النص المفهرس
صفحات 161-180
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ المُمَيِّز فيما طريقه المشاهدة، بخلاف ما طريقه النَّقل كالإفتاء(١)، ورواية الأخبار ونحوه (٢)، وإليه أشار شيخنا بقوله: وقَبِل الجُمهور أخبارَهم إذا انضمَّتْ إليها قرينةٌ. انتهى(٣) . أمّا غير المُمَيِّز فلا يُقبل قطعاً . وكذا لم يشترطوا في عدل الرِّواية الحريّة؛ بل أجمعوا ــ كما حكاه الخطيب(٤) - على قبول رواية العبد بالشُّروط المذكورة، وأجاز شهادته جماعةٌ من السّلف، ولكن الجمهور في الشَّهادة على خلافه، وهو مما افترقا فيه، كما افترقا في مسألة التَّزكية الآتية بعد(٥)، وقد نظم ذلك شيخنا، فقال: إسلام والعقل والبلوغ معا العدل من شرطه المروءة والـ يشهد فحرية تضف تبعا يجانب الفسق راويا ومتى ولا الذّكورة خلافاً لما نقله الماوردي في الحاوي عن أبي حنيفة، قال: واستثنى أخبارَ عائشة وأمَّ سلمة (٦). وأمَّا من شرط في الرِّواية العدد، كالشَّهادة، فهو قولٌ شاذٌ مخالفٌ لما عليه الجمهور، كما أسلفته في مراتب الصَّحيح(٧)؛ بل تقبل روايةُ الواحد إذا جمع أوصاف القَبول، وأدلة ذلك كثيرةٌ شهيرةٌ. أو كون الراوي فقيهاً عالماً، كأبي حنيفة، حيث شرط فقه الرَّاوي إن خالف القياس(٨)، وغيره حيث قصره على الغريب، فكلَّه خلاف ما عليه الجمهور. (١) في ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٥١/ ب): في جعل الإفتاء من قبيل الإخبار المجرد كالرواية نظر، بل هو وإن كان إخباراً فله شبه بالاجتهاد، من أجل احتياجه إلى علم وفهم ينزل به الصورة المستفتى عنها على العمومات التي ذكرها العلماء. اهـ. (٢) ((المجموع)) (١٧٦/١، ٢٠٠/٣ - ٢٠١). (٣) (فتح الباري)) (٢٧٧/٥). (٤) في ((الكفاية)) (ص١٥٨). (٥) (ص١٦٢). (٦) ((أدب القاضي)) من ((الحاوي)) (٣٨٥/١) ثم قال: وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: لو كان نقص الأنوثة مانعاً لعم. والثاني: أن قبول قولهن في الفتيا يوجب قبوله في الأخبار، لأن الفتيا أغلظ شروطاً. اهـ. (٧) (ص١/ ٨٤). (٨) انظر: ((المغني في أصول الفقه)) للخبازي (ص٢٠٧ - ٢٠٨). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٦٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وحجَّتُهم قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَنَبَّنُوا(١)﴾ الآية (٢)، فمقتضاه أن لا يتثبت في غير خبر الفاسق، ولو لم يكن عالماً. وفي قوله وَلّى: ((نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ... الحديث))(٣)، أقوى دليل على ذلك؛ لأنه وَ﴿ لم يفرق، بل صرَّح بقوله: ((فربَّ حامِل فقهٍ غيرُ فقيه، وربَّ حامِل فقهٍ إلى من هو أفقه منه)). وكذا من شَرَطَ عدم عَمَاهُ(٤)، أو كونه مشهوراً بسماع الحديث، أو معروف النَّسَب، أو أن لا ينكر راوي الأصل روايةَ الفرع عنه، على وجه النِّسيان أيضاً(٥). الثاني : فيما تعرف به العدالة من تزكية وغيرها . (ومن زكاه) أي: عَدَّله في روايته (عدلان ذ) هو (عدل مؤتمَن) - بفتح الميم - أي: اتفاقاً . (وصحّح اكتفاؤهم) أي: أئمة الأثر فيها (بـ) قول العدل (الواحد جرحاً وتعديلاً) أي: من جهة الجرح والتَّعديل (خلاف) أي: بخلاف (الشَّاهد)، ٢٦٣ (١) في حاشية (س): قراءة حمزة والكسائي وغيرهما . وقرأها الباقون فتبينوا بالياء والنون. انظر: التيسير في القراءات السبع للداني (ص٩٧)، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢٥١/٢)، وتفسير القرطبي (٣١٢/١٦). (٢) سورة الحجرات: الآية ٦. (٣) رواه الإمام أحمد (١٨٣/٥)، والدارمي (٧٥/١)، وأبو داود: باب فضل نشر العلم، كتاب العلم، رقم (٣٦٦٠)، والترمذي: باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع من أبواب العلم، رقم (٢٦٥٨)، وابن ماجه: باب من بلغ علماً - المقدمة - رقم (٢٣٠) عن زيد بن ثابت. وفي الباب عن ابن مسعود وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وأبي الدرداء، وغيرهم. وقد تولى الشيخ عبد المحسن العباد جمع طرق هذا الحديث في جزء مطبوع. (٤) انظر: ((أدب القاضي)) للماوردي (٣٨٤/١)، و((فتح الباري)) (٢٦٤/٥). (٥) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك عوداً على بدء نفع الله به. كتبه مؤلفه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٣ معرفة صفة من تُقبل روایته ... إلخ فالصَّحيح عدم الاكتفاء فيه بدون اثنين؛ لأنَّه إن كان المزِّي للرَّاوي ناقلاً عن غيره فهو من جملة الأخبار، أو كان اجتهاداً من قبل نفسه فهو بمنزلة الحاكم، وفي الحالتين لا يشترط العدد. والفرق بينهما ضِيقُ الأمر في الشَّهادة، لكونها في الحقوق الخاصَّة، الَّتي يمكن التَّرافع فيها، وهي محلّ الأغراض، بخلاف الرِّواية، فإنَّها في شيء عام للنَّاس غالباً، لا ترافع فيه. ونحوه قول ابن عبد السَّلام: الغالب من المسلمين مهابة الكذب على النَّبِي ◌َّهو بخلاف شهادة الزّور(١). [و](٢) لأنّه قد ينفرد بالحديث واحدٌ، فلو لم يقبل لفاتت المصلحة، بخلاف فوات حقِّ واحدٍ على واحدٍ في المحاكمات؛ ولأنّ بين الناس إِحَناً(٣) وعداواتٍ تحملهم على شهادة الزُّور، بخلاف الرِّواية. والقول الثّاني: اشتراط اثنين في الرواية - أيضاً -، حكاه القاضي أبو بكر [ابن(٤) الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم(٥)؛ لأنَّ التّزكية صفة، فيحتاج في ثبوتها إلى عدلين، كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياساً على الشَّاهد بالنّسبة لما هو المرجِّح فيها عند الشّافعية(٦)، والمالكية(٧)؛ بل هو قول محمّد بن الحسن(٨)، واختاره الطحاوي(٩). (١) في (قواعد الأحكام)) العز بن عبد السلام (٧٤/١): ولا تقبل الشهادة إلا من عدل، لأن الفاسق لا يزعه طبعه عن الكذب. (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (س). (٣) في حاشية (س): جمع إحنة، وهي: الحقد. وانظر: ((القاموس المحيط)) مادة (أحن). (٥) الكفاية (ص١٦٣). