النص المفهرس

صفحات 201-220

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠١
إبدالُ ((الرسولِ)) بـ((النَّبِيِّ)) وعكسُهُ
إسنادُ الحديثِ إلى سيدنا رسولِ اللهِ وَّهِ، وهو حاصلٌ بكل واحدٍ من الصفتين،
وليس البابُ بابَ تعبُّدٍ باللفظِ لا سيما إذا قُلنا: إنَّ الرسالةَ والنبوةَ بمعنَى واحدٍ .
وعن البَدْرِ ابنِ جَمَاعَةَ أنه لو قيل بالجَوازِ في إِبدالِ ((النبيّ)) بـ«الرسول))
خاصةً لما بَعُدَ، لأنَّ في ((الرسول)) معنَى زائداً على ((النبيّ))، وهو الرسالةُ، إذْ
كلُّ رسولٍ نبيٌّ ولا عَكْسَ (١)، وبيانُه: أنَّ النبوةَ من النَبَأ، وهو الخَبَرُ، فالنبيُّ
في العُرْفِ هو المُنَبَّأُ من جهةِ الله بأمرٍ يقتضي تَكْلِيفاً، فإنْ أُمِرَ بتبليغِه إلى غيرِهِ
فهو رسولٌ، وإلَّا فهو نبيٌّ غيرُ رسولٍ(٢). وحينئذٍ فالنبيُّ والرسولُ اشْتَركا في أمرٍ
عامّ وهو النَّبأُ، وافْتَرَقَا في الرسالةِ. فإذا قلتَ: فلانٌ رسولٌ، تَضَمَّنَ أنه نبيٌّ
رسول. وإذا قلتَ: فلانٌ نبيٌّ، لم يَستلزِمْ أَنَّه رسولٌ.
ولكنْ قد نازَعَ ابنُ الجَزَرِيِّ في قولهم: «کلُّ رسولٍ نبيٌّ))، حيث قال:
((هو كلامٌ يُظْلِقُه من لا تحقيقَ عنده، فإنَّ جبريلَ عَلَّ*، وغيرَه من الملائكة
المُكَرَّمِينَ بالرسالة رُسُلٌ، لا أنبياءٌ)) (٣) .
قلتُ: ولذا قُيّد الفرقُ بينَ الرسولِ والنبيِّ بالرسولِ البَشَرِيُّ.
وحديثُ البراءِ في تعليم ما يُقَالُ عند النوم - إذْ رَدَّ النبيُّونَ﴿ إبدَالَهُ لفظَ
النبيِّ بالرسولِ فَقَالَ: ((لا، ونَبيك الذي أرسلتَ))(٤) - يَمنعُ القولَ بجوازٍ تَغْيير
(١) ((المنهل الروي)) (١٠٤).
(٢) الذي يظهرُ لي أنَّ كُلَّا من ((الرسول)) و((النبي)) مأمورٌ بالتبليغ. والتعريفُ المختارُ لهما
- في نظريٍ - أنَّ الرسولَ: مَن بعثه اللهُ إلى قوم، وأَنزل عليه كتاباً، أو لم يُنزِل عليه
كتاباً لكنْ أُوحي إليه بحكم لم يكن في شريعة مَن قبله. والنبيُّ: مَن أمره اللهُ أن يدعوَ
إلى شريعةٍ سابقةٍ دون أن يُنزِل عليه كتاباً. أو يوحى إليه بحكم جديد ناسخ أو غير
ناسخ (مذكرة التوحيد) للشيخ عبد الرزاق عفيفي (٣٣).
(٣) يظهر أنه في ((تذكرة العلماء)) له.
(٤) هذا آخرُ الحديثِ المشار إليه، وهو متفق عليه: البخاريُّ في ((الوضوء)): باب فضل من
بات على الوضوء (٣٥٧/١) ومواضعَ أخر، ومسلمٌ في ((الذكر)»: باب ما يقول عند
النوم وأَخْذِ المضجع (٢٠٨١/٤). وفيه أن النبي ◌َّ علَّم البراءَ كلماتٍ يقولُها عندَ
نومه ومنها: ((آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيك الذي أرسلتَ))، قال: ((فَرَدَّدْتُهنّ
لأستذكرهنّ فقلتُ: آمنت برسولكَ الذي أرسلتَ. قال: قل: آمنت بنبيكَ الذي
أرسلتَ)). اللفظ لمسلم. وقد مضى (ص١٢٤) من هذا الجزء.

إبدالُ ((الرسولِ)) بـ«النَّبِيِّ)) وعكسُهُ
٢٠٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
النبيِّ خاصةً. بل الاستدلالُ به لمُجَرد المنع ممنوعٌ بأنَّ ألفاظَ الأذكار توقيفيَّةٌ.
فلا يدخُلها القياسُ، بل تجبُ المحافظةُ علَى اللفظِ الذي جاءتْ به الروايةُ، إذْ
ربَّما كان فيه خاصّيةٌ وسرٍّ لا يَحصُلُ بغيرِهِ. أو لعلَّه أرادَ أنْ يجمعَ بين الوَصْفَين
في موضع واحدٍ، ولا شكَّ أنَّه ◌ِّوَ نبيَّ مرسلٌ، فهو إذاً أكملُ فائدةً، وذلك
يَقُوتُ بقوله: ((وبرسولك الذي أرسلتَ))، وأيضاً فالبلاغةُ مقتضيةٌ لذلك، لعَدَمِ
تَكْرِیرِ اللفظِ لوصفٍ واحدٍ فیه.
زادَ بعضُهم: أَوْ لاختلافِ المعنى، لأنَّ ((برسولك)) يَدخُلِ جبريلُ وغيرُه
من الملائكة الذين ليسوا بأنبياءٌ(١).
(١) ذكر الحافظ في ((الفتح)) (٣٥٨/١) هذه الأجوبةَ وغيرها .

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٣
السماحُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
الفصلُ الثالثَ عشرَ
وفيه مسألتان
الأُولى: (السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ)
[الثانية](١) (أو) بإسنادٍ قُرِنَتْ فيه الروايةُ (عن رجلين) فأكثرَ
(ثُمَّ) بعدَ استحضارٍ ما تقدَّم من التحرِّي في الأداءِ (على السامع) مِنْ
حفظِ المحدثِ (بالمذاكرةِ) أي في المذاكرةِ (بيانُه) على الوجهِ الواقع، كأنْ
يقولَ: ((أنا فلان مذاكرةً))، وذلك مُستحب. كما صرَّح به الخطيب(٢)، وَإِنْ كان
ظاهرُ كلام ابنِ الصلاح(٣): الوجوبَ. وقد فعلَه - بدون بيانٍ - غيرُ واحدٍ من
متقدِّمي العلماءِ. بل يُقالُ - مما الظاهر خلافُه، كما تقدَّم آخرَ ((رابعٍ أقسام
التحمّل)»(٤) -: إنَّ ما يُورِده البخاريُّ في ((صحيحِه)) عن شيوخِه بصيغةِ: ((قال))،
أو ((قال لنا))، أو ((زادَنا))، أو ((زادَني))، أو (ذَكَر لنا))، أو ((ذَكَرَ لي))، ونحوِها
ــ مما حَمَلَه عنهم في المذاكرةِ - كالبيَانِ.
٦٧٨
(كَنَوعِ وَهْنٍ خَامَرَهُ) أي خالطَه، بأَنْ سَمعَ من غيرِ أصْلٍ، أو كان هو، أو
شيخُه يتحدّث، أو يَنْعَسُ، أو يَنسخُ في وقت الإسماع. أو كان سماعُه، أو
سماعُ شيخِه بقراءةٍ لَخَّانٍ، أو مُصَحِّفٍ، أو كتابةُ التسميع - حيثُ لم يكنِ المرءُ
ذاكراً لسَمَاعِ نفسِه - بخطّ مَنْ فيه نَظَر، أو نحوَ ذلك.
وقد أوردَ أبو داودَ في ((سُنَّتِه))(٥) عن شيخِه محمدٍ بن العَلَاء حديثاً ثم قال
- بعدَه -: (لَمْ أَفهمْ إسنادَه مِن ابنِ العلاء كما أُحِبُّ)).
وكذا أَوْرَدَ فيها أيضاً عن بُنْدَارٍ حديثاً طويلاً، ثم قال في آخره: ((خَفِيَ
(١) زيادة مني يقتضيها السياق.
