النص المفهرس

صفحات 281-300

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٨١
مراتب التَّعديل
متقن ثبت، فهو ممَّن يحتجُّ بحديثه(١)، حيث أردف المتقن بثبت المقتضي
للعدالة بدون ((أو)) التي عبر بها في غيرها.
وحينئذٍ فلا يعترض على ابن الصَّلاح في جعله لفظ ((ثبت)) من زياداته
على ابن أبي حاتم؛ لأنَّها فيما ظهر كما قررناه ليست مستقلة.
وكذا لم يقع في كلامه لفظ الحجَّة وما بعدها، بل الثَّلاثة من زيادات ابن
الصَّلاحِ(٢) مع تفاوتها، فكلام أبي داود يقتضي أنَّ الحجة أقوى من الثِّقة،
وذلك أن الآجري سأله عن سليمان ابن بنت شرحبيل(٣) فقال: ثقة يخطئ كما
يخطئ الناس، قال الآجري: فقلت هو حجَّة؟ قال: الحجّة أحمد بن حنبل(٤).
وكذا قال عثمان بن أبي شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس: ثقة وليس
بحجة(٥)، وقال ابن معين في محمَّد بن إسحاق: ثقة وليس بحجّة (٦)، وفي أبي
أويس (٧): صدوق وليس بحجّة(٨).
وكأن لهذه النكتة قَدَّمها الخطيب حيث قال: أرفع العبارات أن يقال:
حُجَّة أو ثقة(٩).
ثُمَّ إنَّ ما تقدَّم في أنَّ الوصف بالضَّبط والحفظ، وكذا الإتقان لا بدَّ أن
يكون في عدل هو حيثُ لم يصرِّح ذاك الإمام به، إذ لو صرَّح به كان أعلى،
(١) ((الجرح والتعديل)) (٣٧/١/١).
(٢) في ((علوم الحديث)) (ص١١٠) . .
(٣) هو: سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون التميمي الدمشقي، أبو أيوب، الإمام
الحافظ، محدث الشام، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
((سير أعلام النبلاء)) (١٣٦/١١ - ١٣٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٠٧/٤).
(٤) سؤالات الآجري بتحقيق البستوي (١٩٠/٢). ونقله عن أبي داود الذهبي في ((سير
أعلام النبلاء)» (١٣٧/١١)، وابن حجر في التهذيب.
(٥) نقله ابن حجر في: ((تهذيب التهذيب)) (٥٠/١).
(٦) يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٢٢٥/٣).
(٧) هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس
المدني، صدوق يهم، مات سنة سبع وستين ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص١٧٨)، والخلاصة (ص١٧٢).
(٨) يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٢٢٥/٣).
(٩) ((الكفاية)) (ص٥٩).

مراتب التَّعديل
٢٨٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ولذا أدرج شيخنا عدلاً ضابطاً في الَّتِي قبلها(١).
وخالف الذَّهبي فعد حافظاً ثقة من هذه، وأدرج في ألفاظها إماماً فقط،
وجعل ثقة [و](٢) قويَّ الحديث وصحيحه، وجَيِّد المعرفة مرتبة أخرى(٣)، وفيه
نظر .
ولا بدّ في آخرها - أيضاً - أن يكون لعدل، [ويمكن أن يكون من هذه
المرتبة قول الثّوري في عبد الملك بن أبي سليمان: هو ميزان(٤)، قال
التّرمذي: يعني في العلم(٥)، ولكن لا بد أن يكون معلومَ العدالة كضابط](٦).
(ويلي) هذه المرتبة خامسة، وهي قولهم: (ليس به بأس) أو لا بأس به،
أو (صدوق) وصف بالصِّدق على طريق المبالغة، لا محلّه الصدق، وإن أدرجها
ابن أبي حاتم (٧)، ثم ابن الصَّلاح(٨) هنا، فإنها كما سيأتي(٩) تبعاً للذَّهبي(١٠)
من التي بعدها .
٣٣١
(وَصِلٍ) بكسر اللام مما لم يذكره ابن الصَّلاح (بذاك) أي: بقول ليس به
بأس، واللذين بعده (مأموناً) أو (خياراً) من الخير ضدّ الشرّ، ومن ذلك
الوصف لسيف بن عبيد الله(١١) بأنّه من خيار الخلق، كما وقع في أصل حديثه
(١٢)
من سنن النسائي(١٢).
(وتلا) هذه المرتبة سادسة، هي (محلّه الصِّدق) خلافاً لابن أبي حاتم،
ثُمَّ ابن الصَّلاح، وتبعاً للذَّهبي، كما تقدَّم (١٣)، و(رووا عنه) أو روى النَّاس
(١) ((شرح النخبة)) (ص١٥٣).
(٣) مقدمة ((ميزان الاعتدال)) (٤/١).
(٥) (سنن الترمذي)) بعد الحديث رقم (١٣٦٩).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٨) في ((علوم الحديث)) (ص١١٠).
(١٠) في الميزان (٤/١).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٤) تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص٨٢).
(٧) في ((الجرح والتعديل)) (٣٧/١/١).
(٩) قريباً.
(١١) هو: سيف بن عبيد الله الجرمي، أبو الحسن السراج البصري، وثقه البزار وابن حبان،
وقال ابن حجر: صدوق ربما خالف، من التاسعة وضعفه مسلمة بن قاسم.
((تهذيب التهذيب)) (٢٩٥/٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٤٢).
(١٢) ((سنن النسائي)) (٢٢٥/٤) وصفه بذلك عمرو بن علي الصير في.
(١٣) قريباً.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٨٣
مراتب التَّعديل
٣٣٢
عنه، أو يروى عنه، أو (إلى الصِّدق ما هو) يعني: أنَّه ليس ببعيد عن الصِّدق.
و(كذا شيخ وسط، أو وسط فحسب) أي: بدون شيخ (أو شيخ فقط)
أي: بدون وسط، ولم يذكر ابن الصَّلاح تبعاً لابن أبي حاتم في هذه المرتبة -
التي هي عندهما الثّالثة - [غير الأخيرة](١). نعم زاد (٢) عليه(٣) [ممَّا لم
يرتبه}(٤): وسطاً، وروى الناس عنه، ومقارب الحديث(٥) .
(و) منها - أيضاً - (صالح الحديث) وهي عندهما الرَّابعة، بل حكى ابن ٣٣٣
الصَّلاح عن أبي جعفر أحمد بن سنان(٦) كما سيأتي قريباً(٧)، قال: كان ابن
مهدي ربما جرى ذكر الرَّجل فيه ضعف، وهو صَدوق، فيقول: صالح
الحديث(٨)، وهذا يقتضي أنَّها هي والوصف بصَدوق عند ابن مهدي سواء.