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٦) انظر: ((أدب القاضي)) للماوردي (٢٩/٢)، و((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي: (٢٩٥/٢). (٧) انظر: ((مختصر خليل)) (١٨٢/٧) مع ((شرح الخرشي)). (٨) هو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، وإمام أهل الرأي، المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة. ((تاريخ بغداد)) (١٧٢/٢ - ١٨٢)، و((البداية والنهاية)) (٢٠٢/١٠). (٩) ((مختصر الطحاوي)) (ص٣٢٨ - ٣٢٩). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٦٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وإلّا فأبو عبيد لا يقبل في التزكية فيها أقل من ثلاثة، متمسكاً بحديث قبيصة فيمن تحلّ له المسألة: ((حتّى يقوم ثلاثةٌ من ذوي الحِجَى فيشهدون له))(١). قال: وإذا كان هذا في حقِّ الحاجة فغيرها أولى. ولكن المعتمَد الأوَّل، والحديث فمحمولٌ على الاستحباب فيمن عرف له مال قبل(٢)، وممن رجَّحَ الحكمَ كذلك في البابين الفخر الرازي(٣)، والسَّيف الآمدي(٤)، ونقله هو وابن الحاجب(٥) عن الأكثرين، ولا [تُنافيه](٦) الحكايةُ الماضية (٧)، للتَّسوية عن الأكثرين لتقييدها هناك بالفقهاء(٨). وممن اختار التَّفرقة - أيضاً - الخطيب(٩) وغيره، وكذا اختار القاضي أبو بكر بعد حكاية ما تقدم الاكتفاء بواحد(١٠)، لكن في البابين معاً، كما نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف (١١) في الشَّاهد خاصَّة(١٢). وعبارته: والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كلِّ عدلٍ مرضي، ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد؛ لشاهد ومخبر، أي: عارف بما يجب أن يكون عليه العدل، وما به يحصل الجرح، كما اقتضاه أول كلامه الذي حكاه الخطيب (١٣) عنه (١٣)، وهو ظاهر. (١) الحديث: رواه مسلم: باب من تحل له المسألة، كتاب الزكاة (١٣٣/٧ - ١٣٤)، وأبو داود: باب ما تجوز فيه المسألة، كتاب الزكاة: رقم (١٦٤٠)، والنسائي: باب الصدقة لمن تحمل بحمالة، كتاب الزكاة (٨٨/٥ - ٩٠) عن قبيصة بن مخارق الهلالي. (٢) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (١٣٤/٧). (٤) ((الإحكام)) (٨٥/٢). (٣) المحصول (٥٨٥/١/٢). (٥) ((مختصر ابن الحاجب)) (٦٤/٢ - ٦٥، ٦٨) مع شرحه وحواشيه. (٦) (٧) (ص١٦٣). كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ينافيه. (٨) انظر: ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٥٢/أ). (٩) في ((الكفاية)) (ص١٦١). (١٠) المصدر السابق (ص١٦٣). (١١) هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس الأنصاري، القاضي، صاحب أبي حنيفة، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة. أخبار القضاة لوكيع (٢٥٤/٣)، والجواهر المضية (٦١١/٣ - ٦١٣). (١٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٣/٥)، و((النكت الوفية)) (ل ١٥١/ب). (١٣) ((الكفاية)) (ص١٦٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ واستثنى تزكية المرأة في الحكم الَّذي لا تقبل شهادتها فيه (١)، كلُّ ذلك بعد حكايته عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم عدم قبول تزكية النِّساء مطلقاً في البابين(٢) . وكذا أشار لتخصيص تزكية العبد بالرِّواية، لقبولها فيها دون الشَّهادة، ولكن التَّعميم في قبول تزكية كل عدل؛ لأنَّها - كما قال الطحاوي - خبر وليست شهادة (٣)، صرَّح به - أيضاً - صاحب المحصول(٤) وغيره من غير تقييد. وقال النَّووي في التقريب: يقبل - أي في الرِّواية - تعديل العبد والمرأة العارفين ولم يحك غيره (٥) . قال الخطيب في الكفاية: الأصل في هذا الباب سؤال النَّبِي وَّ في قصَّة الإفك(٦) بريرة عن حال عائشة أم المؤمنين ﴿يا وجوابها له(٧)، يعني: الذي ترجم عليه البخاري في صحيحه: تعديل النِّساء بعضهن بعضاً(٨). ولا تقبل تزكية الصَّبي المراهق (٩)، ولا الغلام الضَّابط جزماً، وإن اختلف في روايتهما؛ لأنَّ الغلامَ وإن كانت حاله ضبط ما سمعه، والتَّعبير عنه على وجهه، فهو غير عارف بأحكام أفعال المكلفين، وما به منها يكون العدل عدلاً والفاسق فاسقاً، فذلك إنَّما يكمل له المكلّف. (١) المصدر السابق (ص١٦٣). (٢) المصدر السابق. (٣) (فتح الباري)) (٢٧٣/٥). (٤) ((المحصول)) (٥٩١/١/٢). ((التقريب)) للنووي (ص٢١٣) مع التدريب. (٥) (٦) قصة الإفك: أخرجها البخاري: باب تعديل النساء بعضهن بعضاً، كتاب الشهادات (٢٦٩/٥ - ٢٧٢)، ومسلم: باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، كتاب التوبة (١٠٢/١٧ - ١١٦) مطولاً. (٧) ((الكفاية)) (ص١٦٢). ((البخاري)) (٢٦٩/٥)، وفي ((المدونة)) (١١/١٣): لا تجوز تزكية النساء في وجه من (٨) الوجوه، لا فيما تجوز فيه شهادتهن، ولا في غير ذلك، ولا يجوز للنساء أن يزكين النساء ولا الرجال. قال مالك: وليس للنساء من التزكية قليل ولا كثير، ولا تقبل تزكيتهن على مال ولا على غير ذلك. اهـ. (٩) في ((المصباح المنير)) مادة (رهق): راهق الغلام مراهقة: قارب الاحتلام، ولم يحتلم بعد . معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٦٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وأيضاً: فلكونه غير مكلّف لا يؤمن منه تفسيق العدل، وتعديل الفاسق، ولا كذلك المرأة والعبد، فافترق الأمر فيهما، قاله الخطيب(١). ٢٦٤ (وصحَّحوا) كما هو مذهب الشَّافعي، وعليه الاعتماد في أصول الفقه، ومشى عليه الخطيب(٢)، مما تثبت به العدالة - أيضاً - (استغناء ذي الشّهرة) ونباهة الذكر بالاستقامة، والصِّدق مع البصيرة والفهم، وهو الاستفاضة (عن تزكية) صريحة (كمالك) هو ابن أنس (نجم السّنن) كما وصفه به إمامنا الشّافعي - رحمهما الله _(٣)، وكشعبة ووكيع وأحمد وابن معين، ومن جرى مجراهم. فهؤلاء وأمثالهم - كما قال الخطيب وقد عقد باباً لذلك في كفايته - لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين(٤). وساق بسنده أن الإمام أحمد سُئل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: مثل إسحاق يُسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمّة المسلمين، وأن ابن معين سُئل عن أبي عبيد؟ فقال: مثلي يسأل عنه؟! هو يسأل عن النّاس(٥) . وعن ابن جابر أنه قال: لا يؤخذ العلمُ إلَّا ممَّن شهد له بالطّلب، وفي رواية عن ابن مسهر (٦) إلَّا عن جليس العالم، فإنَّ ذلك طلبه. قال الخطيب: أراد أنَّ من عُرفتْ مجالستُه للعلماء، أو أخذُه عنهم أغنى ظهورُ ذلك من أمره عن أن يُسأل عن حاله (٧). (١) في ((الكفاية)) (ص١٦٤). (٣) انظر ما تقدم (٣١/١). (٢) المصدر السابق (ص ١٤٧ - ١٤٩). (٤) ((الكفاية)) (ص١٤٧). (٥) المصدر السابق (ص ١٤٧ - ١٤٨). (٦) هو: عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسلم الغساني الدمشقي، عالمها، أبو مسهر، قال أحمد: ما كان أثبته، وقال أبو حاتم: ما كتبنا عن أفصح منه، مات سنة ثمان عشرة ومائتين. (تهذيب التهذيب)) (٩٨/٦ - ١٠١)، والخلاصة (ص١٨٧) وفيها وفاته سنة عشر ومائتين. (٧) ((الكفاية)) (ص١٤٨ - ١٤٩). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وعن القاضي أبي بكر ابن الباقلاني أنه قال: الشَّاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التَّزكية متى لم يكونا مشهوريَنْ بالعدالة والرِّضَى، وكان أمرهما مُشكلاً ملتبساً، ومجوزاً فيه العدالة وغيرها . قال: والدَّليل على ذلك أنَّ العلم بظهور سترهما - أي المستور من أمرهما - واشتهار عدالتهما أقوى في النّفوس من تعديل واحدٍ أو اثنين، يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله، وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته، وبالرّجوع إلى النّفوس يعلم أنّ ظهور ذلك من حاله أقوى في النّفس من تزكية المعدِّلِ لهما، فصحَّ بذلك ما قلناه. قال: ويدلُّ على ذلك - أيضاً - أنَّ نهايةَ حال تزكية العدل أن تبلغ مبلغَ ظهورٍ ستره، وهي لا تبلغ ذلك أبداً، فإذا ظهر ذلك فما الحاجة إلى التّعديل؟. انتهى(١). ومن هنا لما شهد أبو إبراهيم المزني (٢) صاحبُ الشّافعي عند القاضي بكار بن قتيبة(٣) - رحمهم الله - وقيل له: إنّه أبو إبراهيم، ولم يكن يعرفه قبلها، فقال: تقام البينة عندي بذلك فقط (٤). وكذا يثبت الجرح بالاستفاضة أيضاً. وذهب بعضُهم إلى أنَّ ممَّا تثبت به العدالة روايةَ جماعةٍ من الجلَّة(٥) عن الرَّاوي، وهذه طريقة البزار في مسنده(٦)، وجَنح إليها ابن القطّان في الكلام (١) المصدر السابق (ص١٤٨). (٢) هو: الإمام الجليل إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزني، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة أربع وستين ومائتين، ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٩٣/٢)، وطبقات الإسنوي (٣٤/١ - ٣٦). (٣) هو: بكار بن قتيبة بن أسد بن أبي بردعة الثقفي البكراوي، البصري، الفقيه الحنفي، قاضي مصر، المتوفى سنة سبعين ومائتين. ((وفيات الأعيان)) (٢٧٩/١ - ٢٨٢)، و(تاج التراجم)) (ص١٩ - ٢٠). (٤) انظر: ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) (٤٦٠/١). (٥) الجلة كما في ((القاموس)) - بكسر الجيم -: عظماء سادة ذوو أخطار. (٦) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٩١/٤). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٦٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث على حديث قطع السدر (١) من كتابه ((الوهم والإيهام))(٢). ونحوه قولُ الذّهبي في ترجمة مالك بن الخير الزبادي(٣) من ميزانه: وقد نقل عن ابن القطّان أنه ممن لم تثبت عدالته(٤)، يريد أنَّه ما نصَّ أحدٌ على أنَّه ثقة، وفي رواة الصَّحيحين عددٌ كثيرٌ ما علمنا أنَّ أحداً نص على توثيقهم، والجُمهور على أنَّ من كان من المشايخ قد روى عنه جماعةٌ، ولم يأت بما يُنْكَر عليه أنَّ حديثه صحيح(٥) . لكن قد تعقّبه شيخُنا بقوله: ما نسبه للجُمهور لم يصرِّح به أحدٌ من أئمّة النَّقد إلّا ابنَ حِبّان(٦)، نعم هو حقٌّ فيمن كان مشهوراً بطلب الحديث، (١) حديث قطع السدر: أخرجه أبو داود: باب في قطع السدر، كتاب الأدب رقم (٥٢٣٩)، والبيهقي في ((سننه الكبرى)) (١٣٩/٦ - ١٤١) عن عبد الله بن حبشي، ولفظه: ((من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار))، ورواه الطبراني في «الأوسط)) (٢١٩/٣)، عنه - أيضاً - بلفظ: ((من قطع سدرة من سدر الحرم ... الحديث)). وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١١٥/٨): رجاله ثقات، ورمز له السيوطي في ((الجامع الصغير)) (١٠٦/٦) بالصحة، لکن قال المناوي في شرحه: إنه حسن لا صحيح. وقد أشكل هذا الحديث على بعض العلماء، فحمله أبو داود في ((سننه)) على السدرة التي تكون في الفلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم، فيقطعها عبئاً وظلماً، وزعم الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١١٨/٤) أنه منسوخ، واستدل على النسخ بأن عروة بن الزبير قطع السدر مع جلالته وعدالته. والأولى تقييد ما أطلق في رواية أبي داود والبيهقي على سدر الحرم، كما أفادته رواية الطبراني. (٢) ((بيان الوهم والإيهام)) (٥٠٣/٤) فقد حسن حديث سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم - راوي الحديث - لرواية