(٣) في ((علوم الحديث)) (٢١٠).
(٢) في ((الجامع)) (٣٧/٢).
(٤) (٤٩٥/٢ - ٤٩٦).
(٥) كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يُعْرض عليه الإسلام (١٣٤/٣).
:

السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
٢٠٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عليَّ منه بعضُه))(١). لمشاركةِ السماع في المذاكرةِ - غالباً - لهذه الصُوَرِ في
الوَهْنِ، إِذِ الحِفظُ خَوَانٌ، وربَّما يقعُ فَيها - بسببِ ذلك - التساهلُ. بل أدرجَها
ابنُ الصلاح(٢) فيما فيه بعضُ الوهن.
ولذا منَعَ ابنُ مهديٍّ، وابنُ المبارك، وأبو زرعة الرازي(٣)، وغَيرُهم من
التحمُّل عنهم فيها .
وامتَنَع أحمدُ، وغيرُه من الأئمة مِن رواية ما يحفظُونَه إلَّا من كُتُبِهم (٤).
وفي إغفالِ البيانِ إيهامٌ، وإلباسٌ يقرُبُ من التدليس.
وكما يُستَحب البيانُ فيما تقدَّم: كذلك يستحب بيانُ ما فيه دِلَالةٌ لمزيدٍ
ضبطٍ وإتقانٍ كَتَكَرُّرِ سماعِه للمرويّ. وقد فعلَه غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظ فيقولُ:
حدثنا فلانٌ غيرَ مرَّة.
المسألةُ الثانيةُ:
٦٧٩
(والمتنُ عن شخصين) مَقْرونَين من شيوخه الذين أَخذ عنهم، أو ممَّن
فوقهم (واحدٌ) منهما (جُرِحَ)، والآخرُ وُثِّقَ كحديثٍ لأنسٍ يرويه عنه - مَثَلاً ۔
ثابتٌ البُنَانِيُّ، وأَبَانُ بنُ أبي عَيَّاشِ (لا يَحسُنُ) للراوِي - على وجهِ الاستحبابِ -
(الحَذْفُ لَهُ) أي للمجروح - وهو أبَانُ - والاقتصارُ على ثابتٍ خوفاً من أنْ
يكونَ فيه شيءٌ عن أبانَ خَاصةً، وحَمْلُ المُحدِّثِ عنهما - أو مَنْ دونَه - لفظَ
أحدهما على الآخر. قاله الخطيبُ(٥). (لكنْ يَصِحّ)، لأنَّ الظاهرَ - كما قال
ابنُ الصلاح(٦) - اتفاقُ الرِّوَايَتَين. وما ذُكِرَ من الاحتمالِ نَادِرٌ بَعِيد، فإنَّه
كالإدراج الذي لا يجوزُ تَعَمُّدُهُ.
نَعَمْ، قال الخطيبُ(٧): ((إنَّ أحمدَ سُئِل عن مثلِه فقال فيه نَحْواً ممَّا
(١) (سنن أبي داود)): كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل (٩٥/٢).
(٢) ((علوم الحديث)) (٢١٠).
(٣) أخرجه عنهم الخطيب في ((الجامع)) (٣٧/٢).
(٤) أخرج ذلك الخطيبُ في ((الجامع)) (١٢/٢) عن أحمدٌ وغيرِه.
(٥) في ((الكفاية)) (٣٧٨).
(٦) في ((علوم الحديث)) (٢١٢)، وقاله قبلَه الخطيب في ((الكفاية)) (٣٧٨).
(٧) في ((الكفاية)) (٣٧٨) ..

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٥
السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
ذَكَرْنَا)). ثم ساقَ مِن طريقِ حرب بن إسماعيلَ أنَّ أحمدَ قيل له في مثل هذا:
أَيجوزُ أَنْ أُسَمِّيَ ثابتاً، وأَتركَ أَبَان؟ قال: ((لا، لعلَّ في حديثِ أبانَ شيئاً ليس
في حديثِ ثابت))، وقال: ((إنْ كانَ هكذا فَأُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهما)). وهذا محتَمِل،
ويتأيَّدُ الاستحبابُ بسلوكِ مسلم - مَعَ حِرْصِه على الألفاظِ - له، فإنَّه أَخرِجَ في
((النكاح))(١) من ((صحيحه)) عن محمد بنِ عبد الله بنِ نُمَير عن عبدِ الله بنِ يزِيدَ
المُقْرِئ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحِ عن شُرَحْبِيل بنِ شَرِيكٍ عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُلِّي
عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو: حَدِيثَ ((الدنيا مَتَاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحةُ)) فإنَّ
هذا الحديثَ قد أخرجه النسائيُّ(٢) عن محمدِ بنِ عبد الله بنِ يَزِيدَ المُقرِئ عن
أبيه عن حَيْوَةَ، وذَكَرَ آخَرَ كلاهما عن شُرَحْبِیل به.
وكذا أَخْرَجَه ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٣) من حديثِ الحُسين بنِ عيسى
البِسْطَامِي عن المُقْرِئ عن حَيْوَةَ، وذكرَ آخرَ قالا: ثنا شُرَحبيل.
وأخرجه أحمدُ في ((مُسْنده))(٤) عن أبي عبد الرحمن المُقرِئ عن حَيوة
وابنٍ لَهِيعَةَ قالا: ثنا شُرَحبيل ... )).
إذ الظاهرُ من تشديدِ مسلم - حيثُ حَذَفَ المَجْروحَ - أنَّه أَوردَه بلفظ
الثقة، إنْ لم يَتَّحدْ لفْظُهما.
ونحوُهُ ما وَقَعَ له في موضع آخرَ من («صحيحه))، حيث أَخرجَ من طريق
ابنِ وَهْب عن عبد الرحمن بن شُرِّيح عن أبي الأسود عن عُروة عن عبدِ الله بنِ
عَمْرٍو حديثَ: ((إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ))(٥) ولم يَسُقْ لفظَه، بل أحالَ به على
طريق هشام بن عُروة المشهورةٍ (٦). فتَبِيَّن من ((تصنيفِ ابنِ وَهبٍ)) - فيما أَفَاده
(١) (الرضاع)): باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (١٠٩٠/٢).
(٢) في ((النكاح)): باب المرأة الصالحة (٦٩/٦).
(٣) ((الإحسان)) (١٣٥/٦).
(٤) (١٦٨/٢).
(٥) متفق عليه: البخاري في ((العلم)): باب كيف يُقبض العلم (١٩٤/١)، ومسلم في
((العلم)): باب رفع العلم ... (٢٠٥٨/٤).
(٦) عندي في هذا نظر، فقد ساق مسلم لفظً سندٍ ابن وهب المذكور (٢٠٥٩/٤)، ولم
يُحِلْ به على طريق هشام بن عروة. ولعلَّ نظرَ السخاوي سَبَقَ إلى سندِ الحديث الذي
ساقه مسلمٌ قبل هذا مباشرةً، ونصّه: ((حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبدُ الله بنُ
حُمرانَ عن عبد الحميد بن جعفر: أخبرني أَبِي جعفرٌ عن عُمر بن الحكم عن عبدِ الله بن =

السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
٢٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ابنُ طاهر(١) - أَنَّ اللفظَ لابنٍ لَهِيعَةَ. وذلك أنَّ ابنَ وهبٍ أخرجَه عن ابنٍ لَهِيعةَ
عن أبي الأسود، وساق الإسنادَ والمتنَ، ثم عقَّبه، بأنْ قال: ((وأخبرني
عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيح عن أبي الأسود بذلك)).
لكنْ أفادَ شيخُنا في هذا المتنِ بخصوصِهِ: أنَّ حذفَ ابنِ لَهِيعةَ مِنِ ابنِ
وَهب، لا من مسلم، وأَنَّه كان يجمعُ بين شيخَيْه تارةً، ويُفردُ ابنَ شُرَيحِ
أُخرى. بل ◌ِاِبْنِ وَهَبٍ فيه شيخان آخرَان بسندٍ آخَرَ، أخرجه ابنُ عبدِ البر في
(بيان العلم)»(٢) له، من طريق سَحنُون: ثنا ابنُ وهب: ثنا مالكٌ، وسعيدُ بنُ
عبد الرحمن - كلاهما - عن هشام باللفظِ المشهورِ))(٣).
