الحديثُ عن عُمَرَ فلا يُقْنِعُهما حتى
يَخْرُجا إليه فيسمعانه منه))(١).
وهذا على وجه الاستحباب، وهو متأكد إذا علمتَ أَنَّ ثَمَّ مِنَ المَرْويِّ ما
ليس ببلدِك مطلقاً، أو مقيداً بالعلوّ ونحوه. بل قد يجبُ إذا كان في واجبٍ
الأحكام وشرائع الإسلام، ولم يَتِمَّ التوصلُ إليه إلا به، فالوسائل تابعةٌ للمقاصد
كما صرَّح به القاضي عياضٌ في ذلك، وفي الاشتغالِ بعلوم هذا الشأن.
ويُرْوَى أنه﴿ قال: ((اطلبوا العلم ولو بالصين، فإنَّ طَلَب العلم فريضةٌ
على كل مسلم)) (٢).
(١) ((الجامع)) (١٢٣/١) بنحوه، وفيه: ((طلب الإسناد العالي؟)) و((علوم الحديث)) (٢٢٣)
بلفظه إلّا أن فيه: ((طلب العلو)) بدل ((طلب العلم))، وهو يوافق ما عند الخطيب،
ومقتضى جواب الإمام أحمد.
(٢) أخرجه بهذا اللفظِ: ابنُ عَدِي في ((الكامل)) (١٤٣٨/٤)، والخطيبُ في ((التاريخ)) (٩/
٣٦٤)، و((الرحلةِ)) (٧٢)، وابنُ عبد البر في ((الجامع)) (٧/١)، والبيهقيُّ في ((المدخل
إلى السُّنَن)) (٢٤١) كلَّهم من طريق الحَسن بنِ عَطية عن أبي عاتكة طَرِيف بن سَلمان
عن أنسٍ مرفوعاً.
وأخرجه العُقَيليُّ في ((الضعفاء)) (٢/ ٢٣٠) من طريق حماد بن خالد الخياط عن أبي
عاتكة طَرِيف بن سَلمان به ثم قال: (ولا يُحفَظُ: ((ولو بالصّينِ))، إلَّا عن أبي عاتكة
وهو متروك الحديث). ويقول ابنُ عدي عن أبي عاتكة: ((وعامةُ ما يرويهِ عن أنسٍٍ لا
يتابِعُهُ عليه أحدٌ من الثقات))، وقال عنه البخاريُّ في ((الكبير)) (٣٥٧/٤): مَنكرُ
الحديث. وقال ابنُ حبان في ((المجروحين)) (٣٨٢/١): ((منكرُ الحديث جداً، يَرْوِي
عن أنسٍ ما لا يُشْبِه حديثَه، وربَّما روى عنه ما ليس من حديثه)). وقال أبو حاتم كما
في ((الجرح والتعديل)) (٤٩٤/٤): (ذاهبُ الحديث، ضعيفُ الحديث)، وقال النسائي
في ((الضعفاء والمتروكين)) (١٤٤): (ليس بثقة). وفي ((التهذيب)) (١٤٢/١٢): (ذَكَرَه
السُلَيماني فيمن عُرِف بوضع الحديث).
ولِكلِّ ذلك قال ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) (٢١٦/١): (هذا حديث لا يصحُّ عن
رسول الله (َ﴾). يعني أَنَّه موضوع وأضاف: (قال ابنُ حبان: وهذا الحديث باطل لا
أصل له). وجاء الحديثُ أيضاً عن أنس من طريق آخر أخرجه ابنُ عبد البر في
((الجامع)) (٩/١) بسندٍ فيه يعقوبُ بنُ إسحاق بن إبراهيمَ العسقلاني عن عُبَيد الفِرْيابي
عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس مرفوعاً .
=
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٨٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وَعَن أبي مُطِيع معاويةَ بنِ يحيى قال: ((أَوْحَى اللهُ وَّ إلى داودَ عَلَّهُ: أَنِ
انَّخِذْ نَعْلَين من حديد، وعَصّى من حديد، واطلبِ العلمَ حتى تنكسرَ العصَى،
وتنخرقَ النَّعْلان))(١).
وقال الفَضْلُ بن غانم - في بعض الأحاديث -: ((واللهِ لو رحلتُم في طلبه
إلى ((الْبَحْرَين)) لكانَ قليلاً))(٢).
وقصةُ موسى علَّا في لقاء الخَضِر(٣)، بل قولُه تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ الذِينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾(٤): مِنْ شَوَاهِدِهِ.
ولكنَّ هذا السندَ ليس بشيء لأن يعقوبَ هذا (كذابٌ) كما قال الذهبي في ((الميزان))
=
(٤٤٩/٤). وأخرج ابنُ عدي هذا الحديثَ في ((الكامل)) (١/ ١٨٢) من حديث أبي
هريرة بسندٍ فيه أحمدُ بن عَبد الله الجُوَيْبَارِي، وقال ابن عدي عَقِبَه: (وهو بهذا الإسناد
باطل)، وكان ابنُ عدي قال عن الجُوَيباري قَبْلَ ذلك: (كان يضعُ الحديثَ لابن کَرَّام
على ما يريدُه)، وقال ابنُ حبان في ((المجروحين)) (١٤٢/١): (دجّال من الدجَاجِلة،
كذابٌ). وقال الذهبي في ((الميزان)) (١/ ١٠٧): (ممن يُضرَبُ المَثَلُ بكذبه). وفي
(المغني)) (٤٣/١): (كَذَابٌ، جَبَلٌ).
ومن هنا يظهرُ أنَّ هذا الحديثَ بتلك الأسانيدِ باطلٌ كما قال ابنُ حبان وابنُ الجوزي،
ولا يؤثرُ عليه ما ذَكَرَه السيوطي في ((اللآلئ)) (١/ ١٩٣) من تعقّب. هذا وينبغي أنْ يُعلمَ
أنَّ الشطرَ الثاني من هذا الحديث وهو قوله: ((فإنَّ طلبَ العلم فريضة على كل مسلم))، قد
جاء من طرق كثيرةٍ وبأسانيدَ متعددةٍ، قال المِزِّي - كما في ((المقاصد الحسنة)) - (٢٧٦):
(إنَّها تبلغُ به رُتْبةَ الحَسَن). بل صحّحها بعضُهم ومنهم أبو علي الحافظُ النيسابوري،
أخرج ذلك عنه البيهقيُّ في ((المدخل)) (٢٤٢) وحَكَمَ أيضاً بصحتها أبو الفيض أحمدُ بنُ
الصديق. ((المقاصد الحسنة)) (٢٧٦) حاشية، و((تنزيه الشريعة)) (٢٥٨/١) حاشية.
(١) (الرحلة)) (٨٦) عن أبي مُطِيع، وأخرجها الدارمي (١٤٠/١) عن عبد الله بن
عبد الرحمن القُشَيري من قولِ داودَ علّ بنحوِها. وابنُ عبد البر في ((الجامع)) (٩٥/١)
عن مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ... بنحوه.
(٢) (تاريخ بغداد)) (٣٥٨/١٢) لكن فيه: (إلى اليمن)، و((لسان الميزان)) (٤٤٦/٤) نقلاً عن
((تاريخ قزوين)) للرافعي وفيه: (إلى خراسان).
(٣) أخرجها البخاري في العلم: باب ما ذُكر في ذهاب موسى وَلّ ... (١٦٧/١) ومواطنَ
أُخَرَ، ومسلمٌ في الفضائل: باب من فضائل الخَضِر (١٨٤٧/٤) من حديث ابن عباس
عن أُبَيّ بن كعبّ مرفوعاً.
(٤) سورة التوبة: الآية ١٢٢.
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٨٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وَكَفى بقوله بََّ: ((مَنْ سَلَكَ طريقاً يلتمسُ فيه عِلماً سَهَّل الله له به طريقاً
إلى الجنة))(١)، ترغيباً في ذلك.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿السَِّحُونَ﴾(٢)، قال: ((هم طلبةُ العلم)(٣).