الجماعة عنه. وقال ابن القطان - أيضاً - في الكتاب المذكور (٦٦/١/١): من روى عنه أكثر من واحد ولم يجرح تقبل روايته. (٣) هو: مالك بن الخير الزبادي - بفتح الزاي والباء الموحدة وفي آخره دال مهملة - المصري، محله الصدق، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. ((اللباب في تهذيب الأنساب)) (٤٩١/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٢٦/٣)، و((لسان الميزان)) (٣/٥ -٤). (٤) انظر: بيان الوهم والإيهام (٣١/٤). (٥) ((ميزان الاعتدال)) (٤٢٦/٣). (٦) انظر: شرط ابن حبان فيما تقدم (٩٠/١، ٩١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ والانتساب إليه كما قررته في علوم الحديث(١). وأغرب منه ما حكاه ابن الصَّلاح في ((طبقاته)) عن ابن عبدان(٢) أنَّه حكى في كتابه ((شرائط الأحكام)) عن بعض أصحابنا أنه لم يعتبر في ناقل الخبر ما يُعتبر في الدِّماء والفروج من التزكية، بل إذا كان ظاهره الدِّين والصِّدق قُبل خبره، واستغربه ابن الصَّلاح. (ولابن عبد البر) قولٌ فيه توسّع - أيضاً -، وهو (كلُّ من عُني) بضم أوله ٢٦٥ (بحمله العلم) زاد الناظم (٣) (ولم يوهَّن) بتشديد الهاء المفتوحة أي: لم يضعف (فإنه عدل(٤) بقول المصطفى) وَلّ: ((يَحمل هذا العلم) من كلِّ خلف ٢٦٦ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين - أي: المتجاوزين الحدَّ ـ وانتحال ــ أي: ادّعاء - المُبطلين، وتأويل الجاهلين))(٥) . (لكن) قد (خولفا) ابن عبد البر، لكون الحديث مع كثرة طرقه ضعيفاً، بحيث قال الشّارح: إنّه لا يثبت منها شيء (٦)، بل قال ابن عبد البر نفسه: أسانيده كلُّها مضطربة غير مستقيمة (٧). (١) في لسان الميزان طبعة أبو غدة (٤٣٩/٦) ثم إن قول الشيخ: إن في رواة الصحيح عدداً كبيراً ... إلى آخره مما ينازعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهم معروفون بالثقة إلا من خرَّجا له في الاستشهاد. والله أعلم. (٢) هو: عبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان، أبو الفضل الهمداني، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة . ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢١٠/١ - ٢١١)، و((طبقات الشافعية)) لابن هداية الله (ص ١٤٣). (٣) يعني: على ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٩٥). (٤) التمهيد لابن عبد البر (٢٨/١). (٥) الحديث: رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٢/١ - ١٥٣، ٥١١/٢)، والبزاز كما في ((مجمع الزوائد)) (١٤٠/١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤٤/١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٩/١ - ١٠، ٥٥٦/٤)، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٨ - ٢٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥٩/١)، وابن عساكر في ((تاريخه)) كما في («تھذیبه)) لا بن بدران (٢٣٠/٢). (٦) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٣٩) وقال في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٨/١): كلها ضعيفة. (٧) ((النكت على ابن الصلاح)) للزركشي (٣٣١/٣) نقلاً عن ((جامع بيان العلم)). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٧٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وقال الدَّارقطني: إنَّه لا يصحّ مرفوعاً(١)، يعني: مسنداً، وقال شيخنا: وأورده ابنُ عدي من طرقٍ كثيرة (٢)، كلها ضعيفة(٣)، وحكم عليه غيره بالوضع، وإن قال العلائي في حديث أسامة(٤)، منها: إنّه حَسَن غریب(٥) . وصحّح الحديثَ الإمامُ أحمد (٦)، وكذا نقل العسكري(٧) في ((الأمثال)) عن أبي موسى عيسى بن صبيح(٨) تصحيحه، فأبو موسى هذا ليس بعمدة، وهو من كبار المعتزلة، وأحمد فقد تعقَّب ابن القطان کلا مه(٩) . وحديث أسامة بخصوصه، قال فيه أبو نعيم: إنّه لا يثبت، وقال ابن كثير: في صحّته نظر قوي، والأغلب عدم صحَّته، ولو صح لكان ما ذهب إليه قوياً. انتهى (١٠). (١) المرجع السابق. (٢) ((الكامل)) لابن عدي (١٥٢/١ - ١٥٣). (٣) انظر: ((الإصابة)) لابن حجر (٢٢٦/١). (٤) حديث أسامة: أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٨)، وابن عساكر في ((تاريخه)» (٣٩/٧). (٥) بغية الملتمس للعلائي (ص٣٤) وفيه قوله: هذا حديث حسن غريب صحيح. (٦) تصحيح الإمام أحمد للحديث نقله الخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٩)، والخلال في العلل كما في ((نكت الزركشي)) (٣٣٣/٣)، و((البحر المحيط)) له (٢٨٨/٤). (٧) انظر الجامع للخطيب البغدادي (١٩٤/١) طبعة محمد عجاج الخطيب. والعسكري هو أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد اللغوي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. (سير أعلام النبلاء ٤١٣/١٦). (٨) هو: أبو موسى عيسى بن صبيح الملقب بالمزدار، من كبار المعتزلة، وأهل الديانة منهم، توفي سنة ست وعشرين ومائتين. انظر: ((فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة)) (ص٢٩٣ - ٢٩٥)، و((لسان الميزان)) (٣٩٨/٤). (٩) حيث قال في ((بيان الوهم والإيهام)) (٤٠/٣): قال أحمد: ليس به بأس - يعني: معان بن رفاعة - وخفي عليه من أمره ما علمه غيره. (١٠) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص٩٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وسَأحقٌّق الأمرَ فيه - إن شاء الله تعالى - فإنَّه عندي من غير مرسل إبراهيم العذري (١) عن أسامة بن زيد (٢) وجابر بن سمرة وابن عبَّاس(٣) وابن عُمر (٤) وابن عَمرو(٥)، وابن مسعود(٦)، وعلي (٧)، ومعاذ (٨)، وأبي أمامة(٩)، وأبي هريرة(١٠)، څ. وعلى كلِّ حال من صلاحيته للحجَّة أو ضعفه، فإنَّما يصحّ الاستدلال به أن لو