ومنها: يعتبر به، أي: في المتابعات والشَّواهد، أو يكتب حديثه، (أو
مقاربه) أي: الحديث، من القرب ضدَّ البُعد، وهو بكسر الراء كما ضبط في
الأصول الصَّحيحة من كتاب ابن الصَّلاح المسموعة عليه (٩)، وكذا ضبطها
النَّووي في مختصريه(١٠)، وابن الجوزي، ومعناه: أنَّ حديثَه مقارب الحديث
غيره من الثقات.
أو (جيده) أي: الحديث، من الجودة، أو (حَسَنه) أو (مقاربه) بفتح
الراء، أي: حديثه يقارب حديث غيره، فهو على المعتمد - بالكسر والفتح -
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): غيرها.
(٢) يعني: ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص١١٤).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) يعني: على ابن أبي حاتم.
(٥) في (م) بعد ذلك: لكن لم يرتبها .
(٦) هو: الحافظ الحجة أحمد بن سنان بن أسد بن حبان، أبو جعفر الواسطي القطان،
المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين.
((تهذيب الكمال)) (٣٢٢/١ -٣٢٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٢١/٢).
(٧) (ص٢٨٨).
(٨) ((الكفاية)) (ص٦٠)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١١٢).
(٩) ضبط كذلك في طبعة دار الكتب المصرية، بتحقيق: د.عائشة عبد الرحمن (ص ٢٤٠)
شكلاً لا حرفاً .
(١٠) ((التقريب)) (ص٢٣٤)، و((الإرشاد)) (ص١١٩) شكلاً لا حرفاً - أيضاً -.

مراتب التَّعديل
٢٨٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وسط، لا ينتهي إلى درجة السّقوط، ولا الجلالة، وهو نوع مدح(١).
وممَّن ضبطها بالوجهين ابن العربي(٢)، وابن دِحية، والبطليوسي(٣)، وابن
رُشيد في رحلته، قال: ومعناها يقارب النَّاسَ في حديثه، ويقاربونه، أي: ليس
حديثه بشاةٍّ ولا منكر.
قال: وممَّا يدلُّك على أن مرادهم بهذا اللَّفظ هذا المعنى ما قاله التِّرمذي
في آخر باب من فضائل الجهاد من ((جامعه))، وقد جرى له ذكر إسماعيل بن
رافع (٤) فقال: ضعَّفه بعض أهل الحديث، وسمعت محمَّداً يعني: البخاري،
يقول: هو ثقة مقارب الحديث(٥).
وقال في باب ما جاء من أذن فهو يقيم: والإفريقي، يعني: عبد الرحمن
ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه يحيى بن سعيد القطّان وغيره، وقال أحمد:
لا أكتب عنه، قال التِّرمذي: ورأيت البخاري يقوِّي أمره ويقول: هو مقارب
الحديث(٦).
فانظر إلى قول التِّرمذي: إنَّ قوله: مقارب الحديث تقوية لأمره، وتفهمه
فإنّه من المهم الخافي الّذي أوضحناه. انتهى(٧).
(١) قال الجوهري في ((الصحاح)) مادة (قرب): شيء مقارِب - بكسر الراء -: أي وسط بين
الجيد والرديء، ولا تقل مقارَب - يعني: بفتح الراء - وكذلك إذا كان رخيصاً.
ونقل البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٤٠) عن ثعلب: بئر مقارب، أي:
رديء، فلیس مدحا .
(٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١٦/١).
(٣) نقله البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٤٠) عنه. وهو: عبد الله بن محمد بن
السيد البطليوسي الأندلسي، النحوي الأديب اللغوي، المتوفى سنة إحدى وعشرين
و خمسمائة .
((الصلة)) لابن بشكوال (٢٩٢/١ - ٢٩٣)، و((إنباه الرواة)) (١٤١/٢).
(٤) هو: إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني، نزيل البصرة، يكنى أبا رافع،
ضعيف الحفظ، مات في حدود الخمسين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص٣٣)،
والخلاصة (ص٢٩).
(٥) ((سنن الترمذي)) بعد الحديث رقم (١٦٦٦).
(٦) ((المصدر السابق بعد الحديث رقم (١٩٩).
(٧) ملء العيبة - رحلة ابن رُشيد - (٤٢٠/٣ - ٤٢١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
-
٢٨٥
مراتب التَّعديل
٣٣٤
ومنها: ما أقرب حديثه، أو (صويلح) أو (صدوق - ان شاء الله -) بنقل
الهمزة، أو (أرجو بأن) أي: أن (ليس به بأس عراه) بمهملتين، أي: غشيه.
وقد خالف الذَّهبي في أهل هذه المرتبة، فجعل محلّه الصِّدق وحسن
الحديث وصالحه وصدوقاً - إن شاء الله - مرتبة، وروى النّاس عنه وشيخاً
وصويلحاً ومقارباً مع ما به المسكين بأس، ويكتب حديثه، وما علمت فيه
جرحاً أخرى(١) .
وأمّا قولهم: ما أعلم به بأساً، فقد صَرَّح ابن الصّلاح بأنَّه دون لا بأس
به(٢)، وهو ظاهر، وقال الشَّارح: إن أرجو أن لا بأس به أرفع من ما أعلم به
بأساً، فإنه لا يلزم من عدم العلم بالشَيء حصول الرجاء به(٣)، وكأنّه بالنظر
لذلك قال: مراتب التَّعديل على أربع أو خمس(٤)، ويحتمل على بعد أن يكون
نظراً لتفرقة الذَّهبي.
ويشبه أن يكون من هذه المرتبة: فَطِنٌ كيِّسٌ، فإن انضمَّ إليهما صحيح،
كما ليحيى القطان في حجاج بن أبي عثمان الصواف(٥) فأعلى.
وبالجملة فالضّابط في أدنى مراتب التّعديل كل ما أشعر بالقرب من أسهل
التّجريح.
ثم إنَّ الحكم في أهل هذه المراتب، الاحتجاج بالأربعة الأولى منها،
وأمّا الّتي بعدها فإنه لا يحتجّ بأحد من أهلها، لكون ألفاظها لا تُشعِر بشريطة
الضَّبط، بل يُكتَب حديثُهم ويُختبر.
قال ابن الصَّلاح: وإن لم نستوف النّظر المعرف بكون ذلك المحدِّث في
نفسه ضابطاً مطلقاً، واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث،
ونظرنا هل له أصل من رواية غيره، كما تقدَّم(٦) بيان طريقة الاعتبار في
محله(٧) .
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٤/١).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص١١٤).
(٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦/٢).
(٤) المرجع السابق (٣/٢).
(٥) ((تهذيب الكمال)) (٤٤٤/٥)، وفي (سنن الترمذي)) بعد الحديث رقم (١١٦٨) نقلاً عن
ابن المديني عن يحيى قال: ثقة فطن كيس.
(٦) (ص ٢١).
(٧) ((علوم الحديث)) (ص١١١).

