النص المفهرس
صفحات 241-260
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤١ المرسلُ جنس ليشملَ - كما صرَّح به الشارحُ - سقوطَ راو فأكثر(١)، بحيث يدخل فيه المنقطعُ والمعضلُ والمعلقُ، وهو ظاهر عبارة الخطيب، حيث أطلق الانقطاعَ، فإنَّه قال في كفايته: المرسلُ هو ما انقطع إسنادهُ بأن يكونَ في رواته من لم یسمعه ممن فوقه(٢). وكذا قال في موضع آخر منها: لا خلافَ بين أهل العلم أنَّ إرسال الحديث الذي ليس بالمدلس، هو رواية الراوي عمن لم يعاصره، كالتابعين عن النبي ◌ِّر، وابن جريج(٣) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومالكِ عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أو عمن عاصره ولم يلقه، كالثوري وشعبة عن الزهري. قال: وما كان نحو ذلك، فالحكمُ فيه - وكذا فيمن لقي من أضاف إليه وسمع منه، إلا أنَّه لم يسمع منه ذلك الحديث - واحد (٤)، وحاصله التسويةُ بين الإرسال الظاهر والخفي والتدليس في الحكم. ونحو قول أبي الحسن بن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) - كما سيأتي في التدليس(٥) -: الإرسالُ رواية الراوي عمن لم يسمع منه (٦)، وهو الذي حكاه ابنُ الصلاح عن الفقهاء والأصوليين، بل وعن الخطيب، فإنه قال: والمعروفُ في الفقه وأصوله(٧) أن [ذلك كله] (٨) أي: المنقطع والمعضل يسمى مرسلاً، قال: وإليه ذهبَ من أهل الحديث الخطيبُ وقطع به (٩). (١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٤٦/١). (٢) ((الكفاية)) (ص٥٨)، و((الفقيه والمتفقه)) للخطيب (١٠٣/١). (٣) هو: الإمام الحافظ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي، مولاهم، المكي الفقيه، المتوفى سنة خمسين ومائة. («تذكرة الحفاظ)) (١٦٩/١ - ١٧٠)، والتقريب (ص٢١٩). (٤) ((الكفاية)) (ص٥٤٦ - ٥٤٧). (٥) (ص٣١٤). (٦) (بيان الوهم والإيهام)) (٤٩٣/٥). (٧) انظر: ((العدة في أصول الفقه)) للقاضي أبي يعلى (٩٠٦/٣). (٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أن كل ذلك، ثم ضرب الناسخ على ذلك، وكتب فوقها: كله، وفي ابن الصلاح: أن كل ذلك. (٩) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٨). المرسلُ ٢٤٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ونحوه قولُ النووي في شرح مسلم: المرسلُ عند الفقهاء والأصوليين والخطيب وجماعة من المحدثين: ما انقطع إسنادُه على أيِّ وجه كان، فهو عندهم بمعنى المنقطع (١)، فإنَّ قوله: على أي وجه كان يشملُ الابتداءَ والانتهاءَ وما بينهما، الواحد فأكثر. وأصرحُ منه قوله في ((شرح المهذب)): ومرادنا بالمرسل هنا: ما انقطع إسناده، فسقط من رواته واحد فأكثر، وخالفنا أكثرُ المحدثين [فقالوا(٢)]: هو رواية التابعي عن النبي ◌َّ. انتهى(٣). وممن صرَّح بنحوه من المحدثين الحاكمُ، فإنه قال في ((المدخل)) (٤) وتبعه البغوي في شرح السنة (٥): هو قولُ التابعي أو تابع التابعي: قال رسولُ اللهِ وَله : وبينه وبين الرسول [رَلير](٦) قرن أو قرنان، ولا يذكر سماعَه من الذي سمعه، يعني: في رواية أخرى، كما سيأتي أواخر الباب(٧). ولكنَّ الذي مشى عليه في علومه خلافُ ذلك(٨)، وكذا أطلقَ أبو نعيم في ((مستخرجه)) على التعليق مرسلاً، وممن أطلق المرسلَ على المنقطع من أئمتنا أبو زرعة (٩) وأبو حاتم(١٠)، ثم الدار قطني(١١)، ثم البيهقي؛ بل صرَّح البخاري (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣٠/١). (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (فقال). (٣) ((المجموع شرح المهذب)) (٦٠/١ - ٦١). (٤) (ص٩٢) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢) وفيه: سمعه فيه، ولعل صواب العبارة: سمعها منه. (٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٥) (٢٤٥/١). (٧) (ص٢٦٧ - ٢٦٨). (٨) حيث قال في المعرفة (ص٢٦): مرسل أتباع التابعين عندنا معضل. (٩) في ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٤٨) نقلاً عنه: الحارث بن شبيل عن علي بن أبي طالب مرسل، وفي (ص٤٩) عنه: أبو الزاهرية عن علي وأبي الدرداء مرسل. وأبو زرعة هو: الإمام الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ القرشي، مولاهم الرازي، أبو زرعة، المتوفى سنة أربع وستين ومائتين، ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٩). (١٠) في ((المراسيل)) لابنه (ص١٠): سمعت أبي يقول: إبراهيم النخعي عن عمر مرسل. (١١) ((العلل)) للدار قطني (١٦١/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٣ المرسلُ في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل، لكون إبراهيمَ لم يسمع من أبي سعيد(١). وكذا صرَّح هو (٢) وأبو داود(٣) في حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود(٤) عن ابن مسعود بأنه مرسل، لكونه لم يدرك ابن مسعود، والترمذي(٥) في حديث لابن سيرين عن حكيم بن حزام بأنه مرسل، وإنما رواه ابن سيرين عن يوسف بن ماهك(٦) عن حكيم، وهو الذي مشى عليه أبو داود في مراسيله(٧) في آخرين. وأمَّا أبو الحسين ابن القطان(٨) من متقدمي أئمة أصحابنا، فإنه قال: المرسلُ أن يروي بعضُ التابعين عن النبيِ وَّهِ خبراً، أو يكونُ بين الراوي وبين (٩) رجل رجل(٩). وقال الأستاذ أبو منصور: المرسلُ ما سقط من إسناده واحد، فإن سقط (١٠) أكثر فهو معضل (١٠). (١) ((صحيح البخاري)): باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، من كتاب فضائل القرآن (٩/ ٥٩). (٢) يعني: الإمام البخاري في: ((التاريخ الكبير)) (٤٠٥/١/١). (٣) في ((سننه)) بعد الحديث رقم (٨٨٦). (٤) هو: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، مات بين عشر وعشرين ومائة. ((الثقات)) لابن حبان (٢٦٣/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧١/٨ - ١٧٣). (٥) في ((سننه)) بعد الحديث رقم (١٢٣٤). (٦) هو: يوسف ماهك بن مهران الفارسي المكي، مولى قريش، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد وغيرهم، مات سنة ثلاث عشرة ومائة. طبقات ابن سعد (٤٧٠/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٢١/١١). (٧) حيث أدخل فيه المنقطع والمرسل وغيرهما . (٨) هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن القطان البغدادي، آخر أصحاب ابن سريج وفاة، مات سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ((طبقات الفقهاء)) للشيرازي (ص١١٣)، وطبقات ابن قاضي شهبة (٩٦/١ - ٩٧). (٩) ذكره في كتابه ((أصول الفقه)) كما في ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص١٨). (١٠) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥٤٣/٢). ٢٤٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المرسلُ ثم إنَّه على القول بشموله المعضلَ والمعلقَ قد توسَّع من أطلقه من الحنفية على قول الرجل من أهل هذه الأعصار: قال النبي وَلّ كذا(١). وكأنَّ ذلك سلفُ الصفدي(٢) حيث قال في ((تذكرته)) حكاية عن بعض المتأخرين: المرسلُ ما رفع إلى النبيِ وَّ من غير عنعنة، والمسندُ ما رفعه راويه بالعنعنة، فإنَّ الظاهر أن قائله أراد بالعنعنة الإسناد، فهو كقول ابن الحاجب ـ تبعاً لغيره من أئمة الأصول -: المرسلُ قول غير الصحابي: قال رسول الله وال﴾(٣)، فإنه