النص المفهرس
صفحات 81-100
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٨١ المدرج المدرج لما انتهى مما هو قسيم المُعَلّ من حيثية التَّرجيح والتَّساوي - كما قدمت(١) - وكان مما يعلّ به إدخال متن ونحوه في متن ناسب الإرداف بذلك. (المدرج) - ويقع في السَّند والمتن، ولكلٍّ منهما أقسام، اقتصر ابن الصّلاح في المتن على أحدها(٢) - هو القول (الملحق آخر الخبر) المرفوع (من قول راو ما) من رواته، إمّا الصّحابي أو التابعي أو من بعده، (بلا فصل ظهر) بين هذا الملحق بعزوه لقائله وبين كلام النبوة، بحيث يتوهم أنّ الجميع مرفوع. ٢١٣ ثم قد يكون تفسيراً لغريب في الخبر، وهو الأكثر، كحديث: ((النهي عن نكاح الشّغار))(٣)، و((النهي عن المحاقلة والمزابنة))(٤) ونظائرها، أو استنباطاً مما فهمه منه أحد رواته، كثاني حديثي ابن مسعود الآتيين في الطّريق لمعرفة الإدراج(٥)، أو كلاماً مستقلاً. ورُبَّما يكون حديثاً آخر كـ: ((أسبغوا الوضوء))(٦). والأمر في أولها سهل، إذ الرّاوي أعرفُ بمعنى ما روى. (١) (ص٧٠). (٢) ((علوم الحديث)) (ص٨٨). (٣) رواه البخاري: باب الشغار، كتاب النكاح (١٦٢/٩)، ومسلم: باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه، كتاب النكاح (٩/ ٢٠٠)، وأبو داود: باب في الشغار، كتاب النكاح رقم (٢٠٧٤)، والترمذي: باب ما جاء في النهي عن نكاح الشغار من أبواب النكاح رقم (١١٢٤)، والنسائي: باب تفسير الشغار، كتاب النكاح (١١٢/٦)، وابن ماجه: باب النهي عن الشغار، كتاب النكاح رقم (١٨٨٣)، وأحمد في ((المسند)) (٧/٢، ١٩). (٤) رواه البخاري: باب بيع المزابنة، كتاب البيوع (٣٨٤/٤)، ومسلم: باب تحريم بيع الرطب بالتمر، كتاب البيوع (١٧٨/١٠ - ١٩٠)، والنسائي: باب بيع الثمر بالتمر، كتاب البيوع (٢٦٦/٧ - ٢٦٧)، وابن ماجه: باب المزابنة والمحاقلة، كتاب التجارات رقم (٢٢٦٥). (٥) (ص٨٨). (٦) يأتي تخريجه قريباً (ص٨٤). ٨٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المدرج وقد يكون في المرفوع - كما تقدم - أو في الموقوف على الصَّحابي بإلحاق التَّابعي فمن بعده، أو في المقطوع بإلحاق تابعي التَّابعي فَمَنْ بعده، ولكن الأهمّ من ذلك ما اقتصر عليه ابن الصلاح(١). ٢١٤ وله أمثلة (نحو) قول ابن مسعود في آخر حديث القاسم بن مخيمرة(٢) عن علقمة بن قيس عنه في تعليم النبي ◌ّ له التشهد في الصّلاة: (((إذا قلت) هذا (التشهد) فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد))(٣). فقد (وصل ذاك) بالمرفوع (زهير) هو ابن معاوية أبو خيثمة، كما قاله جمهور أصحابه عنه في روايته له عن الحسن بن الحر(٤) عن القاسم بسنده (٥) المذكور (٥) . (وابن ثوبان) هو: عبد الرحمن بن ثابت(٦)، أحد من رواه عن ابن الحر (فصل) الموقوف عن المرفوع بقوله: قال ابن مسعود(٧). بل رواه شبابة بن سوار(٨) - وهو ثقة - عن زهير نفسه - أيضاً - (١) في ((علوم الحديث)) (ص٨٦) وهو المرفوع. (٢) هو: القاسم بن مخيمرة - بالمعجمة مصغراً - أبو عروة الهمداني، الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل، مات سنة مائة. (تقريب التهذيب)) (ص ٢٨٠)، والخلاصة (ص٢٦٧). (٣) رواه أبو داود: باب التشهد، كتاب الصلاة رقم (٩٧٠)، والدارمي (٢٥١/١)، والدارقطني (٣٥٣/١). (٤) هو: الحسن بن الحر بن الحكم النخعي، ويقال: الجعفي، أبو محمد ويقال: أبو الحكم الكوفي، نزيل دمشق، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة. طبقات ابن سعد (٣٥٣/٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٦١/٢ - ٢٦٢). (٥) انظر: ((سنن أبي داود))، و(سنن الدارقطني)) في الموضع المشار إليه. (٦) هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي، أبو عبد الله الدمشقي الزاهد، قال أحمد: لم يكن بالقوي، وليّنه العجلي وأبو زرعة، مات سنة خمس وستين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٢١٩/٢/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٥٠/٦ - ١٥٢). (٧) ((سنن الدارقطني)) (٣٥٣/١). (٨) هو: شبابة بن سوار، أبو عمرو الفزاري، مولاهم، المدائني، ثقة حافظ، رمي بالإرجاء، مات سنة ست ومائتين. (الكاشف)) (٣/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٤٣). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٨٣ المدرج كذلك(١)، ويتأيد باقتصار حسين الجعفي(٢) وابن عجلان، ومُحمَّد بن أبان(٣) في روايتهم عن ابن الحُر. بل وكل من روى التَّشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على المرفوع فقط(٤)، ولذلك صرَّح غير واحدٍ من الأئمَّة بعدم رفعه، بل اتَّفقوا كما قال النووي في الخلاصة على أنه مدرج (٥) . ثم إنه لو صحّ رفعه لكان ظاهره معارضاً لقوله صل﴾: ((تحليلها التَّسليم)) (٦). مع أن الخطابي جمع بينهما على تقدير التَنَزّل في عدم الإدراج بأن قوله: فقد قضيت صلاتك، أي: معظمها(٧) . (قلت: ومنه) أي: [ومن المدرج](٨) مما هو من أقسام المتن - أيضاً - ٢١٥ (مدرج قبل) أي: قبل الآخر، بأن يكون في أوله أو أثنائه (قُلِب) بالنسبة لما الإدراج في آخره. ولكلٍّ منهما أمثلة (كـ) حديث (أسبغوا) بفتح الهمزة، أي: أكملوا، (١) انظر: ((سنن الدارقطني)) (٣٥٣/١)، و((التحقيق)) لابن الجوزي (٣٥٥/١). (٢) هو: الحسين بن علي بن الوليد الجعفي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي المقرئ، ثقة عابد، مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين. (تهذيب التهذيب)) (٣٥٧/٢ - ٣٥٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص٧٤). (٣) هو: محمد بن أبان بن صالح بن عمير الجعفي الكوفي، أبو عمر، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، مات سنة خمس وسبعين ومائة. (تعجيل المنفعة)) لابن