مراتب التَّعديل
٢٨٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأمَّا السَّادسة فالحكم في أهلها دون أهل الّتي قبلها، وفي بعضهم من
يكتب حديثه للاعتبار، دون اختبار ضبطهم، لوضوح أمرهم فيه، وإلى هذا
أشار الذَّهبي بقوله: إن قولهم: ثبت وحجة وإمام وثقة ومتقن من عبارات
التَّعديل الّتي لا نزاع فيها .
وأمَّا صدوق وما بعده - يعني من أهل هاتين المرتبتين اللَّتين جعلهما ثلاثاً
- فمختلف فيها بين الحفّاظ، هل هي توثيق أو تليين، وبكل حال فهي منخفضة
عن كمال رتبة التوثيق، ومرتفعة عن رتب التَّجريح.
٣٣٥
فإن قيل: ما تقدم يقتضي أنَّ الوصف بثقة أرفع من: ليس به بأس (وابن
معين) بفتح الميم، هو: يحيى الإمام المقدم في الجرح والتَّعديل، سوى
بينهما؛ إذ قيل له (١): إنك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف؟
(قال: من أقول) فيه (لا بأس به فثقة)(٢)، ومن أقول فيه: ضعيف فليس
بثقة(٣)، لا يكتب حديثه (٤).
ونحوه قول أبي زرعة الدمشقي(٥): قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (١)
- يعني الذي كان في أهل الشَّام كأبي حاتم في المشرق -: ما تقول في علي بن
حوشب الفزاري (٧)؟ قال: لا بأس به، قال: فقلت: ولم لا تقول ثقة، ولا
(١) القائل: هو ابن أبي خيثمة، كما في تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين لابن شاهين
(ص٤٢)، و((الكفاية))، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
(٢) انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٣٧٦/٤، ٣٨١، ٤٠٧) في حماد بن دليل.
(٣) انظر: المصدر السابق (١٦٦/٣، ١٧١) في: الحكم بن عبد الله الأيلي.
(٤) (الكفاية)) (ص ٦٠)، و((علوم الحديث)) (ص١١١).
(٥) هو: الشيخ الإمام محدث الشام عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري
الدمشقي، المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائتين.
(«تذكرة الحفاظ)) (٦٢٤/٢ - ٦٢٥)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٢٦٦).
(٦) هو: القاضي الإمام الفقيه الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن
ميمون الدمشقي، قاضي طبرية، المتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين.
((تاريخ بغداد)) (٢٦٥/١٠ - ٢٦٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥١٥/١١).
(٧) ويقال: السلمي، أبو سليمان الدمشقي، وثقه العجلي، وقال ابن حجر: لا بأس به، من الثامنة.
((تهذيب التهذيب)) (٣١٥/٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٤٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث
٢٨٧
مراتب التّعدیل
نعلم إلا خيراً؟ قال: قد قلت لك إنّه ثقة (١)؛ فالجواب كما قال ابن الصَّلاح:
إن ابن معين إنّما نسب ما تقدّم [لنفسه(٢) بخلاف ابن أبي حاتم فهو عن
(٣)
صنيعهم (٣) .
قلت: ولو لم يكن صنيعهم كذلك ما سأل أبو زرعة، لكن جواب دحيم
موافق لابن معين، فكأنه اختياره - أيضاً -.
وأجاب الشَّارح - أيضاً - بما حاصله: أنَّ ابن معين لم يصرِّح بالتَّسوية
بينهما، بل أشركهما في مطلق الثقة(٤)، وذلك لا يمنع ما تقدَّم، وهو حسن،
ولذا أيده غيره: بأنَّهم قد يطلقون الوصف بالثِّقة على من كان مقبولاً، ولو لم
يكن ضابطاً، فقول ابن معين هنا يتمشَى عليه.
٣٣٦
(ونقلا) بالبناء للمفعول مما يتأيد به أرجحية الوصف بالثّقة (أن ابن
مهدي) هو: عبد الرحمن الإمام القدوة في هذا الشَّأن، حين روى عن أبي
خَلْدة - بسكون اللام - خالد بن دينار التميمي السَّعدي البصري الخيَّاط
التَّابعي(٥) (أجاب من سأل) منه، وهو عمرو بن علي الفلاس (أثقة كان أبو
خلدة؟) بقوله: (بل كان صدوقاً) وكان (خَيِّراً) أو خياراً، وكان (مأموناً، الثقة)
٣٣٧
شعبة وسفيان (الثوري)(٦) .
وربَّما وجد في بعض الرِّوايات عن ابن مَهدي مسعر بدل الثَّوري(٧)، (لو)
كنتم (تعونا) أي: تفهمون مراتب الرّواة، ومواقع ألفاظ الأئمّة ما سألتم عن
ذلك، فصرَّح بأرجحيتها على كلِّ من: صدوق وخير ومأمون، الَّذي كل منها
من مرتبة ليس به بأس.
(١) (تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) (٣٩٥/١).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): من نفسه.
(٣) ((علوم الحديث)) (ص١١١).
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧/٢).
(٥) وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. ((الطبقات
الكبرى» لابن سعد (٢٧٥/٧)، و((تهذيب التهذيب)) (٨٨/٣).
(٦) ((الكفاية)) (ص٥٩ - ٦٠)، وانظر: ((التاريخ الكبير)) (١٣٥/١/٢)، و((الجرح والتعديل))
(٣٢٨/٢/١).
(٧) ((تهذيب الكمال)) (٤٦٦/٢٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٧٣/٧).

مراتب التّعدیل
٢٨٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولا يخدش فيه قول ابن عبد البر: كلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار
الألفاظ؛ إذ أبو خَلْدة ثقة عند جميعهم(١)، يعني: كما صرَّح به التِّرمذي حيث
قال: هو ثقة عند أهل الحديث(٢)، فإن هذا لا يمنع الاستدلال المشار إليه.
ونحوه ما حكاه المروذي(٣)، قال: قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهّاب بن
عطاء ثقة؟ قال: تدري من الثقة؟ الثقة يحيى بن سعيد القطّان (٤)، هذا مع توثيق
ابن معين(٥) وجماعة(٦) له.
٣٣٨
(و) كذا (ربما) أي: وفي بعض الأحيان (وصف) ابن مهدي فيما حكاه
أبو جعفر أحمد بن سنان عنه كما قدمته (٧) (ذا الصّدق) الذي (وسم ضعفا)
أي: الصَّدوق من الرواة الموسوم بالضَّعف؛ لسوء حفظه وغلطه ونحو ذلك
(بصالح الحديث)(٨) المنحط عن مرتبة ليس به بأس (إذ يسم) بفتح التحتانية،
وكسر المهملة، أي: حين يعلم على الرّواة بلفظه أو كتابة ما تتميز به مراتبهم،
إلى غير ذلك ممّا يشهد لاصطلاحهم(٩).