وقال إبراهيمُ بنُ أَذْهَمَ: ((إن الله يدفع عن هذه الأمة البلاء برحلة أصحاب
الحديث))(٤) .
وقال زكريا بنُ عدي: ((رأيتُ ابنَ المبارك في النوم، فقلت له: ما فعل اللهُ
بك؟ قال: غَفَر لي برحلتي في الحديث))(٥) .
إلى غير هذا مما أَوْدَعَه الخطيبُ في جزء له في ذلك قد قرأتُه(٦).
ورحل جابرُ بنُ عبد الله إلى عبد الله بن أَنَّيْسِ ضَّا مسيرةَ شهر في حديثٍ
واحد(٧).
وكذا رَحلَ غيرُه في حديث واحد (٨)، [قال سعيد بن المسيب: ((إنْ كنتُ
لأغيبُ اللياليَ والأيامَ في طلب الحديث الواحد))](٩).
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الذكر)): بابُ فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذِّكر (٢٠٧٤/٤)
بلفظه جُزْءاً من حديثٍ عن أبي هريرة. وهو في السُّنَن وغيرِها من حديث أبي الدرداء.
(٢) سورة التوبة: الآية ١١٢.
(٣) لم أَجِدْ هذا التفسيرَ عن ابن عباس، وإنَّما وجدتُه من تفسير عِكرمةَ مولاه أخرجه عنه
الخطيب في ((الرحلة)) (٨٧)، و((شرف أصحاب الحديث)) (٦٠) وأورده عنه ابن كثير
في «تفسيره)) (٣٩٢/٢). والمشهورُ في تفسير (السائحون): أنهم الصائمون وقد جاء
ذلك عن جَمْعِ من الصحابة منهم ابنُ عباس
ـ: ((تفسير الطبري)) (٣٧/١١)، وابنٍ
كثير (٢/ ٣٩٢)، و((فتح القدير)) (٤٠٨/٢).
(٤) ((شرف أصحاب الحديث)) (٥٩).
(٥) ((شرف أصحاب الحديث)) (١٠٨).
(٦) هو كتاب ((الرحلة في طلب الحديث)) وقد طُبع أكثرَ من مرة، أحسنها الطبعة التي
حققها د. نور الدین عتر.
(٧) علَّقه البخاري في ((العلم)) باب الخروج في طلب العلم (١٧٣/١)، وأخرجه أحمد
(٤٩٥/٣)، والحاكم (٤٣٧/٢) و(٥٧٤/٤) وقال: صحيح الإسناد. وقال الذهبي:
((صحيح)). وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٢٧)، و((الخطيب في ((الرحلة))
(١١٠)، و((الجامع)) (٢٢٥/٢).
(٨) نظر: ((الرحلة)) (١٠٩ - ١٢٦).
(٩) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
وقولُ سعيدِ هذا أخرجه ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٣٨١/٢)، والحاكم)) في ((معرفة علوم
الحديث)) (٨)، والخطيب في ((الرحلة)) (١٢٧ - ١٢٩)، و((الجامع)) (٢٢٦/٢).
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٨٧
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وقال أبو قِلَابةَ: ((لقدْ أقمتُ بـ((المدينة)) ثلاثةَ أيام ما لي حاجةٌ إلَّا رجلٌ
عنده حديثٌ يَقْدَمُ فأسمعه منه))(١).
وقال الشعبي في مسألةٍ: ((كان الرجلُ يرحلُ فيما دُونَها إلى ((المدينة))(٢).
وقال ابنُ مسعود: (لو أعلمُ أحداً أعلمَ بكتاب الله مني لَرَحلتُ إليه))(٣).
وقال أبو العالِيَة: ((كُنّا نسمعُ عن الصحابة فلا نَرْضَى حتى خرجنا إليهم
فسمعنا منهم)) (٤) .
ولمْ يَزَلِ السلفُ والخلَفُ من الأئمة يعتنون بالرحلة.
والقول الذي حكاه الرَّامَهُرْمُزِيُّ في ((الفاصل))(٥) عن بعض الجهلة في
عدم جوازها شاذَّ مهجور. [بل جُعل فعلُها من أدلة القول ببطلان الإجازة كما
تقدم مع ما فيه](٦).
وقدِ اقتفيتُ - ولله الحمد - أَثَرَهم في ذلك بعد موتِ مَنْ كانت الرحلةُ إليه
مِن سائر الأقطار كالواجبة، وهو شيخُنا رَُّهُ .
وأدركتُ في الرحلة بقاياً من المُعْتَبَرين، وما بقيَ في ذلك - مِنْ سِنِينَ -
إلا مجرّدُ الاسم بيقين.
وحيثُ وُجِدَ وَرَحَلْتَ فبادِرْ فيها لِلِقَاءِ من تَخشى فَوْتَه، ولا تتوانى(٧) فتندمَ
كما اتفقَ لغير واحدٍ من الحُفاظ في موت بعض مَن قَصدُوه بالرحلة بعد
الوصول إلى بلده. واقْتَدٍ بالحافظ السِّلَفِي الأصبهاني فإنه ساعةَ وُصوله إلى
((بغدادَ)) لم يكنْ له شُغلٌ إلَّا المضيَّ لِأَبي الخطاب ابنِ البَطِر، هذا مع عِلَّتِهِ
(١) ((المحدث الفاصل)) (٢٢٣)، و((الجامع)) (٢٢٧/٢).
(٢) البخاري في العلم: باب تعليم الرجل أَمَتَه وأهله (١/ ١٩٠) - ومواطنَ أُخَرَ - ومسلمٌ
في الإيمان: بابٍ وجوب الإيمان برسالة نبينا وَالٍ .. (١٣٥/١). والمسألةُ المشارُ
إليها: هي ما إذا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثم تزوَّجَها .
(٣) البخاري في فضائل القرآن: باب القُرَّاء من أصحاب النبي ◌ٍَّ (٩/ ٤٧)، ومسلمٌ في
فضائل الصحابة: باب من فضائل عبد الله بن مسعود (١٩١٢/٤).
(٤) ((الرحلة)) (٩٣)، و((الكفاية)) (٤٠٢).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
وقوله: كما تقدم يعني (٣٩٥/٢).
(٧) كذا في النسخ، والوجه: ولا تتوانَ.
(٥) (ص٢١٦ - ٢١٧).
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٨٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
بِدَمَامِيلَ في مَقْعَدَته من الركوب بحيث صار يقرأُ عليه وهو متكئٌ للخوف من
فَقْدِه(١)، لكونه كان المرحولَ إليه من الآفاق في الإسناد.
ولما رحل شيخُنا إلى البلاد الشامية قَصد الابتداءَ بابيت المَقْدس))،
ليأخذَ عن ابنِ الحافظ العلائي ((سُنَنَ ابنِ ماجه)) لكونه سمعَه على الحَجَّار،
فبلغَه - وهو بالرَّمْلَة - موتُه، فعرَّجَ عنه إلى ((دمشقَ)) لكونها بعد فَوَاته أَهَمَّ(٢).
وقد أورد الإمامُ أحمدُ في ((مسنده)) عن عَبْدِ بن حُمَيدٍ حديثاً ثم قال:
((قال عَبْدٌ: قال محمدُ بن الفضل: سألتُ يحيى بنَ معين عن هذا الحديثِ أَوَّلَ
ما جلس إليَّ فقال: ثنا به حماد بن سلمة فقال: لو كانَ من كتابك؟ فقُمتُ
لِأُخرجَ كتابي، فقبَضَ على ثوبي، ثم قال: أَمْلِهِ عَلَيَّ، فإِنِّي أخاف أنْ لا
ألقاك، قال: فَأَمْلَيتُه عليه، ثم أخرجتُ كتابي فقرأتُه عليه)).