حجر (ص٢٣٦). (٤) ((التحقيق)) لابن الجوزي (ص ٣٥٥). (٥) ((الخلاصة)) للنووي (٤٤٩/١)، و((الدراية في تخريج أحاديث الهداية)) لابن حجر (١٥٧/١). (٦) الحديث: أخرجه أبو داود: باب فرض الوضوء، كتاب الطهارة رقم (٦١)، والترمذي: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور من أبواب الطهارة رقم (٣)، وابن ماجه: باب مفتاح الصلاة الطهور، كتاب الطهارة رقم (٢٧٥)، وأحمد في ((المسند)) (١٢٣/١، ١٢٩)، والبيهقي في ((السنن)) (١٧٣/٢، ٣٧٩). وأوله: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ... )) الحديث. صحح النووي في ((المجموع)) (٢٨٩/٣)، وابن حجر في ((فتح الباري)) (٣٢٢/٢) إسناده. (٧) ((معالم السنن)) للخطابي (١/ ٤٥٠) مع مختصر المنذري، وتهذيب ابن القيم. (٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). المدرج ٨٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (الوضوء، ويل للعقب) أي: مؤخّر القدم، وفي لفظ - وهو الأكثر -: ((للأعقاب من النار))(١) . فإن شبابة بن سوار وأبا قطن عمرو بن الهيثم (٢) روياه عن شعبة عن محمَّد بن زياد عن أبي هريرة برفع الجملتين(٣)، مع كون الأولى من كلام أبي هريرة، كما فصله جمهور الرواة عن شعبة، واتفق الشيخان على تخريجه كذلك(٤) من حديث بعضهم(٥) . واقتصر بعضهم على المرفوع فقط، فهو مثالٌ لما الإدراج في أوله، وهو نادر جداً، حتى قال شيخنا (٦): إنه لم يجد غيره، إلا ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي(٧). ثمّ إنَّ قولَ أبي هريرة: ((أسبغوا))، قد ثبت في الصَّحيح مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(٨). (١) رواه بالإدراج الإمام أحمد في ((المسند)) (٢٠١/٢)، والطيالسي في ((مسنده)) (ص٣٠٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٩/١)، والخطيب في ((تاريخه)) (٤/٦). (٢) هو: عمرو بن الهيثم بن قطن القطعي، أبو قطن البصري، ثقة، من صغار التاسعة، مات على رأس المائتين. ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٨٤/٤)، والتقريب (ص٢٦٣). (٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٢٨) نقلاً عن الخطيب. (٤) يعني بفصل الموقوف عن المرفوع، بلفظ: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ◌َّ يقول: ((ويل للعراقيب من النار)). فقوله: أسبغوا الوضوء من قول أبي هريرة موقوفاً عليه . (٥) رواه البخاري: باب غسل الأعقاب، كتاب الوضوء (٢٦٧/١) من حديث آدم بن أبي إياس عن شعبة، ومسلم: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، كتاب الطهارة (١٣١/٣) من حديث وكيع عن شعبة. (٦) في ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٢٤/٢). (٧) قريباً (ص ٨٥). (٨) رواه مسلم: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، كتاب الطهارة (١٢٨/٣)، وأبو داود: باب في إسباغ الوضوء، كتاب الطهارة رقم (٩٧)، والنسائي: باب إيجاب غسل الرجلين، كتاب الطهارة (٧٧/١ - ٧٨)، وابن ماجه: باب غسل العراقيب، كتاب الطهارة رقم (٤٥٠). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٨٥ المدرج وكحديث عائشة في بدء الوحي، حيث أدرج فيه الزّهري: والتَّحنُّث التعبد(١). وحديث فضالة بن عبيد رفعه: ((أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة))، حيث أدرج فيه ابن وهب: والزعيم الحميل(٢) . وحديث هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن بسرة ابنة صفوان مرفوعاً : ((من مَسَّ ذكره أو أُنثبيه أو رفعه فليتوضأ))(٣)، فإنّ عبد الحميد بن جعفر(٤) رواه عن هشام، وكذا أبو كامل الجحدري(٥) عن يزيد بن زريع(٦) عن أيوب (١) رواه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب بدون ترجمة (٢٢/١)، ومسلم: باب بدء الوحي إلى رسول الله وَلقول، كتاب الإيمان (١٩٧/٢ - ٢٠٤)، وفي البخاري (٧١٥/٨) ما يدل على الإدراج، ففيه: قال: والتحنث التعبد؛ إذ لو كان من بقية كلام عائشة لجاء فيه قالت. انظر: ((فتح الباري)) (٧١٧/٨). (٢) رواه النسائي: باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، كتاب الجهاد (٢١/٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) (ص٣٨٢ - موارد)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٦٠) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي. (٣) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١٤٨/١). ورواه بدون إدراج الإمام أحمد في ((المسند)) (٤٠٦/٦)، وأبو داود: باب الوضوء من مس الذكر، كتاب الطهارة رقم (١٨١)، والترمذي: باب ما جاء في الوضوء من مس الذكر من أبواب الطهارة رقم (٨٢)، وقال نقلاً عن الإمام البخاري: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة، والنسائي: باب الوضوء من مس الذكر، كتاب الطهارة (١٠٠/١ - ١٠١)، وابن ماجه: باب الوضوء من مس الذكر، كتاب الطهارة وسننها رقم (٤٧٩)، والدارقطني (١٤٦/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٣٧/١)، وصححه الإمام أحمد كما في ((مسائله)) لأبي داود (ص٣٠٩)، وابن حبان كما في ((موارد الظمآن)) (ص٧٨)، والدارقطني في ((سننه)) بعد روايته، وقال ابن الجوزي بعد أن ساقه بسنده في التحقيق (ص١١٧): هذا الإسناد لا مطعن فيه. (٤) هو: عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص١٩٦)، والخلاصة (ص١٨٧). وروايته في ((سنن الدارقطني)) (١٤٨/١). (٥) هو: فضيل بن حسين بن طلحة البصري، أبو كامل الجحدري، وثقه ابن المديني وابن حبان، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٠/٨ - ٢٩١)، والخلاصة (ص ٢٦٣ - ٢٦٤). (٦) هو: يزيد بن زريع البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة . ٨٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المدرج السَّختياني عن هشام كذلك، مع كون الأنثيين والرفغ إنما هو من قول عروة، كما فصله حماد بن زيد وغيره عن هشام، وهو الّذي رواه جمهور أصحاب يزيد بن زريع عنه، ثم جُمهور أصحاب السَّخْتياني عنه، واقتصر عشرون من حفّاظ أصحاب هشام على المرفوع فقط، وممن صرّح بأنّ ذلك قول عروة الدَّار قطني (١) والخطيب(٢). فهي أمثلة لما الإدراج في وسطه، لكن قد روى آخرها الطَّبراني في الكبير من حديث محمَّد بن دينار الطاحي (٣) عن هشام فقدم المدرج، ولفظه: ((من مسّ رفغه أو أُنثييه أو ذكره))(٤)، وحينئذ فهو مع تكلّف مثال للذي قبله - أيضاً -، كما أشير إليه قريباً (٥). ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى (٦) عن هشام بن حسَّان عن هشام بلفظ: ((إذا مسَّ ذكره أو أنثييه)) فقط، أخرجه ابن شاهين في الأبواب(٧). ورواه يزيد بن هارون عن هشام بن حسَّان بلفظ: ((إذا مسَّ أحدكم ذكره)) أو قال: فرجه، أو قال: أنثييه (٨)، فتردُّدُه - كما قال شيخنا - يدلُّ على أنَّه ما ضبطه (٩) . ((تهذيب الكمال)) (١٢٤/٣٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص ٣٨٢). = (١) ((سنن الدارقطني)) (١٤٨/١). (٢) ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) (٣٤٦/١). (٣) هو: محمد بن دينار الأزدي ثم الطاحي، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، صدوق سيء الحفظ، رمي بالقدر، تغير قبل موته، من الثامنة. ((الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط)) لسبط ابن العجمي (ص٣٨٣)، و((تقريب التهذيب» (ص٢٩٧). (٤) ((المعجم الكبير)) للطبراني (٢٠٢/٢٤). (٥) (ص٨٤). (٦) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد، وقيل: ابن شراحيل القرشي البصري السامي، أبو محمد، ثقة، لكنه قدري، مات سنة تسع وثمانين ومائة. ((الكاشف)) (١٤٦/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٩٦/٦) وفيه وفاته سنة ثمان وتسعين. (٧) ورواه - أيضاً - الدار قطني في ((العلل)) (٥/ ل٢٠١/أ). (٨) أخرجه ابن شاهين في ((الأفراد))، كما في ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٨٣١/٢ - ٨٣٢). (٩) ((النكت)) لابن حجر (٨٣١/٢ - ٨٣٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٨٧ المدرج واعلم أنّ الطّريق لمعرفة الإدراج إمّا باستحالة إضافته إلى النّبي وَّ كقول أبي هريرة في حديث: ((للعبد المملوك أجران)) ما نصّه: ((والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبِرُّ أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك))(١). وقول ابن مسعود - كما جزم به سليمان بن حرب - في حديث: ((الطَّيرَةُ شرك))(٢) ما نصّه: وما منَّا إلَّا(٣). أو بتصريح صحابيه بأنَّه لم يسمعه من النَّبِي وَلَ﴿ كحديث ابن مسعود: سمعت رسول الله وَل18 يقول: ((من جعل الله نداً دخل النار، قال: وأخرى أقولها ولم أسمعها منه: من مات لا يجعل لله نداً [أدخل](٤) الجنة)) (٥). (١) رواه البخاري في ((صحيحه)): باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، كتاب العتق (١٧٥/٥) بالإدراج كما هنا. ورواه مسلم: باب صحبة المماليك، كتاب الإيمان (١٣٥/١١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٢٩٨/١) بنسبة الحلف إلى أبي هريرة، بلفظ: والذي نفس أبي هريرة بیدہ . ووجه استحالته: أن الرسول وَ* لم تكن له حينئذ أم يبر بها، وإن وجهه الكرماني في (شرح البخاري)) (٩٦/١١) بأن المراد تعليم أمته، أو على تقدير فرض الحياة، أو المراد بها: الأم من الرضاعة، وهي حليمة السعدية. اهـ. (٢) رواه أبو داود: باب في الطيرة، كتاب الطب رقم (٣٩١٠)، والترمذي: باب ما جاء في الطيرة من أبواب السير رقم (١٦١٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في ((المستدرك)) (١٨/١) وقال: حديث صحيح سنده ثقات رواته. (٣) قال الترمذي: وسمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا ((وما منا إلا)): هذا عندي من قول ابن مسعود ظُه. وانظر: ((شرح السنة)) (١٧٨/١٢). ووجه استحالته: استحالة أن يضاف إلى النبي ( 18 شيء من الشرك. انظر: ((النكت)) لابن حجر (٨٢٧/٢). (٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أدخله. (٥) رواه البخاري: باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، كتاب الأيمان والنذور (١١ /٥٦٦ - ٥٦٧)، ورواه - أيضاً - في باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه (لا إله إلا الله) كتاب الجنائز (١١٠/٣)، ومسلم: باب الدليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات مشركاً دخل النار، كتاب الإيمان (٩٢/٢) بنحوه، وانظر: ((التوحيد)) لابن خزيمة (ص٢٣٢ - ٢٣٣). المدرج ٨٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث أو بتصريح بعض الرواة بالفصل بإضافته لقائله، ويَتقوَّى الفَصْلُ باقتصار بعض الرواة على الأصل، كحديث التَّشهُّد(١)، وثالثها: أكثرها. وما أَحْسَن صنيعَ مسلم حيث أخرج حديث عبد الأعلى عن داود(٢) عن الشَّعبي عن علقمة عن ابن مسعود في مجيء داعي الجنِّ إلى النبيِ وَّهُ وَذَهَابه معهم، وقراءتِه عليهم القرآن، قال ابن مسعود: فانطلق بنا فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزّاد فقال: ((لكم كلُّ عَظْم ... )) إلى آخره)(٣). ثم رواه من جهة إسماعيل بن إبراهيم (٤) عن داود وقال بسنده إلى قوله: وآثار نيرانهم، قال الشَّعبي: وسألوه الزاد ... إلى آخره(٥)، فَبَيَّنَ أنَّه من قول الشّعبي منفصلاً من حديث عبد الله. ثم رواه من حديث عبد الله بن إدريس(٦) عن داود به، بدون ذكر وسألوه إلى آخره، لا متصلاً ولا منفصلاً(٧)، ولكن الحكم للإدراج بها مختلف، فبالأول قطعاً، وبباقيها بحسب