(١) ((الاستغناء في معرفة المشهورين بالكنى)) لابن عبد البر (١ / ٦٠١) وفيه تقديم وتأخير،
وكلام ابن مهدي في تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص١٦٠).
(٢) سنن الترمذي بعد الحديث رقم (١٨١٢).
(٣) هو: أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المروذي، صاحب الإمام أحمد، والراوي
عنه مسائل كثيرة، مات سنة خمس وسبعين ومائتين. ((طبقات الحنابلة)) (٥٦/١ -
٦٣)، و((تاريخ بغداد)) (٤٢٣/٤ - ٤٢٤).
(٤) ((تهذيب الكمال)) (٥١١/١٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥١/٦).
(٥) يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٨٣/٤)، و((الجرح والتعديل)) (٧٢/١/٣).
(٦) كالدارقطني وابن حبان وابن شاهين. انظر: ((الثقات)) لابن شاهين (ص١٦٧).
و(تهذيب التهذيب)) (٤٥٢/٦).
(٧) (ص٢٨٣).
(٨) ((الكفاية)) (ص٦٠).
(٩) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك نفع الله به. ومثله في حاشية (م)، إلا أن فيها زيادة:
کتبه مؤلفه .

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٨٩
مراتب التجريح
مراتب التجريح
وهي - أيضاً - ست، وسيقت كالتي قبلها في التدلي من الأعلى إلى
الأدنى، مع أن العكس في هذه كما فعل ابن أبي حاتم(١)، ثم ابن الصلاح(٢)
كان أنسب، لتكون مراتب القسمين كلها منخرطة في سلك واحد، بحيث يكون
أولها الأعلى من التعديل، وآخرها الأعلى من التجريح (٣).
(وأسوأ التجريح) الوصف بما دل على المبالغة فيه، كما قال شيخنا، ٣٣٩
قال: وأصرح ذلك التعبير بأفعل كأكذب النَّاس، وكذا قولهم: إليه المنتهى في
الوضع، وهو ركن الكذب، ونحو ذلك(٤)، فهذه هي المرتبة الأولى.
ثم يليها (كذاب) أو (يضع) الحديث على رسول الله وَلير، أو (يكذب) أو
(وضاع و) كذا (دجال)(٥) أو (وضع) حديثاً.
وآخر هذه الصِّيغ أسهلها، بخلاف اللّتين قبلها، وكذا الأولى، فإنَّ فيها
(١) في ((الجرح والتعديل)) (١/١/ ٣٧).
(٢) في ((علوم الحديث)) (ص١١٢ - ١١٣).
(٣) يعني: كما فعل الحافظ ابن حجر في مقدمة ((تقريب التهذيب)) (ص٩ - ١٠).
(٤) (شرح النخبة)) (ص١٥٢).
(٥) استعمل هذه العبارة عمرو بن علي الفلاس حيث قالها في عمر بن رياح العبدي.
انظر: ((ميزان الاعتدال)) (١٩٧/٣)، كما استعملها الجوزجاني حيث قالها في
عبد الملك بن هارون الشيباني. انظر: أحوال الرجال له (ص٦٨)، واستعملها - أيضاً
- الدارقطني حيث قالها في إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع. انظر: سؤالات السهمي
للدار قطني (ص١٧٤).
واستعمل الإمام مالك تَخْمَتُهُ دجال من الدجاجلة حيث قالها في محمد بن إسحاق.
انظر: تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص١٩ - ٢٠) واستعملها - أيضاً - ابن حبان حيث
قالها في محمد بن أبي الزعيزعة. انظر: ((المجروحين)) (٢٨٣/٢)، واستعملها - أيضاً
- في الجويباري. انظر ترجمته فيما تقدم (ص١١٦).

مراتب التجريح
٢٩٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
نوع مبالغة، لكنَّها دون المرتبة الأولى، وأمَّا الصِّيغة الثّانية والثَّالثة فهما دالَّتان
عُرفاً على ملازمة الوضع والكذب، وإنّما لم يرتب ألفاظ كلّ مرتبة من البابين
للضَّرورة.
٣٤٠
(وبعدها) - أي: المرتبة - ثالثة بالنّسبة لما ذكرته، وهي: فلان يسرق
الحديث، فإنَّها كما قال الذّهبي: أهون من وضعه واختلاقه في الإثم(١)؛ إذ
سرقة الحديث أن يكون محدِّثٌ ينفرد بحديث فيجيء السارق ويدَّعي أنَّه سمعه
- أيضاً - من شيخ ذاك المحدِّث(٢).
قلت: أو يكون الحديث عرف براو فيضيفه لراو غيره ممَّن شاركه في
طبقته، قال: وليس كذلك من يسرق الأجزاء والكتب، فإنَّها أنحس بكثير من
سرقة الرواة (١).
وفلان (متهم بالكذب) أو بالوضع (و) فلان (ساقط و) فلان (هالك
٣٤١ فاجتنب) الرِّواية؛ بل الأخذ عنهم (و) فلان (ذاهب) أو ذاهب الحديث، وفلان
(متروك) أو متروك الحديث، أو تركوه.
قال ابن مهدي: سُئل شعبة: من الَّذي يُترك حديثه؟ قال: من يُتَّهم
بالكذب، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتَّهم نفسه،
ويقيم على غلطه، ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون (٣).
وقال أحمد بن صالح فيما رواه ابن الصَّلاح من جهته: لا يترك حديث
الرَّجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه (٤)، يعني: بخلاف قولهم: ضعيف.
وكذا منها: مجمع على تركه، وهو على يَدَيّ عَدلٍ، أو مود - بالتخفيف -
كما سيأتي معناهما(٥)، (او) بالنقل مع تنوين ما قبله، وإن اتزن مع تركه بالقطع
(فيه نظرو) فلان (سكتوا عنه) وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين الأخيرتين فيمن
تركوا حديثه(٦).
(١) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢٣١ - ٢٤٠ ص ١٤٠).
(٢) انظر سرقة الأحاديث والأجزاء في: الموقظة للذهبي (ص٦٠).
(٣) انظر ما تقدم (ص٢٧٤).
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١١٣). (٥) قريباً (ص٢٩٨) وما بعدها.
(٦) انظر: ((الضعفاء الصغير)) للبخاري (ص٨٤، ٣٣، ٨٧) قال الحافظ الذهبي في=

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٩١
مراتب التجريح
بل قال ابن كثير: إنَّهما أدنى المنازل عنده وأرداها(١).
قلت: لأَنَّه لورعه قلَّ أن يقول: كذاب أو وضَّاع، نعم ربما يقول: كَذَّبه
فلان(٢)، ورماه فلان بالكذب(٣)، فعلى هذا فإدخالهما في هذه المرتبة بالنّسبة
للبخاري خاصَّة مع تجوُّز فيه - أيضاً - وإلَّا فموضعهما منه الّتي قبلها .