واحذر من المبالغة في المُبَادرةِ بحيثُ ترتكبُ ما لا يجوز، فربما يكون
ذلك سبباً للحرمان، فقد حُكي أنَّ بعضَهم وافى ((البصرةَ» ليسمعَ من شعبةَ، ويُكثرَ
عنه، فصادف المجلسَ قد انقضى، وانصرف شعبةُ إلى منزله، فبادرَ إلى المَجِيء
إليه، فوجد البابَ مفتوحاً، فَحَمَلَه الشَّرَهُ على أن يدخلَ بغير استئذان، فرآه جالساً
على البالوعة يبولُ. فقال له: ((السلامُ عليكم، رجلٌ غريب، قَدِمتُ مِنْ بَلَدٍ بعيدٍ،
تُحَدِّثُني بحديث الرسول ◌ِ ◌ّرَ؟))، فاستعظمَ شعبةُ هذا، وقال: يا هذا دخلتَ منزلي
بغيرِ إِذْنِي، وَتُكَلِّمُني وأنا على مثل هذا الحال؟ تَأَخَّرْ عني حتى أُصلِحَ مِنْ شأني.
فلمْ يفعلْ واستمرَّ في الإلحاح، وشعبةُ مُمْسٌ ذَكَرَهُ بيده لِيَسْتَبْرِأَ. فلمَّا أَكثَرَ قالَ
لَهُ: اكتب: «ثنا منصور بنُ المُعْتَمِر عن رِبْعِيٍّ بنِ حِرَاشٍ عن أبي مسعود(٣) أنَّ
النبيَّ وَّ قال: ((إنَّ مما أَدركَ الناسُ من كلام النُّبُوَّة الأُوْلَى: إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَع
ما شئت))(٤)، ثم قال: واللهِ لا أُحَدِّثُكَ بغيرِهِ، ولا حَدَّثتُ قوماً تكونُ فيهِمَ))(٥).
(١) ((السير)) (٤٨/١٩).
(٢) ((إنباء الغمر)) (٤/ ١٥٠).
(٣) البَدْرِي عقبة بن عمرو الأنصاري ◌ُه.
(٤) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء: بَابٌ (٥١٥/٦) من طريق شعبة به دون قوله:
(الأولى). وهي عند أحمد (١٢١/٤) وأبي داود في الأدب: باب في الحياء (٥٪
١٤٨) وغيرِهما من طريق شعبة.
(٥) ((السير)) (٢٦٣/١٠) مختصرة، وذكر أن القصة وقعت للقعنبي مع شعبة وقال: (لا تصح).
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٨٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
واسلكْ ما سَلَكْتَهُ في بلدك من الابتداءِ بالأهمّ فالأهمّ، ولا تكن كمن
رحلَ من ((الشام)) إلى ((مصرَ)) فقرأ بها على مُسْنِدِ الوقتِ العزِّ ابنِ الفُرَات(١)
- الذي انفرَدَ بما لا يشارِكُه فيه في سائر الآفاق غيرُه ـ «الأدبَ المُفردَ»
للبخاري بإجازته من العزِّ ابنٍ جَمَاعة بسماعه من أبيه البَدْر، مع كون في
مُسْنِدِي (٢) ((القاهرة)) مَنْ سَمِعَه على مَنْ سَمِعَه على البَدْرِ، بل، وكذا في بلده
التي رَحَلَ منها .
ولا تَتَشاغَلْ في الغُربة إلا بما تَحِقُّ الرحلة لأجله، فشَهوةُ السماع - كما
قال الخطيبُ(٣) : - لا تنتهي، والنِّهمَةُ مِنَ الطَّلَب لا تَنقضي، والعِلمُ كَالبحار
المتعذِّرِ كَيْلُها، والمَعَادِنِ التي لا ينقطعُ نَيْلُها .
كلُّ ذلك مَعَ مُصَاحبتك التحرِّي في الضبط، فلا تقلّدْ إلّا الثقات، (ولا
تَسَاهَل حَمْلاً) أي ولا تتساهلْ في الحَمْلِ والسماع بحيث تُخِلُّ بما عليك في
ذلك، فالمُتَساهلُ مردودٌ كما تقدم في ((الفصل الثاني عشر)) من («معرفة مَنْ تُقْبَلُ
روايتُه، ومَنْ تُرَدّ)).
٧١٥
(واعملْ بما تسمعُ) ببلدِك وغيرِها من الأحاديث التي يسوغُ العملُ بها
(في الفضائلِ) والترغيباتِ، لحديثٍ مرسلٍ. قال رجلٌ: يا رسولَ الله ما ينفي
عني حُجةَ العلم؟ قال: ((العَمَلُ)) (٤).
ولقولِ مالكِ بنِ مِغْوَلٍ في قولِه تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾(٥)، قال:
تركوا العملَ به (٦) .
ولقولِ إبراهيمَ الحَرْبي: ((إنَّه ينبغي للرجل إذا سمع شيئاً في آداب النبي وَّ
(١) عز الدين عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم ابن الفرات مات سنة ٨٥١. ((الضوء
اللامع)) (١٨٦/٤).
(٢) في (ح): مسند. من الناسخ.
(٣) في ((الجامع)) (٢٤٥/٢).
(٤) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٢٦/٤) والخطيب في ((الجامع)) (٨٩/١) وفي
سندهما: عبد الله بن خراش، منكر الحديث.
(٥) سورة آل عمران: الآية ١٨٧.
(٦) ((الجامع)) لابن عبد البر (١١/٢) وهو في ((تفسير الطبري)) (٢٠٤/٤) عن مالك بن
مغول قال: نُبِّئْتُ عن الشعبي.
آدابُ طالبٍ الحَدِيثِ
٢٩٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
أنْ يتمسكَ به))(١)، ولأَنَّ ذلك سببُ ثُبُوتِه وحفظِهِ ونُمُوِّهِ، والاحتياجِ فيه إليه.
قال الشعبي ووكيعٌ: (كُنَّا نستعينُ على حِفظ الحديث بالعَمَلِ به)). زادَ
وكيع: ((وكنا نستعين في طَلَبِه بالصوم)).
حكاها أبو عمر ابن عبد البر في ((جامع العلم))(٢). وروى الجملةَ الأُولى
منه خاصةً: الخطيبُ في ((جامعه)» (٣) من طريق وَكيعٍ عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ
مُجَمِّع بنِ جَارِيَة (٤) .
ولا بن عبد البَرّ عن سفيان الثوري قال: «العلمُ يهتفُ بالعَمَل، فإنْ أجابَ
وإلَّا ارتَحَل))(٥) .
ويُرْوَى أنه رَِّ قال: ((مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ أَوْرَثَه اللهُ عِلمَ ما لم يعلَم))(٦).
وعن أبي الدَّرْدَاءِ قال: ((من عمل بعُشْر ما يعلَم علَّمه اللهُ ما يَجهل))(٧).
وعن ابن مسعود أنه قال: ((ما عَمِل أحد بما علَّمه الله إلَّا احتاجَ الناس إلى ما
عنده)(٨).
ورُوِّينا عن عمرو بن قَيس المُلَائِي أنه قال: ((إذا بلغَكَ شيءٌ من الخَبَر
فاعمل به ولو مرةً تكنْ من أهله))(٩) .
[وقال النَّووي في ((الأَذْكار)): ((ينبغي لمنْ بَلَغه شيءٌ من فضائلِ الأعمال
أن يعملَ به ولو مرةً ليكونَ مِن أهلِه](١٠)، ولا ينبغي أنْ يتركه مطلقاً، بل يأتي
(١) ((الجامع)) للخطيب (١٤٢/١)، وفيه: (من آداب).
(٢) الذي في ((جامعه)) (١١/٢) أنه عن الشعبي.
(٣) (١٤٣/١).