٦٨٠
(ومسلمٌ) أيضاً (عنه) أي عن المجروحِ رُبَّما (كَنَى) حيثُ يُصرِّحُ بالثقةِ، ثم
يقولُ: ((وآخرُ)). وهو منه قليلٌ، بخلافِ البخاريّ، فإنَّه أَوردَ في ((تفسيرِ النساء))(٤)،
وآخرِ ((الطلاق)»(٥)، و((الفِتَنِ)) (٦)، وعِدَّةِ أماكنَ من طريقٍ حَيْوَة وغيرِه، وفي
((الاعتصام)»(٧) من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شُرَيح وغيرِهِ. والـ((غيرُ)) في
هذه الأماكنِ كلِّها هو ابنُ لَهيعة بلا شكّ. وكذا أورد في ((الطب))(٨) من رواية ابن
وهب عن عَمرو بنِ الحارثِ وغيرِهِ، وهو أيضاً هُو، لكن فيما يَغْلِب على الظن(٩).
= عمرو بن العاص عن النبي (وَ ﴿ بمثل حديث هشام بن عروة))، والله أعلم.
(١) في الجزء الذي جمعه في الكلام على حديث معاذ بن جبل في القياس. قاله ابن حجر
في ((الفتح)) (٢٨٣/١٣) قلت: وحديث معاذ هذا هو ما أخرجه أبو داود برقم
(٣٥٩٢)، والترمذي برقم (١٣٢٧) وغيرُهما أن النبي ◌َّ قال له: ((كيف تقضي إذا
عرض لك قضاء؟)) قال: ((أقضي بكتاب الله ... )) الحديثَ. ولا يصح سنده، وإن كان
معناه صحيحاً. ((التلخيص الحبير)) (١٨٢/٤).
(٢) (١٤٨/١ - ١٤٩).
(٣) ذكر كلَّ ذلك ابنُ حجر في ((الفتح)) (٢٨٣/١٣).
(٤) من كتاب التفسير باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمْ .. ﴾ الآية (٢٦٢/٨).
(٥) لم أتمكن من الاهتداءِ إلى موضعه فيه مع تكريرِ المراجعة.
(٦) باب من كره أن يُكثِر سوادَ الفتن والظلم (٣٧/١٣).
(٧) باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلّف القياس (٢٨٢/١٣).
(٨) باب الحجامة من الداء (١٥٠/١٠).
(٩) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٥١/١٠): ((وأما (غيره) فما عرفتُه، ويغلب على ظني أنه
ابنُ لهيعة)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٧
السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
وفي ((العتق)) (١) من رواية ابنٍ وهب عن مالك وابنٍ فلان كلاهما عن
سعيد المَقْبُرِي، والمُبهَمُ هنا هو عبد الله بن زياد بن سَمْعان.
وكذا أكثرَ منه النسائيُّ وغيرُه.
(فلم يُوَفّ) مسلمٌ، ولا غيرُه ممَّن أشرنا إليه بالخُروج من عُهْدةِ المَجْروحِ
إِنِ اختَصَّ عن الثقةِ بزيادة. ولكنِ الظنّ القويُّ بالشيخَين أَنَّهما عَلِمَا اتفاقَهمَاً
ولو بالمعنى. ولهذا الصنيعِ - حينئذٍ - فائدتانِ وهما :
الإِشعارُ بضَعف المُبهَم وكونِه ليس مِنْ شَرْطِه.
وكثرةُ الطرقِ التي يُرَجَّح بها عند المعارضة.
وإنْ أشار الخطيبُ إلى أنَّه لا فائدةَ في هذه الصورةِ الخاصةِ فضلاً عن
غيرِها. قال: ((لأنَّه إن كان لأجلِ ما اعتَلَلْنا به فخبرُ المجهولِ لا تَتَعلَّق به
الأحكامُ، إذ إثباتُ ذكرِهِ وإسقاطُه سواءٌ، وإنْ كان عَوَّل على معرفته هو به فلماذا
ذَكَرَهُ بالكِنَايَةِ عنه، وليس بمحلٌّ للأمانة عنده؟)). قال: ((ولا أَحسِبُ استجازةَ
إسقاطِه ◌ِذِكْرَه، والاقتصارَ على الثقةِ إلَّا لأنَّ الظاهرَ اتّفاقُ الرِّوَايَتَين في لفظ
الحديث)»(٢)، يعني ممَّن يحرص على الألفاظِ كمسلم الذي الاحتجَاجُ بصنيعِه فيه
أَعْلَى، أو في مَعناه إنْ لم يتقيَّد باللفظِ، واحتاطَ في ذلك بذِكر الكنايةِ عنه مع الثقة
تَوَرُّعاً، وإنْ كان لا حاجةَ به إليه. وقد أشار إليه أبو بكر الإسماعيليُّ في ((مَدْخَلِه))
إلى أنَّه في ((مُسْتَخْرَجِهِ)) تارةً يحذِفُ الضعيفَ، وتارةً يُنَبِّهُ عليه فقال: ((وإذا كتبتُ
الحديثَ فيه - أي في ((المُسْتَخرِج)) - عن رجلٍ يرويه عن جماعةٍ، وأَحدُهم ليس
من شرط هذا الكتاب فإمَّا أَنْ أَتركَ ذِكرَه، وأكتفيَ بالثقةِ الذي الضعيفُ مقرونٌ
إليه، أو أُنَبِّهَ على أنّه مَحْكِيٍّ عنه في الجملة، وليس من شرط الكتاب))، انتهى.
وإذا تقررتْ صحةُ حذف المجروحِ، فالظاهرُ عدمُ صحةِ الاقتصارِ عليه،
لما قد ينشأُ من تضعيفِ المتن، وعدمِ الاحتجاجٍ به للقاصر، أو المُسْتَروحِ (٣).
وفيه من الضرر ما لا يخفى.
(١) باب إذا ضرب العبدَ فليجتنِب الوجهَ (١٨٢/٥).
(٢) ((الكفاية)) (٣٧٨).
(٣) يعني من استراح إلى أقوال من سبقه، دون تتبّعٍ لها ونَظَرٍ في خُلُوصِ أدلتها للحُجِّية،
وسلامتِها من الانتقادِ.

السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
٢٠٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(و) أمَّا (الحذفُ) لأحدِ الراوِيَين (حيثُ وُثِّقًا) كما وقع للبخاري في تفسير
((المدثر)) (١)، وأَنَّه رَوَى عن محمد بن بشار عن ابن مهدي وغيرِه كلاهما عن
حرب بن شداد حديثاً (٢)، وفُسّر الـ((غيرُ)) بأنَّه أبو داودَ الطَّيَالِسِي(٣)، الذي لم
يُخْرج له البخاريُّ شيئاً (فهو أَخَفّ) مما قبلَه، لأنه وإن تطرَّق مثلُ الاحتمالِ
المذكورِ أوّلاً إليه - وهو كونُ شيءٍ منه عن المحذوفِ خاصةً - فَمَحْذورُ
الإِسقاطِ فيه أَقَلُّ، لأنه لا يخرجُ عن كون الراوي ثقةً، كما إذا قال: أخبرني
فلان، أو فلان، فإنَّه إنْ كانا ثقتَين فالحجةُ قائمةٌ، لأنه دائر بين ثقتَين، وإنْ
كان أحدُهما غيرَ ثقة - وهو نحوُ الصورةِ الأُولى - لا يكونُ الخبرُ حجةً
لاحتمالِ اختصاصِه بشيء من الخَبَر عن الآخِرِ، وإنْ كانَ الظاهرُ من المُتَحرِّي
خلافَه، كما قُرّر.
ثم إنَّ ما تقدَّم فيما يكون جميعُ المتنِ عنهما.
٦٨١
(وإنْ يَكُنْ) مَجْمُوعُه عن جماعةٍ من الرواةِ مُلَفَّقاً بأَنْ كانَ (عَنْ كلِّ راوٍ)
منهم (قِطْعةٌ) منه ف(أَجِزْ بِلَا مَيْزٍ) أي تمييزٍ لما عند كلِّ واحدٍ منهم منه أيضاً
(بِخَلْطٍ جَمْعَه) لكنْ (مَعَ البيان) لذلك إجمالاً، وأنَّ عن (٤) كل راوٍ بعضَه
(كحديث ((الإفك))) فإنَّه في ((الصحيح)(٥) من رواية الزهري عن عُروة بنِ الزُبير
وسعيد بن المُسَيب، وعلقمةَ بن وقاص الليثي، وعُبيدِ الله بن عبد الله بن عُتبة
- كلِّهم - عن عائشةَ. قال الزهري: ((وكلُّهم حدَّثَني طائفةً من حديثها، وبعضُهم
أَوْعَى من بعض، وأَثْبَتُ له (٦) اقتِصَاصاً - وفي لفظ: وبعضُ القوم أَحْسَنُ
٦٨٢
(١) من كتاب ((التفسير)) (٨/ ٦٧٧).