ومنها: فلان (به لا يعتبر) عند المحدِّثين، أو لا يعتبر بحديثه، (و) فلان ٣٤٢
(ليس بالثقة) أو ليس بثقة، أو غير ثقة ولا مأمون، ونحو ذلك.
(ثم) يليها رابعة، وهي فلان (رُدًّا حديثُه) بالبناء للمفعول، يعني: بين
المحدِّثين، أو ردوا حديثه، أو مردود الحديث و(كذا) فلان (ضعيف جدّاً)(٤)،.
وفلان (واه بمرة) - أي: قولاً واحداً لا تردد فيه، وكأنَّ الباء زيدت تأكيداً(٥) - ٣٤٣
وتالِف .
(و) فلان (هم) أي: أهل الحديث (قد طرحوا حديثه و) فلان (ارم به)
وفلان (مطرح) أو مطرح الحديث، وفلان لا يكتب حديثه - أي: لا احتجاجاً
ولا اعتباراً - أو لا تحل كِتْبَةُ حديثه، أو لا تحل الرِّواية عنه، ومنه قول
الشَّافعي: الرِّواية عن حرام بن عثمان(٦) حرام(٧).
= ((الموقظة)) (ص٨٣): أما قول البخاري: سكتوا عنه فظاهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح
ولا تعديل، وعلمنا مقصده بها بالاستقراء أنها بمعنى تركوه، وكذا عادته إذا قال: فيه
نظر، بمعنى أنه متهم، أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالاً من الضعيف.
(١) اختصار ((علوم الحديث)) (ص١٠٦).
(٢) انظر ترجمة سعيد بن عبد الجبار الحمصي من كتاب: ((الضعفاء الصغير)) له (ص٥١).
(٣) انظر ترجمة خالد بن محدوج الواسطي من الكتاب المذكور (ص٤١).
(٤) قلت: وهل يلتحق بهذه المرتبة تكرار ضعيف؟ أعني: كما تقدم مثله في الثقة، وهل
يلتحق بها مثل قولهم - كما في ((الاتباع)) لأبي الطيب الحلبي (ص ٩٥) -: إنه لضعيف
نعیف .
(٥) في (م) زيادة: وواه فقط. وقد كتبت في (س) ثم طمست.
(٦) هو: حرام بن عثمان الأنصاري المدني، قال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال ابن
حبان: كان غالياً في التشيع، يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، مات سنة تسع وأربعين
ومائة.
((المجروحين)) (٢٦٦/١ - ٢٦٧)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٦٨/١).
(٧) انظر: ((مناقب الشافعي وآدابه))، لابن أبي حاتم (ص٢١٧ - ٢١٨).

٣٤٤
مراتب التجريح
٢٩٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وفلان (ليس بشيء) أو لا شيء، وفلان لا يساوي فلساً، أو (لا يساوي
شيئا) ونحو ذلك.
وما أدرج في هذه المرتبة من ليس بشيءٍ هو المعتمد، وإن قال ابن
القطّان: إن ابن معين إذا قال في الراوي ليس بشيء إنّما يريد أنّه لم يرو حديثاً
(١)
كثيراً (١).
هذا مع أنَّ ابن أبي حاتم قد حكى أنَّ عثمان الدَّارمي(٢) سأله عن أبي
دراس(٣)، فقال: إنّما يروي حديثاً واحداً، ليس به بأس (٤).
على أنا قد روينا عن المزني قال: سمعني الشَّافعي يوماً وأنا أقول: فلان
كذَّاب، فقال لي: يا أبا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل فلان كذّاب،
ولكن قل: حديثه ليس بشيء(٥).
وهذا يقتضي أنّها حيث وجدت في كلام الشّافعي تكون من المرتبة الثانية،
[مع إمكان النزاع فيه وفيما أسلفناه عن البخاري بعدم الحصر في ذلك](٦).
(ثم) يلي هذه مرتبة خامسة، وهي: فلان (ضعيف، وكذا إن جيئًا) - بمدّ
الهمزة - منهم في وصف الرواة (بـ) لفظ (منكر الحديث) أو حديثه منكر، أو
٣٤٥
و ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٥٤٥/١)، و((الجرح والتعديل)) (٢٨٢/٢/١)، و((حلية
الأولياء)» (١٠٧/٩).
(١) انظر: بيان الوهم والإيهام (٢٨١/٣) يحيى بن معين وكتابه التاريخ (١١٥/١ - ١١٩)،
و«هدي الساري» (ص٤٢١).
(٢) هو: الحافظ الحجة أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، المتوفى سنة
ثمانین ومائتين.
((تذكرة الحفاظ)) (٦٢١/٢ - ٦٢٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٣٠٢/٢ - ٣٠٦).
(٣) أبو دراس صاحب الحور، اسمه إسماعيل بن دارس المصري على اختلاف في دراس
هل هي کذلك أو دارس.
((الاستغناء)) لابن عبد البر (١١٧٦/٢ - ١١٧٧)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٢٢/٤)
و((تعجيل المنفعة)) (٤٥١/٢) بتحقيق إمداد الحق.
(٤) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين (ص٢٤٦)، و((الجرح والتعديل))
(٣٦٨/٢/٤ - ٣٦٩).
(٥) انظر: ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي (ص٤٩٣) ضمن مجموعة علم التاريخ عند المسلمين.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩٣
مراتب التجريح
له ما ينكر أو مناكير، (أو) بلفظ (مضطربه) أي: الحديث، وفلان (واه و) فلان
(ضعَّفوه) وفلان (لا يحتج به).
٣٤٦
(وبعدها) وهي [سادسة](١) المراتب، فلان (فيه مقال) أو أدنى مقال،
وفلان (ضعف و) فلان (فيه) أو في حديثه (ضعف) وفلان (تُنكِر) يعني مرة
(وتَعرِف) يعني: أخرى(٢).
٣٤٧
وفلان (ليس بذاك) وربَّما قيل: ليس بذاك القوي، أو ليس (بالمتين) أو
ليس (بالقوي)، قال الدَّارقطني في سعيد بن يحيى أبي سفيان الحميري(٣): هو
متوسِّط الحال، ليس بالقوي (٤).
وفلان ليس (بحجة) أو ليس (بعمدة) أو ليس بمأمون، أو ليس من إبل القباب،
كما قاله مالك في عطاف بن خالد(٥)، أحد من اختلف في توثيقه(٦) [وتجريحه](٧).
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): سادس.
(٢) يعني: كما في الحديث الذي رواه البخاري في باب علامات النبوة، كتاب المناقب
(٦١٥/٦)، ومسلم: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، كتاب
الإمارة (٢٣٦/١٢ - ٢٣٧) عن حذيفة به قال :.... قلت: يا رسول الله إنا كنا
في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن، قلت: ما دخنه؟ قال: قوم
يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر .... الحديث.
