النص المفهرس
صفحات 241-260
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٤١ آدابُ الشيخ المحدِّثِ وأتاه ابنُ عيينة فَبَرَكَ بين يديه، وجاءَ رجلٌ فسأل ابنَ عُيَينة عن حديثٍ فقال: لا تسألْنِي ما دام هذا الشيخُ - يعني أبا بكرٍ - قاعداً))(١). وعن الحسن بن عليّ الخَلَّال قال: ((كنا عند مُعْتَمِر وهو يحدثُنا، إذ أقبل ابنُ المبارك، فقطعَ معتمرٌ حديثَه، فقيل له: حدِّثْنا، فقال: إنا لا نتكلم عند کبرائنا)»(٢). وعن أحمدَ بنِ أبي الحَوَارِي(٣) قال: «سمعتُ ابنَ معين يقول: إنَّ الذي يحدث بالبلدة، وبها من هو أَوْلى بالتحديث منه أحمقُ. وأنا إذا حدَّثتُ في بلد فيه مثل أبي مُسْهِر(٤) - يعني الذي كان أسنَّ منه - فيجبُ لِلِحْيَتِي أَنْ تُحْلَقَ))(٥). قال ابنُ أبي الحَوَاري: ((وأنا إذا حدّثت في بلدة فيها مثلُ أبي الوليد هشامِ بنِ عمار - يعني الذي كان أسنَّ منه - فيجبُ لِلِحيتي أنْ تُحْلق))(٦). وعن السِّلَفِي قال: ((كتبتُ بالإسناد عن بعض المتقدمين أنه قال: ((من حَدَّث في بلدة وبها من هو أَولى بالرواية منه فهو مُخْتَلٌّ)، انتهى. والأَوْلَوِيَّةُ(٧) يُحتَملُ أن تكونَ في الإسناد، أو في غيره. وهل يلتحق بذلك في الكراهة الجلوسُ للإفتاء؟ أو لإقراء عِلمٍ ببلدٍ فيه من هو أَوْلَى به منه؟ الظاهر: لا، لِمَا فيه من التَّحْجِيرِ، والتضييقِ الذي الناسُ - خَلَفاً عن سَلَفٍ - على خِلافِه، حتى إنَّ العِزَّ محمدَ ابنَ جماعة حكى عن شيخه المحبِ (١) ((الجامع)) (٣٢٠/١). (٢) ((الجامع)) (٣٢١/١)، ومعتمر هو ابن سليمان التيمي. (٣) بالحاء والراء المهملتين، وَاحِدُ الحواريين على الأصح، وهو اسمٌ يُشْبه النسبةَ. وأحمد المذكور هو أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري الدمشقي الثقة الزاهد (١٦٤ - ٢٤٦ هـ). ((الأنساب)) (٢٦١/٤)، و((التبصير)) (٥٥٣/٢)، و«تهذيب التهذيب)) (٤٩/١). وكناه بعضهم أبا العباس. كما في ((الثقات لابن حبان))، و ((الأنساب) للسمعاني. (٤) هو: عبدُ الأعلى بن مُسْهِر بن عبد الأعلى الغساني الدمشقي، الإمام الحافظ (١٤٠ - ٢١٨ هـ) ((التاريخ الكبير)) (٧٣/٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٩٨/٦). (٥) ((الجامع)) (٣١٩/١). (٧) في (م): والأولية. (٦) ((الجامع)) (٣١٩/١). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٤٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ناظرِ الجيش(١) أنه شَاهَد بـ«مصرَ)) قَبلَ الفَنَاءِ الكبيرِ (٢) مائةَ حَلْقةٍ في النحو، ستينَ منها بـ((جامع عمرٍو))، وباقيها ب((جامع الحاكم)). وقد عَقَدَ ابنُ عبد البر باباً لفَتْوى الصغيرِ بين يَدَي الكبير(٣). وأَوْرَدَ فيه ما يشهدُ لذلك: والفَرقُ: أنَّ الطلبةَ تتفاوتُ أفهامُهم، فالقاصر لا يفهم عبارةَ الأَوْلَى، ويفهم مِمّن هو دونه. وليس كلُّ عالم ربَّانياً، والسماحُ إنَّما يُرغَب فيه للأَعلى والأَوْلى، فبولغ في الاعتناءِ بالمحافظة على جانبِ الرواية. على أنَّ ابنَ دقيقِ العيد قال: ((هكذا قالوا، ولا بدَّ أنْ يكونَ ذلك مشروطاً بأنْ لا يُعارِضَ هذا الأدبَ ما هو مصلحةٌ راجحةٌ عليه))(٤)، يعني كما تقدم قريباً(٥) . ٦٩٧ (ولا تَقُمْ) استحباباً إذا كنتَ في مَجلِسِ التحديث، سواءٌ كان التحديثُ بلفظِك أو بقراءةٍ غيرِك، ولا القارئُ أيضاً (لِأَحدٍ) إكراماً لحديثِ النبيِ وَلِّ أنْ يُقْطَعَ بقيام، فقد قال الفقيهُ أبو زيدٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ المَرْوَزِي(٦) - فيما رُوِّينَاه عنه في ((جزء عبد الله بن أحمد الخِرَقِي)) -: ((إذا قام القارئُ لحديث الرسول وَل﴿ لِأَحدٍ كُتبتْ عليه خطيئةٌ))(٧)، هذا إذا لَمْ ينضمَّ لذلك محبةٌ من يُقام له فيه (٨)، فإنِ انْضَمَّ إليه ذلك فآكد. بل هو حرام، للترهيب عنه. وكان أحمدُ بنُ المُعَذَّل(٩) وغيرُه بدارِ المتوكّل، فخرج عليهم المتوكلُ (١) هو: محمد بن يوسف الحلبي ثم المصري، وَلِيَ نَظَرَ الجيش بالديار المصرية. مات سنة ٧٧٨، ((الدرر الكامنة)) (٢٩٠/٤)، و((شذرات الذهب)) (٢٥٩/٦). (٢) كان ذلك عام ٧٦٢، قال ابنُ كثير في («البداية والنهاية)) (٢٧٦/١٤): «فبلَغَنا أَنَّه يموت من أهلها (مصر) كلَّ يوم فوقَ الألفين)) بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل. (٣) في كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)) (١/ ١٢٠) فقال: ((باب فتوى الصغير بين يدي الکبیر بإذنه)). (٤) ((الاقتراح)) (٢٧٠). (٥) (ص٢٣٩). (٦) راوي ((صحيح البخاري)) عن الفَرَبْرِي، مات سنة ٣٧١ وكانت ولادته سنة ٣٠١ ((تاريخ بغداد)» (٣١٤/١)، و((السير)) (٣١٣/١٦). (٧) ((علوم الحديث)) (٢١٨)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٩/٢). (٨) في (س): لذلك. (٩) بعين مهملة ثم ذال معجمة مشددة مفتوحة ((الإكمال)) (٢٧٤/٧) والمذكور هو أحمد بن = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٣ آدابُ الشيخ المحدِّثِ فلم يقمْ له أحمد خاصة. فسأل عن ذلك وزيرَه(١) فاعتذر عنه بسوءٍ بَصَرِهِ. فردّ عليه أحمدُ ذلك، وقال للمتوكّل: إنما نَزَّهتُكَ من عذاب النار. وساق له حديثَ: (مَنْ أحبَّ أن يتمثَّل له الرجالُ قياماً فليتبوأ مقعده من النار))(٢)، فجاء المتوكل فجلس إلى جانبه (٣). وكذا لا تخصَّ أحداً بمجلسٍ، بل مَن سبق إلى موضع فهو أحقُّ به، ولا تُقِمْ أحداً لأجل أَحَدٍ لحديثِ: ((لاَ يُقِيمنَّ أحدُكم الرجلَ من مَجلسه، ثم يجلسُ فيه، ولكن توسّعُوا))(٤). ولا تُجْلِسْهُ بين اثنين إلَّا بإذنهما . ودخل الخَيْصَ بَيْصَ الشاعرُ على الشريف عليٍّ بنِ طِرَادِ الوَزِيرِ(٥) فقال له: ((يا عليُّ بنَ طِرَاد، يا رفيعَ العِمَاد، يا خَالد الأجواد انقضَى المجلسُ فأين المعذل بن غيلان العبدي البصري شيخ المالكية، قال الذهبي: «لم أر له وفاة)) ((السير)» = (٥٢١/١١). وذكره ابن العماد في ((الشذرات)) (٩٥/٢) في وفيات سنة ٢٤٠. (١) هو الفتح بن خافَان، قُتل مع المتوكل سنة ٢٤٧ له ترجمة في ((السير)) (٨٢/١٢) وغيره. (٢) أخرجه أبو داود في الأدب: باب في قيام الرجل للرجل (٣٩٧/٥)، والترمذي في ((الأدب)): باب كراهة قيام الرجل للرجل (٩٠/٥) كلاهما من حديث معاوية به