(٢) هو حديث جابر بن عبد الله عنه ﴿﴿ قال: ((جاورت بـ((حراء)) فلما قضيت جِوَارِي
هبطتُ فُنُودِيتُ ... )) الحديثَ.
(٣) أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق محمد بن بشار. حدثنا عبد الرحمن بن
مهدي وأبو داود قالا: حدثنا حرب بن شداد. قاله الحافظ في ((الفتح)) (٨/ ٦٧٧).
(٤) في (ح): (على). من الناسخ.
(٥) في ((الشهادات)): باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (٢٦٩/٥)، وفي ((المغازي)): باب
حديث الإفك (٤٣١/٧).
(٦) في النُسَخِ: (وأثبته). من الناسخ. والمُثْبَتُ من ((البخاري)) في الموضعين اللذين
ذكرتهما آنفاً. وقوله: اقتصاصاً: أي سياقاً كما في الرواية الأخرى ((الفتح)) (٤٥٧/٨).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٩
السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
سِياقاً(١) - وَقد وَعيتُ عن كل واحدٍ منهم الحديثَ الذي حدثَني عن عائشة،
وبعضُ حديثِهم (٢) يصدِّق بعضاً. زَعَمُوا أن عائشةَ ... ))(٣)، وساقه بطوله(٤).
ولفظُ ابنِ إسحاقَ: ((قال الزهريُّ: وكلٌّ حدثني بعضَ هذا الحديثِ، وقد
جمعتُ لَكَ الذي حَدَّثُوني))(٥). ولما ضَمَّ ابنُ إسحاق إلى رواية الزهري عن
الأربعة روايته هو عن عبد الله بن أبي بكر عن عَمرةً، وعن يحيى بنِ عَبَّاد بن
عبد الله بن الزبير عن أبيه كلاهما(٦) عن عائشة قال: ((دخل(٧) حديثُ هؤلاء
جميعاً يُحَدِّث بعضُهم ما لم يُحدِّث صاحبُه، وكلٌّ كان ثقةً، فكلٌّ حدَّث عنها ما
سَمِعَ(٨) .... ))، وذَكَرَه.
ونحوُ صنيعِ الزهري ما في ((الوَكَالة)) من ((البُخاري))(٩): ((ثنا المكيّ بن
إبراهيم: ثنا ابنُ مُريج عن عطاء بن أبي رَبَاحِ وغيرِه، يعني كأبي الزبير (١٠) - يزيدُ
بعضُهم على بعض، لم يبلِّغه كلَّه رجلٌ واحدٌ منهم، - عن جابر .... وفي رواية
(١) هذا اللفظ أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٩٨/٢٣) من طريق أفلح بن عبد الله بن
المغيرة عن الزهري.
(٢) في النُسَخ: (حديثه). والمثبت من ((البخاري)) كما تقدم.
(٣) هذا لفظ البخاري في ((الشهادات)): باب تعديل النساء بعضهم بعضاً (٢٧٠/٥).
وقريب منه في ((المغازي)): باب حديث الإفك (٧/ ٤٣١).
(٤) وأخرج حديثَ الإفك أيضاً مسلمٌ في ((التوبة)): باب في حديث الإفك ... (٢١٢٩/٤)
وغيرهما .
(٥) رواية ابن إسحاق عن الزهري أخرجها أبو عوانة في ((صحيحه)). قاله ابن حجر في
((الفتح)) (٤٥٦/٨).
(٦) أي عَمرةُ وهي بنتُ عبدِ الرحمن وعبَّدُ بنُ عبدِ الله والدُ يحيى.
(٧) في النُسخ: (وكل). والمُثبتُ من ((فتح الباري)) (٤٥٦/٨).
(٨) أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) كما في ((الفتح)) (٤٥٦/٨). وأورده ابن هشام عن ابن
إسحاق في ((السيرة)) (٢٩٧/٣) بنحوه.
(٩) باب إذا وثَّل رجلاً رجلاً أن يُعطيَ شيئاً ولم يبين كم يُعطِي .. (٤٨٥/٤).
(١٠) قوله: ((يعني كأبي الزبير)) ليست من لفظ البخاري، وقد أوردها السخاوي تفسيراً لقول
البخاري الآنف: ((وغيره))، يعني أن ابنَ جُريج قد رواه عن عطاء بن أبي رباح وأبي
الزبير وهو محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي المكي، روى له الستةُ، وقد وقف ابنُ
حجر على رواية ابن جريج عن أبي الزبير. ((الفتح)) (٤٨٦/٤)، وسأُشير إلى رواية أبي
الزبير عند مسلم ولكن من طريق أيوبَ عنه.

السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
٢١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لأبي نعيم في ((المستخرج)): لم يبلِّغه كلِّه إلَّا رجلٌ واحد (١) ... ))، فذكر حديثاً (٢).
وقريبٌ منه قولُ عروةَ بنِ الزبير: ((عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، ومروانَ بنِ
الحكم ض ◌ًا - يزيد أحدُهما على صاحبِه - قالا: خرج النبيُّ ◌ٍَّ ... ))، فذكر حديثاً(٣).
وفعلَه ممَّن بعدَهم عياضٌ، فقال في ((الشِّفَاء)): (( .. وعن عائشةَ، والحسنِ - يعني
ابنَ عليٍّ-، وأبي سعيدٍ، وغيرِهم في صفته ◌ِِّ، وبعضُهم يزيدُ على بعض ... )) (٤).
وكثيراً ما يستعمله أصحابُ المَغَازِي، والسِّيَر.
وجَازَفَ عصريّ - ممن كثرت مناكيرُه(٥) - فاستعملَه في أمرٍ بَشِيعِ شَنیعِ،
يَحرُمُ على الوجه الذي سَلكه إجماعاً فقال: ((وفي إنجيل مَّتَّى، ولُوقاً،
ومرقش، - يزيد أحدهم على الآخر، وقد جمعتُ بين ألفاظِهِم ـ (٦) ... )).
وحاصل ما فَعلَه الزهريُّ، ومَنْ نحا نحوَه أنَّ جميعَ الحديثِ عن
مَجموعِهم، لا أن مجموعَهُ عن كلِّ واحدٍ منهم، ولا يُعلَم من مجرد السياق
القدرُ الذي رواه منه كلُّ واحدٍ من المُسَمَّين.
نعم، ربُّما يُعرَف حديثُ بعضِهم، أو كلِّهم من غيرِ طريق ذاك الراوي،
بل ومن طريقه أيضاً.
(١) قاله الحافظ في ((الفتح)) (٤٨٥/٤).
(٢) وهو في قصةِ جَمَلِ جابرٍ حين كان بطيئاً في سَيْره ثم جدّ فيه بعد ضَربِ الرسولِ وَلّـ
له، وشراءِ النبي ◌َّ له بعد ذلك، ثم ردِّه لجابر مع ثَمَنه بعد وصولهم إلى المدينة.
وقد أخرجه البخاري كما مضى، ومسلم في ((المساقاة)): باب بيع البعير واستثناء ركوبه
(١٢٢١/٣ - ١٢٢٤)، ورواية أبي الزبير في (ص١٢٢٣).
(٣) أخرجه البخاري في ((المغازي)): باب غزوة الحديبية ... (٤٤٤/٧)، ولفظه فيه:
((قالا: خرج النبي ◌َّهِ عامَ الحُدَيبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما كان بـ(ذي
الحُلَيفة) قَلّد الهدي، وأَشْعَر، وأحرم منها ... )).
(٤) حديث صفته وَّليه رأيته في ((الشفاء)) في موضعين: (٥٨/١) قال: (من حديث علي وأنس
وأبي هريرة، والبراء، وعائشة، وابن أبي هالة ... ) وذكر جماعةً ثم قال: (وغيرهم).
والموضع الثاني: (١٥٣/١) عن الحسن عن أبي هالة.
(٥) يريد به البقاعيَّ، رحمهما الله تعالى.