(٣) هو: سعيد بن يحيى بن مهدي بن عبد الرحمن، أبو سفيان الحميري الحذاء الواسطي،
وثقه أبو داود، وقال الخطيب: كان صدوقاً، مات سنة اثنتين ومائتين.
(تهذيب التهذيب)) (٩٩/٤)، والخلاصة (ص١٢٢).
(٤) سؤالات الحاكم للدار قطني (ص٢١٦).
(٥) هو: عطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي، أبو صفوان المدني، قال ابن
معين: ليس به بأس، وقال ابن حجر: صدوق يهم، من السابعة، مات قبل مالك.
((ميزان الاعتدال)) (٦٩/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٤٠).
ومقالة مالك هذه في: ((تهذيب الكمال)) (١٤٠/٢٠) و((تهذيب السنن)) لابن القيم (١/
٣٦٣) وفيه: ليس هو من جمال المحامل.
(٦) وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو داود والعجلي. انظر: ((الجرح والتعديل))
(٣٢/٢/٣ - ٣٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٢٢/٧). وضعفه ابن مهدي وابن حبان.
انظر: ((الجرح والتعديل))، و((المجروحين)) (١٨٢/٢).
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): وتخريجه.

٢٩٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
مراتب التجريح
قال شيخنا في جوابه عن مسألة الاجتماع على ذكر الباقيات الصَّالحات:
وهذه العبارة يؤخذ منها أنّه يُروى حديثُه، ولا يحتجُّ بما ينفرد به، لِمَا لا يخفى
من الكناية المذكورة(١) .
ونحوه ليس من جِمَال المحامل(٢)، أو كما قاله داود بن رشيد(٣) في
سريج بن يونس(٤): ليس من جمازات - أي أبعرة - المحامل(٥)، والجماز:
البعير (٦).
[ويشبه أن يكون وزانها قول القائل في عبد الله بن المثنى(٧): لم يكن من
القريتين عظيم(٨)، وكذا لا يُقْنَع بحديثه](٩).
(١) لأن إبل القباب هي الجمال التي يحمل عليها الهوادج، فكما أنه لا يقوى على حمل
الهوادج ذات القباب، إلا القوي الشديد الصبور من الجمال، كذلك لا يقوى على
تحمل الحديث وروايته كل راو، فالراوي الذي يؤدي الحديث كما سمعه يستحق أن
یشبه بابل القباب، ومن لم یکن کذلك فلا .
(٢) من ذلك قول ابن القطان في سلم بن قتيبة أحد من أخرج له الشيخان: ليس من الجمال التي
يحمل عليها المحامل. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (١٨٦/٢)، و((هدي الساري)) (ص٤٠٧).
ومن ذلك قول يحيى بن معين في رشدين بن سعد. انظر: ((تهذيب الكمال)) (١٩٤/٩)،
و((تهذيب التهذيب)» (٢٧٨/٣).
(٣) هو: داود بن رشيد الهاشمي مولاهم، أبو الفضل الخوارزمي الأصل، البغدادي
الدار، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين.
((تاريخ بغداد)) (٣٦٧/٨ - ٣٦٨)، و((تهذيب التهذيب)) (١٨٤/٣).
(٤) هو: سريج بن يونس بن إبراهيم البغدادي، أبو الحارث المروزي الأصل، ثقة عابد،
مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. ((الجرح والتعديل)) (٣٠٥/١/٢)، و((تقريب التهذيب))
(ص١١٧).
(٥) نقله الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٨/٣ - ٤٥٩) عن كتاب التصحيف
للدار قطني.
(٦) في ((لسان العرب)) مادة (جمز) الجماز: البعير الذي يركبه المجمز.
(٧) هو: عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو المثنى البصري، وثقه
العجلي، وقال أبو حاتم: صالح شيخ.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٢٧٦)، والخلاصة (ص١٧٩).
(٨) قال ذلك أبو سلمة التبوذكي. انظر: ((الضعفاء)) للعقيلي (٣٠٤/٢)، و((ميزان الاعتدال))
(٥٠٠/٢).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩٥
مراتب التجريح
أو ليس (بالمرضيّ) أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق
منه، وفي حديثه شيء، وفلان مجهول، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو
(للضَّعف ما هو) يعني: أنه ليس ببعيد عن الضَّعف.
٣٤٨
وفلان (فيه خلف)، وفلان (طعنوا فيه) أو مطعون فيه، و(كذا) فلان
نَزْكُوه - بنون وزاي - أي: طعنوا فيه(١).
وفلان (سيء حفظ)، وفلان (لين) [أو](٢) لين الحديث، أو فيه لين، قال
الدَّارقطني: إذا قلت فلان لَيِّن، لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن
مجروحاً بشيء لا يسقط به عن العدالة(٣).
وفلان (تكلّموا فيه)، وكذا سكتوا عنه، أو فيه نظر من غير البخاري (4)، ٣٤٩
(٥)
ونحو ذلك(٥) .
والحكم في المراتب الأربع الأول: أنه لا يحتج بواحد من أهلها، ولا
يُستشهد به، ولا يُعتبر به.
(وكل من ذكر من بعد) لفظ لا يساوي (شيئاً) وهو ما عدا الأربع
(بحديثه اعتبر) أي: يخرج حديثه للاعتبار، لإشعار هذه الصِّيغ بصلاحية
المتَّصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها .
لكن قال البخاري: كلُّ من قلت فيه: منكر الحديث - يعني: الذي أدرج
في الخامسة - لا يحتج به، وفي لفظ: لا تحل الرواية عنه (٦).
وصنيع شيخنا يشعر بالمشي عليه، حيث قال: فقولهم: متروك أو ساقط،
أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث أشدُّ من قولهم: ضعيف، أو ليس بالقوي،
(٧)
أو فيه مقال(٧).
(١) قال الإمام مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (١/ ٩٢) نقلاً عن ابن عون، وقد سئل عن
حديث لشهر بن حوشب؟ فقال: إن شهراً نزكوه، إن شهراً نزكوه، قال مسلم تَخْذَتُهُ:
يقول: أخذته ألسنة الناس تكلموا فيه.
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أي.
(٤) انظر ما تقدم (ص ٢٩٠).
(٣) سؤالات السهمي للدارقطني (ص٧٢).
(٥)
في حاشية (س): ثم بلغ نفع الله به كذلك والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٦) انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٦/١، ٢٠٢/٢)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٢٢٤/٢).
(٧) ((شرح النخبة)) (ص١٥٣).

مراتب التجريح
٢٩٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولكن يساعد كونها من الَّتي بعدها قولُ الشَّارح في تخريجه الأكبر
للإحياء: وكثيراً ما يطلقون المنكر على الرَّاوي، لكونه روى حديثاً واحداً.