(٤) وَكَرَّرَها أيضاً مِنْ هذا الطريقِ (٢٥٩/٢)، وفيها أيضاً أَوْردَ الجملةَ الثانيةَ مِن قول
الحَسنِ بنِ صالح.
(٥) ((الجامع)) لابن عبد البر (١٠/٢). وأخرجه الخطيب في ((اقتضاء العلمِ العَمَلَ)) ٣٥
مُسَلْسَلاً بالآباء من قول علي ◌َُّهُ و(ص٣٦) من قول ابنِ المُتْكَدِر.
(٦) أخرجه أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (١٥/١٠) من حديث أنس، ثم ذكر أبو نُعَيم أنَّ أحمدَ بنَ
حنبل ذَكَرَ هذا الكلامَ عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم ظلَّ فَوَهِمَ بعضُ الرواة أنه
ذكره عن النبي وَّ فوضَعَ له إسنادَه.
(٧) ((الجامع)) (٩٠/١).
(٩) الخطيب في ((الجامع)) (١/ ١٤٤).
(٨) ابن عبد البر في ((جامعه)) (١٠/٢).
(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (م).
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٩١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
بما تَسَّر منه لقوله ◌َّ: ((وإذا أَمرتُكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم)) (١).
قلت: ويُروَى في الترغيبِ في ذلك عن جابر حديثٌ مرفوعٌ لفظُه: ((مَنْ
بَلَغَهُ عن الله رَكَ شيءٌ فيه فضيلةٌ، فأَخذ به إيماناً به، ورجاءَ ثوابه أعطاه اللهُ
ذلك وإنْ لم يكن كذلك))(٢) وله شواهد(٣).
وقال أبو عبد الله مُحمد بنُ خَفِيفٍ(٤): ((ما سمعتُ شيئاً من سُنَن
رسول الله وَلّ إلَّ واستعملتُه، حتى الصلاةَ على أطراف الأصابع وهي صعبة)).
(١) ((الأذكار)) (٥)، والحديثُ المذكورُ متفق عليه بنحوِه. البخاري الاعتصام: بابُ الاقتداءِ
بِسَنَن رسول الله وََّ (٢٥١/١٣)، ومسلمٌ في ((الحج)): باب فرض الحج مرةً في العُمُر
(٢/ ٩٧٥) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه الحسنُ بن عَرَفَة في ((جزئه)) (٧٨) ومن طريقه الخطيبُ في ((التاريخ)) (٨/
٢٩٦)، وابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٥٨/١) وذكرَه السيوطي في ((اللآلئ)) (١/
٢١٤) عن الحسن بن عَرَفَة ثم قال: ((لا يصح، أبو رجاء كذاب))، ويعني أن ذلك من
كلام ابن الجوزي في ((الموضوعات)). والذي رأيتُه فيها: ((هذا حديث لا يصح عن
رسول الله وَ﴿ ولو لم يكن في سنده سوى أبي جابر البياضي (محمد بن عبد الرحمن)
قال يحيى: وهو كذاب .. ))، والبياضي هذا لا ذِكْرَ له في سندِ حديثٍ ابنِ عَرَفَة، فلعلَّ
ما في ((موضوعات ابنِ الجوزي)) سبقُ نَظَرٍ من أَحَدِ النُّسَّاخِ. والله أعلم.
وأخرجه أيضاً عن جابر أبو الشيخ في ((مكارم الأخلاق)) قاله السخاوي في ((المقاصد
الحسنة)) (٤٠٥) وذَكَرَ أنَّ في سنده بِشْرَ بِنَ عُبَيد وهو متروك وقال ابنُ الدَّيْبَع في
((التمييز)) (١٦٣) عن حديث جابرٍ: ((ولَه ◌ُطُرُقٌ لا تخلو من متروك ومَنْ لا يُعْرَف)).
(٣) منها حديثُ أنسٍ مرفوعاً: ((مَنْ بَلَغَه عن الله فضيلة فلم يصدِّق بها لم يَنْلها))، أخرجه
ابنُ عدي في ((الكامل)) (٤٩٣/٢) وفي سنده: بَزِيع بن حسان أبو الخليل قال عنه ابن
حبان في ((المجروحين)) (١٩٩/١): ((يأتي عن الثقات بأشياءَ موضوعةٍ كأنَّه المُتَعمِّدُ
لها»، وقال الذهبي في («الميزان» (٣٠٦/١): «مُتَّهم)».
وذكر السخاويُّ في ((المقاصد)) أيضاً أنَّه رواه كامل الجَحْدَري في نسخته عن عَبّاد بن
عبد الصمد - وهو متروك - عن أنس.
ومنها حديثُ ابنِ عُمر ذَكَره السيوطي في (اللآلئ)) عن الدارقطني مرفوعاً: ((من بلغه
عن الله فضلُ شيء من الأعمال يعطيه عليها ثواباً فعَمِل ذلك العملَ رجاءَ ذلك الثوابِ
أعطاه الله ذلك الثوابَ وإنْ لم يكن ما بلغه حقاً))، وفي سنده إسماعيلُ بن يحيى التَّيْمِي
وهو كذاب. وغيرُ ذلك، ولكن لا تقوم بها حجة.
(٤) شيخ الصوفية، ذو الفنون. مات سنة ٣٧١ عن قُرابة مائة سنة. ((الحِلية)) (٣٨٥/١٠)،
و ((السير)) (٣٤٢/١٦).
آدابُ طالب الحَدِيثِ
٢٩٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقال الإمامُ أحمدُ: ((ما كتبتُ حديثاً إلَّا وقد عَمِلتُ به، حتى مَرَّ بي في
الحديث: ((أنَّ النبيَّ وََّ احْتَجَمَ وأعطى أَبَا طَيْبَةَ دِيناراً)) (١). فأَعطَيتُ الحجامَ
ديناراً حين احتجمتُ))(٢)، ويقال: اسم أَبِي طَيْبةَ دينارٌ. حكاه ابن عبد البر(٣)،
(٤)
ولا يصح(٤).
وعن أبي عِصمةَ عاصم بن عصام البيهقي قال: ((بِتُّ ليلةً عند أحمدَ،
فجاء بالماء فوضَعَه. فلما أصبحَ نظرَ إلى الماءِ، فإذا هو كما كان. فقال:
سبحان الله! رجلٌ يطلبُ العلمَ لا يكون له وِرْدٌ بالليل!))(٥) .
وقال أحمدُ أيضاً في قِصَّةٍ: ((صاحبُ الحديثِ عندنا: مَنْ يعمل
بالحديث))(٦). وعن الثوري قال: ((إِنِ استطعتَ ألا تَحُكَّ رأسَكَ إلا بأَثَرٍ
فافْعل))(٧).
وصلى رجلٌ مِمَّن يكتبُ الحديثَ بجَنْبِ ابن مَهْدي فلم يرفعْ يدَیه. فلما
سلَّمَ قال له: أَلَمْ تكتبْ عن ابن عُيَينة حديثَ الزُّهْري عن سالم عن أبيه: ((أنَّ
النبيَّ وَّرَ كان يرفعُ يديه في كلِّ تكبيرة؟))(٨)، قال: نعم. قال: فماذا تقولُ
لربِّك إذا لَقِيَك في تركِكَ لهذا، وعَدَمِ استعمالِهِ؟
(١) حَجْمُ أَبِي طَيْبَةً للنبي ◌َّهِ أخرجه البخاري في البيوع: باب ذكر الحجّام (٣٢٤/٤)
ومواطنَ أُخَرَ، ومسلمٌ في المساقاة: باب حِلِّ أجرة الحِجَامة (١٢٠٤/٣) من حديث
أنس وابنٍ عباس وليس فيها تَقْديرُ الأجرة بالدينار بل بصاعٍ من تَمْرٍ في حديث أنسٍ
وإنهام الأجرة في حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١٤٤/١).
