النص المفهرس
صفحات 61-80
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦١ المعلل ونحتاج إذا استقرَّ محصَّلُ حديث أنس على نفي الجهر إلى دليلٍ له، وإن لم يكن من مباحثنا، وقد ذكر له الشّارح دليلاً (١)، وأرشد شيخُنا لما يؤخذ منه ذلك(٢). بل قال: إن قول نُعيم المُجَمِّر (٣): صليت وراء أبي هريرة [ 4](٤) فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأمِّ القرآن حتى بلغ ولا الضَّالِّين، فقال: آمين، وقال النَّاس: آمين، وكان كلّما سجد وإذا قام من الجلوس في الاثنتين يقول: الله أكبر، ويقول إذا سَلَّمَ: والذي نفسي بيده: إني لَأَشْبَهُكُمْ صلاةً برسول الله وَليَ(٥) أصحّ حديثٍ ورد فيه(٦)، ولا علَّة له. وممّن صحّحه [ابنُ خزيمة(٧)، وابن حبَّان(٨)](٩)، وقد بوَّبَ عليه النَّسائي: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(١٠)، ولكن تُعقِّب الاستدلال به باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: أشبهكم في مُعْظم الصَّلاةِ، لا في جميع أجزائها(١١)، لا سيَّما وقد رواه عنه جماعةٌ غير نعيم (١٢)، بدون ذكر البسملة. (١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٥/١ - ٢٣٦). (٢) (فتح الباري)) (٢٢٨/٢ - ٢٢٩). (٣) هو: نعيم بن عبد الله المجمر أبو عبد الله، مولى آل عمر بن الخطاب، كان يجمر المسجد، وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد، من الثالثة. (تهذيب التهذيب)) (٤٦٥/١٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٥٩). (٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (٥) رواه النسائي: باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصلاة (١٣٤/٢)، وانظر ما تقدم (٢٠٤/١). (٧) ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٥١/١). (٦) ((فتح الباري)) (٢/ ٢٦٧). (٨) ((صحيح ابن حبان)) (٢١٨/٣). (٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): ابنا خزيمة وحبان. (١٠) الذي في ((سنن النسائي الصغرى)) (١٣٣/٢): قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وهي كذلك في ((السنن الكبرى)) (٤٦٨/١). (١١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٦٧/٢)، وفي ((سبل السلام)) للصنعاني (٣٣٦/١): يبعد من الصحابي أن يبتدع في صلاته شيئاً لم يفعله رسول الله و 18 فيها، ثم يقول: ((والذي نفسي بيده إني لأشبهکم)). (١٢) منهم: أبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. انظر: «صحيح البخاري)) (٢٦٩/٢، ٢٩٠/٢). ٦٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المعلل وأُجيب: بأنَّ نُعَيْماً ثقة، فزيادته مقبولةٌ، والخبر ظاهرٌ في جميع الأجزاء، فيُحمل على عمومه، حتى يثبت دليلٌ يخصِّصه(١)، ومع ذلك فَيَظْرقُه احتمالُ أنَّ يكون سماع نُعيم لها من أبي هريرة حال مخافتته، لقربه منه. وقد قال الإمام فخر الدِّين الرَّازي في تصنيفٍ له في الفاتحة: روى الشَّافعي بإسناده أنَّ معاوية [ظنه](٢) قدم المدينة، فصلَّى بهم، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبِّر عند الخفض إلى الرُّكوع والسُّجود، فلمَّا سلَّم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت الصَّلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ أين التكبير عند الرّكوع والسّجود؟ فأعاد الصّلاة مع التّسمية والتكبير. ثم قال الشّافعي: وكان معاوية سلطاناً عظيمَ القوة، شديدَ الشَّوكة، فلولا أنَّ الجهر بالتَّسمية كان كالأمر المتقرَّر عند كل الصَّحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه. انتهى (٣). وهو حديثٌ حسنٌ أخرجه الحاكم في صحيحه(٤)، والدّارقطني، وقال: إن رجاله ثقات(٥)، ثمّ قال الإمام(٦) بعد: وقد بينا أنَّ هذا - يعني: الإنكار المتقدم - يدلّ على أن الجهر بهذه الكلمة كالأمر المتواتر فيما بينهم (٧). وكذا قال الترمذي - عقب إيراده بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة حديث معتمر بن سليمان(٨)، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان(٩)، عن أبي خالد (١) ((فتح الباري)) (٢٦٧/٢). (٢) رضي الله: زيادة من (م)، وعنه: زيادة مني. (٣) ((تفسير الفاتحة)) للرازي (ص٢٠٤)، و((التفسير الكبير)) له (٢٠٤/١). وانظر: ((مسند الشافعي)) بترتب محمد عابد السندي (٨٠/١)، و((الأم)) (١٠٨/١). (٤) ((المستدرك)) (٣٣٣/١). (٥) ((سنن الدارقطني)) (٣١١/١). (٦) يعني: الفخر الرازي. (٧) ((تفسير الفاتحة)) للرازي (ص٢٠٦)، و((التفسير الكبير)) له (٢٠٦/١). (٨) هو: معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بالطفيل، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٤٠٢/١/٤ - ٤٠٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٤٢). (٩) هو: إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان الأشعري، مولاهم، الكوفي، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، من الثامنة. = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٦٣ المعلل الوالبي الكوفي(١)، عن ابن عَبَّاس، قال: ((كان النَّبِي وَّ يفتتح صلاتَه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم))(٢) . ووافقه على تخريجه الدَّارقطني(٣)، وأبو داود وضعَّفه(٤)، بل قال التّرمذي: ليس إسناده بذاك(٥)، والبيهقي في ((المعرفة)) واستشهد له بحديث سالم الأفطس(٦) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله وَله يجهر ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم يَمُدُّ بها صوته ... الحديث))(٧). وهو عند الحاكم في مستدركه(٨) - أيضاً - ما نَصُّه(٩): وقد قال بهذا عدّة من أهل العلم من أصحاب النّبِي وَّ منهم: أبو هريرة وابن عمر وابن الزّبير، ومن بعدهم من التَّابعين رأوا الجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم، وبه يقول الشَّافعي(١٠). * (وكثر) من أهل الحديث حسبما يقع في كتب العلل وغيرِها (التَّعليل) ٢٠٤ = ((تهذيب الكمال)) (٦٦/٣ - ٦٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٣). (١) اسمه: هرمز، ويقال: هرم، قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن عدي: في حديثه لين، مات سنة مائة. (تهذيب التهذيب)) (٨٣/١٢ - ٨٤)، والخلاصة (ص٣٧٨). (٢) أخرجه الترمذي: باب من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، من أبواب الصلاة رقم (٢٤٥). (٣) ((سنن الدارقطني)) (٣٠٤/١). (٤) لم أقف عليه في ((سنن أبي داود)) المطبوع، ولم يرمز ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٣٢٤/٥) لأبي داود، ولم يرقمه محقق ((تحفة الأشراف))، بل وضع مكان الأرقام علامة استفهام؛ مما يدل على أنه لم يجده. انظر: ((تحفة الأشراف)) (٢٦٥/٥). (٥) ((سنن الترمذي)) بعد الحديث رقم (٢٤٥). (٦) هو: سالم بن عجلان الأفطس الأموي، مولاهم، أبو محمد الحراني، ثقة، رمي بالإرجاء، قتل صبراً سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ((تهذيب الكمال)) (١٦٤/١٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص١١٥). (٧) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٣٢٤/١). (٨) ((المستدرك)) (٢٣٣/١). (٩) ما نصه: مقول القول المتقدم آخر الصفحة السابقة، أي: قال الترمذي ما نصه، وما بينهما كلام اعتراضي. (١٠) ((سنن الترمذي)) (٣١٤/١). ٦٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المعلل كما عبّر به ابن الصَّلاح(١)، أو الإعلال كما لغيره(٢)، [للحديث](٣) (بالإرسال) الظَّاهر (للوصل) وبالوقف للرَّفع (إن يقو) الإرسال، وكذا الوقف بكون راويه أضبطَ، أو أكثرَ عدداً (على اتصال) ورفع. وذلك - مع كونه مؤيداً، لأنَّ القول بتقديم الوصل إنما هو فيما [لم] (٤) يظهر فيه ترجيح، كما قدمناه في بابه(٥) - منافٍ لتَعريف العلَّةِ(٦)، ولكن الظَّاهر أنّ قصدهم جمع مطلق العلّة خفيةً كانت أو ظاهرةً؛ لا سيّما وهو يفيد الإرشاد لبيان الراجح من غيره بجمع الطّرق، فقد قال ابن المديني: الباب إذا لم تُجْمَعْ طرُقُه لم يتبين خطؤُه(٧) . وكان بعض الحفّاظ يقول: إن لم يكن للحديث عندي مائةُ طريق فأنا فيه يتيم، وسيأتي شيء من هذا في آداب طالب الحديث(٨)، ويحتمل أنَّ التَّعليل بالإرسال من الخفي، لخفاء القرائن المرجِّحة له غالباً. (وقد يعلون) أي: أهل الحديث كما في كتبهم - أيضاً - الحديث (بكل قدح) ظاهر (فسق) في راويه بكذب(4)، أو غيره (وغفلة) منه(١٠)، (ونوع جرح) ٢٠٥ (١) في ((علوم الحديث)) (ص٨٢) وتبعه النووي في ((التقريب)) (ص١٦٣) مع التدريب. (٢) في ((فتح الباقي)) (٢٣٧/١) للشيخ زكريا الأنصاري: وهو الأوجه. (٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح). (٥) (٣٠٧/١). (٦) لأنها سبب خفي غامض، والإرسال والوقف سببان واضحان. (٧) نقله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص ٨٢). (٨) (٣١٢/٣). (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٩) مثاله حديث: ((إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله فيرد عليه)). أعله أبو زرعة بأن يوسف بن خالد - أحد رواته - كذاب. انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥١/١ - ٥٢)، وهذا الحديث نسبه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٣١١/١) لعبد الرزاق في ((الجامع)) وابن قانع. (١٠) مثاله حديث: ((إنا نشبّه عثمان بأبينا إبراهيم وَلّ)). أعله ابن الجوزي بأن في سنده عبد الله بن عمر العمري، وهو رجل غلب عليه التعبد حتى غفل عن حفظ الأخبار. انظر: ((العلل المتناهية)) (١٩٦/١ - ١٩٧)، والحديث أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٨٣/٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦٥ المعلل فيه كسوء حفظ(١)، ونحو ذلك(٢)، من الأمور الوجودية الّتي يأباها - أيضاً - كون العلة خَفيَّةً، ولذا صرَّح الحاكم بامتناع الإعلال بالجرح ونحوه، فإن حديث المجروح ساقطٌ واهي، ولا يعلّ الحديث إلا بما ليس للجرح فيه مدخل. انتهى(٣) . ولكن ذلك منهم بالنّسبة للّذي قبله قليل، على أنّه يحتمل [أيضاً أن التَّعليل بذلك من الخفي، لخفاء وجود طريقٍ آخر](3)، ينجبر بها ما في هذا من ضعفٍ، فكأنَّ المعلِّلَ أشار إلى تفرده. وفسق وما بعده بالجر على البدلية(٥). (ومنهم) بالضم، وهو أبو يعلى الخليلي (من يُطلق اسم العلّة) توسعاً (لـ) ٢٠٦ شيء (غيرٍ قادح كوصل ثقة) ضابط أرسله من هو دونه، أو مثله ولا مرجِّحَ، حيث (يقول) في إرشاده: إنّ الحديث على أقسام (معلول صحيح) ومتفق على ٢٠٧ صحَّته - أي: لا علَّة فيه - ومختلف فيها، أي: بالنَّظر