النص المفهرس
صفحات 201-220
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٠١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ مخلد(١)، وحريز بن عثمان(٢)، وسليمان بن حرب(٣)، وشعبة(٤)، [والشّعبي](6)(٦) وعبد الرّحمن بن مهدي(٧)، ومالك(٨)، ويحيى بن سعيد القطان(٩). وذلك في شعبة على المشهور، فإنه كان يتعنَّت في الرِّجال، ولا يروي إلّا عن ثبت، وإلّا فقد قال عاصم بن علي (١٠): سمعت شعبة يقول: لو لم (١) في ((جذوة المقتبس)) للحميدي (ص١٦٧)، و((بغية الملتمس)) للضبي (ص٢٤٥) نقلاً عن ابن حزم أنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً، ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير. وهو: بقي بن مخلد القرطبي، الإمام الحافظ، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين. انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٢٩/٢ - ٦٣١). (٢) قال ابن عدي في ((الكامل)) (٨٥٩/٢): حريز بن عثمان من الأثبات الشاميين، يحدث عن الثقات منهم، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. (سؤالات الآجري بتحقيق البستوي ٢٤٨/٢). وهو: حريز بن عثمان بن جبر بن أحمر الرحبي المشرقي، أبو عثمان الشامي الحمصي، المتوفى سنة ثلاث وستين ومائة. ((تهذيب الكمال)) (٥٦٨/٥ - ٥٨١). (٣) ((الجرح والتعديل)) (٢٥٥/٧)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧٩/٤). (٤) نقل ابن عدي في ((الكامل)) (٨٤/١) بسنده عن الإمام أحمد: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن ... وتثبته وتنقيته الرجال، وفي ((الثقات)) لابن حبان (٤٤٦/٦): هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين. (٥) في ((الجرح والتعديل)) (٣٢٣/١/٣) عن يحيى بن معين: إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه . (٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س). (٧) سؤالات أبي داود للإمام أحمد (ص٣٣٩) رقم (٥٠١)، و((الثقات)) لابن حبان (٨/ ٣٧٣)، و((تقريب التهذيب)) (٢٨١/٦). (٨) وقبل النسائي قاله ابن معين كما في تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص١٧)، و((الكامل)) (٣٣٨/٥) وقاله أيضاً أبو حاتم كما في ((التقدمة)) (ص١٧) و((الجرح والتعديل)) (٢٠٨/٨). قاله ابن حبان في ((الثقات)) (٤٥٩/٧) ونقله ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٩/١٠) عن النسائي. (٩) سؤالات أبي داود للإمام أحمد (ص٣٣١)، ((الثقات)) لابن حبان (٦١١/٧)، و((المستدرك)) للحاكم (٢٣٩/١). (١٠) هو: عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي أبو الحسين التيمي، مولاهم، صدوق ربما وهم، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. (تقريب التهذيب)) (ص١٥٩)، والخلاصة (ص١٥٤). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٠٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أحدِّثكم إلَّا عن ثقة لم أحدِّئكم إلَّا عن ثلاثة، وفي نسخة ثلاثين(١). وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثِّقة وغيره، فينظر، وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك، ولا عمَّن أُجمع على ضعفه. وأمَّا سفيان الثوري فكان يترخص مع سعة علمه وشدَّة ورعه، ویروي عن الضّعفاء، حتَّى قال فيه صاحبه شعبة: لا تحملوا عن الثَّوري إلَّا عمَّن تعرفون، فإنه لا يبالي عمن حمل(٢). وقال الفلاس: قال لي يحيى بن سعيد: لا تكتب عن معتمر إلَّا عمَّن تعرف، فإنّه يحدِّث عن كل(٣). واعلم أنَّ ما وقع في هذا الفصل من التَّوسُّط بين مسألتيه بموافقة حديثٍ لما أفتى به العالم أو عمل به ظاهر في المناسبة مع القول الثَّالث المفضَّل في الأولى، وإن خالف ابن الصَّلاح(٤) هذا الصنيع. السابع : (واختلفوا) أي: العلماء (هل يقبل) الرَّاوي (المجهول) مع كونه مسمّى (وهو على ثلاثة) من الأقسام (مجعول) : - ٢٨٦ الأول: (مجهول عين) وهو كما قاله غير واحد (من له راو) واحد (فقط) كجبَّار - بالجيم وموحدة وزن شداد - الطّائي(٥)، وسعيد بن ذي حُدَّان(٦)، ٢٨٧ (١) («الكفاية)) (ص١٥٢)، و((الكامل)) لابن عدي (٨٣/١)، عن حمزة بن زياد الطوسي عنه . (٢) ((الكامل)) لابن عدي (٨٢/١). (٣) في ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٨/١٠) عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: إذا حدثكم المعتمر بشيء فاعرضوه، فإنه سيئ الحفظ. (٤) في ((علوم الحديث)) (ص ١٠٠). (٥) هو: جبار بن القاسم الطائي، ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٥٤٣/١/١) ولم يذكر فيه جرحاً، وابن حبان في ((الثقات)) (١١٩/٤)، وضعفه الأزدي. انظر: ((لسان الميزان)) (٩٤/٢). (٦) هو: سعيد بن ذي حدان - بضم المهملة وتشديد الدال ــ كوفي مجهول، من الثالثة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ . ((الثقات)) (٢٨٢/٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٢١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٠٣ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وعبد الله أو مالك بن أعز بمهملة [ثم](١) معجمة (٢)، وعمرو الملقَّب بذي مر الهمداني (٣)، وقيس بن كركم الأحدب (٤)، فإنَّ كلَّ واحد من هؤلاء لم يرو عنه سوى أبي إسحاق السَّبيعي (٥). وكجُري بن كليب السَّدوسي البصري(٦)، وحلام بن جزل(٧)، وسمعان بن مشنج أو مشمرج (٨)، وعبد الله بن سعد التَّيمي(٩)، وعبد الرحمن بن نمر اليحصبي (١٠)، وعمير بن إسحاق القرشي (١١)، ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن (١) كذا في (ح)، وفي (س)، (م): (و). (٢) كذا في ((الجرح والتعديل)) (٨/٢/٢)، و((الإكمال)) لابن ماكولا (١٠١/١)، و((تبصير المنتبه)) (٢١/١)، وفي ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٤٢/١/٣) عبد الله بن الأغر، بغين معجمة ثم راء مهملة. (٣) هو: عمرو ذو مر الهمداني، قال ابن عدي: هو في جملة مشايخ أبي إسحاق المجهولين، الذين لا يحدث عنهم غير أبي إسحاق، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. ((الكامل) لابن عدي (١٧٩١/٥ - ١٧٩٢)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٣٧٢). (٤) هو: قيس بن كركم الأحدب المخزومي الكوفي، ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٤٩/١/٤ - ١٥٠)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٠٣/٢/٣) وقالا: روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، ونقل ابن حجر في «لسان الميزان)) (٤٧٩/٤) عن الأزدي قوله: ليس بذاك. (٥) انظر: ((الكفاية)) (ص١٤٩). (٦) هو: جرى بن كليب السدوسي البصري، صاحب قتادة، قال أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه، ووثقه العجلي، وقال ابن حجر: مقبول من الثالثة. ((تهذيب التهذيب)) (٧٨/٢)، و ((تقريب التهذيب)) (ص٥٤). (٧) حلام بن جزل، يقال: هو ابن أخي أبي ذر، روى عن أبي ذر، وعنه أبو الطفيل، قاله أبو حاتم. ((الجرح والتعديل)) (٣٠٨/٢/١). (٨) هو: سمعان بن مشنج الكوفي، وثقه ابن ماكولا، وقال ابن حجر: صدوق من الثالثة. ((الإكمال)) لابن ماكولا (٢٤٨/٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٣٧). (٩) هو: عبد الله بن سعد التيمي، مولى عائشة المدني، مقبول من الثالثة. ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٥/٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٧٥). (١٠) هو: عبد الرحمن بن نمر - بفتح النون وكسر الميم - اليحصبي، أبو عمرو الدمشقي، ثقة، من الثامنة. ((الثقات)) لابن حبان (٨٢/٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢١١). (١١) هو: عمير بن إسحاق القرشي، قال ابن معين في رواية الدوري: لا يساوي حديثه= معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٠٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الحارث بن هشام المخزومي المدني(١)، ومحمَّد بن عثمان بن عبد الله بن موهب(٢)، وأبي يحيى مولى آل جعدة(٣) . حيث لم يرو عن الأول(٤) إلَّا قتادة(٥)، وعن الثَّاني(٦) إلَّا أبو الظُفيل الصَّحابي(٧)، وعن الثّالث(٨) إلَّا الشَّعبي(٩)، وعن الرَّابع (١٠) إلَّا بكير بن الأشج(١١)، وعن الخامس(١٢) إلَّا الوليد بن مسلم(١٣)، وعن السَّادس(١٤) إلَّا عبد الله بن عون (١٥)، وعن السَّابع(١٦) إلَّا الزُّهري(١٧)، شيئاً، وفي رواية عثمان عنه: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس. = تاريخ عثمان بن سعيد عن ابن معين (ص١٦٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٩٦/٣). (١) أخو أبي بكر، وثقه ابن سعد والنسائي، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء .. طبقات ابن سعد (٢٠٩/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٥/٩). (٢) التيمي، مولى آل طلحة، غلط شعبة في اسمه، إنما هو: عمرو بن عثمان. انظر: ((الجرح والتعديل)) (٢٤٨/١/٣، ٢٥/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٧٨/٨، ٣٣٨/٩). (٣) أبو يحيى مولى آل جعدة، ابن هبيرة المخزومي المدني، مقبول من الرابعة. ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٩/١٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص٤٣٣). (٤) يعني: جرى بن کلیب. (٥) انظر: ((الكفاية)) (ص ١٥٠) لكن قال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٧٨/٢): روى عنه - أيضاً - يونس بن أبي إسحاق، وعاصم بن أبي النجود، وحديثهما عنه في مسند أحمد. يعني: حلام بن جزل. (٦) ((الكفاية)) (ص١٤٩) واسم أبي الطفيل: عامر بن وائلة، آخر من مات من الصحابة سنة (٧) عشر ومائة. (٨) يعني: سمعان بن مشنج. (٩) ((الكفاية)) (ص١٤٩)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٣٤/٢). (١٠) يعني: عبد الله بن سعد التيمي. (١١) انظر: ((الجرح والتعديل)) (٦٣/٢/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٢٨/٢)، و((تهذيب التهذيب» (٢٣٥/٥). (١٢) يعني: عبد الرحمن بن نمر اليحصبي. (١٣) انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٥٩٥/٢)، والخلاصة (ص١٩٩). (١٤) يعني: عمير بن إسحاق القرشي. (١٥) انظر: ((الكفاية)) (ص١٥٠)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٩٦/٣). (١٦) يعني: محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. (١٧) لم يذكر المزي في ((تهذيب الكمال)) (٥٩٩/٢٥) فيمن روى عنه سوى الزهري. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٠٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وعن الثَّامن(١) إلَّا شعبة(٢)، وعن التّاسع(٣) إلَّا الأعمش (٤). هذا مع تخريج الشَّيخين لابن موهب(٥)، لكن مقروناً، والبخاري لابن نمر(٦)، في المتابعة (٧)، وللمخزومي تعليقاً (٨)، وللشَّيمي في ((الأدب المفرد))(٩)، ومسلم لأبي يحيى في المتابعة (١٠). في أشباه لذلك تؤخذ من جزء ((الوحدان)) لمسلم، كما سأنبه عليه فيمن لم يرو عنه إلّ واحد (١١) - إن شاء الله - [بل سيأتي كثير منهم قريباً(١٢)(١٣). (و) قد (رده) أي: مجهول العين (الأكثر) من العلماء مطلقاً، وعبارة الخطيب: أقلّ ما ترتفع به الجهالة - أي: العينية - عن الرّاوي أن يروي عنه اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم(١٤). بل ظاهر كلام ابن كثير الاتّفاقُ عليه، حيث قال: المبهم الَّذي لم يُسمَّ، أو من سُمِّي ولا تُعرف عينُه، لا يَقبل روايتَه أحدٌ علمناه، نعم، قال: إنَّه إذا كان في عصر التَّابعين، والقرون المشهود لأهلها بالخيريَّة، فإنَّه