وبألفاظ متقاربة وقال الترمذي: ((هذا حديثٌ حسن)). قال بعض أهل العلم: إنَّ هذا القيامَ المنهي عنه هو ما كان على طريق الكِبر والنَّخوة. وأما ما كان على طريق المودةِ فلا ((الجامع)) (١٨٦/١). (٣) ((ترتيب المدارك)) (٢/ ٥٥٢). (٤) أخرجه البخاري في ((الجمعة)): باب لا يقيم الرجل أخاه .. (٣٩٣/٢) وفي الاستئذان: باب لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه (٦٢/١١) بنحوه من حديث ابن عمر. (٥) أما الحَيْصَ بَيْصَ فهو الشاعر المشهور الأمير شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صَيْفِي التميمي الأديب الفقيه الشافعي، كان لا يتحدثُ إلا بالعربيةِ الفُصْحى. وقيل له: (حَيْصَ بَيْصَ) لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمرٍ شديد، فقال: ((ما للناس في خَيْصَ بَيْصَ؟!)) فَبَقِيَ عليه هذا اللقبُ. ومعناهما الشدة والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس في حيصَ بيصَ، أي في شدة واختلاط. مات سنة ٥٧٤ ((معجم الأدباء)) (٢٣٣/٤)، و ((السير)) (٦١/٢١). وأما ابنُ طِرَاد - بالمهملات على وزن كتاب - فهو الوزير الكبير أبو القاسم علي بن النقيب الكامل أبي الفوارس طراد بن علي بن محمد بن علي الهاشمي العباسي (٤٦٢ - ٥٣٨هـ). ((الأنساب)) (٣٤٦/٦)، و((السير)) (١٤٩/٢٠). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٤٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أجلسُ؟ فقال الوزير: مكانَك. فقال: أَعَلَى قَدْرِي أَمْ عَلَى قَدْرِكَ؟ فقال: لَا عَلَى قَدْرِي وَلَا عَلَى قَدْرِكَ (١) ولكنْ على قَدْرِ الوقتِ)). ولا يمنعُ ذلك إكرامَه المشايخَ، والعلماءَ، وذوي الأنساب، لِمَا أُمِرَ به من إنزالِ كلِّ منزلَتَه. وقد قال مالكٌ: ((كُنَّا نجلسُ إلى ربيعةَ وغيرِه فإذا أتى ذو السنّ والفضلِ قالوا له: ههنا، حتى يجلسَ قريباً منهم. قال: وكان ربيعةُ ربَّما أتاه الرجلُ ليس له ذاك السنُّ فيقول له: ههنا. ولا يرضَى حتى يُجلسَه إلى جنبه، كأنه يفعلُ به ذلك لفضله عنده))(٢) . ولا تُقَدم أَحَداً في غير نَوْيَتِهِ، بل تَأَسَّ بأبي جعفر ابنٍ جَرير الطَّبَري حيث حضرَ إليه الفضلُ بنُ جعفر بنِ الفُرَات - وهو ابنُ الوزير(٣) - وقد سبقه رجل فقال الطبري للرجل: أَلَا تَقْرأ؟ فأشار الرجلُ إلى ابنِ الوزير، فقال له الطبري: ((إذا كانت النوبةُ لك فلا تكترث بدجلةَ ولا الفراتِ))، انتهى (٤). ((وهذه - كما قال شيخنا -: من لطائف ابن جَريرٍ وبلاغتِه، وعدم التفاته لأبناء الدنيا))(٥) . (و) كذا لا تَخُصَ واحداً بالإقبال عليه، بل (أَقبلْ عليهِم) - بكسر الميم(٦) - جميعاً إذا أمكن فذاك مستحب لقول حبيب بن أبي ثابت: ((كانوا يحبون إذا حَدَّث الرجلُ أن لا يُقبِلَ على الواحدِ فقط، ولكنٍ لِيَعُمَّهم)»(٧). وعنه (١) في (م): لا على قَدرك ولا على قَدري. (٢) ((الجامع)) (٣٤٥/١). (٣) للفضل بن جعفر بن الفرات ترجمةٌ في ((السير)) (٤٧٩/١٤)، وفيه وفاتُه سنة ٣٢٧. ولم يكن أبوه وزيراً، قال ابن خَلْكَانَ في ((وفيات الأعيان)) (٤٢٤/٣)، والذهبي في ((السير)) (١٤ /٤٧٨): (عُرِضَتْ على جعفر الوزارةُ فَأَبَاهَا). ولكنَّ عمَّ الفضل وهو أبو الحسن علي بن محمد بن موسى ابن الفرات المتوفى سنة ٣١٢، كان وزيراً كبيراً، وله ترجمة في: ((وفيات الأعيان)) (٤٢١/٣)، و((السير)) (٤٧٤/١٤). كما أن الفضلَ نفسَه وَلِي الوزارةَ سنة ٣٢٥، كما في ترجمته. فما جاء من أن الفضلَ بنَ جعفر: ابنُ الوزير فيه تَجَوُّز على معنى أنه من أبناء الوُزَراء. والله أعلم. (٤) من ((لسان الميزان)) (١٠٣/٥). (٦) بل بضمها . (٥) المصدر السابق. (٧) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) برقم: ١٣٠٤ ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٤١١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٥ آدابُ الشيخ المحدِّثِ أيضاً: ((إنه من السنة))(١). وأَعْلى من ذلك أن لا تَخصَّ أحداً بالتحديث، لا سيما إن كان ممن يترفَّع عن الجلوس مع من يراهُ دونه، فضلاً عن مجيئك إليه. وقد سأل الرشيدُ عبدَ الله بنَ إدريس الأَوْدِيَّ أنْ يُحَدِّثَ ابنَه، فقال: إذا جاء مع الجماعة حدثناه(٢). وما أحسَنَ قولَ إمامِنا الشافعيّ - فيما رُوِّيناه من جهة الرَبيع بنِ سليمان المُرَادِيّ عنه -: أَنْ يجعلَ الناسَ كُلَّهم خَدَمَهْ العِلمُ مِنْ شَرْطِه لِمَنْ خَدَمَهْ يصونُ في الناس عِرضَه وَدَمَهْ وواجبٌ صَوْنُه عليه كما ولا تجلسْ في الظلِّ وهم في الشمس. واخفِض صوتَك إلا أن يكون في المجلس سيءُ السمع. (وللحديثِ رَتِّلِ) استحباباً إنْ لم يَخْفَ منه شيءٌ، ولا تَسْرُدْهِ سَرْداً، أي لا تتابع الحديثَ استعجالاً بعضَه إِثْر بعض لئلا يلتبس، أو يمنَع السامعَ من إدراك بعضه، لحديث عائشة المتفق عليه: ((لم يكن النبي وَ﴾ٍ يَسْرُدُ الحديث سَردَكم))(٣). زاد الإسماعيليُّ: ((إنما كان حديثُه فَهماً تَفهمُه القلوب)) (٤). وزاد الترمذي(٥) - فيما قال: إنَّه حسن صحيح(٦) -: ((ولكنه كان يتكلم بكلامٍ بَيِّنٍ فَضْلٍ یحفَظُه مَنْ جلس إلیه)). (١) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٣٠٥/١، ٤١١)، وهو مرسل. (٢) ((تاريخ بغداد)) (٤١٦/٩) في حكاية طويلة. (٣) أخرجه البخاري في ((المناقب)): باب صفة النبي وَّر (٥٦٧/٦)، ومسلم في ((فضائل الصحابة)): باب من فضائل أبي هريرة ظُبه (١٩٤٠/٤) من حديث عائشة ثقا مختصراً. ولفظ مسلم بتمامه عن عروة أنها قالت: ((ألا يُعجبكَ أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حُجْرَتِي يُحَدِّث عن النبيِ وَّهِ يُسمعني ذلك، وكنت أُسَبّح، فقام قبل أن أَقضيَ سُبْحَتِي، ولو أدركتُه لردَدت عليه، إن رسول الله وَّ﴿ لم يكن يَسْرُد الحديث کَسْردِکم». (٤) ذكر الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٥٧٨/٦) زيادةً الإسماعيلي هذه بلفظ: ((إنما كان حديث رسول الله ◌َي﴿ فَضْلاً، فَهماً تفهمه القلوب)). (٥) في المناقب: باب في كلام النبي ◌َّرِ (٦٠٠/٥) ولفظه: (( .. بكلام بَيْنَه فَصْلٌ ... )). (٦) الذي رأيته في النسخة المطبوعة بتحقيق (إبراهيم عطوة عوض): ((هذا حديث حسن)). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٤٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولا شك أنَّ من المعلوم أن الصحابةَ ﴿ه لم يكونوا يَسْرُدُون الحديثَ بحيث لا يُفهَم بعضُه، بل اعتُذر عن أبي هريرة الذي مِن أجله قالت عائشة ما قالت(١) بأنه كان واسعَ الرواية، كثيرَ المحفوظ، لا يتمكّن من المَهل عند إرادة الحديث، كما قال بعضُ الْبُلَغاء: أريدُ أنْ اقتصرَ فَتَزَاحَمُ القَوَافِي على فِيَّ(٢). وقد قالت عائشة ما قالت. فإذا خَفِيَ البعضُ فأَوْلى أن يُنكَر. ولذا قيل - كما سلف في ((كتابة الحديث)(٣) -: ((شرُّ القراءةِ الْهَذْرَمة))(٤). وقد قال النخَّاس في ((صِنَاعة الكُتَّاب)): ((قولهم: سَرَدَ الكاتبُ قراءتَه. معناه: أَحْكَمها. مُشْتَق من: ((سَرَدَ الدرعَ)) إذا أحكمها، وجعل حِلَقَها وَلَاءً غَيْرَ مختلفةٍ وأَحسنَ صَنْعَةَ المسامير)). واعلم أنَّ القُراءَ في هذه الأعصارِ المتأخرةِ - بل وحكاه ابن دقيق العيد(٥) أيضاً - قد تسامَحوا في ذلك، وصار القارئُ يستعجلُ استعجالاً يمنعُ السامعَ من إدراك حروفٍ كثيرة، بل كلماتٍ. وقد اختلف السلفُ في ذلك، كما تقدم في ((خامس الفروع التالية الثاني أقسام التحمل)). ولا تُطِل المجلسَ، بل اجعله متوسطاً، واقتصد فيه حَذراً من سآمة السامع ومَلَلِه، وأن يؤدي ذلك إلى فُتورِه عن الطلب وكَسَلِه، إلَّا إنْ علمت أنَّ الحاضرين لا يتبرَّمُون بطوله. فقد قال الزهريُّ وغيرُه: ((إذا طال المجلسُ كان للشيطان فيه نصيب))(٦). وقال المُبَرد (٧): ((من أطالَ الحديثَ، وأكثرَ القولَ فقد (١) في حاشية (س): ((وهو قولها: لم يكن يسرد الحديث)). (٢) أورد هذا الاعتذار عن أبي هريرة الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٥٧٩/١). (٣) (ص٢٩). من كلام أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢٦٢/١) عن عمر رضيعنه. (٤) (٦) ((الحلية)) (٣٦٦/٣)، و((السير)) (٣٤١/٥). (٥) في ((الاقتراح)) (٢٧٣). (٧) إمام النحو أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي البصري. مات سنة ٢٨٦. ((طبقات النحويين واللغويين)) (١٠١)، و((السير)) (٥٧٦/١٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٧ آدابُ الشيخ المحدِّثِ عرَّض أصحابَه لِلمَلَال، وسوءِ الاستماع، ولَأَنْ يَدَعَ من حديثِه فَضْلةً يُعَاد إليها أصلحُ من أنْ يَفْضُلَ عنه ما يلزم الطالبَ استماعُه من غيرِ رغبةٍ فيه، ولا نشاطٍ له))(١). وقال الجاحظ (٢): ((قليلُ الموعظة مع نشاطِ المَوعوظ خيرٌ من كثيرٍ وافق من الأَسماع نَبْوة، ومن القلبِ مَلَالَةً))(٣). وقال المَاوَرْدِي: (قال بعضُ العلماء: كل كلام كثُر على السمع، ولم يُطَاوِعْه الفَهمُ ازدادَ به القلبُ عَمَّى. وإنما يقع السمعَ في الآذان إذا قَوِيَ فهمُ القلب في الأبدان)) (٤). وقال الوليدُ بنَ مَزْيد البيروتي(٥): ((المستمعُ أسرعُ ملالةً من المتكلم)»(٣). وصحَّ قولُهُ وَ له: ((عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإنَّ أحبَ العمل إلى الله أدومُه وإنْ قلّ))(٦). ٦٩٨ (وأحمدٍ) اللهَ تعالى (وصلِّ) على رسوله وَ لجر (مع سلام) عليه أيضاً، للخروج من الكراهة التي صرَّح بها النووي(٧) في إفراد أحدهما، حسبما قدمتُه في (كتابة الحديث))(٨) - في مُهماتٍ تُسْتَحْضَر هنا - (و) كذا مع (دُعاً) يليق بالحال (في بَدْءِ) كلِّ (مجلس، و) في (خَتْمه معاً) سرّاً وجهراً. فكل ذلك مستحب، إذْ عند ذِكْر الصالحين تنزل الرحمةُ. زاد بعضُهم: ويكون ذلك بعدَ قراءة قارئٍ حسنِ الصوتِ شيئاً من القرآن. (١) ((الجامع)) (١٢٧/٢). (٢) العلامة المتبحر ذو الفنون، المعتزلي أبو عثمان عمرو بن بحر. مات سنة ٢٥٠ أو سنة ٢٥٥. ((تاريخ بغداد)) (٢١٢/١٢)، و((السير)) (٥٢٦/١١). (٣) ((الجامع)) (١٢٨/٢). (٤) (أدب الدنيا والدين)) (٩٠). (٥) بعد الواو مثناةٌ فوقيةٌ، والوليدُ هذا مات سنة ٢٠٣، وقيل سنة ١٨٧. من رجال ((التهذيب)). (٦) أخرجه البخاريُّ في ((الإيمان)): باب أحبُّ الدين إلى الله أَدْوَمُه (١/ ١٠١) وفي اللباس، باب الجلوس على الحَصِير ونحوه (٣١٤/١٠) ومواضع أُخَر، ومسلمٌ في صلاة المسافرين وقَصْرِها: باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره (٥٤٠/١) عن عائشة بألفاظ متقاربة. (٧) في ((الأذكار)) (٩٨)، و((شرحه على صحيح مسلم)) (٤٤/١). (٨) (ص٤٨). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٤٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ومن أبلغ ذلك أن يقولَ: الحمد لله حمداً كثيراً، طيباً، مباركاً فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضَى، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركتَ على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، كُلَّما ذكرك الذاكرون، وكلما غفل عن ذكرك الغافلون، وصلِّ على سائر النبيين والمرسلين، وآل كلٍّ، وسائر الصالحين نهايةً ما ينبغي أن يسألَه السائلون. اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك سيدنا محمد مَّه، ونستعيذ بك من شرّ ما استعاذ منه نبيك سيدنا محمد وَّ، ونسألك الجنةَ وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونستعيذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسألك من الخير كلِّه عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونستعيذ بك من الشر كلِّه عاجِله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، وأنت المستعان، وعليك التكلان. وَخُصَّ الختمَ بقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اقسم لنا من خَشيتك ما يَحولُ بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغُنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا. اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوّتنا ما أحييتنا، واجعل ذلك الوارثَ منا، واجعل ثَأْرَنَا على من ظلَمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعلْ مُصيبتَنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ هَمِّنا، ولا مبلَغ عِلْمنا، ولا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمُنا. يا أرحم الراحمين. وما قال ابنُ الصلاح: ((إنَّه أبلغُ في ذلك))(١) قد نُوزع فيه فاقْتَصِرْ على هذا(٢) . (واعقِدْ) إنْ كنتَ محدثاً عارفاً (لِلامْلَا) - بالنقل وبالقصر للضرورةِ - في الحديثِ (مَجْلِساً) من كتابك، أو حِفظكَ، والحفظُ أشرفُ، لا سيّما وقد اختُلفَ في التحديث من الكتاب كما تقدم بسطه في ((صفة رواية الحديث))(٣). ٦٩٩ (١) ((علوم الحديث)) (٢١٨). (٢) الأَوْلَى الاقتصار على ما جاء عنه وَّةَ، وخُطبة الحاجة ثابتةٌ عنه وَّهِ وفيها غُنْية. (٣) (ص١٠٣) من هذا الجزء. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٩ آدابُ الشيخ المحدِّثِ (فذاك) أي الإملاء (من أَرْفَع) وُجُوهِ (الاسماع) - بالنقل - أيضاً من المُحدث (والأخذ) أي التحمّل للطالب، بل هو أرفَعُها عند الأكثرين، كما بينتُه مع تعليلِه في أول ((أقسام التحمل)). ولذا قال الحافظُ السِّلَفِي - فيما رُوِّينَاه عنه -: وَاِبْ عَلَى كَتْبِ ((الأَمَالِي)) (١) جَاهِداً مِنْ أَلْسُنِ الحُفَّاظِ والفُضَلَاءِ ما يَكْتُبُ الإنسانُ في الإملاءِ (٢) فأَجَلُّ أَنْوَاعِ العلومِ بِأَسْرِها وقال الخطيب في ((جامعه)): ((إنَّه أعلى مراتبِ الرَاوِين، ومِنْ أَحْسَنِ مذاهب المُحَدثين، مع ما فيه من خصال الدِين، والاقتداءِ بِسُنَن السلف الصالحین))، انتهى(٣). ومن فوائده: ١ - اعتناءُ الراوي بطُرق الحديث وشَواهِده، ومُتَابِعه وعاضِده. بحيثُ بها يتقوَّى، ويَبُثُّ - لأجلها - حُكْمَه بالصِحة أو غيرِها ولا يتروَّى، ويُرَتب عليها إظهارَ الخفيِّ من العِلَل، ويُهَذِّب اللفظَ من الخطأ والزلل، ويتضحُ ما لَعلَّه يكون غامضاً في بعض الروايات، ويُفْصِح بتَعيين ما أُبهم، أو أُهمل، أو أدرج فيصيرُ من الجليات. ٢ - وحرصُه على ضبطٍ غريبِ المتن والسندِ. ٣ - وفحصُه عن المعاني التي فيها نشاطُ النفس بأتمٍّ مستند. ٤ - وُبعدُ السماع فيها عن الخطأ والتصحيفِ الذي قلَّ أنْ يَعْرَى عنه لبيبٌ أو خَصِيف . ٥ - وزيادةُ التفهّم والتفهِيم لكل مَن حضر، من أجل تكرُّر المراجعة في تضاعيف الإِملاء، والكتابةِ، والمقابلةِ على الوجه المعتبر. (١) جمع (إملاء) وهو ما يُمْليه الشيخُ على طَلَبته في يومٍ معيَّن من أيام الأسبوع، وهو من وظائف العلماء قديماً ((الرسالة المستطرقة)) (١٥٩). (٢) البيتان أخرجهما السمعاني في ((أدب الإملاء)) (١٢) عن السِّلَفي، وعنده: (فأجل أنواع السماع ... ). وأورد ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (٢٧٦) البيت الثاني، ولفظه: (فأجل أنواع الحديث ... ). (٣) ((الجامع)) (٥٣/٢). آدابُ الشیخ المحدِّثِ ٢٥٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦ - وحوزُ فَضِيلَتَي التبليغِ والكتابةِ. ٧ - والفوزُ بغير ذلك من الفوائدِ المُستطابة، كما قرَّره الرافعي(١) وبيَّنه، ونَشَره وعَيّنه . يقال: أمليتُ الكتابَ إملاءً، وأَمْلَلْت إملالاً. جاء القرآن بهما جميعاً، قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾(٢) فهذا من ((أَمَلَّ)، وقال تعالى: ﴿فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ﴾(٣)، فهذا مِن ((أَمْلَى)) فيجوز أن تكونَ اللغتانِ بمعنَى واحدٍ، ويجوز أن يكونَ أصلُ (أَمْلَيْتُ)): ((أَمْلَلْتُ))، فاستثقلوا الجمعَ بين حرفين في لفظٍ واحد، فأبدلوا من أحدهما: ((ياءً))، كما قالوا: تَظَنَّنت. يعني حين أبدلوا من إحدى النونين ياءً فقالوا (٤): التظني، وهو إعْمالُ الظن(٥) . وكأنَّه من قولهم: ((أملى اللهُ له)) أي أَطال عُمُرَه. فمعنى أمليتُ الكتابَ على فلان: أَطَلتُ قراءتي عليه. قاله النحاس في ((صناعة الكُتَّاب)). وهو طريقةٌ مسلوكة في القديم والحديث، لا يقوم به إلا أهلُ المعرفة. وقد أملى النبيُّ وَّه الكتبَ إلى الملوك، وفي المصالحة يوم ((الحديبية))، وفي غير ذلك(٦) . وأملى واثلةُ نَظُبه كما رواه معروفٌ الخياطُ - الأحاديثَ على الناس وهم يكتبونها عنه(٧) . وممن أَملى: شعبةُ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ، وهمامٌ، ووكيعٌ، وحمادُ بن سلمة، ومالكٌ، وابن وهب(٨)، وأبو أسامة(٩)، وابنُ عُلَيَّة، ويزيدُ بن هارون، (١) يظهر أنه في أماليه: ((الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة))، ((الرسالة المستطرفة)) (١٦٠). (٣) سورة الفرقان: الآية ٥. (٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. (٤) في (م): فقال. من الناسخ. (٥) ذكره ابن قتيبة في ((أدب الكاتب)) (٤٨٧، ٤٨٨). (٦) انظر: (الجزء الثاني من كتاب: المِصْباح المُضِيء)، و(مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي). (٧) ((الجامع)) (٥٣/٢). (٨) عبد الله بن وهب صاحب الإمام مالك. .(٩) الحافظ الثبت حماد بن أسامة. روى له الجماعة. مات سنة ٢٠١. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥١ آدابُ الشيخ المحدِّثِ وعاصم بن علي، وأبو عاصم، وعَمرو بن مرزوق، والبخاريّ، وأبو مسلم الكَجِّي، وجعفرُ الفِرْيابي، والهُجَيمِي (١)، في خلقٍ يطولُ سَردُهم، ويتعسَّر عَدُّهم من المتقدمين والمتأخرين كابْنَي بِشْرَانَ(٢)، والخطيبِ، والسِّلَفِيِّ، وابنٍ عساكر(٣)، والرافعيِّ، وابنِ الصلاح، والمِزِّي، والناظِم، وكان الإملاءُ انقَطَعَ قبلَه دهراً، وحاولَه التاجُ السُّبْكِي، ثم وَلدُه الوليُّ العراقيُّ على إحيائه(٤)، فكان يتعلَّل برغبة الناس عنه، وعدم موقعِهِ منهم، وقلةِ الاعتناءِ به، إلى أن شرحَ اللهُ صدرَه لذلك. واتفَقَ شروعُهَ فيه بـ(المدينة النبوية))(٥) [سنة ٨٩](٦) ثم عَقَده بالقاهرة في عِدّة مدارس [من أول سنة: ٩٨](٧). وكذا أَمَلَى يسيراً في زمنه السراجُ ابنُ المُلَقِّن، ولم يرتضِ شيخُنا صنيعَه فيه. وبعدهما الوليُّ العراقيُّ بالحرمين، وعدةِ مدارس من ((القاهرة))، وشيخُنا بـ((الشام))، و((حلبَ))، و((مصرَ))، وبـ«القاهرةٍ)) في عدة مدارسٍ. واقتديتُ بهم في ذلك بإشارة بعضٍ محقِّقي شُيوخِي (٨) فأمليتُ بـ((مكةَ))، (١) أبو إسحاق الماضي ذكره (ص٢٣٤). (٢) هما الشيخُ العالم المسندُ أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله البغدادي، وأخوه الإمام المحدث مسند العراق، أبو القاسم عبد الملك، مات الأول سنة ٤١٥، وله ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٩٨/١٢)، و((السير)) (٣١١/١٧)، ومات الثاني سنة ٤٣٠، وله ترجمة في المصدرين السابقين: (٤٣٢/١٠)، و(٤٥٠/١٧). (٣) الإمام الحافظ الكبير المؤرخ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، مات سنة ٥٧١ ((وفيات الأعيان)) (٣٠٩/٣)، و((السير)) (٥٥٤/٢٠). (٤) يعني، أن الناظمَ العراقي قد حاولَه كلٌّ من ابنه الوليّ، والتاجِ السبكي على («إحياء الإملاء)). (٥) في (س): الشريفة. (٦) يعني وسبعمائة، وما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م) و(الأزهرية). (٧) يعني وسبعمائة، وما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م) و(الأزهرية) .. هذا، وقد جاء في ((ذيل السيوطي على تذكرة الحفاظ)) (٣٧١) أن العراقي شرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين (يعني وسبعماية) فأحيا الله به سُنَّة الإملاء بعد أن كانت دائرة)). وجاء في ((ذيل ابنٍ فهد على تذكرة الحفاظ)) (٢٣٣): ((وشرع في الإملاء من سَنة خمس وتسعين))، فلعلّه كان في آخر سنة خمس وأول سنة ست. وما قبله خاص بالمدينة، والقاهرة. والله أعلم. (٨) جاء في حاشية (س): ((وهو التَّقِيُّ الشُّمُنِّي، أَحَدُ العلماءِ الصُّلَحاءِ))، انتهى. قلت: هو = آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٥٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وبعدَّةِ أماكنَ من ((القاهرة))، وبَلَغَ عدّةُ ما أمليتُه من المجالس إلى الآن نحوَ الستمائة، والأعمالُ بالنيات. واختلَف صنيعُهم في تَعْيين يوم لذلك، وكذا في تعدّد يوم من الأسبوع. وَعَيَّن شيخُنا لذلك يومَ الثلاثاء خاصّةً، وقبلَ ذلك يومَ الجمعة بعدَ صلاتها . وهو المُستَخب. وكذا يُستَحب أن يكونَ في المسجد لشرفِهما، فقد قال كعبٌ: ((إنَّ الله اختار الأيامَ فجعلَ منهن الجمعةَ، والبِقَاعَ فجعل منهن المساجد))(١). وقال عليٍّ: ((المساجدُ مجالسُ الأنبياء وحِرْزٌ من الشيطان))(٢)، وقال أبو إدريس الخولاني: ((المساجدُ مجالسُ الكرام)» (٣). ويُروَى في المرفوع: ((المسجدُ بيتُ كُلِّ تقي(٤)). وكتب عمرُ بن عبد العزيز يأمر أهل العلم بِنَشْرِه في المساجد، تقي الدين أبو العباس أحمد بن محمد الشمني - بضم المعجمة والميم، وتشديد النون - = الحنفي الإمام المفسر المحدث النحوي (٨٠١ - ٨٧٢هـ)، ترجَم له المصنف في ((الضوء اللامع)) (١٧٤/١). وانظر: ((شذرات الذهب)) (٣١٣/٧). والشُّمُنِّي: نسبةٌ المزرعة ببعض بلاد المغرب، أو لقرية. قاله السخاوي. (١) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢/ ٦٠) بأطولَ من هذا. (٢) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٦٠/٢). (٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (١٢٣/٥)، والخطيب في ((الجامع)) (٢/ ٦١). (٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٥٥/٦)، وأبو نُعَيم في ((الحلية)) (١٧٦/٦)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٧٨/١) كلهم من طريق عبد الله بن معاوية الجُمَحي عن صالح بن بَشِير المُرِّي عن الجُرَيرِي عن أبي عُثْمانَ عن سَلمانَ مرفوعاً أنه كتب به إلى أبي الدرداء، وصالح المُرِّي قال عنه الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢/٢)، والحافظ في ((التقريب)) (٢٧١): إنه ضعيف. وأخرجه القُضَاعي في ((مسند الشهاب)) (١/ ٧٧) من طريق محمد بن واسع عن أبي الدرداء مرفوعاً وأنه كتب به إلى سلمان. ومحمد بن واسع لم يذكر له المِزِّي في ((تهذيب الكمال)) (٥٧٦/٢٦) رواية عن أحد من الصحابة سوى أنس بن مالك، ففي السند انقطاع. وأخرجه البزارُ - كما في ((كشف الأستار)) (٢١٧/١) - بلفظٍ آخرَ عن محمد بن واسع عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، وقال: (وإسناده حسن). ثم قال الهيثمي: (ورجالٌ البزار كلَّهم رجالُ الصحيح). وقال السخاوي في ((المقاصد)) (٣٨٤) - بعد أن عَزاه للطبراني والقضاعي -: (وله شواهدُ أودَعتُها بعضَ التصانيف) انتهى. فالحديث بمجموع ذلك حسن. والله أعلم. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٥٣ آدابُ الشيخ المحدِّثِ فإنَّ السُنّةَ كانتْ قَدْ أُمِيتَتْ(١). واجْلِسْ مستقبلَ القِبلة، مستعملاً ما تقدَّم قريباً في نفسِك، ومع أصحابك، وعند الابتداء والانتهاءِ، وفي خفةِ المجلس، فَلا فَرقَ. (ثُمَّ إنْ تكثُر جموعٌ) من الحاضرين (فاتَّخِذْ) - وجوباً - كما صرح به ٧٠٠ الخطيب (٢) (مستملياً) يتلقَّنُ منك، لِلاحتياج إليه، وإنْ تَقِلَّ فلا، لعدم الاحتياج إليه غالباً، ثقةً (مُحَصلاً، ذا يقظةٍ) وفَهْم، وَبَراعةٍ في الفنِّ يبلّغُ عنك الإملاء إلى مَنْ بَعُدَ في الحَلْقة، اقتداءً بأئمة الحديثِ وحُفّاظه، كمالكِ، وشعبةَ، ووكيع(٣)، بل رَوَى أبو داودَ والنسائيُّ، وغيرهما من حديث رافع بن عمرو قال: ((رأيتُ رسولَ اللهِ ﴿ يخطب الناسَ بـ((منَى)) حين ارتفَع الضُحى على بَغْلَةٍ شهباءَ وعليٍّ ◌َُّ يُعَبِّرُ عنه (٤)) [وفي ((الصحيح)) عن أبي جَمْرَة قال: ((كنتُ أُتَرجِمُ بين ابنِ عباس وبين الناس يُقْعِدني معه على سريره))(٥)] (٦). والحَذَرَ أنْ يكونَ مُغَفَّلاً بَلِيداً كالمُستَملي الذي قال لِمُمْلِيه - وقد قال له: ثنا عِدَّةٌ(٧) - ما نَصُّهُ: ((عِدَّةُ ابنُ مَنْ؟))