ونحوه قول الذَّهبي في ترجمة عبد الله بن معاوية الزبيري(١) من
((الميزان)): قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر، بل إذا روى
الرجل جملة، وبعض ذلك مناكير، فهو منكر(٢).
قلت: وقد يطلق ذلك على الثِّقة إذا روى المناكير عن الضُّعفاء، قال
الحاكم: قلت للدارقطني: فسليمان ابن بنت شرحبيل؟ قال: ثقة، قلت: أليس
عنده مناكير؟ قال: يحدِّث بها عن قوم ضعفاء، فأمّا هو فثقة(٣).
وقال ابن دقيق العيد في شرح [الإلمام] (٤): قولهم: روى مناكير لا يقتضي
بمجرَّده ترك روايته، حتّى تَكثُرَ المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه:
منكر الحديث؛ لأنَّ منكر الحديث وصفٌ في الرجل يستحقُّ به التَّرك لحديثه(٥).
والعبارة الأخرى لا تقتضي الدَّمومة، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في
محمَّد بن إبراهيم التيمي: يَروي أحاديثَ منكرة(٦)، وهو ممَّن اتفق عليه
الشَّيخان، وإليه المرجع في حديث: ((الأعمال بالنيات))(٧).
واعلم أنَّ الصِّيغ عند ابن أبي حاتم ست فقط: كذَّاب، ذاهب، متروك،
ضعيف الحديث، ليس بقوي، لين الحديث، وجعل الثَّلاثة الأوَّل منها من أقصى
المراتب، وكلّ واحدة مما بقي مرتبة، فانحصر المراتب عنده في أربع(٨).
(١) هو: عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، قال البخاري؛ منكر
الحديث، وقال الزبير بن بكار: كان من أهل الفضل. ((جمهرة نسب قريش)) للزبير بن
بكار (٢٥٦/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٠٧/٢).
(٢) لم أجد هذا الكلام في ((ميزان الاعتدال)) بطبعتيه، ولا نقله عنه الحافظ ابن حجر في ((لسان
الميزان)) في الترجمة المذكورة (٣٦٣/٣)، وإنما هو في تاريخ الإسلام في ترجمة المذكور بنصه.
(٣) سؤالات الحاكم للدارقطني (ص٢١٧ - ٢١٨).
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): الإمام.
(٥) ((شرح الإلمام)) لابن دقيق العيد (ل ١٤٧ /أ).
(٦) ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد (٢٠٥/١).
(٧) تقدم تخريجه (٥٦/١). وانظر: الإمام لابن دقيق العيد (١٧٨/٢).
(٨) ((الجرح والتعديل)) (٣٧/١/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٩٧
مراتب التجريح
وتبعه ابن الصَّلاح، وزاد في أقصى المراتب - أيضاً - ((ساقط))(١)، تبعاً
للخطيب حيث قرنها بكذّاب(٢)، و[كذا](٣) زاد ابن الصّلاح مما لم يعين له
مرتبة: لا شيء، مضطرب الحديث، لا يحتجّ به، مجهول، فيه ضعف، ليس
بذاك، وقال: إنَّ قولَ فيه ضعف أقلُّ من فلان ضعيف (٤).
وأمّا الذَّهبي فالمراتب عنده ستٍّ، لكن فيها بعض مخالفة لما تقدَّم،
فأردأها : دجَّال، وضَّاعِ، كذّاب.
ثمّ: متَّهَم، ليس بثقة ولا مأمون، مُجْمَع على تركه، لا يحلّ كِتْبَةُ حديثه،
ونحوها .
ثم: هالكٌ، ساقطٌ، مطروحُ الحديث، متروكُه، ذاهبُه.
ثم: مجمع على ضعفه، ضعيفٌ جداً، ضَعَّفوه، تالِفٌ، واهٍ، ليس بشيء،
ثم ضعيفٌ، ضعيف الحديث، مضطربه، مُنْكَرُهُ، ونحوها.
ثمَّ: له مناكير، له ما ينكر، فيه ضعف، ليس بالقوي، ليس بعمدة، ليس
بالمتين، ليس [بحجَّة](٥)، ليس بذاك، غيره أوثق منه، تَعرِف وتُنكِرُ، فيه
جهالة، فيه لِينٌ، يُكتب حديثُه، ويُعتبر به، ونحوها من العبارات الصَّادقة على
من قد يحتجّ به، أو يتردد فيه، أو حديثه حسن غير مرتق إلى الصَّحيح(٦).
ومما ينبه عليه أنَّه ينبغي أن يتأمل أقوال المزكِّين ومخارجها، فقد
يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنَّه ممَّن يحتجُّ بحديثه، ولا ممَّن
يرد، وإنَّما ذلك بالنّسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال،
كأن يسأل عن الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في
فلان وفلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنّه ليس من نمط من قرن به، فإذا
سُئل عنه بمفرده بَيَّن حالَه في التَّوسط.
وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بها، ومنها: قال عثمان الدَّارمي: سألت
(١) ((علوم الحديث)) (ص١١٢ - ١١٣).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٥) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بالحجة.
(٦) ((ميزان الاعتدال)) (٤/١).
(٢) ((الكفاية)) (ص٦١).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص١١٤).

مراتب التجريح
٢٩٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ابن معين عن العلاء بن عبد الرّحمن (١) عن أبيه (٢) كيف حديثُهما؟ فقال: ليس
به بأس، قلت: هو أحبّ إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء
ضعيف(٣).
فهذا لم يُرد به ابن معين أنَّ العلاء ضعيف مطلقاً، بدليل قوله: إنّه لا
بأس به، وإنَّما أراد أنَّه ضعيف بالنّسبة لسعيد المقبري.
وعلى هذا يُحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمّة الجَرح والتَّعديل
ممّن وَثَّق رجلاً في وقتٍ وَجَرَحه في آخر، فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل
الجَرح والتَّعديل بفصِّها (٤)، ليتبين ما لعلَّه خفي منها على كثير من النَّاس.
وقد يكون الاختلاف لتغير اجتهاده، كما هو أحد احتمالين في قول
الدَّارقطني في الحسن بن غفير(٥) - بالمعجمة -: إنَّه منكر الحديث(٦)، وفي
موضع آخر: إنه متروك، وثانيهما: عدم تفرقته بين اللَّفظين، بل هما عنده من
مرتبة واحدة.
وكذا ينبغي تأمل الصِّيغ، فربَّ صيغة يختلف الأمر فيها بالنَّظر إلى
اختلاف ضبطها، كقولهم: فلان مُود. فإنّها اختلف في ضبطها، فمنهم من
يخفِّقُها، أي: هَالك، قال في الصِّحاح: أودى فلان، أي: هلك فهو مُود (٧).