يستأنس بروايته، ويُستضاء بها في مواطن(١٥)، كما أسلفت حكايته [في آخر رد الاحتجاج بالمرسل (١٦). (١) يعني: محمد بن عثمان بن موهب. (٢) انظر: ((تهذيب الكمال)) (٨٨/٢٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٣٨/٩). (٣) يعني: يحيى مولى آل جعدة. (٤) انظر: الكنى للإمام البخاري (ص٨٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٧٩/١٢). (٥) البخاري: باب وجوب الزكاة، كتاب الزكاة (٢٦١/٣)، ومسلم: باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة، كتاب الإيمان (١٧٣/١). (٦) البخاري: باب الجهر بالقراءة في الكسوف، كتاب الكسوف (٥٤٩/٢)، ومسلم أيضاً - كتاب الكسوف (٢٠٣/٦). (٧) تابعه الأوزاعي وغيره. انظر: ((فتح الباري)) (٥٤٩/٢). (٨) ((صحيح البخاري)): باب من أهدى إلى صاحبه: كتاب الهبة (٢٠٦/٥). (٩) (٢٩١/١) باب العبد راع. (١٠) صحيح مسلم: باب لا يعيب الطعام، كتاب الأشربة (٢٦/١٤). (١١) (١٧٨/٤) وما بعدها. (١٢) (ص٢٠٨ - ٢١٠). (١٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (١٤) ((الكفاية)) (ص ١٥٠). (١٥) ((اختصار علوم الحديث)) (ص٩٧). (١٦) (١/ ٢٥٧). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٠٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وكأنَّه سلف ابن السّبكي في حكاية الإجماع على الرد(١)](٢). ونحوه قول ابن المؤَّاق: لا خلاف أعلمه بين أئمّة الحديث في ردِّ المجهول الّذي لم يرو عنه إلّا واحد، وإنَّما يحكى الخلاف عن الحنفية(٣)، يعني [كما تقدم] (٤). ولكن قد قبل أهل هذا القسم مطلقاً من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام، وعزاه ابن المؤَّاق للحنفية، حيث قال: إنَّهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد، وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق. انتهى. وهو لازم كلِّ من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الرَّاوي تعديل له، بل عزا النَّووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحقّقين الاحتجاج به(٥)، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور. وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان: العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التَّجريح ضدّ التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل، حتَّى يتبين جرحه، إذ لم يكلف النّاس ما غاب عنهم(٦). وقال في ضابط الحديث الّذي يحتج به ما محصله: إنّه هو الذي يعرى راويه من أن يكون مجروحاً أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلاً، أو منقطعاً، أو كان المتن منكراً(٧)، فهذا مشعر بعدالة من لم يجرح ممن لم يرو عنه إلّا واحد. ويتأيَّد بقوله في ثقاته: أيوب الأنصاري(٨)، عن سعيد بن جبير، وعنه مهدي بن ميمون، لا أدري من هو، ولا ابن من هو (٩)، فإنَّ هذا منه يؤيِّد أنَّه (١) ((جمع الجوامع)) (١٧٦/٢) مع ((شرح المحلي)) و((حاشية العطار)). (٢) ما بين المعقوفين غير واضح من (م). (٣) انظر: أصول السرخسي (٣٥٢/١، ٣٧٠)، و((فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت)) (١٤٦/٢) مع ((المستصفى))، و((تيسير التحرير)) (٤٨/٣ - ٤٩). (٤) ما بين المعقوفين غير واضح في (ح). (٦) ((الثقات)) لابن حبان (١٣/١). (٥) شرح صحيح مسلم للنووي (٢٨/١). (٧) المصدر السابق (١٢/١). (٨) ذكره الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢٩٥/١) وقال: مجهول. (٩) ((الثقات)) لابن حبان (٦٠/٦). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٠٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ يذكر في ((الثّقات)) كلَّ مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح، ولم يكن الحديث الَّذي يرويه منكراً (١)، وقد سلفت الإشارة لذلك في الصَّحيح الزَّائد على الصَّحیحین(٢). وقيَّد بعضُهم القبول بما إذا كان المنفرد بالرِّواية عنه لا يروي إلَّا عن عدل كابن مهدي، وغيره ممَّن سلف ذكر جماعة منهم(٣)؛ حيث اكتفينا في التَّعديل بواحد على المعتمد، كما تقدم(٤)، وهو مخدوش بما بين قريباً(٥). وكذا خَصَّه ابن عبد البر بمن يكون مشهوراً - أي: بالاستفاضة ونحوها في غير العلم - بالزُّهد كشهرة مالك بن دينار به، أو بالنَّجدة كعمرو بن معد يكرب، أو بالأدب والصِّناعة ونحوها(٦)، فأمَّا الشُّهرة بالعلم والثّقة والأمانة فهي كافية من باب أولى، كما تقدم في الفصل الثاني (٧). بل نقله الخطيب في ((الكفاية)) هنا - أيضاً - عن أصحاب الحديث، فإنَّه قال: المجهول عند أصحاب الحديث هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلَّا من جهة راوٍ واحدٍ (٨)، يعني حیث لم يشتهر. ونحوه ما نقله ابن الصّلاح عنه - أيضاً - أنَّه قال في ((أجوبة مسائل سئل عنها)): المجهول عند أصحاب الحديث هو كلُّ من لم يعرفه العلماء، ومن لا يعرف حديثه إلَّا من جهة راو واحد(٩). ولذا قال ابن عبد البر: الذي أقوله: إنَّ من عرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضرّه إذا لم يرو عنه إلَّا واحد، ونحوه قول أبي مسعود الدمشقي الحافظ: (١) ((لسان الميزان)) (١/ ٤٩٢). (٣) (ص٢٠١ - ٢٠٢). (٥) (ص١٩٨ - ١٩٩). (٢) (ص٦٤ - ٦٥). (٤) (ص١٦٢). (٦) ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٢٨٩) عن ابن عبد البر وجادة. (٧) (ص١٦٦). (٨) ((الكفاية)) - (ص١٤٩). (٩) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٢) لكن قال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص١٤٧): قد أبعد - يعني: ابن الصلاح - النجعة في عزوه ذلك إلى المسائل، مع أنه موجود بجملته مع زيادة في الكفاية. معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٠٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث إنَّه برواية الواحد لا ترتفع عن الرَّاوي اسم الجهالة، إلَّا أن يكون معروفاً في قبيلته، أو يروي عنه آخر. ويقرب من ذلك انفراد الواحد عَمَّن يروي عن النَّبي ◌َِّ حيث جزم المؤلِّف بأنَّ الحقَّ أنَّه إن كان المُضِيفُ إلى النَّبيِّ وَّ معروفاً بذكره في الغزوات، أو فيمن وفد عليه، أو نحو ذلك، فإنه ثبتت صحبته بذلك، مع كونه لم يرو عنه إلَّ واحد (١). وَخَصَّ بعضُهم القَبولَ بمن يزكِّيه مع رواية واحدٍ أحدٌ من أئمَّة الجرح والتَّعديل، واختاره ابن القطّان في ((بيان الوهم والإيهام))(٢)، وصحَّحه شيخنا(٣)، وعليه يتمشى تخريج الشّيخين في صحيحيهما لجماعة أفردهم المؤلف بالتأليف. فمنهم ممن اتَّفقا عليه حصين بن محمد الأنصاري (٤) المدني(٥)، ومَمَّن انفرد به البخاري جويرية أو جارية بن قُدامة(٦)، وزيد بن رباح المدني(٧)، (١) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٢٥) ط: الشيخ راغب الطباخ، وقد سقط أكثره من طبعة الکتبي (ص١٤٨). (٢) (٢٠/٤ - ٢١، ٥٢٢/٥). (٣) في ((شرح النخبة)) (ص ١٠٠). (٤) هو: حصين بن محمد الأنصاري السالمي المدني، وكان من سراتهم، وثقه ابن حبان، وذكره البخاري في ((تاريخه)) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ((التاريخ الكبير)) (٨/١/٢)، و((الثقات)) (١٥٩/٤)، و((تهذيب الكمال)) (٥٣٩/٦ - ٥٤٣). (٥) ((صحيح البخاري)): باب بغير ترجمة، كتاب المغازي (٣١٩/٧)، ومسلم: باب التخلف عن الجماعة لعذر، كتاب المساجد (١٦٠/٥). (٦) التميمي، وليس بعم الأحنف بن قيس، ذكره البخاري في ((الكبير)) (٢٤٠/٢/١)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٥٣٠/١/١ - ٥٣١) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال ابن حجر في ((التقريب)) (ص٥٨): ثقة من الثانية. وروايته في ((صحيح البخاري)) (٢٦٧/٦). (٧) هو: زيد بن رباح مولى الأدرم بن غالب المدني، قتل سنة إحدى وثلاثين ومائة، كذا في ((التاريخ الكبير)) (٣٦٠/١/٢)، وفي ((الكاشف)) (٣٣٨/١): قتل سنة إحدى وأربعين ومائة. وروايته في ((صحيح البخاري)) (٦٣/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٠٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وعبد الله بن وديعة الأنصاري(١)، وعمر بن محمَّد بن جبير بن مطعم (٢)، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي (٣). وممَّن انفرد به مسلم: جابر بن إسماعيل الحضرمي (٤)، وخبَّاب المدني صاحب المقصورة(٥). حيث تفرَّد عن الأول الزهري (٦)، وعن الثّاني أبو جمرة نصر بن عمران الضَّبَعي (٧)، وعن الثّالث مالك(٨)، وعن الرَّابع أبو سعيد المقبري(٩)، وعن الخامس الزّهريّ(١٠)، وعن السَّادس ابنه المنذر (١١)، وعن السَّابع ابن (١) هو: عبد الله بن وديعة بن خدام الأنصاري المدني، مختلف في صحبته، قال ابن حجر: تابعي جليل، وثقه ابن حبان، قتل بالحرة. (تقريب التهذيب)) (ص١٩٣)، و((فتح الباري)) (٣٧١/٢). وروايته في ((البخاري)) (٢/ ٣٧٠). (٢) هو: عمر بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي النوفلي، المدني، وثقه النسائي، من السادسة. التقريب (ص٢٥٦)، والخلاصة (ص٢٤٢). وروايته في البخاري (٣٥/٦). (٣) هو: الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب بن عائذ، أبو العباس الجارودي البصري، وثقه الدارقطني وابن حبان، مات سنة اثنتين ومائتين. (الكاشف)) (٢٣٩/٣)، و((تهذيب التهذيب)» (١٣٩/١١). وروايته في ((صحيح البخاري)) (٢٨٠/٨). (٤) المصري، وثقه ابن حبان، وقال ابن حجر: مقبول من الثامنة. ((الثقات)) لابن حبان (١٦٣/٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥٢). وروايته في ((صحیح مسلم)) (٢١٥/٥). (٥) مولى فاطمة بنت عتبة، اختلف في صحبته، وقيل: مخضرم. الاستيعاب لابن عبد البر (٤٣٩/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٣٤/٣)، وروايته في ((صحيح مسلم)) (١٦/٧). (٦) ((المنفردات والوحدان)) للإمام مسلم (ص ١٠)، و((تهذيب الكمال)) (٥٤٠/٦). (٧) انظر: الكاشف (١٩٠/١)، والخلاصة (ص٥٥). (٨) ((المنفردات والوحدان)) (ص ٣٠)، و((الثقات)) لابن حبان (٣١٨/٦). (٩) الجمع بين رجال الصحيحين (٢٦٧/١)، و((الكاشف)) للذهبي (١٤٠/٢)، وأبو سعيد هو: كيسان المقبري المدني، صاحب العباء، مولى أم شريك، المتوفى سنة مائة. (التاريخ الكبير)) (٢٣٤/١/٤ - ٢٣٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥٣/٨ - ٤٥٤). (١٠) ((المنفردات والوحدان)) (ص١٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٥٦). (١١) ((الثقات)) لابن حبان (٢٢٥/٩)، و((الكاشف)) (٢٣٩/٣). والمنذر، هو: ابن الوليد الجارودي العبدي، أبو العباس البصري، ثقة رئيس. = معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢١٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وهب(١)، وعن الثَّامن عامر بن سعد بن أبي وقاص(٢). فإنَّهم مع ذلك موثَّقون، لم يتعرض أحدٌ من أئمة الجرح والتَّعديل لأحد منهم بتجهيل، نعم جهل أبو حاتم محمَّد بن الحكم المروزي الأحول(٣) أحد شيوخ البخاري في صحيحه (٤)، والمنفرد عنه بالرِّواية لكونه لم يعرفه(٥) . ولكن نقول: معرفة البخاري به الَّتي اقتضت له روايته عنه - ولو انفرد بهما - كافية في توثيقه، فضلاً عن أنَّ غيرَه قد عرفه - أيضاً (٦) -، ولذا صرَّح ابن رُشَيْد - كما سيأتي(٧) - بأنَّه لو عدله المنفرد عنه كفى، وصحَّحه شيخنا - أيضاً - إذا كان متأهلاً لذلك(٨)، ومن هنا ثبتت صحبة الصَّحابي برواية الواحد المصرح بصحبته عنه (٩) . على أنَّ قول أبي حاتم في الرَّجل: إنَّه مجهول، لا يريد به أنَّه لم يرو عنه سوى واحدٍ، بدليل أنَّه قال في داود بن يزيد