، فقال له المُمْلِي: عِدَّةُ ابنُ فَقَدتُك (٨) !! ». وكالآخَرِ الذي قال لِمُمْلِيه - وقد قال له: عن أنس قال رسولُ. كذا في (١) أخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٦٠٣)، ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (٦١/٢). (٢) في ((الجامع)) (٦٥/٢). (٣) انظر: باب اتخاذ المستملي عند الخطيب في ((الجامع)) (٦٥/٢) وما بعدها. (٤) أخرجه أبو داود في ((المناسك)): باب أي وقت يخطب يوم النحر (٤٨٩/٢)، والنسائي في ((الكبرى)) كتاب الحج، باب وقت الخطبة يوم النحر (٤٤٣/٢)، وفيه زيادة. وأخرجه أيضاً أبو داود في ((اللباس)) برقم (٤٠٧٣) والإمام أحمد (٤٧٧/٣) بنحوه عن عامر المزني. والحديث صحيح. ومعنى (يُعَبِّر عنه) أي يبلّغ من لم يسمع. (٥) أخرجه البخاري في ((الإيمان)): باب أداء الخُمُس من الإيمان (١٢٩/١)، وفي ((العلم)): باب تحريض النبي ◌َّله وفد عبد القيس .. (١٨٣/١)، ومسلم في ((الإيمان)): باب الأمر بالإيمان بالله تعالى .. (١/ ٤٧) بنحوه. (٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م). (٧) يعني حدثنا جماعة. (٨) ((الجامع)) (٦٦/٢)، والقصة كانت بين الإمام يزيد بن هارون ومُسْتَمْلِيه. آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٥٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث كتابي، وهو رسول الله إن شاء الله - ما نصه: ((قال رسولُ، وشكَّ أبو عثمانَ - وهي كُنْية المُمْلي - في الله)). فقال له المُمْلِي: ((كذبتَ يا عدوَّ الله، ما شَككتُ في اللهِ قط))(١) . وكالآخَرِ الذي كان مُمْلِيه يقول له: ثنا حمادُ بن خالد. فيكتبُه: حمادَ بن زيد، ويَسْتَمْليه: حمادَ بن سلمة، ثم يرجع إلى بيته فلا يُحْسنُ قراءَتَه أَصلاً، فيقومُ - عند ذلك - لزوجته فيضربُها، فتستغيثُ المرأةُ بالمُمْلِي(٢). في حكاياتٍ من هذا النَّمَطِ مضحكةٍ، تقدَّم بعضُها في ((الفصل الخامس)) من الباب قبله(٣). وقد قيل في كاتب: أقولُ له: بَكْراً. فيسمعُ: خالداً ويكتبُه: زيداً. ويقرؤه عمراً وأيضاً : يَعِي غَيْرَ مَا قُلْنَا. وَيكتُب غَيرَ مَا وَعَاهُ. ويقرَأُ غَيرَ ما هو كاتِبُ(٤) فإن تكاثرَ الجَمعُ بحيث لا يكفي واحدٌ فَزِدْ بحسَب الحاجة، فقد كان لعاصم بن علي - الذي حُزِرَ مجلسُه بأكثرَ من مائة ألف إنسان - مُسْتَمليان(٥) - ولأبي مسلم الكَجِّي - الذي حُزِر بنيِّف وأربعين ألفَ مَحْبَرة، سوى النَّظّارة - سبعةٌ يتلقَّى بعضُهم عن بعض(٦). ويستحب أن يكونَ المُسْتَملي جَهُوريَّ الصوتِ، فقد شبَّهه بعضهم (٧) بالطَبَّالِ في المُعَسْكَر(٨)، وأن يكونَ كما قال الخطيبُ(٩)، وابنُ السمعاني(١٠) - [مُقَيَّداً له بما إذا كَثُرَ العَدَدُ بحيثُ لا يَرَوْنَ (١) ((الجامع)) (٦٧/٢)، والمُمْلِي هو أبو عثمانَ خالدُ بن الحارث الهُجَيمي البصري، الإمام الثقة الثبت مات سنة ١٨٦. ((التقريب)) (٢١١/١)، والمُسْتَمْلِي يقال له: الجمّاز. (٢) ((الجامع)) (٦٨/١)، وكان المُمْلي فيها داودَ بن رُشَيد، والمستملي: هارونَ الديك البصري، ومثله ((أدب الإملاء)) (٩٢). (٣) (ص١٥٠). (٤) جاء في ((أدب الإملاء)) (٩٢) أن أبا عبيدة قال: (كَيْسَانُ - يعني مستمليه - يسمعُ غَيْرَ ما أَقولُ، ويقولُ غيرَ ما يَسمِعُ. ويكتب غَيرَ ما يقولُ. ويقرأ غَيْرَ ما يَكْتُبُ، ويَحَفظُ غَيْرَ مَا يَقْرَأ) !! (٥) ((الجامع)) (٥٤/٢)، والمستمليان هما: هارون الديك، وهارون مُكْحُلَة. (٦) ((الجامع)) (٥٥/٢)، و((تاريخ بغداد)) (١٢١/٦)، و((أدب الإملاء)) (٩٦). (٧) هو أبو عقيل الدورقي كما في ((أدب الإملاء)) (٩٠). (٨) في (س) و(م) و(الأزهرية): العسكر. وهما بمعنَّى. (٩) ((الجامع)) (٦٦/٢). (١٠) ((أدب الإملاء)) (٥٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٥ آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٧٠١ وجهَه](١) - (مُسْتَوياً) أي جالساً (ب) مكانٍ (عالٍ) من كرسيٍّ ونحوه (أَوْ فَقَائماً) على رجليه، كابن عُلَيّة بمجلسٍ مالكٍ(٢)، وآدمَ بنِ أبي إياسٍ بمجلسٍ شُعبةَ(٣)، بل كان بعضُ الصالحين يقرأ على شيخِنا وهو قائم، وفعلتُه معه غيرَ مرة لضرورة اقتضَتْ ذلك. ولا شك أنَّ الجلوسَ بالمكان المرتَفع، أو قائماً أبلغُ للسامعين، وفيه تعظيمٌ للحديث، وإجلالٌ له، [لا سيما والمحدث يستحب له إذا كثر الجمع - بحيث لا يرى الجميعُ وجهَه ـ الارتفاعُ. بل تقدم استحبابُه في حقه مطلقاً](٤). (يتبعُ) ذلك المُسْتَملِي (ما يسمَعُه) منكَ، ويؤديه على وجهه من غيرِ تغيير، وذلك مستحب كما صرح به الخطيب(٥)، وابنُ السمعاني(٦)، ثم رجعا إلى الوجوب (٧)، وعبارتُهما معاً: ((ويستحب أنْ لا يخالفَ لفظَ المُمْلي في التبليغ عنه، بل يلزَمه ذلك، خاصة إذا كان الراوي من أهل الدِّرَاية، والمعرفة بأحكام الرواية)). وظاهرُ كلام ابن الصلاح أيضاً يُشعر بالوجوب، وهو الظاهر من قوله: ((وعليه أن يتبعَ ... )) إلى آخره (٨). (مبلِّغاً) بذلك من لم يبلغْه لفظُ المُملي (أو مُفْهِماً) به مَنْ بَلَغَه على بُعدٍ ولم يتفهّمْه، فيتوصلُ بصوت المُستملي إلى تفهّمه وتحقّقه. وقد تقدم بيانُ الحُكم فيمن لم يسمع إلا من المُستملي دون المُملي في ((الفرع الخامس)) من الفروع التالية لثاني ((أقسام التحمل)) (٩) بما أغنى عن إعادته . (واستَحسنوا) أي أهلُ الحديث ممن تصدَّى للإملاءِ (البدءَ) أي الابتداءَ ٧٠٢ في مجالسهم (ب) قراءة (قارئٍ) هو المُسْتَملي - كما للخطيب(١٠) وابن السمعاني (١١) -، أو المُمْلِي - كمَا الرافعي(١٢) -، أو غيرُهما (تلا) أي قرأَ شيئاً (١) ساقط من (ح) و(«الأزهرية)). (٣) ((الجامع)) (٥٤/٢). (٥) ((الجامع)) (٦٧/٢). (٧) لقولهما - كما سيأتي -: ((بل يلزمه ذلك)) بعد أن قالا: ((ويستحب أن لا يخالفَ لفظَ المُملي)). (٨) ((علوم الحديث)) (٢١٩). (١٠) ((الجامع)) (٦٨/٢). (١٢) يظهر أنه في ((أماليه)) المتقدم ذكرها. (٢) ((الجامع)) (٦٦/٢). (٤) ساقط من (س) و (م). (٦) ((أدب الإملاء)) (١٠٥). (٩) (٣٨١/٢ - ٣٨٢). (١١) ((أدب الإملاء)) (٩٨). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٥٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث من القرآنِ. والاختلافُ في التعيين لا يُنَافي اجتماعَهم على القراءةِ. وعيَّن الرافعيُّ، والخطيبُ(١) أنْ يكونَ المتلوُّ سورةً. زاد الرافعيُّ: خفيفةً. قال: ((ويُخفيها في نفسه)) كأنه لكونه أقربَ إلى الإخلاص. واختار شيخُنا - تبعاً لشيخه(٢) -: ((سورَة الأعلى))(٣) لذلك. وكأنَّه من أجل قوله فيها: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَسَ ﴾﴾(٤)، وقوله: ﴿فَذَكِرْ﴾(٥)، وقوله: ﴾(٦) . صُحُفٍ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى (4) والأصل في قراءة السورةِ ما رواه الخطيب وغيرُه من حديث أبي نَضْرَةَ قال: ((كان الصحابةُ إذا اجتمعُوا تذاكروا العلمَ، وقرَأُوا سورةً»(٧). بل أخرجه أبو نُعَيم في ((رياضة المتعلِّمين)) من حديث أبي نَضْرة عن أبي سعيد قال: ((كان أصحاب رسول الله وَ﴿ إذا قَعدُوا يتحدثون في الفقه يأمرون أن يقرأَ رجلٌ سورةً)». (وبعده) أي المَتْلُوِّ (اسْتَنْصَتَ) المُسْتَمْلِي - كما قاله الخطيب(٨)، وابنُ الصلاح(٩)، واستَحْسنه ابنُ السمعاني(١٠) -، أو المُمْلي - كما قاله ابن السمعاني (١١) - أهلَ المجلسِ حيث احتِيج لذلك اقتداءً بقوله وَّ لِجَرِيرٍ في ((حَجة الوَدَاعِ)): (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) متفق عليه(١٢). (ثم) بعد إنصاتِهم (بَسْمَلًا) المُسْتملي أي قال: بسم الله الرحمن الرحيم. ٧٠٣ وهذا أولُ شيء يقولُه (ف) يليه (الحمدُ) لله رب العالمين، (ف) يليه (الصلاةُ) مع (١) وابن السمعاني أيضاً. (٢) أي اختار الحافظُ ابنُ حجر تبعاً للحافظ العراقي ناظم الألفية. وعزا هذا القولَ إليهما أيضاً الشيخُ زكريا الأنصاري ((فتح الباقي)) (٢١٤/٢). (٣) ذات الرقم (٨٧) في المصحف. (٤) سورة الأعلى: الآية ٦. (٥) سور الأعلى: الآية ٩. (٦) سورة الأعلى: الآية ١٩. (٧) الخطيب في ((الجامع)) (٦٨/٢) - بإسنادٍ رجاله ثقات - ومن طريقه ابن السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٤٨). (٨) ((الجامع)) (٦٩/٢). (٩) في ((علوم الحديث)) (٢١٩). (١٠) في ((أدب الإملاء)) (٤٩). (١١) في ((أدب الإملاء)) (٤٩، ٩٧). (١٢) أخرجه البخاري في العلم: باب الإنصات للعلماء (٢١٧/١)، ومسلم في الإيمان: باب بيان معنى قول النبي تليفون: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً ... )) (٨١/١) من حديث جريرٍ بن عبد الله البَجَلِي فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٧ آدابُ الشيخ المحدِّثِ السلام على رسول الله وَ﴿ اقتداءً بقوله وَله: «كُلُّ أمرِ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فيه ببسم الله - وفي رواية: بحمد الله، وفي رواية: والصلاة عليَّ - فهو أقطع(١)). فإذا جَمعَ بين الألفاظ فقد استَعمَل الرواياتِ، وحازَ الأكملَ في فضيلتِها . (١) أخرجه أبو داودَ في الأدب: باب الهَدْي في الكلام (١٧٢/٥)، وابن ماجه في النكاح: باب خُطبة النكاح (٦١٠/١)، وأحمدُ (٣٥٩/٢)، وابنُ حبان في ((صحيحِه)) ((الإحسان)) (١٠٢/١) والدارقطني (٢٢٩/١)، والخطيبُ في ((الجامع)) (٢/ ٧٠) كلَّهم من طريق الأوزاعي عن قُرَّةَ بنِ عبد الرحمن المَعَافِرِيّ عن الزهري عن أبي سَلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بألفاظِ فيهاَ بعضُ اختلاف، فلفظُ أبي داود: (كلّ كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أَجْذَم)، وقريبٌ منه لفظُ ابنِ ماجه، وابن حبان والدار قطنيٍّ، والخطيب. ولفظُ أحمدَ: ((كل كلام - أو أمرٍ ذي بال - لا يُفتح بذكر الله لك فهو أبتر، أو قال: (أقطع) وهذا السند ضعيف، قال الدارقطني: (تفرَّد به قُرَّة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأرسلَه غيرُه عن الزهري عن النبيِ وَّه. وقُرَّة ليس بالقوي في الحديث). وقال - قبلَه - أبو داود: (رواه يونُسُ وعُقَيلُ، وشُعَيب، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي (وَ﴿ مرسلاً). يعني أنَّ الصحيحَ فيه: مرسلٌ. كما نصَّ عليه الدارقطني حيث قال بعد كلامه المتقدم: (ورواه صَدَقَةُ - بن عبد الله - عن محمد بن سعيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي وَله. ولا يصحُّ الحديث، وَصَدَقةٌ ومحمد بن سعيد ضعيفان. والمرسل هو الصواب) انتهى. قلت: وقد أخرج الحديثَ أيضاً الطبرانيُّ في ((الكبير)) (٧٢/١٩) من طريق صدقة بن عبد الله عن محمد بن الوليد عن عبد الله بن كعب - يعني أخا عبد الرحمن المتقدم - عن أبيه مرفوعاً. وفيه صدقة وهو ضعيف. وأخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٦٩/٢) من طريق الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع))، وهو وإن كان من روايةِ الأوزاعي عن الزهري إلّا أن في الطريق إلى الأوزاعي أحمدَ بنَ محمدٍ بن عمران، ويُعرَفُ بابن الجُنْدِي قال فيه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٧٧/٥): (وكان يُضَعَّفُ في رِوايتِه، ويُطعَنُ عليه في مذهبه (يعني التشيُّعَ). سألتُ الأزهريَّ عن ابن الجُنْدِي فقال: ليس بشيء)، وقد اتهمه ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٦٨/١ - ٣٦٩) بوضع حديثٍ في فضل علي ظه، ذكر ذلك الحافظُ ابنُ حجر في («اللسان» (٢٨٨/١). ومن كلِّ ما مضى يتبيَّن أن الحديثَ بلفظِ (الحمدلة) ضعيفٌ والصواب أنَّه مرسلٌ كما قال الدارقطني، وأشار إليه أبو داود. وأما هو بلفظ (البسملة) فضعيفٌ جدّاً. والله أعلم. وقد تكلّم الألباني في ((إرواء الغليل)) (٢٩/١ - ٣٢) على الحديثين كلاماً وافياً استفدِتُ منه، وانتهى فيه إلى النتيجة الماضية، ونبّه إلى أنَّه لم يقف على ما عند الخطيب. آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٥٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (ثم) بعد ذلك (أَقْبَلَ) المُسْتملي على المُمْلي (يَقولُ) له: (مَنْ) ذَكَرتَ من الشيوخ؟ (أو ما ذَكرتَ) من الأحاديثِ؟ قال الرافعيُّ: ((ولا يقولُ: مَنْ حَدَّثك؟ أو مَن سمعتَ؟ فإنه لا يَدري بأيِّ لفظةٍ يبتدئُ)). لكنْ قال ابنُ دقيق العيد في ((الاقتراح)): ((الأحسنُ أن يقولَ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ أو مَنْ أخبرك؟ إنْ لم يُقَدِّم الشيخُ ذِكرَ أحدٍ، إلّا أن يكون الأولُ عادةً للسلفِ مستمرةً فالاتِّبَاعُ أَوْلَى))(١). وكذا قال ابنُ السمعاني: ((يقول: مَنْ ذكرتَ، أو من حدثك؟))(٢). ٧٠٤ (وَابْتَهَلَ) أي ودعا المُسْتَملي (له) أي للمُمْلي مع ذلك بقوله - رافعاً لصوته -: ((رحمكَ اللهُ، أو أصلحكَ الله، أو غفر اللهُ لك)). قال ابنُ السمعاني: ((ويقولُ: رضي الله عن الشيخ، وعن والديه، وعن جميع المسلمين))(٣)، يعني إنْ لم يكن في أَبَوَيْهِ ما يمنعُ ذلك، كما اتفق لشيخنا حيث قال لشيخه البرهانِ إبراهيم بن داود الآمدي(٤): ((ورضي الله عنكُم، وعن والديكم))، فقال له البرهانُ: ((لا تَقُلْ هكذا)»(٥). يُشِير إلى أنهما لم يكونا مُسلِمَين. قال ابنُ السمعاني: ((فلو قال رضي الله عن سَيِّدنا جاز، إذا عَرفَ المُمْلي قَدْرَ نفسه)، يعني لقوله وَّهَ: ((قُومُوا إلى سيدكم))(٦). قال: ((وكره بعضُهم ذلك)) يعني لما فيه من الإطراء. قال: ((وقد كنتُ أقرأُ على أبي القاسم علي بن الحُسينِ العَلُّويي(٧) - وكان شيخاً صالحاً من أهل بيتٍ(٨) - فقلتُ: رضي الله (١) ((الاقتراح)) (٢٧٧). (٢) ((أدب الإملاء)) (١٠٣). (٣) ((أدب الإملاء)) (٩٨). (٤) هو أبو محمد الدمشقى نزيلُ القاهرة. مات سنة ٧٩٧، وكان أبوه مات على النصرانية، فأسلمَ البرهانُ على يد شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية وهو دونَ البلوغ. وصَحِبَه إلى أن مات، وأخذ من أصحابه. ((إنباء الغمر)) (٢٥٤/٣)، و((الدرر الكامنة)) (٢٥/١). (٥) المصدرين السابقين، ولفظه فيهما: (فَتَظَر إليَّ مُنْكِراً. ثم قال: ما كانا على الإسلام). (٦) متفق عليه، وقد مضى. (٧) في النسخ: العلوي. والصواب: العَلَّوْيِي، بفتح العين المهملة، وضم اللام المشددة، وسكون الواو وآخرها مثناة تحتية، نسبة إلى (علوية) اسم لبعض أجداد المنتسب إليه. ((الأنساب)) (٤٢/٩)، و((اللباب)) (٣٥٤/٢)، لكن جاء فيهما: علي بن الحسن، وما أثبت في النسخ، وفي ((أدب الإملاء)) (٩٩). وقد مات سنة ٤٩٧. (٨) في ((أدب الإملاء)) (٩٩): ((من أهل بيت معروفين)). وفي ((الأنساب)): ((وكان من بيت العلم والرئاسة)). والمعنى ظاهر. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٩ آدابُ الشیخ المحدِّثِ عن الشيخ الإمام فلان. فَنَهاني عنه، وقال: قل: ورضي الله عنك، وعن والديك، وحَرَّم شَيْبَتَكَ على النار. فقُلْتها، وهو يبكي))(١). وجَرَى ذلك لآخَرَ فقال: ((لا تُعَظّمني عندَ ذِكْرِ رَبي))(١). قال يحيى بنُ أَكْثَمَ: ((نِلْتُ القضاءَ، وقضاءَ القُضاة، والوزارةَ، وكذا، وكذا، فما سُرِرتُ بشيء مثلِ قولِ المُسْتملي: مَنْ ذَكَرتَ رحمك الله؟))(٢). ونحوُه قولُ المأمون: ((ما أَشْتَهي من لذات الدنيا إلَّا أنْ يجتمعَ أصحابُ الحديث عندي، ويجيءَ المُسْتَملي فيقولَ: مَن ذكرتَ أصلحك الله؟))(٣). وكذا رُوي عن محمد بن سَلَّام الجُمَحي (٤) قال: ((قِيل للمَنصورِ: هل بَقِيَ مِنْ لَذَّات الدنيا شيءٌ لم تَنَلْهُ؟ قال: بَقِيتْ خَصْلةٌ، أنْ أقعدَ في مِصْطَبَّةٍ، وحَوْلِي أصحابُ الحديث، ويقولُ المُسْتَملي: مَنْ ذكرتَ رحمك الله؟ قال: فَغَدَا عليه النُّدَمَاءُ، وأَبْناءُ الوزراءِ بالمَحَابِرِ والدَّفاتِر، فقال: لَسْتُمْ هُم، إنَّما هُم الدَّنِسَةُ ثِيابُهم، المُتَشققة أرجُلهم، الطويلَةُ شُعُورهم، بُرُهُ(٥) الآفاق، وَنَقَلَةُ الحديث))(٦). قال الخطيب: (و) إذا انتَهى المُستملي(٧) - تبعاً للمُمْلِي - إلى ذِكرِ النبي ◌َّه من الإسناد (صلَّى) يعني وسلَّم، وفعلَ ذلك في كل حديث مرَّ فيه ذِكرُ النبي و ﴿ استحباباً، (و) كذا إذا انتهى إلى ذكر أحدٍ من الصحابة مؤتمر (ترضَّى) عنه بقوله: رضي الله عنه، أو رضوانُ الله عليه حالَ كونه (رافعاً) صوتَه بذلك کلِە))(٨). زاد غيرُه: «فإنْ كان ذاك الصحابيُّ من أبناءِ الصحابة أيضاً كابن عباس، وابنِ عُمر، قال: رضي الله عنهما. وإن كان أبوه وجدُّه صحابِيَّيْن - وَذَكَرَهُما - (١) ((أدب الإملاء)) (٩٩). (٢) ((الجامع)) (٧١/٢). (٣) ((الجامع)) (٢/ ٥٣). (٤) العلامة الأخباري أبو عبد الله. مات سنة ٢٣٢. ((الجرح والتعديل)) (٢٧٨/٧)، و((السير)) (٦٥١/١٠). وسلّام: بتشديد اللام. (٥) في حاشية (س) تعليقاً على هذه الكلمة: ((جَمْعُ بَرِيد)). (٦) أخرجه السمعاني في ((أدب الإملاء)) (١٩) عن محمد بن سلّام الجمحي. (٧) في (ح): أي المستملي. من الناسخ. (٨) ((الجامع)) (١٠٣/٢، ١٠٤). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٦٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث كعائشةَ قال: رضي الله عنهم)). وبقولِه: ((وَذَكَرَهُما)) يتأيَّد بعضُ مَنْ كان يُنكِر على القارئ من أئمة شيوخِنا إذا مَرَّ به ((عن عائشة ﴿ّ)) حيث يقول: ((وعن أبيها وجدِّها وأخيها))، لما فيه من التطويل لا سيما إنْ أَوْهَمَ بذلك أنَّ في المجلس بعضَ الرافضةِ مما الواقعُ خِلافُه. وكذا يقعُ في كثير من الأصول القديمةِ حتى في ((أَحمدَ))، و((أبي داودَ)): ((عن علي ظِّ)) تاركاً لذلك في أبي بكرٍ، وغيرِهِ مِمَّن هو أفضلُ منه. بل يقعُ ذلك في فاطمةَ الزهراءِ أيضاً. وعندي توقُّفٌ في المُقْتَضِي للتخصيص بذلك، مع احتمال وقوعِه مِمَّن بَعْدَ المُصَنِّفين، ولكنَّه بَعيدٌ. قال الخطيبُ: ((والأصلُ في ذلك - يعني الترضِّي - حديثُ جابٍ: ((كُنَّا عند النبي ◌َّ﴿ فالتفَتَ إلى أبي بكرٍ فقال: يا أبا بكر أَعطاكَ اللهُ الرضوانَ الأكبر)) (١)، وحديثُ أنس: ((كنا جلوساً مع النبي وَ له فقام رسولُ اللهِوَّ فقامَ غلامٌ فأخذَ نَعْلَه، فناوَلَه إيَّاها. فقال له رسول الله وَّ: أَرَدْتَ رضى ربِّك؟ رضي الله عنك))، قال: فاستشهد))(٢). (١) أَورده ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٠٥/١) من أربعةِ طرق عن جابر. في أَوَّلِها (محمد بن خالد الخُتُّلِي) قال: ((وقد كذَّبوه)). وفي الثاني (علي بن عَبْدة) قال: ((قال الدارقطني: كان يضعُ الحديثَ))، وأما الثالث والرابع فليس فيهما هذا الجزء من الحديث. وقد أخرج الحاكمُ الحديثَ في ((المستدرك)) (٧٨/٣) وسكت عنه، وتعقَّبه الذهبي بقوله: ((تفرَّد به محمد بن خالد الخُثُّلِي عن كثير بن هشام عن جعفر بن بُرْقَان عن ابنِ سُوْقَةً، وأَحْسِبُ مُحمداً وَضَعَهُ)). تنبيه: الذي في المطبوع من ((المستدرك))، وكذا ((التلخيص)) للذهبي: (محمد بن خالد الحبلي) بالمهملة والموحدة وهو من الناسخ. ((الميزان)) (٥٣٤/٣) وغيره من كُتُب الرجال. (٢) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١٠٤/٢) عن شيخه عبد الرحمن بن عُبَيد الله الحربي عن أحمدَ بنِ سَلمان النَجَّاد عن أحمدَ بنِ يحيى الحُلواني عن الفَيْض بن وَثِيقِ الثَّقَفي عن عُمرَ بنَ أبي خَليفة عن أبي بَدْر عن ثابتِ البُنَاني عن أنس. وأبو بَدْر هنا هو بشار بن الحَكم الضبِّي، قال فيه أبو زرعة: ((منكرُ الحديث)) ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٤١٦) وقال ابنُ حِبان في ((كتاب المجروحين)) (١٩١/١): ((منكر الحديث جداً ينفرد عن ثابت بأشياءَ ليستْ مِن حديثه كأنه ثابتٌ آخر، لا يُكتَب حديثُه إلا على جهة التعجب)). وقال ابنُ عَدي في ((الكامل)) (٤٥٦/٢): ((منكر الحديث عن ثابت البناني =