(٦) ووجهُ المجازفة هنا أنه عامل هذه الأناجيل وكأنها صحيحة الثبوت بتلك الألفاظ، وقد
ردَّ المؤلف على البقاعي بكتاب سمَّاه: ((الأصل الأصيل في الإجماع على تحريم النقل
من التوراة والإنجيل)). ((الضوء اللامع)) (١٠٦/١) أثناء ترجمته للبقاعي.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢١١
السماحُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
على أنَّه قد وقع (١) في ((التفسير)) من ((الصحيح)) (٢) أيضاً قولُ الزهري:
((وبعضُ حديثهم يُصدِّق بعضاً، وإنْ كان بعضُهم أَوْعى له من بعض، الذي
حدثني عروةُ .. ))، ففهم البُلْقِينيُّ(٣)، وبعضُ أتباعِه أنَّ عروةَ حدَّثه بجميع
الحديث (٤). وأنَّ الذي حدثه بالبعض حتى تلَفَّقَ: مَن عداه. وصارت صورةٌ
أخرى غيرَ الأُولى.
ولكن هذه اللفظةَ(٥) - مع كَوْنِها ليست صريحةً في ذلك، بل تَحتِمل أيضاً
أن يكونَ المراد أنَّ الذي حدَّثه عروةُ أولُ شيءٍ منه خاصةً (٦) - مما زادَها الليثُ
عن سائر مَنْ رَواه عن يُونسَ عن الزهري (٧).
وعلى كلِّ حالٍ فقد صحَّ كونُ الزهري استعملَ التلفيقَ، وهو جائزٌ، وإنْ
قال عياض - مع كَوْنِه ممَّن استعملَه، كما أسلفتُه (٨) -: ((إِنَّهم انتَقَدُوا عليه
صنيعَه له وقالوا: كان ينبغي له أنْ يُفْرِدَ حديثَ كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر)) (٩)
انتھی.
والأمر فيه سهلٌ، فالكلُّ ثقاتٌ، ولا يخرجُ الحديثُ بذلك عن كونه
صحيحاً .
[ومن (١٠) الغريب: روايةُ ابنِ عيينةَ له عن وائلٍ بن داودَ عن ابنِه - بنون _(١١)
(١) في (م): على أنه وقع.
(٢) باب: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتموه قُلتُم: ما يكونُ لنا أنْ نَتَكلَّمَ بهذا سُبحانَكَ .. (٤٥٢/٨).
(٤) أي حديثِ الإفك المتقدمِ قريباً.
(٣) في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٥٨).
(٥) وهي قوله: ((الذي حدثني عروة)).
(٦) أي من حديث الإفك، وهو القُرْعَةُ بين نسائه عليه الصلاة والسلام عند إرادة السفر
الذي عَبَّرتْ عائشة عنه بقولها: في أول حديث الإفك: ((كان رسول الله وَّه إذا أراد
أن يَخرِجَ أَقْرَعَ بين أزواجه ... )).
(٧) قاله الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٤٥٧/٨)، ورواية الليث عن يونس أخرجها
البخاري في ((التفسير)): باب لولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ...
(٤٥٢/٨).
(٨) (ص٢١٠).
(٩) وعزاه إلى عياض أيضاً ابنُ حجر في ((الفتح)) (٤٥٦/٨).
(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م).
(١١) خَشِيَ أَنْ تُصَحَّف إلى: ((أبيه)). بالمثناة التحتية بعد الموحدة.

السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
٢١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بَكْرٍ عن الزهري: أخبرني أربعةٌ ... وذَكَرَهُم مقتَصِراً على جملةٍ: ((إنْ كُنْتٍ
أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي(١) الله))، أَخْرجَه التَيْمِيُّ(٢) في ((التوبة)) من ((تَرْغِيبِهِ))،
فَيُحتَملِ السهوُ في إضافةِ الجُمْلَةِ(٣) للأربعةِ، ويُحتَملِ أنْ تكونَ بِخُصُوصِها
مسموعةً له منهم. والأولُ أشبهُ(٤)].
(وَجَرْعُ بعضٍ) من المَرْويِّ عنهم، وضَعِفُه - أَنْ لو اتَّفَقَ مع عدم التفصيلِ -
(مُقْتَضٍ للترْكِ) لجميع الحديثِ، لأنَّه ما من قِطعةٍ من الحديثِ إلَّا وجائزٌ أَنْ
تكونَ عن ذاك الراوِي المَجروحِ.
٦٨٣
(و) لهذه العلةِ وُجُوباً (حَذْفَ)، بالنصبِ: مفعولٌ مقدم (واحدٍ مِنَ) الرُّواةِ
المُجْتَمِعِين في (الإسناد) أو بعضٍ الحديث (في) هاتين (الصورتَين) الثقاتِ
كلِّهم، والضعيفِ بعضِهم (امْنَعْ للازْدِيادِ) أي لأجل الزيادة على بَقيَّةِ الرُواة لِمَا
ليس من حديثهم، أو إسقاطِ ما اختصَّ به بعضُهم من الباقين.
فائدة: ليس مِنْ هذا البابِ قولُ البخاري(٥) في ((باب كيف كان عَيْشُ
النبي ◌َّ، وأصحابِه)) من كتاب ((الرقاق))(٦): ثنا أبو نُعَيم بنحوٍ مِنْ نصفِ هذا
الحديث: ثنا عُمَرُ بنُ ذَرِّ))، فإنَّه وإنْ كان صريحاً في كونه لم يسمعْ جميعَه منه
يُحتَملِ أَنْ يكون حدَّث به عنه بطريقِ ((الوِجَادَةَ))، أو ((الإجازَة))، أو حَمَلَه عن
(١) في (ح): فاستغفر. من الناسخ.
(٢) هوِ الإِمامُ الحافظُ أبو القاسم إسماعيلُ بنُ محمد بنِ الفضل القُرشي التَيْمِيُّ الطَلْحِيُّ
الأَصبَهاني المُلَقَّبُ بـ((قِوَامِ السُنَّة)) صاحبُ ((الترغيب والترهيب)) (٤٥٧ - ٥٣٥هـ).
((الأنساب)) (٣٦٨/٣)، و((السير)) (٢٠/ ٨٠)، وأخرج الحديثَ أيضاً الحُمَيديُّ في
(«مسنده)) (١٣٦/١) من طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ المذكورِ إلَّا أنَّ فيه: (الزهري عن سعيد بن
المسيب) فقط، دون الإشارة إلى الثلاثة الآخَرِين الذين يضمُّهم الزهريُّ مع سعيد بن
المسيب، وهم عُروة بن الزبير، وعلقمة بن وقَّاص، وعُبيدُ الله بن عَبد الله بن عُثْبة.
(٣) المراد بها قوله المتقدم: ((إنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ ... )).
(٤) ويُعَزِّزُ هذا روايةُ الحُمَيدي الآنفةُ من طريق ابنِ عُيَينة وفيها اقتصارُ الزهري على سعيدٍ
فقط. والله أعلم.
(٥) ذَكَرَ صنيعَ البخاري في روايته الآتيةِ الإمامُ البُلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٤٥).
(٦) (١١/ ٢٨١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢١٣
السماعُ على نوعٍ من الوهَنِ أو عن رجلين
ء
شيخ آخرَ ممَّن رواه عن عُمرَ بن ذرِّ غيرِ أبي نُعَيم، أو سَمِعَ بقيةَ الحديثِ مِنْ
شيخٍ سَمعَه مِن أبي نُعَيم(١).
وعلى الاحتمالَين الأخيرين يكون من ((التعاليق)) (٢)، ولذا أَورده
شيخُنا تَخْتُهُ في كتابِهِ المختصِّ بها(٣).
(١) أَوردَ الحافظُ في ((الفتح)) (٢٨٣/١١) هذه الاحتمالاتِ الأربعةَ، وعزا الثلاثةَ الأُوَلَ
منها إلى شيخِه البُلقِيني.
(٢) قال في ((الفتح)) (٢٨٣/٨): ((ولهذين الاحتمالَينِ الأخيرِين أَوْرَدْتُه في ((تغليق التعليق))
فأخرجتُه من طريق علي بن عبد العزيز عن أبي نُعيم تامّاً، ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم
(الأصبهاني) في (المستخرج))، والبيهقي في ((الدلائل)) انتهى. انظر: ((دلائل النبوة))
للبيهقي (١٠١/٦).
(٣) (تغليق التعليق)) (١٦٩/٥)، وقال فيه: ((هذا الحديثُ ليسِ من شرطنا، وإنما أوردتُه
لأن النصفَ الذي لم يسمعْه البخاريُّ من أبي نُعَيم شبهُ المُعَلَّق)»، انتهى.

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(آدابُ) الشيخ (المحدِّثِ)
عند إرادةِ الروايةِ، ومع الطالب، وفي الروايةِ، والإملاءِ
وما يفعلُه المُسْتَمْلِي، وغير ذلك مما لم يتقدّم
وقُدِّمَتْ على ((آداب الطالب)) - التي كان الأليق تقديمَها - إمَّا لكونها
أشرفَ، أو لمناسبتِها لأكثرِ الفُروعِ التي في صفة الروايةِ والأداءِ.
وقد صنَّف الخطيبُ كتاباً حافلاً لآداب كلٌّ منهما سمَّاه ((الجامع لأخلاق
الراوي وآداب السامع)) (١) - وقَرَأْتُه -، وكذا لأبي سعد ابنِ السَّمْعَانِي ((أدب
الإملاء والاستملاء)).
٦٨٤
(وصحّح) أيها المُريدُ للروايةِ (النية في التحديثِ) وقدِّمْها عليه، بحيث
تكون في ذلك مُخْلصاً لله لا يشوبُك فيه غَرَض دُنْيويّ، بل طاهرَ القلب من
أَغْرَاضها وأَدْنَاسِها، بعيداً عن حُبّ الرياسة ورُعُونَاتِها ودَسَائِسها - كالعُجْب،
والطَّيْشِ، والحُمْقِ، والدعوى بحقِّ فَضْلاً عن باطلٍ - لا تُحِبُّ أن يحمدَك عليه
أحدٌ من الناس، ولا تريدُ به معنّى سوى التقرّب إلى الله، وإنْ لم تفعل ذلك فما
صَنعتَ شيئاً، ولا تأمنُ أن يقولَ لك الربُّ سبحانه - حينَ قولِكَ: تعلمتُ فيك
العلمَ، وعلمتُه، وقرأتُ القرآنَ -: ((كذبتَ، ولكنْ لِيُقَالَ: قارئٍّ، فَقَدْ قيل))(٢). ثم
(١) في النُّسَخ: ((الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)). والمُثبتُ هو ما أشار إليه
الخطيبُ في آخر كتابِهِ «شَرَفُ أصحابِ الحديث))، وهو الاسمُ الصحيحُ لهذا الكتابِ
كما هو في بداية كُلّ جُزء من نُسخَته المخطوطةِ. وقد طُبع كتاب ((الجامع)) مع دراسة
له لأول مرة عام ١٤٠١ بتحقيق الدكتور محمد رأفت سعيد، ونشرَتْه مكتبةُ الفلاح
بالكويت، ثم طُبعٍ محققاً تحقيقاً علمياً ممتازاً قام به الدكتور محمود الطحان عام
١٤٠٣ ونشرَتْه مكتبةُ المعارف بالرياض. وهو في جزئين في كلا الطبعتين.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم في ((الإمارة)): باب من قاتل للرياءِ والسُّمْعَة استحق النار
(١٥١٣/٣) من حديث أبي هريرة ولفظُه: (( ... قال: تعلمتُ العلمَ وعلمتُه، وقرأتُ =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١٥
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
يُؤْمَر بمن يكون كذلك فيُسحبُ على وجهه حتى يُلقَى في النار. إذِ الأعمالُ
بالنيات، ولا يقبل اللهُ منها إلا ما كان خالصاً له.
وانظر إلى قوله وَلّ: ((من سَمَّع الناسَ بِعمَلِه(١) سَمَّعَ اللهُ به سامِعَ خَلْقِه،
وصغَّرَهُ، وحقّرَه))(٢). و«رُبَّ قائم أو صائم حظّه من قيامِه أو صيامِه السهرُ، أو
الجوعُ والعَطَشُ))(٣)، نسأل اللهَ الَّعفوَ والعاَفِيَةَ.
ومن هنا وَقَفَ كثيرٌ من السَّلَف عن التحديثِ إلَّا بعد نيةٍ صحيحةٍ.
قال حبيبُ بنُ أبي ثابت - لمَّا سأله الثوريُّ التحديثَ -: ((حتى تجيءَ
النيةُ)) (٤). وقال أبو الأحوصِ سَلَّام بنُ سُلَيم - لمن سألَه أيضاً -: ((ليست لي
نيةٌ))، فقيل له: إنكَ تُؤْجَرُ، فقال:
((ثُمَنُّونَنِي الخَيرَ الكَثيرَ ولَيتَنِي نَجَوْتُ كَفَافاً لا عَلَيَّ ولا لِيَا (٥)
وقال كلثومُ بن هانئ - وقد قيل له: يا أبا سَهل حدِّثنا -: ((إنَّ قلبي لا
خيرَ فيه، ما أكثرَ ما سمعَ ونَسِي))(٦). وهو لَوْ شاءَ فعلَ - كما قالهُ أبو زُرعةَ
السَّيباني(٧) -، ولكنَّه أشفق من الزَّهوِ، والعُجب حين نَصَبُوه.
فيك القرآنَ. قال: كذبتَ، ولكنَّكَ تعلمتَ العلمَ ليقالَ عالِمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقالَ: هو
=
قارئٍّ، فقد قيل))، وأخرجَه غيرُه.
(١) في (س) و(م): بعلمه. من الناسخ. ومعنى (سَمَّع بعمله) أي أظهره ليُسمع. وقوله
الآتي: (سامعُ خَلْقِه) اسم فاعل من (سَمِع) وهو هنا صفة لله تعالى. ((النهاية)) (٤٠١/٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٦٢/٢، ١٩٥) بهذا اللفظِ من حديث عبدِ الله بنِ عَمروٍ بن
العاص، ورجاله رجال الصحيح إنْ كان الرجلُ الذي لم يُسَمَّ فيه هو خيثمةُ بنُ
عبد الرحمن بنِ أبي سَبْرة كما عند الطبراني في ((الكبير)). قاله الهيثمي في ((المجمع))
(٢٢٢/١٠).
(٣) أخرجه أحمد (٣٧٣/٢) من حديث أبي هريرة ولفظه: «رُبَّ صائمِ حْظُه من صيامه
الجوعُ والعطشُ، ورب قائم حظه من قيامه السهرُ))، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٣١٧/١).
(٥) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٣١٦/١).
(٦) ((طبقات ابن سعد)) (٧/ ٤٥١) في ترجمة كلثوم بن هانئ الكندي، أحد التابعين
الشامیین .
(٧) أوله سين مهملة مفتوحة ثم مثناة تحتية بعدها موحدة، وآخره نون نسبة إلى (سيبان)
بطن من حِمْيَر. وكُتِبَت في النسخ بالشين المعجمة في أوله. وهو تصحيفٌ وأبو زُرعة =

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ونحوُه قولُ حمادٍ بن زيد: ((أستغفرُ اللهَ، إنَّ لذكر الإسنادِ في القلب
خيَلاء))(١). وتصحيحُ النيةِ، وإنْ كان شرطاً في كلّ عبادة إلَّا أنَّ عادةَ العلماء
تَقْبِيدُ مسألتِنا به، لكونه قد يَتَساهل فيه بعضُ الناس، أو يغفلُ عنه، لا سيما
والحديثُ علمٌ شريفٌ يُناسب مكارمَ الأخلاقِ ومحاسنَ الشِّيَم، وينافرُ مساوئَ
الأخلاق، ومشايِنَ الشِّيَم، كما قال ابنُ الصلاح(٢).
والنيةُ تَعِزُّ فيه لِشَرَفِهِ، ويستَفِزُّ صاحبَه اللعينُ(٣) بهدَفِهِ، ومَنْ حُرِمَهُ فقد
حُرم خيراً كثيراً، ومن رُزِقَه - بشرطِه - فقد فاز فَوْزاً عظيماً، ونال أجراً كبيراً.
وهو من عُلومِ الآخرة لا من علوم الدنيا، لأنه عبادةٌ لِذَاتِهِ لا صِنَاعَة.