يتناول ما لو كثرت الوسائط. ولكن قد قال العلائي: إن الظاهر عند التأمل في أثناء استدلالهم أنهم لا يريدونه، بل إنما مرادهم ما سقط منه التابعي مع الصحابي، أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابي ونحو ذلك، ويدل عليه قولُ إمام الحرمين في ((البرهان)): مثالُه أن يقول الشافعي: قال رسول الله [وَلَو](1) كذا(٥)، وإلا فيلزم من الإطلاق المتقدم بطلان اعتبار الأسانيد، التي هي من خصائص هذه الأمة، وترك النظر في أحوال الرواة، والإجماعُ في كل عصر على خلاف ذلك، وظهور فساده غني عن الإطالة فيه. انتهى(١). ولذلك خصَّه بعضُ المحققين من الحنفية بأهل الأعصار الأول، يعني القرون الفاضلة(٧)، لما صحَّ عنه وَ ﴿ أنه قال: ((خيرُ النَّاس قرني، ثم الَّذينَ (١) ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص٢٢، ٢٤، ٢٧) وفي التحرير لابن الهمام (ص٣٤٣): المرسل قول الإمام الثقة: قال عليه الصلاة والسلام مع حذف من السند، وتقييده بالتابعي أو الكبير منهم اصطلاح. (٢) هو: العلامة الأديب البارع خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي صلاح الدين الشافعي، المتوفى سنة أربع وستين وسبعمائة. (الطبقات الكبرى)) للسبكي (٥/١٠ - ٣٢)، و((الدرر الكامنة)) (١٧٦/٢). (٣) ((مختصر ابن الحاجب)) (٧٤/٢) مع شرح العضد وحواشيه. (٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (٥) البرهان (٦٣٢/١)، وتحرفت كلمة ((الشافعي)) إلى ((التابعي))، وهو في (ق١٧٧) من مخطوطة مصورة بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى على الصواب. وانظر: ((جامع التحصيل)) (ص٢٣). (٦) نقله الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٥٤٥/٢). (٧) انظر: ((أصول السرخسي)) (١/ ٣٦٠)، و((أصول البزدوي)) (٢/٣) مع شرحه ((كشف الأسرار))، و((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت)) (١٧٤/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٥ المرسلُ يَلُونهم، ثُمَّ الذين يَلُونهم)). قال الراوي(١): فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة(٢)، وفي رواية جزم فيها بثلاثة بعد قرنه بدون شك(٣)، ((ثم يفشو الكذبُ)) (٤)، وفي رواية: «ثم ذكر قوماً يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، ويُنذِرون ولا یوفون)»(٥). وحينئذ فالمرسلُ (ذو أقوال) الثالث أوسعها، والثاني أضيقُها، (والأول الأكثر في استعمال) أهل الحديث، كما قاله الخطيبُ، وعبارته عقب حكاية الثالث من كفايته: إلا أنَّ أكثرَ ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ◌َّر، أما ما رواه تابع التابعي فيسمونه المعضل(٦). بل صرَّح الحاكمُ في ((علومه)) بأنَّ مشايخَ الحديث لم يختلفوا أنه هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، ثم يقول التابعي: قال رسول الله وَيَ(٧) ووافقه غيرُه على حكاية الاتفاق (٨). (١) الراوي: هو عمران بن حصين، وهو موضح في الصحيحين، ووقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم: باب فضل الصحابة كتاب الفضائل (٨٦/١٦ - ٨٧)، وفي حديث بريدة عند الإمام أحمد (٣٥٠/٥). (٢) رواه البخاري: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، کتاب الشهادات (٢٥٨/٥ -٢٥٩)، ومسلم: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كتاب فضائل الصحابة (١٦/ ٨٧-٨٨)، وأبو داود: باب في فضل أصحاب رسول الله وحلول، كتاب السنة رقم (٤٦٥٧)، والنسائي: باب الوفاء بالنذر، كتاب الأيمان والنذور (٧/ ١٧ -١٨)، والترمذي باب ما جاء في القرن الثالث من أبواب