(٣) في ((الاستيعاب)) (١١٨/٤) وعلَّق عليه الحافظُ ابنُ حجر في ((الفتح)) (٤٥٩/٤) بقوله:
((ووهَّمُوه في ذلك لأنَّ ديناراً الحجّامَ تابعيٍّ روى عن أبي طيبة)).
(٤) قال الحافظ ابنُ حجر في المصدر السابق: ((واسم أبي طيبة: نافع على الصحيح)).
(٥)
((الجامع)) (١٤٣/١).
(٦) ((الجامع)) (١٤٤/١) وقد قاله أحمدُ لأبي القاسم بن مَنِيعِ حينَ أرادَ الخروجَ لِسُوَيْد بن
سعيد وطلبَ من أحمدَ أن يَكتبَ له إليه فَكَتَبَ: ((وهذا رجلٌ يكتبُ الحديثَ))، فَرَغِبَ أبو
القاسم أن يكتب بَدَلَها: ((هذا رجلٌ من أصحاب الحديث))، فقال له أحمدُ ذلك القولَ.
(٧) ((الجامع)) (١/ ١٤٢).
(٨) حديثُ ابنُ عُيَينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أخرجه مسلمٌ في الصلاة: باب
استحباب رفع اليدين حَذْوَ المَنْكِبَين .. (٢٩٢/١) من رواية يحيى التميميّ وسعيدٍ بن =
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩٣
آدابُ طالب الحَدِيثِ
وعن أبي جعفر أحمدَ بن حمدانَ بن علي النيسابوري قال: ((كنتُ في
مجلس أبي عبد الله المَرْوَزِيّ، فلما حضرتِ الظهرُ وأَذَّنَ أبو عبد الله خرجتُ
من المسجد، فقال لي: يا أبا جعفر إلى أين؟ قلت: أَتَطَهَّرُ للصلاة، قال: كان
ظني بك غيرَ هذا، يدخلُ عليكَ وقتُ الصلاة وأنت على غيرِ طهارة؟))(١).
وعن أبي عَمرٍو محمدِ بنِ أبي جعفر بن حمدان قال: ((صلَّى بِنَا أبو
عثمانَ سعيدُ بنُ إسماعيلَ ليلةً بمسجده وعليه إِزَارٌ ورِدَاءٌ، فقلتُ لأبي: يا
أبت(٢) أهو مُحْرِمٌ؟ فقال: لا، ولكنه يسمع مني ((المُسْتَخْرَجَ)) الذي خَرَّجته على
((مسلم)، فإذا مَرَّتْ به سُنَّةٌ - لم يكن استعملها فيما مضى - أَحبَّ أنْ يستعملَها
في يومه وليلته، وإنَّه سَمِعَ - في جُمْلَة ما قُرِئَ عَلَيَّ - (أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى في
إزارٍ ورِدَاءٍ)(٣) - فأحبَّ أَنْ يستعملَ هذه السُّنَّةَ قَبلَ أنْ يُصْبِحَ))(٤).
وعن بِشْر بن الحارث أنَّه قال: ((يا أصحابَ الحديث أَتُؤَدُّونَ زكاةَ
منصورٍ وأبي بكرِ بنِ أبي شيبة وعَمْروِ الناقدِ وزهيرِ بن حَرب وابنِ نُمَيرٍ كُلُّهم عن سفيانَ
=
بلفظ: ((رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ﴿ إذا افتتح الصلاةَ رفعَ يديه حتى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيه، وقبلَ أنْ
يركعَ، وإذا رفع من الركوع، ولا يرفعُهما بينَ السجدتين، ((ونحوُه روايةُ سفيانَ عند
أحمدَ (٨/٢)، وأبي داود في ((الصلاة)): باب رفع اليدين في الصلاة (١/ ٤٦١).
وقريبٌ من لفظٍ سفيانَ هذا روايةُ مالكٍ ويونسَ بنِ يزيدَ وشعيبٍ كلُّهم عن الزهري.
أخرجها البخاريُّ في الأذان: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى والبابَيْن بَعْدَه (٢/
٢١٨ - ٢٢١)، وكذا روايةُ ابنِ جُرَيجٍ وعُقَيل بنِ خالد ويونسَ كلَّهم عن الزهري،
أخرجها مسلمٌ.
(١) ((الجامع)) (١٤٣/١).
(٢) كُتبتْ في النسخ: (يا أبة).
(٣) أخرج البيهقي في ((السنن)) (٢٣٥/٢) بسندين إلى عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه عن
شعبة عن توبة العنبري عن نافع عن ابن عُمر مرفوعاً: ((إذا صلَّى أحدُكم فلْيَتَّزِر
وَلْيَرْتَدِ)).
وأخرج البخاريُّ في الصلاة: باب الصلاة في القميص والسراويل ... (٤٧٥/١) عن
أبي هريرة قال: ((قام رجل إلى النبي * فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال:
(أَوْ كُلَّكُم يَجِد ثوبَينٍ؟))، ثم سأل رجلٌ عُمرَ فقال: إذا وسَّع الله عليكم فأَوْسعوا: جَمَعَ
رَجَلٌ عليه ثيابَه، صلَّى رجلٌ في إزارٍ ورِدَاءٍ، في إزارٍ وقَميصٍ ... )).
(٤) ((الجامع)) (١٤٥/١) وقال الذهبي في ((السير)) (٦٣/١٤) في ترجمة أبي عثمان سعيد بن
إسماعيل الحِيري: ((سمع من أبي جعفر بن حمدان ((صحيحَه)) المُخَرَّجَ على ((مسلم)
بلفظِهِ، وكان إذا بَلَغَ سُنَّةً لم يستَعمِلْها وَقَفَ عندَها حتى يستعملَها)).
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٩٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الحديث؟ فقيل له: يا أبا نَصْر وللحديث زكاة؟ قال: نعم، إذا سَمِعْتُم الحديثَ
فما كان فيه من عَملٍ أو صلاةٍ أو تسبيحِ استَعْمَلْتُمُوه))(١).
وفي لفظ عنه رُوِّينَاه بعلوٍّ في ((جزء الحسن بن عبد الملك))، أنَّه لما قيل
له: كيف نُؤَدِّي زكاتَه؟ قال: ((اعمَلوا من كل مائتي حديثٍ بخمسةِ أحاديث))(٢).
ورُوِّينا عن أبي قِلَابَةَ قال: ((إذا أَحْدَثَ الله لك عِلْماً فأَحْدِث له عِبادً،
ولا تكن إنما همُّك أَنْ تُحَدِّثَ به الناسَ))(٣).
وأَنشدَنا غيرُ واحدٍ عن ابن الناظم أنَّه أنشدهم لنفسه:
بَادِرْ إليه، لا تكنْ مُقَصِّراً
اعْمَلْ بما تَسمَعُ عَنْ خَيرِ الوَرَى
وَلَوْ بِرُبْعِ العُشْر لا مُحْتَقِراً
إنْ لم تُطِقِ كُلَّ فَبِالبَعض اعْمَلَنْ
لا تَتْرُكَنَّهُ تَلْقَ حَظَّاً أَحْسَراً
وذاكَ في فضائلٍ، فَوَاجب
وعن الحسن البصري قال: ((كان الرجلُ يطلب العلمَ فلا يلبثُ أنْ يُرَى
ذلك في تَخَشعه، وهَذْيه، ولسانِهِ، وبَصرِه، ويده))(٤).
وما تقدم عن الإمام أحمدَ هو المشهور. لكنْ قد رَوَى أبو الفضل
السُّلَيماني في كتاب: ((الحث على طلب الحديث)) من طريق عبدِ الله بن
(١) ((الجامع)) (١٤٤/١)، وبشر المذكور هو المعروف بالحافي. أحد الزهاد. مات سنة
٢٢٧. (طبقات ابن سعد)) (٣٤٢/٧)، و((السير)) (٤٦٩/١٠).