للاختلاف في استجماع شروطها . ومثل لأولها بحديث مالك في ((الموطأ)» أنه بلغه أنَّ أبا هريرة، قال: قال رسول الله وَى: ((للمملوك طعامه وكسوته)) (٦). حيث وصله مالكٌ خارجَ الموطأ بمحمَّد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، كما تقدَّم في المعضل(٧). (١) مثال ذلك: حديث البراء بن عازب، قال: ((رأيت رسول الله وَلل رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف)). فقد أعله الإمام أحمد بأن في سنده ابن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ. انظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد (١١٦/١)، والحديث رواه البخاري في جزء رفع اليدين (ص١٤)، وأبو داود في ((سننه)): باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، كتاب الصلاة رقم (٧٥٢). (٢) كالجهالة، ومثال ذلك: حديث عمر: ((لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته ... )) الحديث. أعله ابن المديني بأن في إسناده رجلاً من أهل الكوفة يقال له: داود بن عبد الله الأودي وهو مجهول. انظر: ((العلل)) لابن المديني (ص ١٠٠ - ١٠١)، والحديث رواه ابن ماجه: باب ضرب النساء، كتاب النكاح رقم (١٩٨٦). (٣) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١١٢). (٤) ما بين المعقوفين غير واضح في (م). (٦) تقدم تخريجه (٢٨١/١). (٥) من قدح، أو عطف بيان. (٧) (٢٨٢/١). ٦٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المعلل وقال: فقد صار الحديث بتبين الإسناد - أي: بعد الفحص عنه - صحيحاً يُعتَمد عليه - أي: اتِّفاقاً - بعد أن كان ظاهرُه خلاف ذلك، وحينئذ فهو من الصَّحيح المبين بحجَّةٍ ظهرت(١). وما سلكه الخليلي في ذلك - هو (كـ) الحديث (الذي يقول) فيه بعضهم كالحاكم: (صح) [أي: يُصحِّحه](٢) (مع شذوذ) فيه (٣) - منافٍ عند الجمهور للصِّحَّة، (احتذي) أي: اقتدي في الأولى بهذه، وبه يتأيد شيخنا في كون الشّذوذ يقدح في الاحتجاج لا في التّسمية، كما أشير إليه في بابه (٤)، وفي الصَّحيح - أيضاً (٥) .. * (والنسخ) مفعولٌ مقدَّم (سمى الترمذي علة) (٦) زاد الناظم: (فإن يرد) الترمذي أنه علة (في عمل) بمعنى أنه لا يعمل بالمنسوخ، لا العلّة الاصطلاحيّة، (فاجنح) بالجيم ثم نون ومهملة، أي: مِلْ (له) لأنّ في الصّحيحين فضلاً عن غيرهما من كتب الصّحيح الكثير من المنسوخ؛ بل وصحّح الترمذي نفسه من ذلك جملة (٧)، فتعيَّن لذلك إرادتُه. ٢٠٨ (١) ((الإرشاد)) لأبي يعلى الخليلي (١٦٠/١ - ١٦٥). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) انظر: ((المستدرك على الصحيحين)) (١٠٨/١). (٤) (ص٩). (٥) (٢٨/١). (٦) فقد حكم على حديث معاوية في شارب الخمر، وفيه: ((فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)) بأنه منسوخ. انظر كلام الترمذي على هذا الحديث بعد روايته إياه في باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، من أبواب الحدود رقم (١٤٤٤). وقال في ((العلل)) التي في آخر ((جامعه)) (٤٣٣/٩) بعد سياقه: وقد بيّنّا علته في الكتاب. وعلته التي بيّنها في الكتاب هي النسخ. (٧) فقد صحح حديث: ((الماء من الماء)) مع قوله: إنما كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ ذلك. انظر: سنن الترمذي: باب ما جاء أن الماء من الماء، من أبواب الطهارة رقم (١١١). والحديث: أخرجه مسلم في ((صحيحه)): باب بيان أن الجماع كان في أول الإسلام لا يوجب الغسل (٣٦/٤ - ٣٧)، وأبو داود في ((سنته)): باب في الإكسال، كتاب الطهارة رقم (٢١٧). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦٧ المعلل خاتمة : هذا النَّوع من أغمض الأنواع وأدقّها، ولذا لم يتكلّم فيه كما سلف(١) إلَّا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثَّاقب، مثلُ ابنِ المديني، وأحمدَ، والبخاريّ، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدَّارقطني. ولخفائه كان بعض الحفّاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل، وقال ابن مهدي: هي إلهامٌ، لو قلت للقَيِّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجّة(٢)، يعني: يعبر بها غالباً، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدَّفع. وسُئل أبو زرعة عن الحجة لقوله؟ فقال: أن تسألني عن حديثٍ، ثمَّ تسأل عنه ابن وَارة (٣) وأبا حاتم، وتسمع جوابَ كلٌّ منَّا، ولا تخبر واحداً منَّا بجواب الآخر، فإن اتفقنا فاعلم حقية ما قلنا، وإن اختلفنا فاعلم أنا تكلَّمنا بما أردنا، ففعل، فاتفقوا، فقال السّائل: أشهد أنّ هذا العلم إلهام (٤). وسأل بعضُ الأجلَّاء من أهل الرَّأي أبا حاتم عن أحاديث، فقال في بعضها: هذا خطأ، دخل لصاحبه حديثٌ في حديثٍ، وهذا باطلٌ، وهذا منكر، وهذا صحيحٌ، فسأله: من أين علمت هذا؟ أخبرك الراوي بأنّه غلط أو كذب؟ فقال [له](٥): لا، ولكني علمت ذلك. فقال له الرجل: أتدَّعي الغيب؟ فقال: ما هذا ادِّعاء غيب، قال: فما الدليل على قولك؟ فقال: أن تسأل غيري من أصحابنا، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف، فذهب الرَّجل إلى أبي زرعة، وسأله عن تلك الأحاديث بعينها فاتفقا، فتعجَّب السَّائل من اتفاقهما من غير مواطأة، فقال له أبو حاتم: أفعلمت أنا لم نجازف؟. (١) (ص٤٩). (٢) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١١٣). (٣) هو: الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة الرازي، المتوفى سنة سبعين ومائتين. ((تاريخ بغداد)» (٢٥٦/٣ - ٢٦٠)، و(«تذكرة الحفاظ)) (٥٧٥/٢ - ٥٧٧). (٤) ((معرفة علوم الحديث)) (ص ١١٣). (٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). ٦٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المعلل ثمّ قال: والذَّليلُ على صحّة قولنا أنَّك تحملُ ديناراً بَهْرَجاً(١) إلى صيرفي، فإن أخبرك أنه بَهْرَجٌ [و](٢) قلت له: أكنت حاضراً حين بُهْرِج؟ أو هل أخبرك الذي بَهْرَجَه بذلك؟ يقول لك: لا، ولكن علمٌ رُزِقْنا معرفتَه. وكذلك إذا حملت إلى جوهريٍّ فصَّ ياقوت، وفصَّ زجاج، يَعرف ذا من ذا، ونحن نعلم صحَّة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة، ونعرف سُقْمَه ونكارته بتفرُّدِ من لم تصحَّ عدالتُه(٣). وهو كما قال غيره: أمر يَهْجُمُ على قلوبهم لا يمكنهم ردُّه، وهيئةٌ نفسانيةٌ لا معدلَ لهم عنها، ولهذا ترى الجامعَ بين الفقه والحديث کابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم؛ بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة. هذا مع اتّفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التّعديل والتّجريح، كما اتفقوا على الرّجوع في كلِّ فنٍّ إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فنٌّ غير فنه فهو متعني(٤)، فالله - تعالى - بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالاً نقاداً تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامِضِه وعِلله ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوّة واللِّين، فتقليدهم والمشي وراءهم، وإمعان النّظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم وجودة التّصور، ومداومة (١) البهرج كما في ((القاموس)) مادة (بهرج): هو الباطل والرديء، وفي ((شفاء الغليل)) للخفاجي (ص٦٢): بهرج معرب، أي: باطل، ومعناه الزغل، وله معان أُخَر ... وفي شرح الفصيح للمرزوقي درهم بهرج: أي: باطل زيف، يقال: بهرجت الشيء بهرجة، فهو مبهرج، والعامة تقول: بهرج، وليس بشيء، كأنه طرح فلا يتنافس فيه. اهـ. وانظر: ((شرح ديوان الحماسة)) للمرزوقي (١٢١٧/٣). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) تقدمة ((الجرح والتعديل)) لابن أبي أبي حاتم (ص٣٤٩ - ٣٥١). (٤) قال أبو محمد بن حزم في كتابه ((الأخلاق والسير في مداواة النفوس)) (ص٢٤): لا آفة على العلوم وأهلها، أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدِّرون أنهم يصلحون. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦٩ المعلل الاشتغال، وملازمة التَّقوى والتواضع يوجب لك - إن شاء الله - معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله(١). O (١) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك ... وفي حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك عوداً على بدء. کتبه مؤلفه. ملحوظة : انظر بحث المعل في: ١ - ((معرفة علوم الحديث))، للحاكم (ص١١٢ - ١١٩). ٢ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٨١ - ٨٤). ٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٢٤/١ - ٢٣٩). ٤ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٧١٠/٢ - ٧٧١). ٥ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٦١ - ١٦٩). ٦ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٢٥/٢ - ٣٤). إضافة إلى كتب العلل الخاصة، مثل: ((علل الإمام أحمد))، و((العلل)) لابن المديني، و((العلل الكبير)) للترمذي، وعلل الجامع له، و((شرحه)) لابن رجب، و(العلل)) لابن أبي حاتم، و((العلل)) للدار قطني. المضطرب ٧٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المضطرب لما انتهى من المُعلّ الّذي [شَرْطُه](١) ترجيحُ جانب العلّة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح. ٢٠٩ (مضطرِب الحديث) بكسر الراء اسم فاعل من اضطرب (ما قد وردا) حال كونه (مختلفاً من) راو (واحد) بأنْ رواه مَرَّةً على وجهٍ، وأخرى على آخر ٢١٠ مخالفٍ له (فأزيدا) بأن يضطرب فيه كذلك راويان فأكثر (في) لفظ (متن او في) صورة (سند) رواته ثقات، إمّا باختلاف في وصلٍ وإرسالٍ، أو في إثباتِ راوٍ وحذفه، أو غير ذلك، وربَّما يكون في السَّند والمتن معاً. هذا كلّه (إن اتضح فيه تساوي الخُلْفِ) أي: الاختلاف في الجهتين أو الجهات، بحيث لم يترجح منه شيء، أو لم يمكن الجمع. ٢١١ (أما إن رجح بعض الوجوه) أو الوجهين على غيره بأحفظيَّة، أو أكثريَّة ملازمة للمروي عنه، أو غيرهما من وجوه الترجيح (لم يكن) حينئذ (مضطربا والحكم للراجح منها) أي: من الوجوه، أو من الوجهين (وجبا) إذ المرجوح لا يكون مانعاً من التّمسُّك بالرَّاجح. وكذا لا اضطراب إن أمكن الجمع، بحيث يمكن أن يكون المتكلِّم معبراً باللفظين فأكثر عن معنّ واحدٍ، ولو لم يترجَّح شيءٍ. ولمضطربي المتن والسَّند أمثلة كثيرة، فالذي في السَّند - وهو الأكثر - يؤخذ من العلل للدارقطني، ومما التقطه شيخنا منها مع زوائد، وسمَّاه ((المقترب في بيان المضطرب)). (ك) حديث (الخطُّ) من المصلي (للسترة) الذي لفظه: ((إذا لم يجد عصا (١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): شرط الحكم به، وقد كتب في (س)، ثم طمس. ٢١٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧١ المضطرب ينصبها بين يديه فلْيَخُطَّ خطّاً))(١)، أي: يدير دارةً منعطفةً كالهلال فيما قاله أحمد (٢)، أو يجعله بالطُول فيما قاله مسدَّد(٣). فإن إسناد هذا الحديث (جَمّ) بفتح الجيم وتشديد الميم، أي: كثير (الخُلْف) أي: الاختلاف على راويه، وهو إسماعيل بن أمية(٤). فإنه قيل: عنه عن أبي عمرو بن محمَّد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة(٥) . وقيل: عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة (٦). وقيل: عنه عن أبي عمرو بن محمّد بن عمرو بن حريث عن جده حريث بن سليم عن أبي هريرة (٧). وقيل: عنه عن أبي محمّد بن عمرو بن حريث عن جده حريث - رجل من بني عذرة - عن أبي هريرة (٨). (١) الحديث: رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢٤٩/٢)، وأبو داود: باب الخط إذا لم يجد عصا، كتاب الصلاة رقم (٦٨٩)، وابن ماجه: باب ما يستر المصلي، كتاب إقامة الصلاة رقم (٩٤٣). (٢) ذكره عنه أبو داود في ((سننه)) بعد رواية الحديث المذكور، والبيهقي (٢٧١/٢) ونقل البيهقي - أيضاً - مثله عن الحميدي. (٣) ذكر ذلك أبو داود في ((سننه)) - أيضاً - بعد رواية الحديث المذكور، نقلاً عن ابن داود، وهو: عبد الله بن داود الخريبي، المتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين. (٤) هو: إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المكي، ثقة ثبت، مات سنة أربع وأربعين ومائة. (تهذيب الكمال)) (٤٥/٣ - ٤٩)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٢). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٩/٢)، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٦٨٩). وانظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٤٥١/٢). (٦) ذكر هذا السند الإمام أحمد في ((المسند)» بعد الرواية السابقة، وابن أبي حاتم في («العلل)) (١٨٧/١)، والبيهقي في ((السنن)) (٢٧٠/٢). (٧) رواه ابن ماجه: باب ما يستر المصلي، كتاب إقامة الصلاة رقم (٩٤٣). (٨) رواه أبو داود برقم (٦٩٠)، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٨٧/١)، والبيهقي (٢٧١/٢). المضطرب ٧٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقيل: عنه عن أبي محمَّد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدِّه عن أبي هريرة(١) . وقيل: عنه عن محمَّد بن عمرو بن حُريث عن أبي سلمة عن أبي هريرة (١) . وقيل: عنه عن حُريث بن عمار عن أبي هريرة(٢). وقيل: عنه عن أبي عمرو بن محمَّد عن جدِّه حُريث بن سليمان عن أبي هريرة(١) . وقيل: عنه عن أبي عمرو بن حُريث عن جدِّه حُريث عن أبي هريرة(١). وقيل غير ذلك(٣) . ولذا حكم غيرُ واحدٍ من الحفّاظ، كالنّووي في الخلاصة (٤)، وابن عبد الهادي(٥) وغيره من المتأخرين(٦) باضطراب سنده، بل عزاه النَّووي للحفّاظ(٧)، وقال الدارقطني: لا يثبت، وقال الطّحاوي: لا يحتج بمثله(٨)، وتوقف الشّافعي فيه في الجديد، بعد أن اعتمده في القديم(٩)، لأنّه مع اضطراب سنده زعم ابن عيينة أنّه لم يجيء إلّا من هذا الوجه، ولم يجد شيئاً يشدّه به(١٠) . لكن قد صحَّحه ابنُ المديني وأحمد(١١) وجماعة، منهم: (١) لم أقف على من روى هذه الطرق. (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٢/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٧١/٢). (٣) انظر بعض طرق هذا الحديث في: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٦٦/١/٢ - ٦٧)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٧٠/٢ - ٢٧١)، و(تهذيب التهذيب)) (٢٣٥/٢ - ٢٣٦، ١٨١/١٢)، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على ((المسند)) (١٢٣/١٣ - ١٢٦). (٥) في ((المحرر)) (ص٣٥). (٤) (١/ ٥٢٠). (٦) كابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٨٥) فإنه أورده مثالاً للمضطرب. (٧) ((الخلاصة)) للنووي (٥٢٠/١). (٨) في ((تهذيب التهذيب)) (١٢/ ١٨١) نقلاً عنه: هو مجهول. (٩) ((سنن البيهقي)) (٢٧١/٢). (١٠) ((سنن أبي داود)) بعد رواية الحديث، و((سنن البيهقي)) (٢٧١/٢). (١١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٩٩/٤) والاستذكار له (١٧٥/٦). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٧٣ المضطرب ابن حبَّان(١)، والحاكم(٢)، وابن المنذر، وكذا ابن خُزيمة(٣)، وعمد إلى التّرجيح، فرجَّح القول الأول من هذا الاختلاف، ونحوه حكاية ابن أبي حاتم عن أبي زرعة (٤). ولا ينافيه القول الثَّاني، لإمكان أن يكون نسب الرَّاوي فيه إلى جدِّه، وسُمّي أباً لظاهر السّياق(٥)، وكذا لا ينافيه الثَّالث والتَّاسع والثَّامن إلَّ في سليمان مع سُلَيم، وكأن أحدهما تصحف، أو سُليماً لقب، كما لا ينافيه الرّابع إلّا بالقلب. بل قال شيخنا: إنّ هذه الطّرق كلّها قابلةٌ لترجيح بعضها على بعض، والرَّاجحة منها يمكن التَّوفيق بينها، وحينئذ فينتفي الاضطرابُ عن السَّند أصلاً ورأساً(٦). ولذلك أسنده الشَّافعي محتجاً به في ((المبسوط)) (٧) للمزني، وما تقدم عزوه إليه ففيه نظر (٨). وقال البيهقي(٩): لا بأس بهذا الحديث في مثل هذا الحكم - إن شاء الله [تعالى](١٠)، قال النَّووي: وهذا الَّذي اختاره هو المختار(١١). ثم إنَّ اختلاف الرواة في اسم رجل أو نسبه لا يؤثِّر ذلك؛ لأنَّه إن كان الرّجل ثقةً - كما هو مقتضى صنيع من صحَّح هذا الحديث - فلا ضَيْرَ، كما (١) ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)) (ص١١٧). (٢) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٧٧٤/٢). (٣) ((صحيح ابن خزيمة)) (١٣/٢). (٤) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٨٦/١ - ١٨٧). (٥) وتسمية الجد: أباً، شائع سائغ في لغة العرب، وجاء به القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِّكُمْ إِنَزَمِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨]. (٦) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/ ٧٧٣). (٧) سماه ابن حجر في ((النكت)) (٧٧٤/٢): المختصر الكبير. وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٦/٢). (٨) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٧٧٤/٢). (٩) ((السنن الكبرى)) (٢٧١/٢). (١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (١١) ((المجموع شرح المهذب)) (٢٤٨/٣). ٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المضطرب تقدَّم في كلّ من المُعلّ(١) والمنكر(٢)؛ لا سيَّما وفي الصَّحيحين مما اختلف فيه على راويه جملة أحاديث، وبذلك يُرَدّ على من ذهب من أهل الحديث إلى أن الاختلاف يدلّ على عدم الضّبط في الجملة، فيضر ذلك، ولو كانت رواته ثقات، إلّا أن يقوم دليلٌ على أنّه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعاً، أو بالطريقين جميعاً . والحقّ أنّه لا يضرّ، فإنّه كيفما دار كان على ثقة، وقد قال النّووي في آخر الكلام على المجهول من تقريبه(٣): ومن عرفت عينه وعدالته، وجهل اسمه (٤) احتج به (٤). وإن كان ضعيفاً - كما هو الحقّ هنا لجزم شيخنا في تقريبه بأنَّ شيخَ إسماعيل مجهولٌ(٥) - فَضَعْفُ الحديث إنما هو من قِبَلٍ ضعفه، لا مِنْ قِبَلِ اختلاف الثقات في اسمه(٦) . هذا مع أن دعوى ابن عيينة الفردية في المتن منتقضةٌ بما روينا في فوائد عبدان الجواليقي(٧)، قال: ثنا داهر بن نوح(٨)، ثنا يوسف بن خالد(٩)، عن (٢) (ص١٦). (١) (ص٥٤). (٣) في (ح): نقلاً عن الخطيب. (٤) ((التقريب)) للنووي (ص٢١٤) مع التدريب. (٥) ((تقريب التهذيب)) (ص٤١٩) وفيه: أبو عمرو بن محمد بن حريث، أو ابن محمد بن عمرو بن حريث، وقيل: أبو محمد بن عمرو بن حريث، مجهول، من السادسة. اهـ. (٦) ((النكت على ابن الصلاح)) (٧٧٣/٢). (٧) هو: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد الأهوازي الجواليقي، الإمام، صاحب التصانيف، المتوفى سنة ست وثلاثمائة. ((المنتظم)) (١٥٠/٦ - ١٥١)، و((العبر)) (١٣٣/٢). (٨) هو: داهر بن نوح الأهوازي، قال الدارقطني: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). «المغني في الضعفاء)) (٢١٦/١)، و((لسان الميزان)) (٤١٣/٢). (٩) هو: يوسف بن خالد بن عمير السمتي، أبو خالد البصري، قال ابن معين: كذاب زنديق، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، مات سنة تسع وثمانين ومائة. (يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (١٣٤/٤)، و((تهذيب الكمال)) (٤٢١/٣٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٥ المضطرب أبي معاذ الخُراساني، عن عطاء بن ميناء(١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ليُصَلِّ أحدُكم إلى ما يستره، فإن لم يجد فليخطّ خطّاً)). وكذا روينا في أول جزء ابن فيل(٢)، قال: ثنا عيسى بن عبد الله العسقلاني(٣)، ثنا رواد بن الجراح (٤)، عن الأوزاعي عن أيوب بن موسى (٥)، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َ: ((إذا صلّى أحدكم فليصل إلى مسجدٍ أو إلى شجرةٍ أو إلى بعيرٍ، فإن لم يجد فليخطّ خطّاً بين يديه، ولا يضرّه من مَرَّ بين يديه)). ورواه أبو مالك النخعي(٦) عن أيوب، فقال: عن المقبري بدل أبي سلمة، وادّعى الدّارقطني في ((الأفراد)) تفرّد أبي مالك بهذا الحديث. بل في الباب - أيضاً - عن غير أبي هريرة، فعند أبي يعلى الموصلي (٧) (١) هو: عطاء بن ميناء - بكسر الميم وسكون التحتانية ثم نون - المدني، وقيل: البصري، أبو معاذ، صدوق من الثالثة. ((تقريب التهذيب)) (ص٢٣٩)، والخلاصة (ص٢٢٦). (٢) هو: الشيخ الإمام المحدث الرحال أبو طاهر الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل البالسي، المتوفى سنة بضع عشرة وثلاثمائة. ((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٦/١٤ - ٥٢٧). (٣) هو: عيسى بن عبد الله بن سليمان القرشي العسقلاني، قال ابن عدي: ضعيف يسرق الحديث، ووثقه الدارقطني وابن حبان. ((الكامل)) لابن عدي (١٨٩٧/٥ - ١٨٩٨)، و((لسان الميزان)) (٤٠٠/٤ - ٤٠١). (٤) هو: رواد بن الجراح، أبو عصام العسقلاني، صدوق اختلط بأخرة فترك، من التاسعة. (تقريب التهذيب)) (ص١٠٤)، والخلاصة (ص١٠٢). (٥) هو: أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، أبو موسى المكي، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٢٥٧/١/١ - ٢٥٨)، و((تهذيب الكمال)) (٤٩٤/٣). (٦) هو: عبد الملك، وقيل: عبادة بن الحسين، وقيل: ابن أبي الحسين، ويقال له: ابن ذر، النخعي الواسطي، متروك من السابعة. ((تهذيب التهذيب» (٢١٩/١٢ - ٢٢٠)، و(«تقريب التهذيب)» (ص٤٢٤). (٧) هو: الحافظ الثقة أحمد بن علي بن المثنى التميمي، صاحب المسند الكبير، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة . = ٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المضطرب في (مسنده)) من حديث إبراهيم بن أبي محذورة (١) عن أبيه (٢) عن جدِّه، قال: ((رأيت رسول الله ◌َي دخل المسجد من قبل باب بني شيبة حتَّى جاء إلى وجه الكعبة، فاستقبل القبلة، فخطّ من بين يديه خطًا عرضاً، ثم كبر فصلَّى والنَّاسُ يطوفون بين الخطّ والكعبة))(٣). وكذا عند الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري ظه(٤) وفي [سندهما](٥) ضعف(٦)، لكنّهما مع طريقين إحداهما مرسلة، والأخرى مقطوعة (٧) يتقوى بها حديث أبي هريرة. وإذ قد ظهر أن الاضطراب الواقع في السَّند غير مؤثِّر، فلنذكر مثالاً لا خدش فيه مما اختلف فيه الثقات مع تساويهم، وتعذّر الجمع بين ما أتوا به، وهو حديث: ((شيَّبتني هود وأخواتها))(٨)، فإنه اختلف فيه على أبي إسحاق السَّبيعي : = «تذكرة الحفاظ)) (٧٠٧/٢ - ٧٠٨)، و(«البداية والنهاية)) (١٣٠/١١). (١) هو: إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي، أبو إسماعيل المكي، ضعفه ابن معين، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ، من السابعة. ((تهذيب التهذيب)) (١٤١/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢١). (٢) هو: عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي المكي، المؤذن، مقبول من السادسة. (تقريب التهذيب)) (ص٢١٥)، والخلاصة (ص ٢٠٣). (٣) ((المطالب العالية)) (٩٠/١). (٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٧٧٣/٢). (٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): سنديهما. (٦) لأن في إسناد الطبراني أبا هارون العبدي، وهو ضعيف، كما في ((النكت)) (٧٧٣/٢)، والتقريب (ص٢٥١). (٧) رواها عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٤/٢)، ومسدد في ((مسنده الكبير)) عن سعيد بن جبير كما في ((النكت)) (٧٧٣/٢ - ٧٧٤). (٨) رواه الترمذي: باب سورة الواقعة من أبواب تفسير القرآن رقم (٣٢٩٣)، بلفظ: قال أبو بكر: يا رسول الله! أراك قد شبت؟ قال: ((شيّبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)). والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٣/٢) وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٧ المضطرب = فقيل: عنه عن عكرمة عن أبي بكر(١)، ومنهم من زاد بينهما ابن عباس (٢). وقيل: عنه عن أبي جُحيفة عن أبي بكر(٣). وقيل: عنه عن البراء عن أبي بكر (٤). وقيل: عنه عن أبي مَيسرة(٥) عن أبي بكر(٦). وقيل: عنه عن مَسْروق(٧) عن أبي بكر(٨). وقيل: عنه عن مَسْروق عن عائشة عن أبي بكر (٩). وقيل: عنه عن علقمة عن أبي بكر (٩). وقيل: عنه عن عامر بن سعد البجلي (١٠) عن أبي بكر(١١). وقيل: عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر (١٢). (١) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص١٥). (٢) رواه الترمذي والحاكم. (٣) ذكره البزار في («مسنده)) (١٧٠/١)، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٣٤/٢)، والحكيم الترمذي والطبراني وأبو الشيخ كما في ((الدر المنثور)) (٣٩٨/٤). (٤) انظر: ((العلل)) للدار قطني (١٩٧/١). (٥) هو: عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة عابد مخضرم، مات سنة ثلاث وستين. (تقريب التهذيب)) (ص ٢٦٠)، والخلاصة (ص٢٤٦). (٦) ((مسند أبي بكر)) للمروزي (ص٦٩ - ٧٠)، و((حلية الأولياء)) (٣٥٠/٤). (٧) هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد، مات سنة ثلاث وستين. ((تقريب التهذيب)) (ص٣٣٤)، والخلاصة (ص٣١٩). (٨) أخرجه ابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر. انظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (٣٩٦/٤). (٩) أخرجه الدارقطني في العلل (٢٠٩/١). (١٠) هو: عامر بن سعد البجلي الكوفي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن حجر: مقبول، من الثالثة. ((الثقات)) لابن حبان (١٨٩/٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٦٠). (١١) ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٤/ ٣٥٠). (١٢) أخرجه ابن مردويه في ((منتقى حديث أبي محمد بن حيان)). انظر: ((العلل)) للدار قطني (١٩٩/١). المضطرب ٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقيل: عنه عن مصعب بن سعد(١) عن أبيه عن أبي بكر(٢). وقيل: عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعود(٣)، ذكره الدَّارقطني مبسوطاً(٤) . وأما أمثلة الاضطراب في المتن - وقَلَّ أن يُوجد مثالٌ سالمٌ له - كحديث نفي البسملة(٥)؛ حيث زال الاضطراب عنه بالجمع المتقدم في النّوع قبله (٦). وحديث ابن جُريج في وضع الخاتم(٧) حيث زال بما تقدم في المنكر(٨). وحديث فاطمة: ((إن في المال لَحَقّاً سوى الزكاة)»(٩). الذي ذكره الشّارح(١٠)، حيث زال بإمكان سماعها للفظين، وحمل المثبت على التَّطوُّع، والنافي على الواجب، ويتأيَّد بزيادة: ((ثم قرأ - أي: رسول الله وَله: ﴿وَءَاتَى اُلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾(١١)، في بعض طرقه(١٢) . وفي لفظ آخر قال