الفتن رقم (٢٢٢٢، ٢٢٢٣)، عن عمران بن حصين. (٣) جاء في أكثر الطرق بغير شك، منها عن النعمان بن بشير عند أحمد (٢٦٧/٤)، وعن عائشة عند مسلم (٨٩/١٦)، وعن عمر عند أبي داود الطيالسي (ص٧)، إلا أنه ذكر ((ثم الذين يلونهم)) مرتين فقط. وانظر: ((فتح الباري)) (٧/ ٧). (٤) في رواية أخرجها أحمد في ((المسند)) (١٨/١)، والترمذي: باب خير القرون من أبواب الشهادات رقم (٢٣٠٤)، وابن ماجه: باب كراهة الشهادة لمن لم يستشهد، كتاب الأحكام رقم (٢٣٦٣) من حديث عمر بن الخطاب بإسناد صحيح، كما في تعليق الشيخ أحمد شاكر على ((المسند)) (١/ ١١٢). (٥) هذه الرواية هي بقية حديث عمران الذي سبق تخريجه آنفاً . (٦) ((الكفاية)) (ص٥٨). (٧) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٥). (٨) انظر: ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص٢١ - ٢٢). المرسلُ ٢٤٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٢ (واحتجَّ) الإمامُ (مالك) هو ابن أنس في المشهور عنه (١)، و(كذا) الإمامُ أبو حنيفة (النعمان) بن ثابت(٢) (وتابعوهما) المقلِّدون لهما، والمراد الجمهورُ من الطائفتين(٣)، بل وجماعة من المحدثين والإمامُ أحمد في رواية حكاها النووي(٤) وابن القيم(٥) وابن كثير(٦) وغيرهم(٧). (به) أي: بالمرسل (ودانوا) بمضمونه، أي: جعل كلُّ واحد منهم ما هو عنده مرسل ديناً يدين به في الأحكام وغيرها، وحكاه النووي في ((شرح المهذب)) عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم، قال: ونقله الغزاليُ عن الجماهير (٨) . وقال أبو داود في رسالته: وأما المراسيلُ فقد كان أكثرُ العلماء يحتجون بها فيما مضى، مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي تَظُّ فتكلَّم في ذلك، وتابعه عليه أحمدُ وغيره. انتهى(٩) . وكأنَّ من لم يذكر أحمد في هذا الفريق، رأى ما في الرسالة (١٠) أقوى، مع ملاحظة صنيعه في ((العلل)) كما سيأتي قريباً (١١)، وكونه يعمل بالضعيف الذي يندرج فيه المرسل، فذاك إذا لم يجد في الباب غيره، كما تقدم(١٢). ثم اختلفوا أَهُو أعلى من المسند أو دونه أو مثله؟ وتظهرُ فائدةُ الخلاف (١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢/١)، و((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (٥٠/٢، ٢٣٧) لكن قال ابن العربي في العارضة (٢٤٦/١): تحقيق مذهب مالك أنه لا تقبل إلا مراسيل أهل المدينة . اهـ. (٢) انظر: ((فواتح الرحموت)) (١٧٤/٢)، وحاشية السندي على النسائي (١٠٤/١). (٣) ((جامع التحصيل)) (ص٢٧)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢٩٦/١). (٤) في ((المجموع)) (٦٠/١). (٥) في ((إعلام الموقعين)) (٣١/١). (٦) في ((اختصار علوم الحديث)) (ص٤٨). (٧) انظر: ((المسودة)) (ص ٢٥٠)، و((شرح الكوكب المنير)) (٥٧٦/٢). (٨) ((المجموع)) (٦٠/١)، و((المستصفى)) (١٦٩/١). (٩) ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (ص٢٤). (١٠) يعني ((رسالة أبي داود)). (١٢) (ص١٤٧) وما بعدها. (١١) (ص٢٥٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٧ المرسلُ عند التعارض، والَّذي ذهب إليه أحمد (١) وأكثرُ المالكية(٢) والمحققون من الحنفية، كالطحاوي وأبي بكر الرازي تقديمَ المسند(٣). قال ابنُ عبد البر: وشبهوا ذلك بالشهود، يكون بعضهم أفضل حالاً من بعض، وأقعدُ وأتمُّ معرفة(٤)، وإن كان الكلُّ(٥) عدولاً(٦) جائزي الشهادة . انتهى (٧) والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند وجَّهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظرِ في أحوال