(٢) ((الحلية)) (٣٣٧/٨)، و(الجامع)) (١٤٤/١). والحسن بن عبد الملك هذا لعله المترجم
في ((شذرات الذهب)) (٣٨١/٣) حيث ذكر أنه (الحسن بن عبد الملك بن الحسين
النسفي الحافظ حصل العالي من الإسناد. مات سنة ٤٨٧)، والله أعلم.
هذا وزكاةُ العلم: العملُ به بقَدْر الاستطاعة؛ يقول وَّ: ((فإذا نهيتكم عن شيء
فاجتَنِبُوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم))، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
البخاري في الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله وَ﴾ (٢٥١/١٣) - واللفظ له -
ومسلم في الحج: باب فَرْضِ الحَجّ مرّة في العُمر (٩٧٥/٢) وقد تقدَّم قريباً. ولكنَّ
كلامَ بشرٍ في أحاديث الرغائب وفضائل الأعمال. والله أعلم.
(٣) أخرجه البسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٦٦/٢).
(٤) الدارمي (١٠٧/١)، و((الزهد)) للإمام أحمد (٢٦١)، و((الزهد)) لابن المبارك (٢٦)،
و((الجامع)) (١٤٢/١)، وابن عبد البر في ((الجامع)) (١٢٧/١)، وعند أحمد: وبره.
بالموحدة في أوله وبعدها راء، ولعله من الناسخ.
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٩٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
عبد الوهاب الخوارزمي(١) قال: ((سألت أحمدَ، قلتُ: إِنَّا نطلبُ هذا الحديثَ
ولسنا نعملُ به! قال: وأيُّ عملٍ أفضلُ مِن طلبِ العلم؟)).
وكذا رَوَى نحوَه أنَّه قيل لبعضهم: ((إلى متى تكتبُ الحديثَ؟ أفلا تعملُ؟
فقال: والكتابةُ من العمل)).
(والشيخَ) بالنصب من باب الاشتغال (بَجِّلْه) أي عَظِّمْه، واحتَرِمه، ووَقِّره
القول طاؤوس: ((من السنة أنْ تُوَقِّرَ العالِمَ))(٢) .
بل لقوله {َ﴾: ((ليس مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَفِّرْ كبيرَنا))(٣). ولا شك أنَّه بمنزلة
الوالدِ وأَعظَمَ. وإجلالُه من إجلالِ العلم، وإنَّما الناس بشيوخهم، فإذا ذهبَ
الشيوخُ فَمَعَ مَنِ العَيْشُ(٤)؟.
وقد مَكَثَّ ابنُ عباس سنتين(٥) - [بل سنة] (٦) - يَهابُ سُؤَالَ عُمَرَ ﴿ه عن
مسألة(٧) .
وكذا قال سعيد بن المسيب: قلتُ لسَعدِ بن مالك(٨) ◌َُّهُ: ((إِنِّي أُرِيدُ أن
(١) مات سنة ٢٦٧. ((الثقات)) لابن حبان (٣٦٧/٨)، و((اللسان)) (٣١٣/٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٧/١١) ومن طريقه الخطيب في ((الفقيه
والمتفقه)) (١٧٩/٢) بأطولَ من هذا، وأخرجه ابن عبد البر في ((الجامع)) (١١٣/١) من
طريق عبد الرزاق بلفظه.
(٣) أخرجه أحمدُ (٢٠٧/٢) بهذا اللفظِ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه و(٢٥٧/١)
عن ابن عباس بلفظِهِ إلّا أن فيه (الكبيرَ) بدلَ (كبيرَنا).
وهو عند الترمذي في البر والصِلَة: باب ما جاء في رحمة الصِّبْيان (٣٢١/٤) من
حديث أنس بن مالك، وابن عَمرو، وابن عباس بنحوه، وقال الترمذي عن حديث ابن
عباس: ((حسن غريب))، وعن حديث ابن عَمرو: ((حسن صحيح)).
(٤) قوله: ((إنما الناس بشيوخهم .. )) إلخ، أخرجه القُضَاعي في ((المعجم)) (٨٥) عن الإمام
أحمد من قوله.
(٥) كذا في روايةٍ عند ابن عبد البر في ((الجامع)) (١١٢/١).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م)، ولعله إضرابٌ منه تَُّ عن السَّنَتَين، وهو
الصوابُ كما في ((الصحيحين)) على ما سيأتي.
(٧) أَخْرِجَ ذلك البخاري في ((التفسير)): باب تبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِك .. (٦٥٧/٨)، ومسلم
في ((الطلاق)): باب في الإيلاء واعتزال النساء ... (١١٠٨/٢) وسُؤَالُه كان عن
المَرْأَتَين اللتين تَظَاهَرَتَا على النبي ◌َّهِ من أزواجه.
(٨) هو ابن أبي وقاص.
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٩٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
أسألكَ عن شيء وإني أَهَابُكَ))(١).
وقال أيوب السَّخْتَياني: ((كان الرجلُ يجلس إلى الحسن البصري ثلاثَ
سنين، فلا يسألُه عن شيءٍ هيبةً له))(٢).
وقال عبدُ الرحمن بنُ حَرْمَلَةَ الأسلميُّ: ((ما كان إنسانٌ يجترئُ أنْ يسألَ
سعيد بن المسيب عن شيء حتى يستأذنَه، كما يستأذِنُ الأميرَ))(٣).
وقال مغيرةُ بنُ مِقْسَم الضَّبِّي: ((كنا نَهَابُ إبراهيم النَّخَعي كما نَهَابُ (٤)
الأمیرَ))(٥).
وقال ابنُ سيرين: ((رأيتُ ابنَ أبي ليلى، وأصحابُه يُعَظّمونَه، ويُسَوِّدُونَه،
ويُشَرِّفونَه مثلَ الأمير))(٦).
وقال أبو عاصم: ((كنا عندَ ابنِ عَوْنٍ - وهو يُحَدِّثُ - فَمَرَّ بنا إبراهيمُ بن
عبدِ الله بنِ حَسَن في مَوْكِبِه - وهو إذْ ذاك يُدْعى إماماً بعدَ قَتْل أخيه محمد -
فما جَسَرَ أَحدٌ أنْ يلتفتَ لِلنَّظَرِ إليه فضلاً عن أنْ يقومَ، هيبةً لابنِ عَوْن))(٧) .
ويُحكى أنَّ البِسَاطِيَّ (٨) العلّامةَ لم ينقطع عن المجيءِ لشيخه في يومٍ
اجْتِيَازِ السلطان، دونَ رُفَقَائه، فإنَّهم تركوا الدرسَ لأجل التَّفَرُّج عليه، فأبعدَهمْ
الشيخُ تأديباً، وَقَرَّبَه)).
وكذا كان بعضُ مشايخ العَجَم - ممَّن لقيتُه - يؤدبُ الطالبَ إذا انقطع عن
الحضور في يومه المعتادِ بتَرك إقْرَائِه في اليوم الذي يليه.
(١) أخرجه أحمد (١٧٣/١)، وابن عبد البر في ((الجامع)) (١١٢/١).
(٢) ((الجامع)) (١٨٤/١) بلفظه و((السير)) (٥٧٣/٤) بنحوه.
(٣) ((الحلية)) (١٧٣/٢)، و((الجامع)) (١٨٤/١).
(٤) في (م) و(الأزهرية): كما يهاب.
(٥) ((الدارمي)) (١١١/١)، و((الطبقات)) (٢٧١/٦)، و((الجامع)) (١٨٤/١)، و((السير)) (٥٢٢/٤).
((الجامع)) (١٨٢/١) بلفظه و((السير)) (٢٦٣/٤) مختصراً.