أبو حمزة(١٣): قلت للشَّعبي: إذا زََّى الرَّجلُ مالَه (١) هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومائة. (تقريب التهذيب)) (ص٣٣٨)، والخلاصة (ص٣٢٣). (٢) ذكرها الدارقطني في ((العلل)) (١٩٩/١). (٣) ((المعجم الكبير)) للطبراني (١٢٥/١٠ - ١٢٦). (٤) انظر: ((العلل)) للدارقطني (١٩٣/١ - ٢١١)، و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٦). تقدم تخريجه (ص٥٦). (٥) (٦) (ص٦٠). (٧) تقدم تخريجه (ص١٨). (٨) (ص١٨، ١٩). (٩) رواه الترمذي: باب ما جاء أن في المال حقاً سوى الزكاة من أبواب الزكاة رقم (٦٦٠). (١٠) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٤٤/١ - ٢٤٥). (١١) سورة البقرة: الآية ١٧٧. (١٢) رواه الترمذي في الباب المذكور برقم (٦٥٩). (١٣) هو: ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي، ضعفه أحمد والجوزجاني والدارقطني، وقال البخاري: ليس بذاك. ((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص٧٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٩٥/١٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٩ المضطرب أَيطيبُ له مالُه؟ فقرأ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية(١)، هذا مع ضعفه بغير الاضطراب، فإنَّ أبا حمزة شيخ شريك فيه ضعيف(٢). ووراء هذا نفي بعضهم الاضطراب عنه بأنَّ لفظ الحديث في التِّرمذي وابن ماجه سواء، وهو الإثبات، لكنه لم يُصب (٣)، وإن سبقه لنحوه (٤) البيهقي (٤). فمنها: الاختلاف في الصّلاة في قصّة ذي اليدين(٥)، فمرَّة شَكَّ الرّاوي أهي الظُهرُ أو العصرُ(٦)، ومرة قال: إحدى صلاتي العَشِيِّ، إما الظهر وإما العصر (٧)، ومرة جزم بالظهر(٨)، وأخرى بالعصر(٩)، وأخرى قال: وأكبر ظني أنها العصر (١٠). وعند النّسائي ما يشهد لأنّ الشكّ فيها كان من أبي هريرة، ولفظه: ((صلى النبي ◌َّر إحدى صلاتي العشي))، قال أبو هريرة: ولكني نسيت(١١). (١) سورة البقرة: الآية ١٧٧ وتمامها: ﴿أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَءَانَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾. (٢) ممن ضعفه الترمذي في ((سننه)) بعد روايته للحديث. (٣) فقد رواه ابن ماجه: باب ما أدى زكاته ليس بكنز، كتاب الزكاة رقم (١٧٨٩) بالنفي. (٤) ((سنن البيهقي)) (٨٤/٤). (٥) قصة ذي اليدين رواها البخاري في ((صحيحه)): باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، كتاب الأذان (٢٠٥/٢، ٩٦/٣)، ومسلم: باب السهو في الصلاة والسجود له، كتاب المساجد (٦٧/٥ - ٧٠)، ومالك في ((الموطأ)) (٩٣/١)، وأحمد في ((المسند)) (٢٣٥/٢، ٢٧١)، وأبو داود: باب السهو في السجدتين، كتاب الصلاة رقم (١٠٠٨)، والنسائي: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم، كتاب الصلاة (٢٠/٣ - ٢٥)، والترمذي: باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر من أبواب الصلاة رقم (٣٩٩)، وابن ماجه: باب فيمن سلم من ثنتين أو ثلاث ساهياً، كتاب إقامة الصلاة رقم (١٢١٤). (٦) ((صحيح البخاري)) (٩٦/٣). (٧) ((صحيح مسلم)) (٦٧/٥ - ٦٨). (٨) ((صحيح البخاري)) (٢٠٥/٢)، ومسلم (٧٠/٥). (٩) مسلم (٦٩/٥). (١١) ((سنن النسائي)) (٢٠/٣). (١٠) البخاري (٩٩/٣). المضطرب ٨٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال شيخنا: فالظاهر أنَّ أبا هريرة رواه كثيراً على الشَّكِّ، وكان ربَّما غلب على ظنّه أنَّها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظَنِّه أنَّها العصر فجزم بها، ثم طرأ الشُّ في تعيينها على ابن سيرين - أيضاً - لما ثبت عنه أنه قال: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا (١)، وكأنَّ السَّبب في ذلك الاهتمام بما في القصّة من الأحكام الشرعية (٢). وأبعد من جمع بأن القصّة وقعت مرتين، ولكن كثيراً ما يسلك الحفاظ، كالنووي ◌َُّ(٣) ذلك في الجمع بين المختلف توصلاً إلى تصحيح كلّ من الروايات، صوناً للرواة الثقات أن يتوجه الغلط إلى بعضهم(٤)، وقد لا يكون الواقع التّعدد. نعم. قد رجّح شيخنا في هذا المثال الخاص رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة(٥) . (والاضطراب) حيث وقع في سند أو متن (موجب للضّعف)(٦) لإشعاره بعدم ضبط راويه أو رواته. (١) ذكره البخاري في ((صحيحه)) (١/ ٥٦٥). (٢) ((فتح الباري)) (٩٧/٣). (٣) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٩٧/١، ١٢٤/١١). (٤) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٧٩٧/٢). (٥) ((فتح الباري)) (٩٧/٣). (٦) يرى ابن القطان أن الاضطراب في السند ليس بعلة، إذا كان من يروى عنه الحديث ثقة. انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) (٣٣٩/٣). أما الاضطراب في المتن فهو الذي يؤثر قدحاً في الحديث عنده أيضاً. انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) (٣٧٥/٣). ملحوظة : انظر بحث المضطرب في: ١ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٨٤ - ٨٥). ٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٢٤٠/١ - ٢٤٥). ٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) (٧٧٢/٢ - ٨١٠). ٤ - ((تدريب الراوي)) للسيوطي (ص١٦٩ - ١٧٣). ٥ - ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (٣٤/٢ - ٥٠).