رواته، والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته، فقد قطع لكَ بصحته، وكفاكَ النظرَ فيه (٨) . ومحلُّ الخلاف فيما قيل إذا لم ينضمَّ إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالاً من مسند ضعيف جزماً، ولذا قيل: إنَّهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات، قاله ابنُ عبد البر(٩). وكذا أبو الوليد الباجي(١٠) من المالكية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وعبارة الثاني(١١): لا خلافَ أنه لا يجوز العملُ بالمرسل إذا كان مرسله غيرَ متحرز، بل يرسلُ عن غير الثقات - أيضاً(١٢) -، وأمَّا الأول (١٣) (١) نص الإمام أحمد على تقديم قول الصحابي على الحديث المرسل، فالمسند أولى من قول الصحابي. انظر: ((المسودة)) (ص ٢٥٠)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٣١٧/١). (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٥/١)، و((جامع التحصيل)) (ص٢٩). (٣) ((كشف الأسرار)) (٥/٣)، و((جامع التحصيل)) (ص٢٩). في ((التمهيد)» بعد ذلك: وأكثر عدداً. (٤) في «التمهيد»: عدلین. (٦) (٥) في ((التمهيد)): ((البعض)) بدل ((الكل)). (٧) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٥/١). ((المدخل)) للحاكم (ص٩٢)، و((التمهيد)) (٣/١)، و((المغني في أصول الفقه)) للخبازي (٨) (ص ١٩٠)، وأصول السرخسي (٣٦١/١). (٩) في ((التمهيد)) (٧/١، ١٧، ٣٠). (١٠) هو: سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي الباجي المالكي، الحافظ أبو الوليد، المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة. ((الصلة)) لابن بشكوال (٢٠٠/١ - ٢٠٢). (١١) يعني: الباجي، وقد أخر عن الأول في (م). (١٢) ((الإشارات في الأصول)) للباجي (ص ٥٥)، و((جامع التحصيل)) (ص٤٥). (١٣) يعني: ابن عبد البر، وهو مقدم على الثاني في (م). المرسلُ ٢٤٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث فقال: لم تزل الأئمةُ يحتجُّون بالمرسل إذا تقاربَ عصرُ المرسِل والمرسَل عنه، ولم يُعرف المرسِلُ بالرواية عن الضعفاء (١). وممن اعتبرَ ذلك من مخالفيهم الشافعي، فجعله شرطاً في المرسل المعتضد (٢)، ولكن قد توقَّف شيخُنا في صحة نقل الاتفاق من الطرفين(٣) قبولاً ورداً، قال: لكن ذلك فيهما عن جمهورهم مشهور. انتهى (٤). وفي كلام الطحاوي ما يومئ إلى احتياج المرسل ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة، وذلك أنَّه قال - في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود(٥) أنه سئل: كان عبدُ الله مع النبي وَ ل ليلة الجن؟ قال: لا (٦) - ما نصه: فإن قيل: هذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً؟ يقال: نحنُ لم نحتج به من هذه الجهة، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله وخلطته بخاصته من بعده لا يخفى عليه مثلُ هذا من أموره، فجعلنا قولَه حجة لهذا، لا من الطريق التي وصفت(٧). ونحوه قولُ الشافعي [َّ ◌ُهُ](٨) في حديث لطاوس عن معاذ: طاوس لم يلق معاذاً، لَكنَّه عالم بأمر معاذ وإن لم يَلْقَه، لكثرةِ من لقيه ممَّنْ أخَذَ عن (١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢/ ٥٥٢). (٢) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٤٦٣). (٣) في حاشية (س): الذي أشرت له بالهامش بالأول والثاني. (٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٥٥٣/٢). (٥) مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات بعد سنة ثمانين. (تقريب التهذيب)) (ص٤١٦)، والخلاصة (ص١٥٦). (٦) خبر أبي عبيدة أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٥/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١/١). وقد نفى عبد الله بن مسعود نفسه كونه مع النبي (980 ليلة الجن كما في ((صحيح مسلم)): باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن كتاب الصلاة (١٦٩/٤ - ١٧٠) مطولاً، وأبو داود: باب الوضوء بالنبيذ كتاب الطهارة رقم (٨٥)، والترمذي: باب سورة الأحقاف من أبواب تفسير القرآن بعد الحديث رقم (٣٢٥٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٥/١ - ٩٦). (٧) ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (٩٥/١). (٨) ما بين المعقوفين ليس في (م). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٤٩ المرسلُ معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافاً(١)، وتبعه البيهقي(٢) وغيره. ومن [الحجج](٣) لهذا القول أنَّ احتمالَ الضعف في الواسطة حيث كان(٤) تابعياً، لا سيما بالكذب بعيد جداً، فإنه وَ﴿ أثنى على عصر التابعين، وشهدَ له بعد الصحابة بالخيرية، ثم للقرنين كما تقدم(٥)، بحيث استدلَّ بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، فإرسال التابعي بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديثَ بالجزم من غير وثوق بمن قاله مناف لها، هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. وأوسع من هذا قولُ عمر ◌َظُه: المسلمونَ عُدول بعضُهم على بعض، إلَّا مجلوداً في حدٍّ أو مجرباً عليه شهادةُ زور، أو ظنيناً (٦) في ولاء أو قرابة(٧). (١) الأم للإمام الشافعي (٩/٢)، والحديث: أن معاذ بن جبل أتي بوقص البقر، فقال: لم يأمرني فيه النبي وَ ل بشيء. وذكر حديثاً آخر عن طاوس عن معاذ. (٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٩٨/٤). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (الحج). (٥) (ص٢٤٤ - ٢٤٥). (٤) في حاشية (س): المرسل. (٦) في حاشية (س): المتهم، وهو كذلك في: أساس البلاغة للزمخشري مادة (ظنن)، وفي: ((النهاية)) لابن الأثير مادة (ظنن) أيضاً: هو الذي ينتمي إلى غير مواليه، لا تقبل شهادته للتهمة . (٧) هذه قطعة من كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، والكتاب أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (٢٠٦/٤ - ٢٠٧)، والبيهقي في ((سننه)) أيضاً (١٥٠/١٠)، والخطيب في ((تاريخه)) (٤٤٩/١٠)، وذكره المبرد في ((الكامل)) (١٤/١ - ١٥)، ووكيع في ((أخبار القضاة)) (٧٠/١ - ٧٣)، وذكر ابن حزم في ((المحلى)) (٩/ ٣٩٣) بعضه. وشرحه العلامة ابن القيم شرحاً مطولاً في ((إعلام الموقعين)) يبدأ من (٩١/١)، وينتهي بـ (٢/ ١٦٤)، وذكره ابن حزم في ((الإحكام)) (١٠٠٢/٧ - ١٠٠٣) وقال: لا يصح وأشار إليه في ((الإحكام)) - أيضاً - (٧٧٨/٦) وقال: إنها رسالة مكذوبة. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (١٤٦/٣)، وابن القيم في («إعلام الموقعين)) (٩٢/١) قالا: إن العلماء تلقوه بالقبول، وبنوا عليه، واعتمدوا على ما فيه من الفقه والأصول. = المرسلُ ٢٥٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث بظاهر الإسلام في القبول، إلا أن يُعلم منه خلافُ عَنْهُ قالوا : فاكتفى العدالة، ولو لم يكن الواسطة من هذا القبيل لما أرسلَ عنه التابعي، والأصل قبولُ خبره حتى يثبت عنه ما يقتضي الرد. وكذا ألزم بعضُهم المانعينَ بأن مقتضى الحكم لتعاليق البخاري المجزومة بالصحة إلى من علق عنه(١)، أنَّ من يجزم من أئمة التابعين عن النبي (وَل بحديث يستلزم صحَته من باب أولى؛ لا سيما وقد قيل: إنَّ المرسِلَ لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه، فكأنَّه عدله. ويمكنُ إلزامُهم لهم - أيضاً - بأن مقتضى تصحيحهم في قول التابعي: ((مِنَ السنة)) وقفه على الصحابي (٢) حمل قول التابعي: قال رسول الله وَّل على أن المحدث له بذلك صحابي، تحسيناً للظن به في حجج يطول إيرادها، لاستلزامه التعرضَ للرد، مع كون ((جامع التحصيل)» في هذه المسألة للعلائي متكفلاً بذلك كله(٣)، وكذا صنَّف فيها ابن عبد الهادي (٤) جزءاً(٥). ورواه الترمذي: باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته من أبواب الشهادات رقم (٢٢٩٩) عن عائشة مرفوعاً بنحوه، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حدیث یزید بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث. اهـ. قلت: يزيد هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٤٢٥/٤). وأخرج بعضه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٦/ ١٧٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. وفي إسناده: حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب، قال ابن معين: ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب، وقال أحمد والدارقطني: لا يحتج به. انظر: ((الجرح والتعديل)) (١٥٦/٢/١)، و((المغني في الضعفاء)) (١٤٩/١). (١) انظر: معلقات البخاري المجزومة فيما تقدم (ص٩٧ - ٩٨). (٢) يعني: كما تقدم (ص٢٢٢). (٣) انظر: ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص٧٥ - ٧٩). (٤) هو: محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الجماعيلي ثم الصالحي، الفقيه الحنبلي، المحدث الناقد، شمس الدين أبو عبد الله، المتوفى سنة أربع وأربعين وسبعمائة . ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٤٣٦/٢)، و((الدرر الكامنة)) (٤٢١/٣ - ٤٢٢). (٥) انظر: ((الذيل على طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٤٣٨/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥١ المرسلُ (وردّه) أي: الاحتجاجَ بالمرسل (جماهرُ) بحذف الياء تخفيفاً جمع جمهور، أي: معظم (النقاد) من المحدثين كالشافعي وأحمد [وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين](١)، وحكموا بضعفه(٢) (للجهل بالساقط في الإسناد) فإنه يحتملُ أن يكونَ تابعياً؛ لعدم تقيدهم بالرواية عن الصحابة، ثم يحتملُ أن يكون ضعيفاً، لعدم تقيُّدهم بالثقات. وعلى تقدير كونه ثقة يحتمل أن يكونَ روى عن تابعي - أيضاً - يحتمل أن يكون ضعيفاً، وهلمُّ جرًّا(٣) إلى ستة أو سبعة، فهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض(٤)، واجتماعُ ستة في حديث يتعلق بسورة (٥) الإخلاص . (١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٢) انظر: ((علل الترمذي)) التي بآخر جامعه (٤٥٢/٩). (٣) قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه ((الزاهر)) (٤٧٦/١): معناه سيروا على هينتكم، أي: تثبتوا في سيركم، ولا تجهدوا أنفسكم، ولا تشقوا عليها، أخذ من الجر في السوق، وهو أن تترك الإبل والغنم ترعى في السير ... وفي نصب جراً ثلاثة أوجه، هو في قول الكوفيين منصوب على المصدر: لأنه في معنى جروا جراً، وفي قول البصريين مصدر وضع موضع الحال، والتقدير هلم جارين، وقال بعض النحويين: منصوب على التفسير. اهـ. (٤) ((شرح نخبة الفكر)) (ص٦٧). (٥) الحديث: أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤١٨/٥ - ٤١٩)، والنسائي باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ كتاب الصلاة (١٧١/٢ - ١٧٢)، وقال: ما أعرف إسناداً أطول من هذا، والترمذي باب ما جاء في