الثقفي(١٠): مجهول(١١)، مع ((الكاشف)» (١٧٥/٣)، والخلاصة (ص٣٣١). = (١) ((الجمع بين رجال الصحيحين)) (٧٣/١)، والخلاصة (ص٥٠). (٢) («الكاشف)) (٢٧٧/١)، وهو: عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، المدني، ثقة، مات سنة أربع ومائة. (تقريب التهذيب)) (ص ١٦٠)، والخلاصة (ص١٥٥). (٣) هو: محمد بن الحكم المروزي الأحول، ثقة فاضل، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. (تقريب التهذيب)) (ص٢٩٥)، و((هدي الساري)) (ص٤٣٨). (٤) ((صحيح البخاري)): باب علامات النبوة، كتاب المناقب (٦/ ٦١٠) وباب لا هامة، كتاب الطب (٢١٥/١٠). (٥) ((الجرح والتعديل)) (٢٣٦/٢/٣). (٦) عرفه ابن حبان في ((الثقات)) (١٣٤/٩)، وفي تهذيب التهذيب (١٢٤/٩) نقلاً عن صاحب ((الزهرة)) أنه نسب إلى جده، وأنه: محمد بن عبدة بن الحكم، وهذا - أيضاً - عرفه ابن حبان في ((الثقات)) (١٤١/٩). (٧) (ص٢١٣). (٨) ((شرح النخبة)) (ص ١٠٠). (٩) ((الإصابة)) (٨/١). . (١٠) هو: عبد الله بن يزيد الثقفي البصري، ذكره البخاري في ((التاريخ)) وسكت عنه. انظر: ((التاريخ الكبير» (٢٤٠/١/٢). (١١) ((الجرح والتعديل)) (٤٢٨/٢/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢١١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ أنَّه قد روى عنه جماعة (١)، ولذا قال الذَّهبي عَقِبه: هذا القولُ يوضّح لك أنَّ الرَّجل قد يكون مجهولاً عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعةٌ ثقاتٌ، يعني أنَّه مجهول الحال(٢). وقد قال في عبد الرّحيم بن كردم(٣) بعد أن عَرَّفه برواية جماعة عنه: مجهول (٤)، ونحوه قوله في زياد بن جارية التميمي الدمشقي(٥)، مع أنَّه قيل في زياد هذا: إنَّه صحابي(٦). وبما تقرَّر ظهر أنَّ قول ابن الصلاح في بعض من خرَّج لهم صاحبا الصّحيح ممن لم يرو عنهم إلَّا واحد ما نصه: وذلك مصير منهما إلى أن الرَّاوي قد يخرج عن كونه مجهولاً مردوداً برواية واحد عنه(٧)، ليس على إطلاقه . وممَّن أثنى على من اعترف له بأنَّه لم يرو عنه إلَّا واحد أبو داود، فقال في عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني قاضي إفريقية(٨): أحاديثه مستقيمة، ما أعلم حدَّث عنه غير القعنبي (٩) . (١) ذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل) أربعة منهم. (٢) تاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات سنة ١٧١ - ١٨٠ هـ (ص١١٣). (٣) هو: عبد الرحيم بن كردم بن أرطبان، أبو مرحوم، قال الذهبي: هو شيخ، ليس بواه، ولا مجهول الحال، ولا هو بالثبت. ((ميزان الاعتدال)) (٦٠٦/٢). (٤) ((الجرح والتعديل)) (٣٣٩/٢/٢). (٥) وثقه النسائي، وقال بعضهم: صدوق جائز الحديث، وقيل: له صحبة، قتل في زمن الوليد بن عبد الملك، لكونه أنكر تأخير الجمعة إلى العصر. ((تهذيب التهذيب)) (٨٧/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٠٩). (٦) ذكره في الصحابة ابن أبي عاصم وأبو نعيم وأبو موسى المديني بسبب حديث أرسله، وإلا فهو تابعي. انظر: ((الإصابة)) (٦٥٥/٢ - ٦٥٦). (٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٢ - ١٠٣). (٨) أبو عبد الرحمن، وثقه ابن يونس وغيره، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، مات سنة تسعين ومائة. ((المجروحين)) (٤١/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٨٢). (٩) سؤالات الآجري بتحقيق البستوي (١٧٧/٢). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢١٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وابن المديني فقال في جون بن قتادة (١): إنَّه معروف، لم يرو عنه غير الحسن البصري(٢)، وإنَّما أوردت كلامه لبيان مذهبه، وإلّا فَجَوْنٌ قد روى عنه غير الحسن(٣)، على أنّ ابنَ المديني نفسَه قال في موضع آخر: إنَّه من المجهولين من شيوخ الحسن (٤). وبالجملة فرواية إمام ناقل للشَّريعة لرجل ممَّن لم يرو عنه سوى واحد في مقام الاحتجاج كافية في تعريفه وتعديله، ووراء هذا كلّه: مخالفة ابن رُشيد في تسمية من لم يرو عنه إلّا واحد مجهول العين، مع موافقته على عدم قبوله، فإنّه قال: لا شكَّ أنَّ رواية الواحد الثقة تخرج عن جهالة العين إذا سَمَّاه ونسبه. وقسم بعضهم المجهول، فقال: مجهول العين والحال معاً، كعن رجل، والعين فقط كعن الثقة، يعني على القول بالاكتفاء به، أو عن رجل من الصَّحابة، والحال فقط، كمن روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يوثَّق. فأما جهالة التَّعيين فخارجةٌ عن هذا كلِّه، كأن يقول: أخبرني فلان أو فلان ويسميهما، وهما عدلان، فالحجّة قائمة بذلك، فإن جهلت عدالة أحدهما مع التَّصريح باسمه أو إبهامه فلا. انتهى. وينظر في إلحاق مسألة الباب بأي أقسامه. ٢٨٨ (والقسم الوسط) أي: الثاني: (مجهول حال باطن و) حال (ظاهر) من العدالة وضدها مع عرفان عينه برواية عدلین عنه. (وحكمه الرّد) وعدم القبول (لدى) أي: عند (الجماهر) من الأئمّة، وعزاه ابن الموّاق للمحقِّقين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وما حكيناه من صنيعه فيما تقدم(٥) یشهد له. (١) هو: جون بن قتادة بن الأعور بن ساعدة التميمي ثم السعدي البصري، لم يصح له صحبة، مقبول من الثانية. ((تهذيب الكمال)) (١٦٢/٥ - ١٦٦)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥٨). (٢) لم أجده في المطبوع من سؤالات ابن أبي شيبة عنه، ولا في علله، ونقله المزي في (تهذيب الكمال)) (١٦٥/٥) عنه. (٣) كقتادة وقرة بن الحارث البصري. انظر: ((تهذيب الكمال)) (١٦٣/٥). (٤) انظر: ((تهذيب الكمال)) (١٦٥/٥) ولم أجده في المطبوع من سؤالاته. (٥) (ص٢١٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢١٣ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وكذا