ولا يُنَافِيه قولُ الثوريّ: ((ليس طلبُ الحديث من عُدَّةِ الموتِ، ولكنه علَّةٌ
يَتَشَاغَلُ به الرجالُ))(٤)، إذْ طلبُ الحديث - كما قال الذهبي -: شيءٌ غِيرُ
الحديث. قال: ((وهو اسم عُرفيٍّ لأمور زائدةٍ على تحصيل ماهيَّة الحديث.
وكثيرٌ منها مَرَاقٍ إلى العلم، وأكثرُها أمورٌ يُشغَف بها المحدثُ: من تحصيلٍ
النُّسَخِ المَليحةِ، وتطلُّبِ الإسنادِ العالي، وتكثيرِ الشُّيوخِ، والفَرحِ بالألقابِ،
وتمنِّي العُمرِ الطويلِ لِيَرْوي، وحُبِّ التفردِ، إلى أمورٍ عَديدةٍ لازمَةٍ للأغراضِ
النفسانيةِ، لا للأعمالِ الربّانيةِ)).
قال: ((فإذا كان طلبُك للحديث النبويّ مَحْفُوفاً بهذه الآفاتِ فَمَتى
خلاصُك منها إلى الإخلاص، وإذا كانَ عِلمُ الآثار مَدْخُولاً فما ظنُّك بعلوم
الأوائل التي تَنْكُث الأيمان، وتورثُ الشكوكَ، ولم تكُن - والله - في عصر
الصحابة والتابعينَ، بل كانت علومُهم القرآنَ والحديثَ والفقهَ))، انتهى(٥).
على أنَّ جماعةً - منهم الثوريُّ - قال كلٌّ منهم: ((لا أَعلمُ عَمَلاً أفضلَ مِن
طلب الحديث لمن أَرادَ به اللّهَ وَّ))(٦)، فيُحمل على ما إذا خَلَصَ مِن هذه
= هذا هو يحيى بن أبي عَمرو، مات سنة ١٤٨. ((الإكمال)) (١١٢/٥)، و((الأنساب)) (٧/
٢١٤). والكلامُ المنسوبُ إلى أبي زرعة هنا موجود في الطبقات لابن سعد (٤٥١/٧).
(٢) في ((علوم الحديث)) (٢١٣).
(١) الجامع (٣٣٨/١).
يعني الشيطانَ لعنهُ الله.
(٣)
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) (٢٠٥/١) مع تصرف يسير.
(٦) أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (٨١).
(٤) ((السير)) (٢٥٥/٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١٧
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
الشوائب كما هو صَرِيحُه. وحينئذٍ فَهُوَ أفضلُ من التطوّع بالصوم والصلاة(١)،
لأنه فَرِضٌ على الكفاية(٢). (واحرص) مع تصحيح النية (على نَشْرِكَ للحديثِ)
واجعلْ ذلك من أكبرِ همِّك، فقد أمرَ النبيُّ نَّه بالتبليغ عنه بقولِه: ((بلِّغوا عني
ولو آية))(٣). قال ابنُ دقيق العيد: ((ولا خفاءَ بما في تبليغ العلم من الأجور،
لا سيما وبروايةِ الحديثِ يدخلُ الراوِي في دعوةِ النبيِ وَلَّحيث قال: «نَضَّرَ اللهُ
امرءاً سَمِعَ مقالتي فَوَعَاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يَسمعْها)) (٤) انتهى(٥).
ولأنَّه ـ كما يُروَى في حديث مرفوع عن أبي هريرة عند أحمدَ،
والطبراني، والخطيب، وغيرِهم : - ((مَثَلُ الذّي يتعلم علماً ثم لا يُحدِّث به
كَمَثَل مَن رزقه الله مالاً فكَنَزَه، ولم يُنفِقْ منه))(٦)، وفي لفظٍ - عن ابن عُمرَ
(١) جاء ذلك عن بعضٍ السلفِ كوكيع والقَعْنَبِيِّ والمُعَافَى بنِ عمرانَ والإمام أحمدَ،
أخرجه عنهمُ الخطيب في ((شرح أصحاب الحديث)) (٨٤، ٨٦) وفيها أنه لما قيل
للإمام أحمدَ: ((مِنْ أينَ فَضَّلتَ كتابةَ الحديث على الصوم والصلاة؟ قال: لِئَلَّا يقولَ
قائلٌ: إني رأيتُ قوماً على شيء فاتَّبعتُهم)).
(٢) وقال الخطيبُ في المصدر السابق: طلبُ الحديث في هذا الزمانِ أفضلُ من سائرٍ
أنواع التطوع لأجل دُرُوسِ السنَنِ وخمولها، وظهور البِدَعِ واستِعْلاءِ شأنِها .
(٣) أخرجه البخاري في ((أحاديث الأنبياء)): باب ما ذُكرَ عن بني إسرائيل (٤٩٦/٦)
- وغيرِه ـ من حديثٍ عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) حديث متواتر - كما تقدم في تخريجه (ص١٢٤) - ذكر السيوطي في ((تدريب الراوي))
(١٧٩/٢) أنه جاء من رواية نحو ثلاثين صحابياً. وقد سمَّى الشيخُ عبد المحسن العبَّاد
في دراسته لهذا الحديث روايةً ودرايةً سَمَّى منهم أربعةً وعشرين صحابياً مع بيانٍ
مواضع روايتهم وطُرُقها في السُنن والمسانيدِ والمعاجِم، ومما يُتَعجَّب منه هنا أن هذا
الحديثَ لم يَرِد في (الصحيحين))، وإن كان هذا لا يقدَح في صحته لأنهما نَصَّا على
عدمِ استيعابِهما لكلِّ الصحيح.
(٥) من ((الاقتراح)) (٢٦٤).
(٦) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). قاله الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٤/١)، والخطيبُ في
((الجامع)) (٣٢٤/١) وفي سندِهما ابنُ لهيعة وهو ضعيف. وأخرجه الإمام أحمدُ (٢/
٤٩٩)، والبزارُ كما فى ((كشف الأستار)) (١٠٠/١) بنحوه، وفي سندهما إبراهيم بن
مسلم الهَجَري وهو ليّن. وقد أخرجه ابنُ عبد البر في ((الجامع)) (١٢٢/١) في عِدة
روايات يقوِّي بعضُها بعضاً، والحديثُ من مجموع تلك الطرق: حسن كما ذكر
السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٥٠٩/٥).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رَفَعَه -: ((علمٌ لا يُقالُ به كَكَنْزِ لا يُنفَقُ منه))(١).
وقال مالك: ((بلغني أنَّ العلماءَ يُسألون يومَ القيامة - يعني عن تبليغهم -
كما يُسأل الأنبياءُ))(٢).
ورُئِيَ يزيدُ بنُ هارونَ في النوم فقيل له: ما فعل اللهُ بك؟ قال: غَفر لي،
قيل: بأي شيء؟ قال: ((بهذا الحديثِ الذي نشرتُه في الناس))(٣).
والأحاديثُ والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ.
ولذا كان عروةُ يَتألَّفُ الناسَ على حديثه(٤). وكان [ابنُ] المُحبُّ
الصامتُ(٥) - من المتأخرين الذين أخذَنا عن أصحابِهم - يطوف على أبناءِ
المکاتب فیحدثُهم.
بل رَحل جماعةٌ من بلادهم إلى بلادٍ أخرى لذلك. منهم: أبو علي حَنبل
الرُّصَافي(٦)، فإنه سافر من ((بَغدادَ)) إلى ((الشام)) بقصدِ خدمةِ رسولِ اللهِ وَالَ(٧)،
وروايةِ أحاديثِهِ في بلدٍ لا تُروَى فيه. وحدَّث بمسندِ أحمدَ، فاجتمع بمجلسه
- لهذه النية الصالحةِ - من الخلائقِ ما لَمْ يَجْتمعْ في مجلسٍ قبلَه بـ«دمشقَ))، كما
(٨)
قاله الذهبي (٨) .
وكذا كان محمدُ بنُ عبد الرحمن أبو جعفر البغداديُّ الصيرفيُّ - وهو من
الدين على نهايةٍ - يَسألُ مَنْ يَقْصِدُهُ عن مدينةٍ بعد مدينةٍ: هل بَقِيَ فيها مَنْ
(١) أخرجه ابن عبد البر في ((جامعه)) (١٢٢/١) عن ابن عُمرَ بلفظه.
(٢) («الحلية)) (٣١٩/٦).
(٣) شرف أصحاب الحديث (١٠٧).
(٤) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٣٤٠).