كان خبراً، ولا يصحّ حملُه على الخبر، لوجود من يحمل العلم وهو غير عدلٍ وغير ثقة، وكيف يكون خبراً وابن عبد البَرِّ نفسُه يقول: فهو عدلٌ محمولٌ في أمره على العدالة، حتى يتبيَّن جَرْحُه(١١)، فلم يبق له محمل إلَّا على الأمر، ومعناه أنَّه أَمْرٌ [للثقات](١٢) بحمل العلم، لأنَّ العلم إنَّما يُقبَل عن الثِّقات. ويتأيَّد بأنَّه في بعض طرقه: ((ليحمل))(١٣) بلام الأمر، على أنَّه لا مانع من إرادة الأمر أن يكون بلفظ الخبر، وحينئذٍ سواء رُوي بالرَّفع على الخبريَّة أو بالجزم على إرادة لام الأمر، فمعناهما واحد، بل لا مانع - أيضاً - من كونه (١) هو: إبراهيم بن عبد الرحمن العذري الدمشقي، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال الذهبي: ما علمته واهياً. الثقات لابن حبان (١٠/٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٥/١)، ومرسله في ((الثقات))، و((الكامل)) لابن عدي (١٥٣/١). (٢) تقدم تخريجه قريباً. (٣) حديث جابر وابن عباس: لم أقف على من خرجهما. (٤) حديث ابن عمر: رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٢/١). (٥) رواه العقيلي في مقدمة الضعفاء)) (١/ ١٠) مقروناً مع أبي هريرة. (٦) أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٨). (٧) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٢/١). (٨) حديث معاذ: أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص١١). (٩) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٣/١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٩/١). (١٠) حديث أبي هريرة: أخرجه العقيلي (١/ ١٠) مقروناً مع عبد الله بن عمرو، والخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٨). (١١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢٨/١). (١٢) كذا في (س)، وفي (ح)، (م): الثقات. (١٣) رواها ابن أبي حاتم في تقدمة ((الجرح والتعديل)) (١٧/١/١). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٧٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث خبراً على ظاهره، ويحمل على الغالب، والقصد أنَّه مَظِنَّة لذلك. وقد قال النَّووي في أوَّل ((تهذيبه)) عند ذكر هذا الحديث: وهذا إخبارٌ منه وَِّ بصيانة العلم وحفظه، وعدالةِ ناقليه، وأنَّ الله - تعالى - يُوفِّقُ له في كل عصر خلفاً من العدول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كلِّ عصر، وهكذا وقع - ولله الحمد - وهذا من أعلام النبوة، ولا يضرّ مع هذا كون بعض الفُسَّاق يعرف شيئاً من العلم، فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئاً منه. انتهى(١) . على أنَّه يقال: ما يعرفه الفُسَّاق من العلم ليس بعلم حقيقةً، لعدم عملهم به، كما أشار إليه التفتازاني (٢) في تقرير قول التلخيص: وقد ينزل العالم منزلة الجاهل(٣)، وصرَّح به الشَّافعي في قوله: ولا العلم إلّا مع التُّقى ولا العقل إلا مع الأدب(٤) ومن الغريب في ضبطه ما حكاه الشّارح في ((نكته)) عن ((فوائد رحلة ابن الصَّلاح)) مما عزاه لأبي عمرو محمد بن أحمد التميمي: يحمل - بضمِّ التَّحتانية على البناء للمفعول، ورفع ميم العلم، وبفتح العين واللام، من عدوله، مع إبدال الهاء تاء منونة - ومعناه: أنَّ الخلف هو العدولة، بمعنى أنه عادل، كما يقال: شكور بمعنى شاكر، وتكون الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل صرورة (٥)، فكأنه قال: إنَّ العلم يحمل عن كلِّ خلف كاملٍ في عدالته(٦) . (١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١٧/١/١). (٢) هو: مسعود بن عمر التفتازاني، المعروف بسعد الدين، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة. الدرر الكامنة (١١٩/٥ - ١٢٠)، و((البدر الطالع)) (٣٠٣/٢ - ٣٠٥). (٣) ((التلخيص في علوم البلاغة)) للقزويني (ص٤١). (٤) لم أجد هذا البيت في ((المطول على التلخيص)) للسعد التفتازاني (ص٧١ - ٧٢) ولا في شرحه المختصر (٥٩/١)، ولا في مجموعة شروح التلخيص (١٩٩/١ - ٢٠٢). ولم أجده - أيضاً - في دواوين الشافعي الثلاثة المطبوعة. (٥) يقال: رجل صرورة: لم يحج، أو لم يتزوج، قاله في ((القاموس)) مادة (صور). (٦) ((التقييد والإيضاح)) للعراقي (ص١٣٩)، و((النكت الوفية)) للبقاعي (ل١٥٣/ب). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٣ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ لكن يَتأَيَّد بما حكاه العسكري عن بعضهم أنَّه قال عقب الحديث: فسبيل العلم أن يُحمل عمَّن هذه سبيله ووصفه(١). ونحوه ما يروى مرفوعاً: ((إنّ هذا العلم دينٌّ فانظر عمَّن تأخذ دينك))(٢). ومع هذه الاحتمالات فلا يسوغ الاحتجاج به، وقوي قول ابن الصَّلاح: إنه توسُّع غير مرضي(٣). ووافقه ابن أبي الدم(٤)، وقال: إنَّه قريب الاستمداد من مذهب أبي حنيفة في أنَّ ظاهر المسلمين العدالة، وقبول شهادة كل مسلم مجهول الحال إلى أن يثبت جَرحُه(٥)، قال: وهو غير مرضي عندنا، لخروجه عن الاحتياط (٦). ويقرب منه ما ذهب إليه مالك من قَبول شهادة المتوسِّمِين من أهل القافلة، اعتماداً على ظاهر أحوالهم، المستدلّ بها على العدالة والصِّدق فيما يشهدون به(٧). على أنَّ ابن عبد البر قد سبق بذلك، فروينا في ((شرف أصحاب الحديث)) للخطيب من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة(٨)، قال: رأيت رجلاً (١) انظر الجامع للخطيب (١٩٤/١). (٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٥/١) عن أنس مرفوعاً، وفيه خليد بن دعلج وهو ضعيف، كما في ((تقريب التهذيب)) (ص٩٣)، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير إلى الحاكم عن أنس، والسجزي عن أبي هريرة، وقال الألباني: ضعيف