غلبة الظن للناقد. بل أشار ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) إلى ضعفه حيث كان أول الخبر، (١) المخرج سابقاً (ص٨٢). (٢) هو: داود بن أبي هند، واسمه دينار بن عذافر القشيري، مولاهم، أبو بكر، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. ((تهذيب التهذيب)) (٢٠٤/٣ - ٢٠٥)، والخلاصة (ص٩٥). (٣) ((صحيح مسلم)): باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن، كتاب الصلاة (١٦٨/٤ - ١٧٠). (٤) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . انظر: ((تهذيب الكمال)) (٢٣/٣ - ٣٣). (٥) ((صحيح مسلم)): الباب المذكور آنفاً (٤/ ١٧٠). (٦) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أبو محمد، أحد الأعلام، قال أحمد: كان نسيج وحده، مات سنة اثنتين وتسعين ومائة. ((الكاشف)) (٧١/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٦٧). (٧) ((صحيح مسلم)): الباب السابق (٤/ ١٧٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٨٩ المدرج كقوله: قال رسول الله وَله: ((أسبغوا الوضوء))(١)، أو: ((من مسَّ أُنثييه))(٢)، لا سيّما إن جاء ما بعده بواو العطف، وكذا حيث كان في أثناء اللّفظ المتَّفَق على رفعه(٣). وكذا قال في ((الإمام)) (٤) له: إنما يكون الإدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللَّفظ السابق. انتهى. وكأنَّ الحاملَ لهم على عدم تخصيص ذلك بآخر الخبر، تجويزُ كونٍ التّقديم والتّأخير من الرّاوي، لظنه الرفعَ في الجميع، واعتماده الرواية بالمعنى، فبقي المدرج حينئذ في أول الخبر وأثنائه، بخلافه قبل ذلك. وإلى نحوه أشار النَّاظم في شرح التّرمذي، وقال: وإن الرّاوي رأى أشياء متعاطفةً فقدَّم وأَخَّرَ لجواز ذلك عنده. وصار الموقوف لذلك أول الخبر، أو وسطه، ولا شك أنّ الفاصل معه زيادة علم فهو أولى. وبالجملة فقد قال شيخنا: إنه لا مانع من الحكم على ما في الأول أو الآخر أو الوسط بالإدراج إذا قام الدَّليل المؤثر غلبة الّنِّ(٥). وقد قال أحمد: كان وكيع يقول في الحديث: يعني كذا وكذا، وربَّما طرح (يعني))، وذكر التَّفسير في الحديث، وكذا كان الزّهريّ يفسِّر الأحاديث كثيراً، وربما أسقط أداة التفسير(٦)، فكان بعض أقرانه دائماً يقول له: افصل كلامك من كلام النبي وَيَ(٧)، إلى غير ذلك من الحكايات. ومن مدرج المتن: أن يشترك جماعة عن شيخ في رواية، ويكون (١) سبق تخريجه (ص٨٣، ٨٤). (٢) سبق تخريجه (ص٨٥). (٣) ((الاقتراح)) (ص٢٢٤ - ٢٢٥). (٤) الإمام (٣٢٩/٢) في حاشية (س): الإمام أصل الإلمام، وكلاهما متن في الأحكام، والأول لم يكمل؛ بل عدم غالبه، وله على الثاني شرح لم يكمل أيضاً، نعم شرحه الشهاب العرياني. (٥) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٢٨/٢ - ٨٢٩). (٦) كما سبق (ص٨٥) في تفسير التحنث. (٧) الذي يقول له ذلك هو موسى بن عقبة كما في ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) للخطيب البغدادي (١/ ٣٣٠). ونحوه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن. انظر: ((تسهيل المدرج إلى المدرج)) (ص٧٧). ٩٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لأحدهم زيادة يختصُّ بها، فيرويه عنهم راوٍ بالزّيادة من غير تمييزٍ، كرواية الأوزاعي عن الزّهري عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، وسعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث(١)، ثلاثتهم عن أبي هريرة حديث: ((لا يزني الزّاني))، وفيه: ((ولا ينتهب نُهْبة))(٢). فجملة النّهبة إنّما رواها الزُّهريّ عن أبي بكر خاصَّةً، بل رواها الزُّهريّ - أيضاً - عن عبد الملك بن أبي بكر (٣) عن أبيه أبي بكر المذكور أن أبا هريرة كان يلحقها في الخبر(٤)، أي: من قوله. * (ومنه) أي: المدرج، وهو الأول من ثلاثة أقسام ذكرها ابن الصلاح(٥) في [السند](٦) (جمع ما) [أي الحديث الذي](٧) (أتى كل طرف منه) عن راويه (بإسناد) غير إسناد الطرف الآخر (بواحد سلف) من السَّندين. ٢١٦ (كـ) حديث (وائل) هو ابن حجر (في صفة الصلاة) النَّبوية الَّذي رواه زائدة(٨) ٢١٧ (١) ابن هشام بن المغيرة المخزومي، المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابد، مات سنة أربع وتسعين. (تقريب التهذيب)) (ص٣٩٦)، والخلاصة (ص٣٨٢). (٢) رواه البخاري: باب النهبى بغير إذن صاحبه، كتاب المظالم (١١٩/٥) وفيه: وعن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر مثله إلا النهبة، ومسلم: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، كتاب الإيمان (٤١/٢ - ٤٥)، وفيه: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله وَليه بمثل حديث أبي بكر هذا إلا النهبة. (٣) هو: عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، وثقه النسائي وابن حبان والعجلي، مات في أول خلافة هشام. ((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٣٠٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٨٧/٦). (٤) ((صحيح مسلم)): الباب المذكور (٤٢/٢). (٥) في ((علوم الحديث)) (ص٨٧). (٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): المسند. (٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٨) هو: زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، وثقه أبو حاتم والنسائي والعجلي، مات سنة ثلاث وستين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٦١٣/٢/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٦/٣ - ٣٠٧). المدرج فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٩١ المدرج وابن عيينة وشريك جميعاً عن عاصم بن كُليب(١) عن أبيه(٢) [عنه](٣) (قد أدرج) من بعض رواته في آخره بهذا السَّند (ثم جئتهم) بعد ذلك بزمانٍ فيه برد شديد، فرأيت النَّاسَ عليهم جُلُّ الثّياب، تحرك أيديهم تحت الثياب (٤). (وما اتَّحد) شيخ عاصم في الجملتين، بل الذي عنده بهذا السَّند صفة صلاة النبي ◌َّله﴿ خاصَّةً، وأما الجملة الثّانية: فإنّما رواها عن عبد الجبّار بن وائل(٥) عن بعض أهله عن وائل(٦)، فبينهما واسطتان بخلاف الأوَّل، كذلك فَصَلَهما زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد(٧)، ورجَّح روايتهما موسى بن هارون البغدادي الفقيه الحافظ، عُرِف بالحَمَّال، وقضى على الأوّل - وهو جمعهما بسندٍ واحدٍ - بالوهم، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه الصَّواب(٨). (١) هو: عاصم بن كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، وقال أحمد: لا بأس بحديثه، مات سنة سبع وثلاثين ومائة. ((تهذيب التهذيب)) (٥٥/٥ - ٥٦)، والخلاصة (ص١٥٥). (٢) هو: كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي، وثقه أبو زرعة وابن سعد، وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق من الثانية. ((تهذيب التهذيب)) (٤٤٥/٨ - ٤٤٦)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٨٦). (٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٤) أخرجه أبو داود: باب رفع اليدين في الصلاة، كتاب الصلاة رقم (٧٢٧)، والنسائي: باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول، كتاب الصلاة (٢٣٦/٢). وأخرجه بفصل ذكر رفع الأيدي النسائي: باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، كتاب الصلاة (١٢٦/٢)، وابن ماجه: باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، كتاب إقامة الصلاة رقم (٨٦٧). (٥) هو: عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي الكوفي، قال ابن معين: ثقة لم يسمع من أبيه، وقال غيره: سمع، توفي سنة اثنتي عشرة ومائة. ((الكاشف)) (١٤٨/٢)، والخلاصة (ص١٨٧). وانظر: ((تحفة الأحوذي)) (٦٠١/١). (٦) ((سنن أبي داود)) في الباب المذكور رقم (٧٢٥). (٧) هو: شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، أبو بدر الكوفي، صدوق ورع، له أوهام، من التاسعة، مات سنة أربع ومائتين. ((تقريب التهذيب)) (ص١٤٣ - ١٤٤)، والخلاصة (ص١٣٨ - ١٣٩). (٨) ((علوم الحديث)) (ص ٨٧). ٩٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ونحو هذا القِسْم - وأفرده شيخُنا (١) عنه - أن يكون المتن عند راويه عن شيخ له إلَّا بعضَه، فإنّما هو عنده بواسطة بينه وبين ذاك الشَّيخ، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل. كحديث إسماعيل بن جعفر عن حُميد عن أنس في قصّة العُرنيين(٢)، وأنَّ النَّبِي وَِّ قال لهم: ((لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها))(٣). فإنّ لفظة: وأبوالها إنما سمعها حُميد من قتادة عن أنس، كما بيَّنه محمّد بن أبي عدي(٤) ومروان بن معاوية(٥)، ويزيد بن هارون، وآخرون(٦)، إذ رووه عن حُميد عن أنس بلفظ: ((فشربتم من ألبانها))، فعندهم: قال حُميد: قال قتادة عن أنس: ((وأبوالها))، فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراجٌ يتضمَّن تدليساً(٧) . ٢١٨ * (ومنه) وهو ثاني الثّلاثة (أن يدرج) من الرَّاوي (بعض) حديث (مسند في) حديث (غيره) وهما عند راوٍ واحدٍ - أيضاً -، لكن (مع اختلاف السَّند) جميعه فيهما . ٢١٩ (نحو) حديث (ولا تنافسوا) حيث أدخل (في متن لا تباغضوا) المرفوع الثَّابت عن مالكٍ عن الزّهريِّ عن أنس، بلفظ: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا (١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٣٤/٢). (٢) قصة العرنيين: أخرجها البخاري في ((صحيحه)): باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضهما، كتاب الوضوء (٣٣٥/١)، ومسلم: باب حكم المحاربين والمرتدين، كتاب القسامة (١٥٣/١١ - ١٥٧)، وأبو داود: باب ما جاء في المحاربة، كتاب الحدود رقم (٤٣٦٤ - ٤٣٦٨)، والنسائي: باب تأويل قول الله فيك: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ اُلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، كتاب المحاربة (٩٣/٧ - ٩٨). (٣) رواية إسماعيل: أخرجها النسائي في ((سننه)) في الباب المذكور (٩٦/٧). (٤) روايته في ((المسند)) (١٠٧/٣، ٣٠٥)، و((سنن النسائي)) (٩٦/٧ - ٩٧). (٥) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري، أبو عبد الله الكوفي، الحافظ، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. (تهذيب التهذيب)) (٩٦/١٠ - ٩٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٣٣). (٦) منهم: خالد بن الحارث الهجيمي، وروايته في ((سنن النسائي)) (٩٦/٧)، وعبد الله بن بكر، وروايته في ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (١/ ١٠٧). (٧) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٣٥/٢). المدرج فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٩٣ المـدرج تدابروا))(١)، فقط (ف) لفظ: ((ولا تنافسوا))(٢) (مدرج) فيه (قد نقلا) من راويه (من متن لا تَجَسَّسوا) - بالجيم أو الحاء - المرفوع الثابت عن مالك - أيضاً -، لكن عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((إياكم والظّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديث، ولا تَجسَّسُوا، ولا تَحسَّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا))(٣). (أدرجه) أي: ولا تنافسوا في السَّند الأول من الثَّاني (ابن أبي مريم) هو: الحافظ أبو محمد سعيد بن محمّد بن الحكم الجمحي المصري شيخ البخاري(٤) (إذ أخرجه) أي: رواه عن مالك، وصَيَّرهما بإسنادٍ واحدٍ. وهو وهم منه، كما جزم به الخطيب(٥)، وصرح هو وابن عبد البر(٦) معاً