(٥) الصامتُ لَقَبٌّ لشمسِ الدين أبي بكر بنِ المُحِبِّ، ولُقِّب بذلك لطول سُكُوتِهِ كما مضى في
ترجمته (ص٩٦) وكانت وفاتُه سنة ٧٨٩. والمُحِبُّ هو أبوه الإمامُ الحافظُ محب الدين
عبدُ الله بنُّ أحمدَ المتوفى سنة ٧٣٧، ((العبر)) (١٠٧/٤)، و((الشذرات)) (١١٤/٦) وكلمةُ
(ابن) سقطتْ من النُسخ. ولو قال السخاويُّ: (وكان الصامتُ ابنُ المُحبُّ) لكان أولى.
(٦) بقية المُسْنِدين حنبل بن عبد الله بن فرج بن سَعَادة، راوي ((مسند أحمد)» كلِّه عن
هبة الله بن الحصين. مات سنة ٦٠٤. ((التقييد)) (٣١٦/١)، و((السير)) (٤٣١/٢١).
(٧) لو قال: ((بقصد خدمة سنة رسول الله وَل﴿)) لكان أولى وأليق.
(٨) ((السير)) (٤٣٣/٢١) نقلاً عن ابنِ الأَنْمَاطِي.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١٩
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
يُحدثُ؟ فإذا عَلِم خُلُوَّ بلدٍ عن مُحدثٍ خَرَجَ إليها في السرِّ، لرغبته في بذلٍ
الحديثِ. فحدَّثَهم ثم رَجَعَ. حكاه الخطيبُ في ترجمته من ((تاريخِه))(١).
قال ابنُ دقيق العيد: ((ومن أحسنِ ما يُقصَد في هذا العلم شيئانِ:
أحدُهما: التعبُّدُ بكثرة الصلاة على النبي ◌ََّ كُلَّما تكرَّر ذِكرُه، ويحتاجُ ذلك أن
يكونَ مقصوداً عند اللفظِ به ولا يخرجُ على وجه العادة. [قلت: لا سيما وعند
ذكرِ الصالحينَ تنزلُ الرحمةُ ورسول الله وَّرَ سيدُهم](٢) والثاني: قَصدُ الانتفاعِ
والنفعِ للغَيْر. كما قال ابنُ المبارك - وقد استُكثِرَ كثرةُ الكتابةِ منه -: ((لعلَّ
الكلمةً التي فيها نَجَاتي لم أسمعْها إلى الآن))(٣).
قال بعضُ المتأخرين: ((وإنَّما اقتصَرَ على هذين لمَّا قَلَّ الاحتياجِ إلى علم
الحديث؛ لتدوينِ الأحاديث في الكُتُب، وانقطاع الاجتهادِ غالباً. وإلَّ فالفائدةُ
العظيمةُ حفظُ الشريعةِ المطهرةِ على المُكَلَّفينَ بها)). ومن أعظم فوائدِه الآنَ
شيئان :
أحدُهما: ضبطُ ألفاظِ النبيّ بَّهُ بتَكرار سماعِها، إذ لو تُرِك السماعُ لَبَعُدَ
العهدُ بها، وتطرّق التحريفُ لها كما جَرَى في بلاد العجم، فقد بَلَغَنا أن بعضَ
كبارٍ ملوكِهم أراد أنْ يُقْرَأَ عندَه «صحيحُ البخاري)) فَلَمْ يجدِ في مَمْلكتِه من
يُحسن ذلك. فاجتمعَ علماءُ ذلك المصرِ على قراءتِه، وصار يقعُ منهم من
التحريفِ في الأسماءِ واللغاتِ ما لا يُحصَى.
ثانيهما: حفظُ السُنّةِ من أعدائها المُدْخِلين فيها ما ليس منها، فقد اقتحم
كثيرٌ من الناس أمراً عظيماً ونَسَبُوا إلى النبيِ وَ ﴿ِ ما يَنْبُو السمعُ عنه. فلولا
أنَّ اللهَ حَفِظَ الشريعةَ بِنُقَّادِ الحديثِ لاضْمَحَلّ الدينُ، وتهدّمت أركانُه، ولولا
بقايا مِن علماءِ الحديثِ لوقع مِن الكذب عليه والتحريفِ لكلامِه ما اللهُ به
عالِم.
ويستحبّ أن تكونَ الروايةُ بعد العَمَل بالمَروِيّ، لقولِ الثوريّ: ((تَعلَّموا
(١) ((تاريخ بغداد)) (٣١٣/٢)، وذكر أنه مات سنة ٢٦٥.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في (س) و(م) و(الأزهرية)، وهو كلام للسخاوي أورده أثناء
كلام ابن دقيق العيد.
(٣) ((الاقتراح)) (٢٦٣). وكلمة ابن المبارك في ((شرف أصحاب الحديث)) (٦٨).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
هذا الحديثَ، فإذا عَلِمْتُمُوهُ فتحفَظُوه، فإذا حَفظتُموه فاعْمَلُوا به، فإذا عَمِلتم به
فانشُروه)(١) .
بل يُروَى - في المعنى - مما هو مرفوع: ((مِنَ الصدقةِ أن يتعلَّم الرجلُ
العلمَ فيعملُ به، ثم يُعلِّمُه)(٢) .
٦٨٥
(ثُمَّ) عند إرادَتِك نشرَ الحديثِ بالنية الصحيحةِ - إنْ شاء الله - (تَوضَّأْ)
وضوءَك للصلاة، (واعْتَسلْ) اغتِسالَك من الجَنَابة، بحيثُ تكونُ على طهارة
كاملةٍ، وَتَسَوَّدْ، وَقُصَّ أَظفارَكَ، وخُذْ شارِبَك (واستعملٍ) مع ذلك (طِيباً)
وبَخُوراً في بَدنِك وثيابك، فقد قال أنسٌ: ((كُنَّا نعرِف خروجَ رسول اللهِ وَلـ
بريح الطيبٍ)»(٣). وقال ابنُ عُمرَ: ((كان رسول الله وَّهُ يَسْتَجْمِرُ بِالأُلُوَّةِ غَيرٍ
المُطَرَّاةِ، وكافورٍ يَطرحُه معها)»(٤) (و) كذا استَعمِل معه (تسريحاً) لِلِحْيَتِكَ
وتمشيطاً لشَعركَ إنْ كان، بأنْ تُرْسِلَه وتَحُلَّه قبل المَشط لما في ((الشمائل
النبوية)): ((أنه ﴿ ﴿ كان يُكثر دَهْنَ رأسه وتسريحَ لحيته))(٥). والْبَسْ أَحْسَنَ
ثيابِك، وأفضلُها البياض(٦). إلى غير ذلك مما يُتجمّل به من سائر أنواع الزينة
(١) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٣٤٠/١).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في ((جامعه)) (١٢٣/١) عن الحسن مرسلاً.
(٣) عزاه الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨٢/٨) إلى الطبراني في ((الأوسط))، وأخرجه الخطيبُ
في ((الجامع)) (٣٨٨/١)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٣٩٨/١) وفي سندِهما يزيدُ
الرَّقَاشي وهو ضعيف. كما في ((التقريب)). وقد صحَّ عن النبي ◌َّ أن الطيب مما
حُبِّب إليه، ويشهدُ له حديثُ مسلم الآتي.
(٤) أخرجه مسلم في ((الألفاظ من الأدب وغيرها)): باب استعمال المسك .. (٤/
١٧٦٦) عن نافع بلفظ: ((كان ابنُ عمر إذا استَجْمَرَ استَجْمَرَ بالأُلُوَّةِ غيرِ مُطَرَّةٍ،
وبكافورٍ يطرحه مع الأُلُوَّةِ ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله (وَّر))، ومثله عند
النسائي في ((الزينة)): باب البخور (١٥٦/٨). ومعنى (يستجمر): يتبخّر بالطيب.
(والأُلُوَّة): العود الذي يُتَبخر به، وتفتح همزتها وتضم، مع ضم اللام وتشديد
الواو. و(غير المطراة): أي غير المخلوطة بغيرها من أنواع الطيب. (النهاية)) (١/
٢٩٣، ٦٣/١، ١٢٣/٣).
(٥) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٤٨) بسند فيه يزيدُ الرَّقَاشي وهو ضعيف كما
تقدم قريباً .
(٦) ((الجامع)) (٣٨١/١) واستدلَّ له فيه بما رواه أحمد وأهل السنن.