قال الخطيب: لا يثبت للراوي حكم العدالة برواية الاثنين عنه(١). وقال ابن رُشَيد: لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد واثنين ما لم يصرِّح الواحد أو غيره بعدالته. نعم. كثرة رواية الثِّقات عن الشّخص تقوِّي حُسن الظَّنِّ فيه، وأمَّا المجاهيل الَّذين لم يرو عنهم إلَّا الضُّعفاء فهم متروكون - كما قال ابن حبان - على الأحوال كلها(٢). وتوجيه هذا القول: أنَّ مجرد الرِّواية عن الرَّاوي لا تكون تعديلاً له على الصَّحيح كما تقدَّم(٣) . وقيل: يقبل مطلقاً، وهو لازم من جعل مجرَّد رواية العدل عن الرَّاوي تعديلاً له، كما تقدَّم مثلُه في القسم الأول(٤) وأولى، بل نسبه ابن المؤَّاق لأكثر أهل الحديث، كالبزَّار والدَّارَ قطني. وعبارة الدَّارقطني: من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته، وقال - أيضاً - في الديات(٥) نحوه. وكذا اكتفى بمجرّد روايتهما ابن حبَّان، بل توسَّع كما تقدَّم في مجهول العين(٦). وقيل: يفصل، فإن كانا لا يرويان إلَّا عن عدل قبل، وإلَّ فلا(٧). (و) القسم (الثالث: المجهول للعدالة) أي: مجهول العدالة (في باطن ٢٨٩ فقط) مع كونه عدلاً في الظاهر. (ف) هذا (قد رأى له حجية) أي: احتجاجاً به (في الحكم بعض من منع) ٢٩٠ من الشَّافعية (ما قبله) من القسمين. (منهم) الفقيه (سليم) - بضم أوله مصغر - ابن أيوب الرازي (٨)، وزاد (١) ((الكفاية)) (ص ١٥٠). (٢) كُتاب المجروحين (١٩٣/٢)، و((لسان الميزان)) (١٤/١). (٣) (ص١٩٨). (٤) (ص٢٠٦). (٥) من ((سننه)) (١٧٤/٣). (٦) (ص٢٠٦ - ٢٠٧). (٧) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك عوداً على بدء، نفع الله به. كتبه مؤلفه. (٨) هو: الشيخ الإمام أبو الفتح، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة سبع وأربعين وخمسمائة غريقاً في بحر القلزم. = معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢١٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٩١ (فقطع) أي: جزم (به) لأن الأخبار تبنى على حسن الظنِّ بالرَّاوي(١). وأيضاً: فلتعسر الخبرة الباطنية على النّاقد، وبهذا فارق الرَّاوي الشَّاهد، فإنَّ الشَّهادة تكون عند الحكّام، وهم لا تتعسر عليهم؛ لا سيما مع اجتهاد الأخصام في الفحص عنها . بل عزا الاحتجاج بأهل هذا القسم كالقسم الأول لكثير من المحقّقين النووي في مقدمة شرح مسلم (٢). قلت: ومنهم أبو بكر بن فورك(٣)، وكذا قبله أبو حنيفة(٤)، خلافاً للشّافعي(٥)، ومن عزاه إليه فقد وهم. (وقال الشَّيخ) ابن الصَّلاح (إن العملا يشبه أنَّه على ذا) القول الذي قطع ٢٩٢ به سليم (جعلا في كتب) [كثيرة] (٦) (من الحديث اشتهرت) وتداولها الأئمّة فمن دونهم، حيث خرج فيها لرواة (خبرة بعض من) خرج له منهم (بها) أي: ٢٩٣ بالكتب، لتقادم العهد بهم (تعذرت في باطن الأمر)(٧)، فاقتصروا في البعض على العدالة الظّاهرة. وفيه نظر بالنّسبة للصَّحيحين، فإنَّ جهالة الحال مندفعة عن جميع من خرَّجا له في الأصول، بحيث لا نجد أحداً ممن خرَّجا له كذلك يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلاً، كما حقَّقه شيخُنا في مقدِّمته (٨). ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٣١/١/١ -٢٣٢)، ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي = (٣٨٨/٤ - ٣٩١). (١) (علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠١)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٢٨١/٤). (٢) (٢٨/١). (٣) هو: محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأصبهاني، المتكلم الشافعي، المتوفى سنة ست وأربعمائة. (الوافي بالوفيات)) (٣٤٤/٢)، و((مرآة الجنان)) (١٧/٣). (٤) انظر: ((أصول السرخسي)) (٣٧٠/١)، و((المستصفى)) (١٥٧/١ - ١٥٨). (٥) انظر: البرهان (٦١٤/١ - ٦١٥)، و((الإحكام)) للآمدي (٧٨/٢ - ٨٢). (٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠١). (٨) «هدي الساري)) (ص٣٨٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢١٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وأمَّا بالنَّظر لمن عداهما؛ لا سيَّما من لم يشترط الصَّحيح فما قاله ممكن، وكأنَّ الحامل لهم على هذا المسلك غلبة العدالة على النَّاس في تلك القرون الفاضلة. ولذا قال بعض الحنفية: المستور في زماننا لا يقبل، لكثرة الفساد وقلّة الرَّشاد، وإنَّما كان مقبولاً في زمن السَّلف الصَّالح، هذا مع احتمال اطّلاعهم على ما لم نطلع [عليه نحن](١) من أمرهم (٢) . (وبعض) من الأئمّة، وهو البغوي في ((تهذيبه))(٣) (يشهر) - بفتح أوله وثالثه - يعني: يسمِّي (ذا القسم مستوراً) وتبعه عليه الرَّافعي(٤)، ثمَّ النَّووي، فقال في النِّكاح من ((الروضة)): إنّ المستور من عرفت عدالته ظاهراً لا باطناً (٥). وقال إمام الحرمين: المستور من لم يظهر منه نقيض العدالة، ولم يتّفق البحثُ في الباطن عن عدالته، قال: وقد تردّد المحدِّثون في قَبول روايته، والّذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنَّها لا تقبل، قال: وهو المقطوع به عندنا(٦). وصحّح النَّووي في ((شرح المهذب)) القبول(٧)، وحكى الرافعي في الصَّوم وجهين من غير ترجيح(٨)، قيل: والخلاف مبني على شرط قبول الرواية: أهو العلم بالعدالة، أو عدم العلم بالمُفَسِّق؟ إن قلنا بالأول لم نقبل المستور، وإلّا قبلناه. وأما شيخنا فإنه بعد أن قال: وإن روى عنه اثنان فصاعداً ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة بغير قيد - يعني بعصر دون آخر ۔ وردّها الجمهور. (١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): نحن عليه. (٢) انظر: ((أصول السرخسي)) (١/ ٣٧٠)، و((التقرير والتحبير)) (٢٤٧/٢). (٣) التهذيب للبغوي (٢٦٣/٥). (٤) انظر: فتح العزيز مع المجموع (٢٥٧/٦). (٥) ((روضة الطالبين)) (٤٦/٧). (٦) («البرهان في أصول الفقه)) (٦١٤/١). (٧) ((المجموع شرح المهذب)) (٢٧٧/٦). (٨) ((فتح العزيز شرح الوجيز)) (٢٥٧/٦). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢١٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال: والتَّحقيق أنَّ رواية المستور ونحوه ممّا فيه الاحتمال لا يُطلق القولُ بردِّها ولا بقَبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين(١)، ورأى أنَّا إذا كنا نعتقد على شيء - يعني مما لا دليل فيه بخصوصه، بل للجري على الإباحة الأصلية - فروى لنا مستور تحريمه أنّه يجب الانكفاف عما كنا نستحله إلى تمام البحث عن حال الراوي. قال: وهذا هو المعروف من عادتهم وشيمهم، وليس ذلك حكماً منهم بالحظر المرتَّب على الرِّواية، وإنَّما هو توقف في الأمر، فالتّوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز، وهو في معنى الحظر؛ وذلك مأخوذ من قاعدة في الشّريعة ممهَّدة، وهي التَّوقف عند بدو ظهور الأمور إلى استبانتها، فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرِّواية إذ ذاك. ولو فرض فارض التباس حال الرَّاوي واليأس عن البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار النّاس، ويعز العثور عليه، فهذه مسألة اجتهادية عندي، والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يجب الانكفاف، وانقلبت الإباحة كراهية(٢). قال شيخنا: ونحوه - أي: القول بالوقف ـ قول ابن الصَّلاح فيمن جرح بجرح غير مفسر (٣). انتهى(٤). وينظر في: وانقلبت الإباحة [كراهية](٥). [ووراء هذا أن قوله بالوقف لا ينافيه ما حكيناه عنه أولاً من جزمه بعدم قَبُوله، فالمرسل مع كونه ضعيفاً صرح ابن السُّبكي بأنَّ الأظهر وجوب الانكفاف إذا دلَّ على محظور ولم يوجد سواه(٦) . (١) ((شرح النخبة)) (ص١٠٠ - ١٠١) وبعد قوله إمام الحرمين في (م): يعني: صريحاً. وقد كتبت في (س) ثم طمست. (٢) ((البرهان)) (٦١٥/١ - ٦١٦). (٣) ((شرح النخبة)) (ص١٠٢). (٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٩٨). (٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): كراهة أو هو إثبات للكراهة أو نفي لها. (٦) ((جمع الجوامع)) للسبكي (٢٠٤/٢) مع ((شرح المحلي)) و((حاشية العطار)). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢١٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ بل قيل عن الشَّافعي احتجاجه به إذا لم يجد سواه، كما أوضحت ذلك في بابه(١)، ونحوه ما أسلفته في أثناء الحسن عن أحمد أنّه لا يخالف ما يضعف إلَّا إن وجد ما يدفعه(٢). فثبت بهذا كله: أن الاحتجاج لأجل رواية راو لا ينافيه عدم قبوله، ولكن الذي مشى عليه النَّووي - كما في آخر الموضوع(٣) - استحباب التنزّه إذا وجد ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة احتياطاً] (٤). ثم إنَّه ممَّن وافق البغوي ومن تابعه في تسمية من لم تعرف عدالته الباطنية مستوراً ابن الصّلاح(٥)، (وفيه نظر)؛ إذ في عبارة الإمام الشَّافعي تَخْذَُّ في ((اختلاف الحديث)) ما يدلّ على أنَّ الشَّهادة الَّتي يحكم الحاكم بها هي العدالة الظّاهرة، فإنه قال في جواب سؤال أورده: فلا يجوز أن يترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر(٦). وحينئذٍ فلا يحسن تعريف المستور بهذا، فإنّ الحاكم لا يسوغ له الحكم [بالمستور](٧)، وأيضاً: يكون خادشاً [بظاهره](٨) في قول الرافعي في الصَّوم - ممَّا أشار الشارح(٩) لتأييد ابن الصَّلاح به -: العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين (١٠)، يعني: ثبت عند الحاكم أم لا، كما حمله عليه بعض المتأخرين (١١). ولكن الظاهر أنَّ الشَّافعي إنما أراد الاحتراز عن الباطن الَّذي هو ما في (١) (٢٦٥/١). (٣) (١٥٤/١). (٢) انظر ما تقدم (١٤٨/١ - ١٤٩). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٥) في ((علوم الحديث)) (ص١٠١). (٦) اختلاف الحديث (ص٥٢٩). (٧) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): بمن لم تعلم عدالته الباطنة. (٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٩) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٢٩/١). (١٠) ((فتح العزيز)) للرافعي (٢٥٦/٦ - ٢٥٧). (١١) في حاشية (م): هو الشمس البرماوي. وهو: محمد بن عبد الدائم بن موسى بن عبد الدائم شمس الدين أبو عبد الله العسقلاني الأصل البرماوي، ثم القاهري الشافعي، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. ((إنباء الغمر)) (١٦١/٨ - ١٦٤)، و ((الضوء اللامع)) (٢٨٠/٧ - ٢٨٢). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢١٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث نفس الأمر، لخفائه عن كلِّ أحد، وكلامه في أول ((اختلاف الحديث)) يرشد لذلك، فإنه قرر أنَّا إنّما كُلفنا العدل بالنَّظر لما يظهر لنا، لأنَّا لا نعلم مُغَيَّب غيرنا(١). ولذا لما نقل الزّركشي ما أسلفت حكايته عن الرَّافعي في العدالة الباطنة ذكر أن نصَّ الشَّافعي في ((اختلاف الحديث)) يؤيده(٢). على أنَّه يمكن أن يقال لمن تمسَّك بظاهر كلام الشَّافعي: الحكم بشهادتهما لما انضمَّ إلى العدالة الظّاهرة من سكوت الخصم عن إبداء قادح [فيهما] (٣)، مع توفر الدَّاعية على الفحص فافترقا، ولكن يمكن المنازعة في هذا بأنَّ الخصم قد يترك حقَّه في الفحص، بخلاف غيره من الأحكام فمحله التَّشدد. وأما النزاع في كلام ابن الصلاح بما نقله الروياني في (البحر)) عن نصِّ الشَّافعي في ((الأم)) مما ظاهره أنَّ المستور من لم يعلم سوى إسلامه، فإنَّه قال: لو حضر العقد رجلان مسلمان، ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما في الظّاهر(٤). قال: لأنَّ الظَّاهر من المسلمين العدالة، فيمكن أن يقال: إنَّه لا يمنع شمول المستور لكلِّ من هذا، وما قاله البغوي كما هو مقتضى التَّسمية. ومن ثَمَّ جعل بعضُ المتأخرين أقسامَ المجهول كلَّها فيه، وشيخُنا ما عدا الأوَّل(٥)، وهو أشبه، بل فسَّر بعضُهم - مما صحَّحه السُّبكي - المستور بمن ثبتت عدالته، وانقطع خبره مدَّةً يحتمل طُرُوَّ نقيضها (٦). ثُمَّ إِنَّ الشَّافعي إنَّما اكتفى بحضورهما العقد مع ردِّه المستورَ؛ لأنَّ النِّكاح مبناه على التَّراضي، بخلاف غيره من الأحكام، فمحلُّه التَّشْدُّد. (١) اختلاف الحديث للإمام الشافعي (٤٧٥/٨) مع ((الأم)). (٢) ((البحر المحيط)) للزركشي (٤/ ٢٨٢). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): فيها. ((شرح النخبة)) (ص ١٠٠ - ١٠١). (٥) (٤) ((الأم)) للإمام الشافعي (١٩/٥). (٦) في ((جمع الجوامع)) له (٢/ ١٧٥) - مع شرح المحلي وحاشية العطار -: المستور: المجهول باطناً . . فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢١٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وأيضاً: فذاك عند التَّحمل، ولهذا لو رفع العقد بهما إلى حاكم لم يحكم بصحَّته، كما نقله في ((الروضة)) عن الشَّيخ أبي حامد وغيره(١). ويتأيَّد بأنَّ الشَّافعي تَخْذُ أطلق في ((اختلاف الحديث)) له عدم احتجاجه بالمجهول(٢)، ونحوه حكاية البيهقي في ((المدخل)) عنه أنّه لا يحتج بأحاديث المجهولین . على أنّ البدر الزَّركشي نقل عن كلام الأصوليين ممَّا قد يتَّفق مع كلام الرافعي الماضي(٣)، أنَّ المراد بالعدالة الباطنة الاستقامة بلزومه أداء أوامر الله، وتجنب مناهيه، وما يثلم مروءته؛ سواء ثبتت عند الحاكم أم لا(٤). إذا علم هذا: فالحجّة في عدم قبول المجهول أمور : - أحدها: الإجماع على عدم قبول غير العدل، والمجهول ليس في معنى العدل في حصول الثقة بقوله ليلحق به. الثَّاني: أنَّ الفسق مانع من القبول، كما أنَّ الصِّبًا والكفر مانعان منه، فيكون الشّكّ فيه - أيضاً - مانعاً من القبول، كما أنَّ الشَّكَّ فيهما مانع منه. الثّالث: أنَّ شكَّ المقلِّد في بلوغ المفتي مرتبة الاجتهاد، أو في عدالته مانع من تقليده، فكذلك الشَكّ في عدالة الرّاوي يكون مانعاً من قبول خبره؛ إذ لا فرق بين حكايته عن نفسه اجتهاده، وبين حكايته خبراً عن غيره. والحجة لمقابله قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَثَبَّئُوا(٥)﴾ (٦)، فأوجب التَّثُبُّت عند وجود الفسق، فعند عدم الفسق لا يجب التثبت، فيجب العمل بقوله، وهو المطلوب. وبأنَّ النّبي ◌َّه قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه سوى الإسلام؛ بدليل أنَّه قال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن (١) ((روضة الطالبين)) (٤٧/٧). (٢) اختلاف الحديث للإمام الشافعي (٤٧٩/٨) مع ((الأم)). (٣) قريباً (ص٢١٧). (٤) ((البحر المحيط)) للزركشي (٤/ ٢٨٢). (٥) في حاشية (س)، (ح): بالمثلثة لحمزة والكسائي، وانظر ما تقدم (ص١٦٢). (٦) سورة الحجرات: الآية ٦. معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٢٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث محمَّداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في النَّاس أن يصوموا غداً)). أخرجه أبو داود والتِّرمذي والنِّسائي(١). فرتَب العمل بقوله على العلم بإسلامه، وإذا جاز ذلك في الشَّهادة جاز في الرِّواية بطريق الأولى. وأجيب عن الأوَّل: بأنَّا إذا علمنا زوال الفسق ثبتت العدالة، لأنَّها لا ثالث لهما، فمتى عُلِم نفيُ أحدِهما ثبت الآخر. وعن الثَّاني: بأنّ القضية محتملة من حيث اللَّفْظُ، وليس في الحديث دلالة لعدم معرفة عدالته بعد ذلك. [وأيضاً: فقضايا](٢) الأعيان تتنزَّل على القواعد، وقاعدة الشَّهادة العدالة، فيكون النَّبِي بَ ◌ّه قبل خبره لأنَّه علم حاله إمَّا بوحي، أو بغير ذلك. الثَّامن: في المبتدع: والبدعة: هي ما أُحدِث على غير مثالٍ متقدِّم (٣)، فيشمل المحمود (١) رواه أبو داود: باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم، رقم (٢٣٤٠)، والترمذي: باب ما جاء في الصوم بالشهادة، كتاب الصوم رقم (٦٩١)، والنسائي: باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان، كتاب الصيام (١٣١/٤ - ١٣٢)، وابن ماجه: باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، كتاب الصيام، رقم (١٦٥٢)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٨/٣)، وابن حبان: كما في ((موارد الظمآن)) (ص٢٢١)، والبيهقي في ((سننه)) (٢١١/٤ - ٢١٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٢٤/١)، من طرق عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الشيخ ناصر الدين الألباني في ((إرواء الغليل)) (١٥/٤): وفيه - يعني تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي - نظر، فإن سماكاً مضطرب الحديث، وقد اختلفوا عليه في هذا، فتارة رواه موصولاً، وتارة مرسلاً، وهو الذي رجحه جماعة من مخرجيه. لكن ابن حبان بوَّب في صحيحه (الإحسان ٢٣١/٨ طبعة الرسالة) فقال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به سماك بن حرب وأن رفعه غير محفوظ فيها زعم. ثم روى حديث ابن عمر والذي رواه أبو داود في ((سننه)) في الباب المذكور رقم (٢٣٤٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٢٣/١) عن ابن عمر بلفظ: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ◌َ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه)). (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لكن قضايا. (٣) انظر: ((تهذيب اللغة)) (٢٤٠/٢)، و((الصحاح)) مادة (بدع).