بأنَّه خالف بذلك جميع الرُّواة عن مالك في الموطأ(٧) وغيره، وكذا قال حمزة الكناني(٨): لا أعلم أحداً قالها عن مالك في حديث أنس غيره(٩). قلت: وكذا أدرجها عبد الرَّحمن بن إسحاق(١٠) عن الزُّهريِّ، وخالف (١) رواه البخاري: باب الهجرة وقول النبي وقال: ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث))، كتاب الأدب (٤٩٢/١٠)، ومسلم: باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، كتاب البر والصلة والآداب (١١٥/١٦). (٢) ذكر الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤٨٣/١٠): أن هذه الزيادة وقعت في رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام. اهـ. ولم أجدها في ((مصنف عبد الرزاق))، بل الذي فيه (١١/ ١٦٧) عن معمر عن الزهري عن أنس بدونها . (٣) رواه البخاري: باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، كتاب النكاح (١٩٨/٩)، و(٤٨١/١٠ - ٤٨٢)، ومسلم: باب تحريم الظن والتجسس والتنافس، كتاب البر والصلة (١١٨/١٦ - ١٢٠)، وأحمد في ((المسند)) (٥١٧/٥). (٤) المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. مترجم في: ((الكاشف)) (٣٥٨/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٢٠) وفيهما: سعيد بن الحكم بن محمد، وهو الصواب. وانظر: (تهذيب التهذيب)) (١٧/٤). (٥) في كتابه المسمى ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) (٧٤٢/٢). (٦) في ((التمهيد)) (١١٦/٦). (٧) (٩٠٨/٢). (٨) هو: حمزة بن محمد بن علي بن العباس، الحافظ الزاهد، أبو القاسم الكناني، المصري، المتوفى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (٩٣٢/٣ - ٩٣٤)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٠/٤). (٩) انظر: ((فتح الباري)) (٤٨٤/١٠). (١٠) هو: عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي العامري= ٢٢٠ المدرج ٩٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الحقَّاظ من أصحاب الزُّهريِّ(١)، ولكن إنَّما يتمُّ التَّمثيلُ في هذا القِسْم بحديث مالك. * (ومنه) وهو ثالث الثّلاثة (متن) أي: حديث (عن جماعة) من الرُّواة (ورد وبعضهم) أي: والحال أنَّ بعضَهم (خالف بعضا) بالزيادة أو النقص (في السند فيجمع) بعض الرواة (الكل بإسناد) واحد (ذكر) من غير بيان الاختلاف؛ بل يدرج روايتهم على الاتفاق. (كمتن: «أي الذنب أعظم؟) قال: أن تجعل لله نداً (الخبر) المروي عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله وذكره))(٢). ٢٢٣ ٢٢٤ المدني، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن خزيمة: ليس به بأس. = ((تهذيب التهذيب)) (١٣٧/٦ - ١٣٩)، والخلاصة (ص١٨٩). (١) لمعرفة طرق الحديث: يراجع ((تحفة الأشراف)) للمزي (٥٨/٧، ١١٦). (٢) الحديث: رواه البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، كتاب التفسير (١٦٣/٨، ٤٩٢)، ومسلم: باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب، كتاب الإيمان (٧٩/٢ - ٨٠)، وأبو داود: باب في تعظيم الزنا، كتاب الطلاق رقم (٢٣١٠)، والترمذي: باب سورة الفرقان من أبواب التفسير رقم (٣١٨١)، والنسائي: باب ذكر أعظم الذنب، كتاب المحاربة (٨٩/٧ - ٩٠)، وأحمد في ((المسند)) (٣٨٠/١، ٤٦٢). والرواية التي أدرج فيها واصل: أخرجها البخاري: باب إثم الزناة، كتاب الحدود (١١٤/١٢) ونبه عليها . (٣) هو: واصل بن حيان - بتحتانية - الأسدي الكوفي، وثقه أبو داود، مات سنة عشرين ومائة . (تقريب التهذيب)) (ص٣٦٨)، والخلاصة (ص٣٥٦). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٥) ((صحيح البخاري)): الباب السابق (١٦٣/٨). (٦) ((صحيح مسلم)): الباب السابق (٢/ ٨٠)، و((المسند)» (٤٣٤/١). ٢٢١ ٢٢٢ (فإنَّ عمراً) هو ابن شرحبيل أبو ميسرة أحد الكبار من التَّابعين (عند واصل) [هو: ابن حيان الأسدي الكوفي(٣)] (٤) (فقط بين) شيخه (شقيق) هو: ابن سلمة أبو وائل، أحد كبار التّابعين - أيضاً -، بل هو ممَّن أدرك النّبي ◌َّ لكن لم يره (و) بين (ابن مسعود سقط(٥)، وزاد)، (الاعمش(٦)) بنقل الهمزة، فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٩٥ المدرج و(كذا منصور) بن المعتمر(١)، حيث روياه عن شقيق. فلما رواه الثَّوري حسبما وقع من حديث ابن مهدي، ومحمّد بن كثير (٢) عنه عن الثّلاثة: أعني واصلاً والأعمش ومنصوراً أثبته في روايتهم، وصارت رواية واصل مدرَجةً على رواية الآخرين. وممن رواه عن واصل بحذفه سعيد بن مسروق(٣)، وشعبة، ومالك بن مِغْوَل(٤) ومهدي بن ميمون(٥)، بل رواه عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان عن الثَّوري نفسه بالتفصيل المذكور(٦) . قال الفَلَّاس: فذكرت ذلك لابن مهدي - يعني: لكونه خلاف ما كان حدَّثه، بل وحدَّث غيره به - فقال: دَعْه دَعْه(٧) . فقوله: دعه يحتمل أنّه أمْرٌ بالتمسك(٨) بما حذَّثه به، وعدم الالتفات الخلافه، ويحتمل أنَّه أمر بترك عمرو من حديث واصل، لكونه تذكر أنه هو (١) ((صحيح البخاري)): باب ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾، كتاب التفسير (٤٩٢/٨، ٤٣٣/١٠)، و («المسند)) (٤٣٤/١). (٢) هو: محمد بن كثير العبدي، أبو عبد الله البصري، وثقه أحمد، وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ((الجرح والتعديل)) (٧٠/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٤١٧/٩ - ٤١٨). وروايته في ((صحيح البخاري)): باب قتل الولد خشية أن يأكل معه، كتاب الأدب (٤٣٣/١٠)، و((سنن أبي داود)) في الباب السابق برقم (٢٣١٠). (٣) هو: سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي والنسائي، مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: بعدها . (تاريخ الثقات)) للعجلي (ص١٨٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٨٢/٤). (٤) هو: مالك بن مغول - بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو - الكوفي، أبو عبد الله، ثقة ثبت، مبرز في الصلاح، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومائة. ((الكاشف)) (١١٦/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٢٧). (٥) هو: مهدي بن ميمون بن يحيى الأزدي المعولي - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو - وثقه أحمد، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. (تقريب التهذيب)) (ص٣٤٩)، والخلاصة (ص٣٣٣). (٦) ((صحيح البخاري)): باب إثم الزناة، كتاب الحدود (١١٤/١٢). (٧) المصدر السابق. (٨) في (م): بالتمسك به. المدرج ٩٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الصَّواب، أو لكونه كان عنده محمولاً على رفيقيه، فلما سأله عنه بانفراده أخبره بالواقع. لكن يعكِّر عليه رواية بُنْدَار عن ابن مهدي عن الثَّوري عن واصل وحده بإثباته(١)، وإن أمكن الجواب عنه: بأنَّ ذلك من تصرُّف بعض الرُّواة، حيث ظنَّ من رواية ابن مَهدي حديث الثّلاثة بالإثبات اتفاق طرقهم، ولزم من ذلك أنَّه لما رواه من طريق واصل خاصَّةً أثبته بناء على ما ظنّه، وذلك غير لازم. ولهذا لا ينبغي - كما سيأتي التَّنبيه عليه في اختلاف ألفاظ الشّيوخ(٢) - لمن يروي حديثاً من طريق جماعة عن شيخ أن يحذف بعضهم، بل يأتي به عن جميعهم، لاحتمال أن يكون اللَّفظ سنداً أو متناً لأحدهم الذي ربّما يكون هو المحذوف، ورواية من عداه [محمولة](٣) عليه. على أنّه قد اختلف على الأعمش - أيضاً - في إثبات عَمرو وحذفه (٤)، وبالجملة [فهو في هذا المثال من المزيد في متّصل الأسانيد](٥)، لكون شقيق روى عن كل من عمرو وابن مسعود، لكن قد يتضمَّن ارتكاب مثل هذا الصّنيع إيهام وصل مرسل أو اتّصال منقطع، وما أحسن محافظة الإمام مسلم على التحري في ذلك(٦)، وكذا شيخه الإمام أحمد. * ومن أقسام مدرج الإسناد - أيضاً - وهو رابع أو خامس: أن لا يذكر المحدّث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع، فيذكر كلاماً فيظنّ بعض من سمعه أنّ ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. (١) ((سنن النسائي)): باب ذكر أعظم الذنب، كتاب المحاربة (٨٩/٧ - ٩٠). (٢) (١٧٠/٣). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): محمول. (٤) ذكر هذا الاختلاف على الأعمش الخطيب البغدادي في كتابه ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) (٨٢٢/٢). (٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح)، وفيها مكانه: وبالجملة، فكل من الإثبات والحذف معتمد. (٦) انظر ما كتبه الإمام النووي في: مقدمة شرحه على صحيح مسلم (٢١/١ - ٢٣) عن دقة الإمام مسلم واحتياطه وإتقانه وورعه ومعرفته وشدة تحقيقه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٩٧ المدرج وله أمثلة، منها: قصّة ثابت بن موسى الزَّاهد(١) مع شريك القاضي(٢)، فقد جزم ابن حبان بأنّه من المدرج (٣)، ومثّل بها ابن الصَّلاح لشبه الوضع كما سيأتي(٤). (وعَمْد) أي: تعمد (الادراج لها) أي: لكل الأقسام المتعلّقة بالمتن والسند (محظور) أي: حرام، لما يتضمن من عزو الشَّيء لغير قائله، وأسوأه ما كان في المرفوع مما لا دخل له في الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط. وقد صنَّف الخطيب في هذا النَّوع كتاباً سمَّاه: ((الفصل للوصل المدرج في النقل))(٥)، ولخّصه شيخنا مع ترتيبه له على الأبواب، وزيادةٍ لعللٍ وعزوٍ، وسمَّاه: ((تقريب المنهج بترتيب المدرج)) (٦)، وقال فيه: إنه وقعت لَه جملة أحاديث على شرط الخطيب، وإِنَّه عزم على جمعها وتحريرها، وإلحاقها بهذا المختصر، أو في آخره مفردة كالذَّيل، وكأنَّه لم يبيضها(٧)، [فما رأيتها بعد](٨). (١) هو: ثابت بن موسى بن عبد الرحمن بن سلمة الضبي، أبو يزيد الكوفي، الضرير، العابد، ضعيف الحديث، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين ومائتين. ((تهذيب الكمال)) (٣٧٧/٤ - ٣٧٩)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥١). (٢) سيأتي الكلام عن هذه القصة (ص١٢٣) وما بعدها. (٣) كتاب ((المجروحين)) لابن حبان (٢٠٧/١). (٤) (ص١٢٦). (٥) ويقع في تسعة أجزاء. وقد طبع بتحقيق الدكتور محمد بن مطر الزهراني في دار الهجرة في مجلدين. (٦) ذكر الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)) (ص٨٦) أنه لخص فيه كتاب الخطيب، وزاد عليه قدر ما ذكر الخطيب مرتين أو أكثر. وقال بعد أن ذكره في ((النكت)) (٨٢٩/٢): أعان الله على تكميله وتبييضه إنه على كل شيء قدير. (٧) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. (٨) ما بين المعقوفين غير موجود في (م)، وفي حاشية (ح): ثم بلغ كذلك، نفع الله به ورحم مؤلفه قراءة في البحث والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه. ملحوظة : انظر بحث المدرج في: ١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٨٦ - ٨٩). ٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٤٦/١ - ٢٦٠). ٣ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٨١١/٢ - ٨٣٧). ٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص ١٧٣ - ١٧٨). ٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٥٠/٢ - ٦٧). الموضوع ٩٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الموضوع ومناسبته لما قبله ظاهرةٌ، إذ من أقسامه ما يلحق في المرفوع من غيره، ولذا تجاذبا بعضَ الأمثلة(١). ٢٢٥ (شر) أنواع (الضَّعيف) من المرسل والمنقطع وغيرهما (الخبر الموضوع) وهو لغةً - كما قال ابن دحية(٢) -: الملصق، يقال: وضع فلان على فلان كذا، أي: ألصقه