جداً. ((ضعيف الجامع)) (٢٠٢/٢). وروي موقوفاً ومقطوعاً. انظر: مقدمة ((صحيح مسلم)) (٨٤/١)، و ((المحدث الفاصل)) (ص٤١٤ - ٤١٥)، و((الكامل)) لابن عدي (١٥٥/١ - ١٥٧)، و((الكفاية)) (ص١٩٥ - ١٩٧). (٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٩٥). (٤) هو: إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن أبي الدم، الفقيه الشافعي، القاضي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ((سير أعلام النبلاء)) (١٢٥/٢٣ - ١٢٦)، وطبقات السبكي (١١٥/٨). (٥) انظر: ((فواتح الرحموت)) (١٤٦/٢) مع ((المستصفى)). (٦) قال في ((أدب القضاء)) (١١/٢): اعلم أن الشاهد يشترط فيه شروط مذكورة في كتب المذهب من الأهلية والعدالة والانفكاك عن التهمة، وحفظ المروءة، وعدم الفسق وغير ذلك. (٧) ((الكافي)) لابن عبد البر (٩١٣/٢)، و((المغني)) لابن قدامة (٤٢٦/١١). (٨) السدوسي البغدادي، أبو بكر المعمر، الصدوق، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٣٧٣/١ - ٣٧٥)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٣٣٣/٦ - ٣٣٤). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٧٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث قدم آخر إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادَّعى عليه بشيء فأنكر، فقال للمدَّعي: ألك بينة؟ قال: نعم. فلان وفلان. فقال: أمَّا فلان فمن شهودي، وأمَّا فلان فليس من شهودي، قال: فيعرفه القاضي؟ قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أعرفه بكَتْبِ الحديث، قال: فكيف تعرفه في كتبته الحديث؟ قال: ما علمت إلا خيراً، قال: فإن النّبي ◌َ ﴿ قال: ((يَحمل هذا العلم من كلِّ خلف عدوله(١))، ومن عذَّله رسول الله وَّ ل أولى ممن عدلته أنت، قال: فقم فهاته فقد قَبلت شهادته(٢) . ونحوه قول ابن الموَّاق من المتأخِّرين: أهل العلم محمولون على العدالة حتَّى يظهرَ منهم خلافُ ذلك(٣)، وقال ابن الجزري: إنَّ ما ذهب إليه ابن عبد البرِّ هو الصَّواب، وإن ردَّه بعضُهم، وسبقه المِزِّي، فقال: هو في زماننا مرضيٍّ، بل ربَّما يَتعيَّن. ونحوه قول ابن سَيِّد النَّاس: لست أراه إلّا مرضياً، وكذا قال الذَّهبي: إنَّه حقٌّ(٤)، قال: ولا يدخل في ذلك المستور، فإنّه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكلُّ من اشتهر بين الحقَّاظ بأنَّه من أصحاب الحديث، وأنَّه معروف بالعناية بهذا الشَّأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تلييناً، ولا اتَّفق لهم علم بأنَّ أحداً وثَّقه، فهذا الَّذي عناه الحافظ، وأنَّه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فیه جرح. قال: ومن ذلك إخراج البخاري(٥) ومسلم لجماعة ما اطلعنا فيهم على جَرح ولا توثيق، فهؤلاء يُحتَّ بهم، لأنَّ الشَّيخين احتجًا بهم، ولأنَّ الدَّهْمَاء أطبقت على تسمية الكتابين بالصَّحيحين. قلت: بل أفاد التقي ابن دقيق العيد أنَّ إطباق جُمهور الأمة أو كلهم على (١) تقدم تخريجه قريباً (ص١٦٩). (٢) ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٢٩ - ٣٠). (٣) (التقييد والإيضاح)) (ص١٣٩) نقلاً عن بغية النقاد. (٤) قال الذهبي في ((الميزان)) (٢١١/١): ما كل من لا يعرف ليس بحجة، لكن هذا الأصل. (٥) في حاشية (س): مطلب: من روى عنه الشيخان لا يلتفت إلى ما قيل فيه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ كتابيهما يستلزم إطباقهم أو أكثرهم على تعديل الرُّواة المحتجّ بهم فيهما، اجتماعاً وانفراداً. قال: مع أنَّه قد وجد فيهم من تكلّم فيه، ولكن كان الحافظ أبو الحسن ابن المفضل شيخ شيوخنا يقول فيهم: إنَّهم جازوا القنطرة (١)، يعني: أنَّهم لا يلتفت إلى ما قيل فيهم. قال التقي: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلَّا ببيان شاف، وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على ما قدمناه من استلزام الاتفاق(٢)، ووافقه شيخنا(٣)، بل صرَّح بعضُهم باستلزام القول بالقطع بصحّة ما لم ينتقد من أحاديثهما القطع بعدالة رواتهما، يعني: فيما لم ينتقد (٤). ثم قال التقي: نعم. يمكن أن يكون للتَّرجيح مدخلٌ عند تعارض الرِّوايات، فيكون من لم يتكلَّم فيه أصلاً راجحاً على من تكلّم فيه، وإن اشتركا في كونهما من رجال الصَّحيح. انتهى (٥). ويستأنس لما ذهب إليه ابن عبد البرِّ بما جاء بسند جيِّد أنَّ عُمر بن الخَطَّاب كتب إلى أبي موسى ظه: المسلمون عدولٌ بعضُهم على بعض إلَّا مجلوداً في حدٍّ، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظِنِّيناً في ولاءٍ أو نَسَب(٦). قال البلقيني: وهذا يقوِّيه، لكن ذاك مخصوص بحَمَلَة العلم (٧). قلت: وكذا مما يقوِّيه - أيضاً - كلامُ الخطيب الماضي قبل حكاية هذه المسألة(٨) . (١) في ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٦٤٥/٢) في ترجمة عبد الكريم بن مالك الجزري، قلت: فقد قفز القنطرة، واحتج به الشيخان. اهـ. وانظر: ((فتح الباري)) (٤٥٧/١٣)، و((هدي الساري)) (ص٣٨٤)، و((قواعد في علوم الحديث)) (ص٤٦٣). (٢) ((الاقتراح)) (ص٣٢٦ - ٣٢٧). (٣) ((هدي الساري)) (ص٣٨٤). (٤) يعني: الأحرف اليسيرة التي أشار إليها ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٢٥) وتقدم الكلام عنها (٩٤/١، ٩٥). (٦) تقدم تخريجه (٢٤٩/١). (٥) ((الاقتراح)) (ص٣٢٨). (٧) ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٢٠). (٨) (ص١٦٦). وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه. معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الثالث : فيما يعرف به الضّبط. وتأخيره عما قبله مناسب، وإن كان تقديمه أنسب، لتعلُّق ما بعده بما قبله، لا