(٦)
((الجامع)) (١٨٥/١)، وابن عون هذا: عبد الله بن عون بن أرطبان، الإمام الحافظ
(٧)
الثبت، توفي سنة ١٥٠. ((الطبقات)) (٢٦١/٧)، و((السير)) (٣٦٤/٦)، و((تهذيب
التهذيب» (٣٤٦/٥).
(٨) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان البِسَاطي المالكيّ، عالِمُ عَصره مات سنة ٨٤٢.
((الضوء اللامع)) (٥/٧).
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٩٧
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وقال إسحاق الشَّهِيدي(١): ((كنتُ أَرَى يحيى القطانَ يُصلي العصر، ثم
يستند إلى أصل منارة المسجد فيقفُ بين يديه أحمدُ بنُ حنبل، وابنُ مَعين،
وابنُ المَدِيني، والشاذَكُوني، والفَلَّاسُ على أَرْجلهم يسألون عن الحديث إلى
أن تحينَ صلاةُ المغرب لا يقولُ لواحدٍ منهم: اجْلِس، ولا يجلِسُون هيبةً له
وإعظاماً))(٢) .
وعن البخاري قال: ((ما رأيت أحداً أَوْقَرَ للمحدثين من ابن معين))(٣).
ومما قيل في مالكٍ:
والسائِلونَ نَوَاكِسُ الأَذْقَانِ
يدَعُ الجَوَابَ فَلَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً
فَهْوَ المَهِيبُ وليس ذا سُلْطَانٍ(٤)
نُورُ الوَقَارِ، وعِزُّ سُلْطَانِ الثُّقَى
وعن شعبة قال: ((ما كتبتُ عن أحدٍ حديثاً إلَّا وكنتُ له عَبداً ما
حَيِيٍ))(٥)، وفي لفظٍ: ((ما سمعتُ من أحدٍ إلَّا واختلفتُ إليه أكثرَ مِنْ عَدَدِ ما
سمعتُ))(٦) .
وقال ابنُ المُنْكَدِر: «ما كنَّا نُسَمِّي رَاوِيَ الحديثِ والحِكْمةِ إلَّا
العَالِمَ))(٧) .
(١) مات سنة ٢٥٧. ((تهذيب الكمال)) (٣٦١/٢).
(٢) ((الجامع)) (١٨٥/١).
(٣) ((الجامع)) (١٨٣/١).
(٤) ((الجامع)) (١٨٥/١)، وأسندها إلى ابن الخياط من قوله يمدُح الإمام مالكاً تَغَفُ وعزاها
الذهبي - من غير سند - في ((السير)) (١١٣/٨) إلى مصعب بن عبد الله الزُّبَيري في
مالك تخلفه. وجاء الشطرُ الأول من البيت الثاني هكذا: (عز الوقار، ونور سلطان
التقى)، وأسندَها أبو نُعَيم في («الحلية)) (٣١٨/٦) إلى بعض المَدَنِيِّين، وجاء البيت
الثاني عنده هكذا :
فهو المطاع وليس ذا سلطان
أدب الوقار وعز سلطان التقى
وأوردها القاضي عياضٌ في ((ترتيب المدارك)) (١٦٧/١) وذكرَ أنَّ سفيانَ الثوري
أنشدَها في مجلس مالك، وفيه: (يأبى الجوابَ)، و(أدب الوقار).
(٥) ((الحلية)) (١٥٤/٧)، و((الجامع للخطيب) (١٩١/١)، و((الجامع)) لابن عبد البر (١/
١٢٧).
(٦) ((الحلية)) (١٤٨/١)، و((الجامع)) (١٩١/١).
(٧) ((الجامع)) (١٨٣/١).
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٢٩٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
[قلت(١): ولا يمنعُ ذلك إكرامَ الشيخ لطالبِه، والرفقَ(٢) به، والإحسانَ
يقول لمن قَدِمَ (٣) عليه ممّن يطلب العلمَ:
إليه، فقد كان أبو سعيد الخدري
((مرحباً بوصية رسول الله، وَلتر))(٤).
وقال أبو جَمْرة(٥) نَصرُ بنُ عمرانَ: كنت أقعدُ مع ابن عباس ﴿ًا،
يُجلسني على (٦) سريره، فقال: ((أَقِمْ عندي حتى أجعلَ لك سَهْماً من مالي)).
فأقمت معه شهرين(٧)، إلى غيرِ ذلك مما يطولُ ذكره](١).
واسْتَشِرْه في أمورك كلِّها، وكيفيةِ ما تَعْتَمِده من اشتغالك، وما تشتغلُ فيه
إذا كان عارفاً بذلك واحذر من مُعارضته وما يدعو إلى الرِّفعةِ عليه، ورَدِّ قوله.
فما انتفع مَنْ فعل ذلك.
واعتَقِدْ كمالَه، فذلك أعظم سببٍ لانتفاعك به (٨). وقد كان بعضُ السلف إذا
ذهب إلى شيخه يقول: ((اللهم أَخْفِ عَيْبَ شيخي عني، ولا تُذْهِبْ بركةَ عِلمِهِ منّي))(٩).
وسَيِّدْهُ(١٠)، وقُمْ له إذا قدم عليك(١١)، واقض حوائجَه كلَّها جَليلَها
(١) ما بين المعكوفين ليس في (س) و(م) و(الأزهرية).
(٣) كلمة (قدم) غير واضحة.
(٢) كلمة (الرفق) غير واضحة.
(٤) أخرجه الترمذي في العلم: باب ما جاء في الاستِيصَاءِ بمن يطلب العلمَ (٣٠/٥)، وابنُ
ماجه في المقدمة: باب الوصاة بطلبة العلم (١/ ١٩١)، والخطيب في ((شرف أصحاب
الحديث)) (١: ٢١، ٢٢)، و((الجامع)) (٣٥٠/١) عن أبي سعيد وفي أسانيدها: أبو هارون
العَبْدي قال في ((الزوائد)): ((ضعيفٌ باتفاقهم))، وقال الحافظ في ((التقريب)) (٤٩/٢):
((متروك، ومنهم مَنْ كذّبه)). وأخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٢٠٢) بسند آخرَ، لكنْ فيه
شَهْرُ بنُ حَوْشَب عن أبي سعيد وشَهْرٌ صدوق كثيرُ الإرسال والأوهام كما في ((التقريب)).
(٥) بالجيم والراء، روى له الجماعة.
(٦) حرف (على) غير واضح.
(٧) كلمة (شهرين) لم يظهر منها في النسخة غيرُ الحروف الثلاثة الأولى. وهي في ((صحيح
البخاري)) الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان (١٢٩/١).
(٨) بل المطلوبُ تَبْجِيلُه واحترامُه، دون اعتقاد كماله، فالكمالُ لا يُعْتَقَد لأحدٍ إلا الله وَكَ.
(٩) ((تذكرة السامع والمتكلم)) (٨٨).
(١٠) يعني: قل له: يا سيدي. وفيها خلاف مشهورٌ، وعلَّق الخطابي في ((معالم السنن)) مع
مختصر المنذري (٨٢/٨) على قول النبي وَّر: ((قوموا إلى سيدكم)) - متفق عليه -
بقوله: (فيه من العلم: أن قولَ الرجل لصاحبه: (يا سيدي). غير محظور، إذا كان
صاحبُه خَيِّراً فاضلاً، وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر).
(١١) مسألة القيام هذه فيها خلاف مشهور أيضاً. وقد رخّص فيه بعضُ أهل العلم كالإمام =
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٧١٦
وحَقيرَها. وخُذ برِكَابه، وقَبِّلْ يدَه، وَوَقّر مجلسَه، واحتَملْ غضبه، واصْبر على
جَفَائِه، وارفُق به، (ولا تَثَاقَلْ عليه تطويلاً)، أي: ولا تتثاقلْ بالتطويل (بحيثُ
يَضْجَر) أي يقلق منه ويَمَلُّ من الجلوس، بل تحرَّ ما يرضيه، فالإضجار - كما
قال الخطيبُ -: ((يُغَيِّرِ الأفهامَ، ويُفسد الأخلاقَ، ويُحِيلُ الطَّبَاعَ))(١).