به، وهو - أيضاً - الحَظُ والإسقاط(٣)، لكن الأوَّل أليقُ بهذه الحيثية كما قاله شيخنا (٤). واصطلاحاً: (الكذب) على رسول الله وَّر (المختلق) - بفتح اللام - الذي لا ينسب إليه بوجه (المصنوع) من واضعه. وجيء في تعريفه بهذه الألفاظ الثَّلاثة المتقاربة للتأكيد في التَّنفير منه، والأول منها من الزّوائد(٥)، وقد بلغنا أنَّ بعض علماء العجم أنكر على النَّظم قوله في حديث سئل عنه: إنه كذب، محتجاً بأنه في كتاب من كتب الحديث، ثم جاء به من ((الموضوعات)) لابن الجوزي، فتعجَّبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع. (١) كقصة ثابت بن موسى الزاهد التي سبقت الإشارة إليها قريباً (ص٤٧٧)، وسيأتي الكلام عنها في هذا الباب (ص٥٠٧) وما بعدها . (٢) هو: أبو الخطاب عمر بن حسن بن محمد الجُمَيِّل الكلبي، الحافظ اللغوي، الظاهري المذهب، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. ((العبر)) للذهبي (١٣٤/٥ - ١٣٥)، و((شذرات الذهب)) (١٦٠/٥ - ١٦١). (٣) ((أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب))، لابن دحية (ص٢٢١). (٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٣٨/٢) وفي (ح) هنا: وما عداه فهو حكمه. (٥) يعني: مما زاده الناظم على ابن الصلاح، حيث لم يذكر ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٨٩) إلا المختلق المصنوع. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٩٩ الموضوع ولم ينفرد ابن الصَّلاح بكونه شَرَّ الضَّعيف، بل سبقه لذلك الخطّابي(١)، ولا ينافيه قول ابن الصَّلاح - أيضاً - في أول الضَّعيف: ما عدم صفات الصحيح والحسن، هو القسم الآخِر الأرذل(٢)، لحمل ذاك على مطلق الواهي الذي هو أعم من الموضوع وغيره، كما قيل: أفضل عبادات البدن الصَّلاة، مع تفاوت مراتبها، وأمَّا هنا: فإنّه بين نوعاً منه، وهو شرّ أنواعه. لكن قد يقال: إن أفعل التفضيل ليست هنا على بابها، حتَّى لا يلزم الاشتراك بين الضَّعيف والموضوع في الشَرِّ، اللَّهم إلّا أن يقال: إنّ ذاك في الضَّعيف بالنّسبة إلى المقبول. ثمَّ إنَّ وراء هذا النِّزاع في إدراج الموضوع في أنواع الحديث، لكونه ليس بحديث، ولكن قد أُجيب بإرادة القدر المشترك، وهو ما يحدث به، أو بالنظر لما في زعم واضعه، وأحسن منهما أنّه لأجل معرفة الطّرق التي يُتَوضَّل بها لمعرفته، لِيُنْفَى عن المقبول ونحوه. ٢٢٦ (وكيف كان) الموضوع أي: في أي معنى كان من الأحكام أو القصص، أو الفضائل، أو التَّرغيب والتَّرهيب، أو غيرها (لم يجيزوا) أي: العلماء بالحديث وغيره (ذكره) برواية وغيرها (لمن علم) - بإدغام ميمها فيما بعدها - أنّه موضوع، لقوله وَ﴾: ((من حَدَّث عني بحديثٍ يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين))(٣) . ويرى: مضبوطة بضم الياء، بمعنى يظن (٤)، وفي الكاذبين روايتان، إحداهما بفتح الباء على إرادة التثنية(٥)، والأخرى بكسرها على (١) في ((معالم السنن)) (١١/١). (٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٨). (٣) رواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٦٢/١)، والترمذي: باب ما جاء فيمن يروي حديثاً وهو يرى أنه كذب من أبواب العلم رقم (٢٦٦٤)، وابن ماجه: باب من حدث عن رسول الله حديثاً وهو يرى أنه كذب ـ المقدمة - رقم (٣٨ - ٤١)، وأحمد في ((المسند)) (١٤/٥). (٤) قال النووي في ((شرح مسلم)) (٦٥/١): وذكر بعض الأئمة جواز فتح الیاء من یری، وهو ظاهر حسن، ومعناه يعلم. (٥) روى أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه على ((صحيح مسلم)) (١/ ٩٣) من حديث سمرة : = الموضوع ١٠٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث صيغة الجمع(١). [وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حقِّ من روى الحديث، وهو يَظنُّ أنّه كذب، فضلاً عن أن يَتحقَّقَ ذلك ولا يُبينه؛ لأنّه وَ ل ◌َ جعل المحدِّث بذلك مشاركاً لكاذبه](٢) في وضعه. وقد روى الثّوري عن حبيب بن أبي ثابت أنّه قال: من روى الكذب فهو الكذّاب(٣)، ولذا قال الخطيب: يجب على المحدِّث أن لا يروي شيئاً من الأخبار المصنوعة، والأحاديث الباطلة الموضوعة، فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين، ودخل في جملة الكذّابين(٤). وكتب البخاري على حديثٍ موضوع(٥): من حدَّث بهذا استوجب الضَّربَ الشَّديد، والحَبْسَ الطويل(٦). لكن محلّ هذا (ما لم يبين) ذاكرُه (أمرَه) كأن يقول: هذا كذب أو باطل، أو نحوهما من الصَّريح في ذلك، وفي الاقتصار على التَّعريف بكونه موضوعاً نظر، فَرُبَّ من لا يعرف موضوعَه، كما قدمت الحكاية فيه(٧) . وكذا لا يبرأ من العُهدةِ في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإن صنعه أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين وهلم جرًّا؛ خصوصاً الطَّراني وأبو نعيم وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته. لكاذبين - بفتح الباء وكسر النون على إرادة التثنية -، واحتج به على أن الراوي له = مشارك البادئ بهذا الكذب. انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (٦٥/١). (١) قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا على الجمع. (إكمال المعلم ١١٥/١). (٢) ما بين المعقوفين غير واضح في (م). (٣) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) للخطيب البغدادي (٩٩/٢). (٤) المصدر السابق (٩٨/٢). (٥) هو حديث: ((الإيمان يزيد ولا ينقص)). ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٣١/١ - ١٣٢). (٦) انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٢١/٤)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٨/٢ - ٨٥٩). (٧) عن بعض علماء العجم قريباً (ص٩٨).