سيّما وهو سابق أوَّل الباب في الوضع. ٢٦٧ (ومن يوافق غالباً) في اللّفظ، ولو أتى بأنقص لا يتغيَّر به المعنى، أو في المعنى (ذا الضَّبط ذ) هو (ضابط) محتجٌّ بحديثه (أو) يوافقه (نادراً) ويكثر من مخالفته، والزّيادة عليه فيما أتى به (ذ) هو (مخطي) بدون همز، عديم الضبط، فلا يحتجّ بحديثه. وإلى ذلك أشار الشَّافعي تَخْذَتُهُ فيمن تقوم به الحجّة، فقال: ويكون إذا شَرَكَ أهلَ الحفظ في الحديث وافق حديثَهم(١)، قال: ومن كَثُر غَلَطُه من المحدِّثين، ولم يكن له أصلُ كتابٍ صحيحٌ لم يقبل حديثُه، كما يكون من أكثر التّخليط في الشّهادة لم تقبل شهادته(٢) . وقال فيما يعتضد به المرسل - كما تقدم(٣) -: ويكون إذا شَرَكَ أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووُجد حديثُه أنقصَ كانت في هذه دلائل على صحّة مخرج حديثه. ويعرف الضَّبط - أيضاً - بالامتحان، كما تقدم في المقلوب مع تحقيق الأمر فيه(٤) . الرابع : في بيان سبب الجرح والتَّعديل. وكان إردافه بالثاني - كما تقدم(٥) - أنسب. (وصحَّحوا) أي: الجمهور من المحدِّثين وغيرهم، كما هو المشهور (قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له) خشية (أن تثقلا) لأنَّها كثيرة، ومتى كُلِّف ٢٦٨ (١) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٤٦٣). (٣) (٢٦٥/١). (٢) المصدر السابق (ص٣٨٢). (٤) (ص١٣٥ - ١٣٧). وفي حاشية (ح): ثم بلغ كذلك. (٥) آنفاً. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ المعدِّل لسرد جميعها احتاج أن يقول: يفعل كذا وكذا عادًّا ما يجب عليه فعله، وليس يفعل كذا وكذا، عادًّا ما يجب [عليه](١) تركه، وفيه طول. (ولم يروا) أي: الجمهور - أيضاً - (قبول جرح أبهما) ذكر سببه من ٢٦٩ المجرح لزوال الخشية المشار إليها، فإن الجرح يحصل بأمرٍ واحدٍ، (وللخلف) بين الناس (في أسبابه) وموجبه(٢). (وربما استفسر الجرح) ببيان سببه من الجارح (ف) يذكر ما (لم يقدح) ٢٧٠ [مع إطلاق الجرح به، لتمَسُّكه بما يعتقد أنَّه يقتضيه، أو لشدَّة تعنته، وليس (٣) كذلك عند غيره] ٠ (كما فسَّرہ شعبة) بن الحجّاج مرة (بالركض) وهو استحثاث الدابة بالرِّجل لتعدو، حيث قيل له: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذون (٤) - بكسر الموحدة وذال معجمة - الجافي الخلقة، الجلد على السَّير في الشعاب، والوعر من الخيل غير العربية، وأكثر ما يُجلَب من الرُّوم(٥). وحينئذٍ (فما) ذا يلزم من ركضه، اللَّهم إلّا أن يكون في موضع أو على وجه لا يليق ولا ضرورة تدعو لذلك(٦)؛ لا سيَّما وقد ورد عن جماعةٍ من فيّ مرفوعاً: ((سرعة المشي تُذهب بهاءَ المؤمن))(٧). الصّحابة (١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح). (٢) في (م) هنا: بحيث يطلق أحدهم الجرح متمسكاً بسبب يعتقد أنه يقتضيه، أو لشدة تعنته، وليس كذلك عند غيره، فالبيان مزيل لهذا المحذور، ومظهر لكونه قادحاً أولى، ويؤيده أنه ربما استفسر ... إلخ. وقد كتب هذا في (س) ثم طمس عليه. (٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٤) ((الكفاية)) (ص ١٨٢). (٥) تعريف البرذون اقتبسه الزبيدي في (تاج العروس)) من هذا الكتاب، وقد سمّاه: ((شرح العراقية)) للسخاوي. (٦) في ((النكت الوفية)) البقاعي (ل١٥٤/أ): تحسيناً للظن به - يعني: شعبة - لما ثبت من جلالته، واتساع معرفته، حتى قال الإمام أحمد: إنه أمة وحده في هذا الشأن، يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال، ولا يحصى من أثنى عليه، فحاله أشهر من أن يذكر. اهـ. (٧) رواه ابن عدي في الكامل (١٧٢٧/٥)، وقال: كان الناس ينكرون هذا الحديث، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٩٠/١٠)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤١٧/١)، من حديث أبي هريرة، وفي إسناده محمد بن عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال الخطيب: لم أسمع = معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٧٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ونحوه ما روي عن شعبة - أيضاً - أنه جاء إلى المنهال بن عَمرو (١) فسمع من داره صوتاً فتركه(٢)، قال ابن أبي حاتم: إنه سمع قراءةً بالتَّطريب(٣)، ونحوه قول أبيه - أبي حاتم - كما قاله الشارح(٤): إنه سمع قراءةَ ألحانٍ فَكَرِهَ السَّماعَ منه(٥) . وقول وهب بن جرير(٦) عن شعبة: أتيت منزلَ المِنْهال فسمعت منه صوت الظُّنبور(٧)، فرجعت ولم أسأله، قال وهب: فقلت له: فَهَلَّا سألته عسى كان لا يَعلم(٨) . قال شيخنا: وهذا اعتراضٌ صحيح، فإنَّ هذا لا يُوجِب قدحاً في = له بذكر إلا فى هذا الحديث، وقال الذهبي: حديث منكر جداً. انظر: ((ميزان الاعتدال)» (٦٣٢/٣). ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٦٧٣/٥)، والخطيب في ((الجامع)) (٣٩٤/١ - ٣٩٥) عن ابن عمر، وفي إسناده عمر بن محمد بن صهبان، قال فيه البخاري: منكر الحديث. انظر: ((التاريخ الكبير)) (١٦٥/٢/١)، و((الضعفاء الصغير)) (ص ٨٠)، وقال فيه ابن معين: لا يساوي فلساً. انظر: ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٢٥٤/٣). ورواه الخطيب - أيضاً - في ((الجامع)) (١٥٢/١) عن أنس بلفظ: ((سرعة المشي تذهب بماء الوجه))، وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو متروك، كما في التقريب (ص١٨). فالحدیث بجميع طرقه ضعيف. (١) هو: المنهال بن عمرو الأسدي، مولاهم، الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وقال الدارقطني: صدوق، من الخامسة. (تهذيب التهذيب)) (٣١٩/١٠ - ٣٢٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٤٨). (٢) ((الكفاية)) (ص١٨٣). ((الجرح والتعديل)) (٣٥٧/١/٤). (٣) (٤) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٠٢/١). (٦) هو: وهب بن جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، أبو العباس البصري، الحافظ، المتوفى سنة ست أو سبع ومائتين. تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص١٥٣). (٥) ((تهذيب التهذيب)) (١٦١/١١ - ١٦٢)، والخلاصة (ص٣٥٩). (٧) الطنبور - بالضم - والطنبار - بالكسر -: معروف، فارسي معرب، دخيل، كذا في شرح القاموس. (٨) ((الكفاية)) (ص١٨٣) لكن قال البرهان البقاعي في ((النكت الوفية)) (ل١٥٤/ب): والورع ما فعل شعبة، لأن الطنبور لا يضرب في بيت أحد إلا يعلمه. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٧٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ المنهال؛ بل ولا يُجْرح الثقة بمثل قول المغيرة في المنهال: إنَّه كان حسنَ الصَّوت، له لحنٌ يقال له: وزن سبعة (١) . ولذا قال ابن القطّان - عقب كلام ابن أبي حاتم - ما نصُّه: هذا ليس بجرحة إلى أن يتجاوز إلى حدٍّ يحرم، ولم يصحّ ذلك عنه. انتهى (٢). وجرحه بهذا تعسُّفٌ ظاهرٌ، وقد وثَّقه ابن معين(٣)، والعجلي (٤)، وغيرهما، كالنَّسائي(٥) وابن حبان (٦)، وقال الدَّارقطني: إنَّه صَدوق(٧)، واحتجّ به البخاريّ في صحيحه(٨) . بل وعلَّق له من رواية شعبةَ نفسِه عنه، فقال في باب ما يُكْرَه من المُثْلَة من الذبائح: تابعه سليمان عن شعبة عن المنهال - يعني: ابن عَمرو - عن سعيد - هو ابن جبير - عن ابن عمر، قال: ((لعن النَّبيُّ وَ لَه من مثَّل بالحيوان))(٩)، ووصله البيهقي(١٠) . وفيه دليلٌ على أنَّ شعبة لم يترك الرِّواية عنه، وذلك إمَّا بما لعلَّه سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده(١١). وقد حكى ابن أبي حاتم عن أبيه: أنَّ السَّماع يُكرَه ممَّن يقرأ بالألحان (١٢)، ونصَّ الإمام مالك [تَخْذُ](١٣) في ((المدونة)) على أنَّ القراءة في (١) ((هدي الساري)) (ص٤٤٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٢٠/١٠). (٢) ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٣٦٣/٣) وفيه بعد قوله: ولم يصح ذلك عنه: ولم يذكر ذلك في ((الحكاية)). (٣) ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٤٠٨/٣). (٥) نقله المزي في: ((تهذيب الكمال)) (٥٧١/٢٨). (٤) ((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٤٤٢). (٦) المرجع السابق ولم أقف عليه في المطبوع من الثقات. (٧) ((سؤالات الحاكم للدار قطني)) (ص٢٧٣). (٨) البخاري مع الفتح (٤٠٨/٦)، (٥٥٦/٨). العجيب في الأمر أن يقول ابن حزم في ((المحلى)) (٢٢/١): ليس بالقوي، والسبب في تضعيفه ما ذكر، ومذهب ابن حزم فيه الجواز !!. (٩) ((صحيح البخاري)) (٩/ ٦٤٣). (١٠) في ((السنن الكبرى)) (٣٣٤/٩). (١١) في حاشية (س): ثم بلغ كذلك نفع الله به. (١٢) تقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص ١٥٣). (١٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). ١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الصَّلاة بالألحان الموضوعة والتَّرجيع ترد به الشّهادة(١). والحقّ في هذه المسألة أنَّه إن خرج بالتَّلحين لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه، أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود، أو مدّ مقصور، أو تمطيط يخفى به اللّفظ، ويلتبس به المعنى، فالقارئ فاسقٌ، والمستمع آثم، وإن لم يخرجه اللّحن عن لفظه وقراءته على ترتيله فلا كراهة؛ لأنّه زاد بألحانه في تحسينه(٢) . وكذا استفسر غير شعبة فذكر ما الجرح به غير متَّفق عليه، فقال شعبة: قلت للحكم بن عتيبة (٣): لِمَ لَمْ تحمل عن زاذان(٤)؟ قال: كان كثيرَ الكلام(٥). ولعلَّه استند إلى ما يروى عنه وَّ﴿ أَنَّه قال: ((من كَثُر كلامُه كَثُرَ سَقَطُه، ومن كَثُرَ سقَطُه كَثُرتْ ذنوبه، ومن كَثُرتْ ذُنوبُه فالنَّار أولى به))(٦). وكذا لما ورد في ذمّ من تكلّم فيما لا يعنيه(٧) . (١) ((المدونة)) (٢٢٣/١)، لكن قال الإمام الشافعي: لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت. انظر: ((مختصر المزني)) (٣١١/٨) مع ((الأم)). (٢) انظر هذه المسألة في: ((المغني)) لابن قدامة (٨٠٩/١ - ٨١١) مع ((الشرح الكبير)). (٣) هو: الحكم بن عتيبة الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه، عابد قانت، إلا أنه ربما دلس، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها. ((الكاشف)) (٢٤٦/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص ٨٠). (٤) هو: زاذان أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر الكندي، مولاهم، الكوفي الضرير، البزاز، وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي والخطيب، مات سنة اثنتين وثمانين. ((تاريخ بغداد)) (٤٨٧/٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٢/٣ - ٣٠٣). (٥) ((الكفاية)) (ص ١٨٣). (٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٤/٣) عن ابن عمر، وقال: هذا حديث غريب، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٣٦/١ - ٢٣٧) من حديث ابن عمر - أيضاً -، وفي إسناده عمر بن راشد اليمامي وهو ضعيف، كما في التقريب (ص٢٥٣). ورواه الطبراني في «الأوسط)) - (٢٧٨/٧ ح ٦٥٣٧) وكما في («مجمع الزوائد» (٣٠٢/١٠) عن أبي هريرة، قال الهيثمي: وفيه جماعة لم أعرفهم. وقال الذهبي في ((الميزان)) (١/ ٢٠ - ٢١): خبر ساقط. (٧) فقد روى الترمذي في باب ما جاء فيمن تكلم فيما لا يعنيه من أبواب الزهد رقم (٢٣١٧) عن أنس قال: توفي رجل من الصحابة، فقال - يعني رجل -: أبشر بالجنة، فقال رسول الله وير: ((أو لا تدري فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه))=