ثم ساقَ عن هُشَيم قال: ((كان إسماعيلُ بنُ أبي خالد من أحسن الناس
خُلُقاً، فلمْ يَزَالوا به حتى ساءَ خُلُقُه))(٢) .
وأورد قبل ذلك ألفاظاً صَدَرتْ من غيرِ واحد من المحدثين في حقِّ مَنْ أضجرهم
من الطلاب، كقول أبي الزَّاهِرِيَّة يخاطبهم: ((ما رأيتُ أعجبَ منكم، تأتُون بدون دَعوة،
وتَزُورون من غير شَوقٍ ومحبَّة، وتُمِلُّون بالمجالسة، وتُبْرِمُونَ بِطُول المساءلة))(٣).
وسأل رجلٌ ابنَ سِيرين - حين أراد أنْ يقومَ - عن حديثٍ، فقال له:
إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ
ساءَكَ ما سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقْ(٤)
النووي تخلّفُهُ، وصنف في ذلك رسالةً بعنوان: (الترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية
=
من أهل الإسلام)، وهي مطبوعة.
ومَنَّعَ منه آخرون ومنهم: أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج المالكي المتوفى سنة
٧٣٧، وقد أجابَ عن أدلَّة النووي تَفُ بأجوبة متقَنَة في كتابه («المدخل» (١٦٣/١ -
١٩٦). وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر في ((الفتح)) (١١/ ٥٠ - ٥٤) مُلَخَّصاً للخلافِ في
هذه المسألةِ وبعضَ أدلة الفريقين والأجوبةِ عليها .
وذكر أنَّ لقوله ◌َّهِ: ((قوموا إلى سيِّدكم)) زيادةٌ عندَ أحمدَ بسندٍ حسن وهي: «فَأَنْزِلُوه)»، وذلك
لأنَّ سعدَ بنَ معاذ كان مريضاً وقد جاء على حمار، فطلب ◌َّ﴿ من قومه القيامَ إليه لإنزاله. قال:
(وهذه الزيادة تَخْدِشُ في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه) انتهى.
وقد ذكر ابنُ القيّم ◌َُّ في ((تهذيبه لسنن أبي داود)) (٨٤/٨) جمعاً حسناً بَيْن أدلةٍ
الفريقين، فقال: (فالمذموم: القيامُ للرجل. وأما القيام إليه للتلقي إذَا قَدِمَ فلا
بأسَ به)، وبهذا تجتمعُ الأحاديث. والله أعلم.
(١) ((الجامع)) (٢١٨/١).
(٢) ((الجامع)) (٢١٨/١).
(٣) (الجامع)) (٢١٧/١) وأبو الزَاهِرِيَّة هذا: حُدَير - بالمهملات مصغراً - بنُ كُرَيب
الحَضْرمي الحِمْصي مات سنة ١٢٩، وقيل سنة ١٠٠، ((طبقات ابن سعد)) (٤٥٠/٧)،
و((تهذيب الكمال)) (٤٩١/٥).
(٤) ((الجامع)) (٢١٥/١). وهذان البيتان أَوْرَدَهُما ابنُ دُرَيد في ((الاشتقاق)) (٢٩٧) ضِمنَ =
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٠٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقال إسماعيلُ بن موسى ابنُ بنت السُّدِّي(١): ((دَخَلْنا - ونحن جماعةٌ من
الكوفيين - على مالكٍ، فحدَّثَنا بسبعة أحاديثَ، فاسْتَزَدْنَاه، فقال: مَنْ كان له
دِينٌ فلينصرف، فانصرفوا إلّا جماعةً أنا منهم، فقال: مَنْ كان له حَيَاءٌ
فلينصرف، فانصرفوا إلّا جماعةً أنا منهم، فقال: من كان له مُرُوءَةٌ فلينصرف،
فانصرفوا إلَّا جماعة أنا منهم، فعندَ ذلك قال: يا غِلْمَانُ أَقْفَاءَهُم (٢)، فإنَّه لا
بُقْيَا على قومٍ لا دِينَ لهم، ولا حَيَاءَ، ولا مُرُوءَةَ))(٣).
ويُخْشى - كما قال ابنُ الصلاح(٤) : - على فاعلِ ذلك أنْ يُحرم الانتقاعَ.
كما وقع للشريف زِيرَك - أحدٍ أصحاب الناظم - حَينَ قَرَأَ ((العُمْدَةَ)) على
الشهابِ أحمدَ بن عبد الرحمن المرْدَاوِي(٥) في حالٍ كِبَرِهِ وعَجْزِه عن الإسماع
إلا اليسيرَ بالمُلَاطَفَةِ، وأطالَ عليه بحيثُ أضجرَه، فدعا عليه بقوله: لا أحياكَ اللهَ
خمسةِ أبياتٍ قالها رجلٌ من بني جعفر بن كِلَاب بن عامر بن صَعْصَعَة.
(١) مات سنة ٢٤٥. ((تهذيب الكمال)) (٢١٠/٣).
(٢) رُسِمَتْ في (س): أقفأهم وفي (م): أقفاهم، وفي (ح) و(الأزهرية): أقفآهم.
ولما رجعتُ إلى هذه الكلمةِ في المصدرِ الذي أخذ عنه السخاويُّ وهو ((الجامعُ))
للخطيب وجدتُها فيه بتحقيق الدكتور محمود الطحان (٢١٥/١): (افقأهم) يعني بفاء ثم
قاف. وعلّق عليها بقوله: ((هكذا رُسِمَتْ في المخطوطة، ولعلها: ((أفقئوهم)) ويريدُ
بذلك: أخرجوهم، وهي غيرُ واضحةٍ في المخطوطة))اهـ.
وَوَجدتُها فيه بتحقيق الدكتور محمد رأفت سعيد (١٤٩/١): (اقفأهم) يعني بقاف ثم فاء، وعلّق عليها
بقوله: ((هكذا في النسختين ... وقَفِئَتِ الأرضُ كسَمِعَ قفا: مطرت فتغيرِ نباتها وفسد ... ))اهـ.
وما ذكراه بعيد عن المراد، إذ المرادُ: يا غِلمانُ اضرِبُوا أَقْفِيَتَهم حتى يخرجوا.
والأَقْفِيَةُ، والأقْفَاءُ: جمع قَفاً كما في ((القاموس)) قَفَوَ.
وقد أخرج الرامهرمزيُّ في ((المحدث الفاصل)) ومن طريقه عياضٌ في ((الإلماع)) (٢٤٢)
عن الحسن بن أبي الربيع قال: (كُنَّا على باب مالك بن أنس فخرج منادٍ فنادى:
لِيدخلْ أهلُ الحجاز، فما دخل إلا أهلُ الحجاز) . ... (ثم ذكر أهل الشام ثم أهلَ
العراق إلى أنْ قال: ومالك بن أنس جالس على الفُرشِ، والخَدَمُ قيامٌ بأيديهم
المَقَارِعُ ... ثم أَخَذَتْنَا المَقَارِعُ فَأُخرِجْنا).
وهذا يدلّ على أنَّ مالكاً كَثَُّهُ لَدَيْهِ غِلمانٌ يَضربون ويُخرِجون مَنْ يأمرهم بإخراجه. والله أعلم.
والمَقَارِعِ جُمْعُ مِقْرَعة بالكسر، وهي ما يُضرَبُ به من سَوطٍ أو خشبةٍ (اللسان: قرع).
(٣) ((الجامع)) (٢١٥/١).
(٤) في ((علوم الحديث)) (٢٢٤).
(٥) مات سنة ٧٨٧. ((الدرر الكامنة)) (١٦٨/١)، و((شذرات الذهب)) (٢٩٥/٦).