(١) هو: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، أبو شبل المدني، وثقه أحمد، وقال
أبو حاتم: صالح، مات سنة اثنتين أو تسع وثلاثين ومائة. ((العلل ومعرفة الرجال))
للإمام أحمد (٢١٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٨٦/٨ - ١٨٧).
(٢) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحرقة، تابعي ثقة، من الثالثة.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٣٠١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢١٢).
(٣) تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين (ص١٧٣ - ١٧٤).
(٤) في ((المصباح المنير)) مادة (قصص): ويأتيك بالأمر من فصه - بالفتح - أي: من
مفصله، ومعناه: يأتي به مفصلاً مبيناً .
(٥) هو: الحسن بن غفير المصري العطار، قال ابن يونس: كذاب يضع الحديث، وقال
الذهبي: واه، وقيل: اسمه الحسين، واسم أبيه عبد الغفار، كان في حدود الثلاثمائة.
((ميزان الاعتدال)) (٥١٧/١، ٥٤٠)، و((المشتبه)) للذهبي (٤٨٦/٢).
(٦) سؤالات السهمي للدارقطني (ص ٢٠٥) على أنه الحسين بن عبد الغفار، وفي
(ص٢٠٧): الحسين بن غفير ضعيف.
(٧) ((الصحاح)) للجوهري مادة (أدى).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩٩
مراتب التجريح
ومنهم من يشدِّدها مع الهمزة، أي: حسن الأداء، أفاده شيخي في
ترجمة سعد بن سعيد الأنصاري(١) من مختصر التهذيب(٢)، نقلاً عن أبي
الحسن ابن القطان الفاسي (٣)، وكذا أثبت الوجهين كذلك في ضبطها ابن دقيق
العید.
وأفاد شيخنا - أيضاً - أنَّ شيخه الشَّارح كان يقول في قول أبي حاتم: هو
على يدي عدل: إنّها من ألفاظ التَّوثيق، وكان ينطق بها هكذا بكسر الدال
الأولى، بحيث تكون اللّفظة للواحد، ويرفع اللام وينونها (٤).
قال شيخنا: وكنت أظنّ أنّ ذلك كذلك إلى أن ظهر لي أنَّها عند ابن أبي
حاتم(٥) من ألفاظ التَّجريح، وذلك أن ابنه قال في ترجمة جبارة بن
المغلس (٦): سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث، ثم قال: سألت أبي عنه؟
فقال: هو على يدي عدل (٧). ثم حكى أقوال الحفاظ فيه بالتَّضعيف، ولم ينقل
عن أحد فيه توثيقاً، ومع ذلك فما فهمت معناها، ولا اتّجه لي ضبطها .
ثم بان لي أنّها كناية عن الهالك، وهو تضعيفٌ شديدٌ، ففي كتاب
((إصلاح المنطق)) ليعقوب بن السِّكِّيت (٨) عن ابن الكلبي، قال: جزء بن سعد
(١) هو: سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري، ضعفه أحمد، ووثقه ابن سعد
والعجلي، مات سنة إحدى وأربعين ومائة.
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد - القسم المتمم، ط: الجامعة الإسلامية - (ص٣٣٨ -
٣٣٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٧٠/٣ - ٣٧١).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٧١/٣).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣٤/٣).
(٤) في ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ١٤٢): ظن بعضهم أنها من ألفاظ التوثيق فلم يصب.
(٥) كذا في الأصول، والصحيح - كما يقتضيه السياق -: عند أبي حاتم.
(٦) هو: جبارة بن المغلس الحماني، أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة
إحدى وأربعين ومائتين.
((تقريب التهذيب)) (ص٥٣)، والخلاصة (ص٥٥).
(٧) ((الجرح والتعديل)) (١/١/ ٥٥٠).
(٨) هو: الإمام اللغوي الأديب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت،
المتوفى سنة ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: ست وأربعين ومائتين. ((وفيات الأعيان))
(٣٩٥/٦ - ٤٠١)، و((البلغة في تاريخ أئمة اللغة)) (ص٢٨٨).

مراتب التجريح
٣٠٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
العشيرة بن مالك من ولده العدل(١)، وكان ولي شرط تَبَّع(٢)، فكان تُبَّع إذا أراد
قَتْلَ رجلٍ دفعه إليه، فمن ذلك قال النّاس: وُضِع على يَدَيْ عَدْلٍ، ومعناه
هلك(٣) .
قلت: ونحوه عند ابن قتيبة(٤) في أوائل ((أدب الكاتب)) وزاد: ثمّ قيل
ذلك لكلّ شيء قد یئس منه. انتهى(٥) .
وذكر أبو الفرج الأصبهاني(٦) بسند له أنّ أبا عيسى ابن الرَّشيد(٧)
وطاهر بن الحسين(٨) كانا يوماً يتغذَّيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى هندباة(٩)
(١) عدل بن جزء بن سعد العشيرة بن مالك، جلاد جاهلي، يضرب به المثل، كان على
شرطة تُبَّع.
((ثمار القلوب)) للثعالبي (ص١٠٨)، و((الأعلام)) للزركلي (٦/٥).
(٢) هو: تبع بن حسان بن ملكيكرب بن تبع بن الأقرن الحميري، وتبع لقب للملك الأكبر
بلغة أهل اليمن، ككسرى عند الفرس، وقيصر عند الروم، والنجاشي عند الحبشة.
((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٢٩٣/٥ - ٣٠٠)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) لابن
بدران (٣٢٨/٣ - ٣٤١).
(٣) ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص٣١٥).
(٤) هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الكوفي الدينوري، الكاتب النحوي
اللغوي، صاحب التصانيف، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين. ((الفهرست)) لابن
النديم (ص١٢١ - ١٢٢)، و((إنباه الرواة)) (١٤٣/٢).
(٥) ((أدب الكاتب)) (ص٤٣)، و((الاشتقاق)) لابن دريد (ص ٤١٠)،
(٦) هو: علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم القرشي الكاتب المتشيع، المتوفى
سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
(«معجم الأدباء)) (٩٤/١٣ - ١٣٦)، و((وفيات الأعيان)) (٣٠٧/٣ - ٣٠٩).
(٧) هو: أحمد بن هارون الرشيد، أبو عيسى، وقيل: اسمه صالح، من أحسن الناس
وجهاً ومجالسة وعشرة، مات سنة تسع ومائتين.
((الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني (١٨٧/١٠ - ١٩٣)، و((النجوم الزاهرة)) (١١٦/٢)،
وفيه: وفاته سنة أربع وثمانين ومائة.
(٨) هو: طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي، أبو الطيب، نائب المأمون على العراق
وخراسان، المتوفى سنة سبع ومائتين.
(تاريخ بغداد)) (٣٥٣/٩)، و(«البداية والنهاية)) (٢٦٠/١٠ - ٢٦١).
(٩) في حاشية (س): يمد ويقصر، بَقْلٌ معروف.