سورة الإخلاص من أبواب ثواب القرآن رقم (٢٨٩٨) وقال: هذا حديث حسن. كلهم عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب، والمرأة المبهمة هي امرأة أبي أيوب كما في الترمذي. والحديث: مخرج في: ((صحيح البخاري)): باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، من كتاب فضائل القرآن (٥٨/٩ - ٥٩) من حديث أبي سعيد ظه قال: قال النبي وَلل لأصحابه: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن)). وللخطيب البغدادي جزء جمع فيه طرق الحديث واختلاف وجوهه، ولشيخ الإسلام= ١٢٣ المرسلُ ٢٥٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٤ (وصاحبُ التمهيد) وهو أبو عمر بن عبد البر (عنهم) يعني: المحدثين (نقله)(١) بل حكى الإجماعَ على طلب عدالة الخبر(٢)، (ومسلم) وهو ابن الحجاج (صدر الكتاب) (٣) الشهير الذي صنفه في الصحيح (أصله) أي: ردًّ الاحتجاج به، فإنَّه قال - في أثناء كلام ذكره في مقدمة الصحيح على وجه الإيراد على لسان خصمه -: والمرسلُ من الروايات في أصلِ قولنا، وقولِ أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، وأقرَّه ومشى عليه في كتابه. [وكذا أحمدُ] (٤) في ((العلل)) حيث يُعِلَّ الطريقَ المسندةَ بالطريق المرسلة(٥)، ولو كان المرسلُ عنده حجةً لازمة لما أَعلَّ به، ويكفينا نقلُ صاحبه أبي داود أنه تَبع فيه الشافعي كما تقدم(٦). وكذا حكي عن مالك وهو غريب، فالمشهورُ عنه الأول، وممن حكى الثاني عن مالك الحاكمُ(٧)، وقال النووي في ((شرح المهذب)): المرسلُ لا يُحتج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء، وجماهيرِ أصحاب الأصول والنظر، قال: وحكاه الحاكمُ أبو عبد الله عن سعيد بن المسيب ومالك وجماعة أهل الحديث والفقهاء. انتهى (٨) . وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري(٩) من المتقدمين، وابن الحاجب(١٠) ابن تيمية تقفُ كتاب نفيس أسماه: ((جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به = رسول الرحمن من أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ تعدل ثلث القرآن))، مطبوع، وجزء الخطيب المذكور مخطوط في دار الكتب المصرية، ومنه صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية، ضمن مجموع برقم (٥٦٤). (١) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٥/١). (٢) المصدر السابق (٦/١). (٣) ((صحيح مسلم)) (١٢٢/١) بشرح النووي. (٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): وهو محكي عن أحمد، كما قدمته ومشى عليه. (٥) انظر: ((المسودة)) (ص٢٥٠)، و((جامع التحصيل)) (ص٣٠). (٦) (ص٢٤٦). ((المدخل)) للحاكم (ص٩٢) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢). (٧) ((المجموع شرح المهذب)) (٦٠/١)، و((المدخل)) للحاكم (ص٩٢). (٨) (٩) نقله ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤/١) عن الطبري. (١٠) ((مختصر ابن الحاجب)) (٧٤/٢) مع شرح العضد وحواشيه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٣ المرسلُ من المتأخرين ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله؛ إذ هو من كبارهم(١)، مع أنه لم ينفرد من بينهم بذلك، بل قال به منهم ابن سيرين(٢) والزهري(٣) وغايته أنهم غير متفقين على مذهب واحد، كاختلاف من بعدهم. ثمَّ إنَّ ما أشعر به كلامُ أبي داود (٤) في كون الشافعي أَوَّلَ من تركَ الاحتجاجَ به ليس على ظاهره، بل هو قولُ ابن مهدي(٥)، ويحيى القطان(٦)، وغيرُ واحد ممن قَبْل الشافعي، ويمكن [أنَّ](٧) اختصاصَ الشافعي لمزيد التحقیق فیه. وبالجملة فالمشهورُ عن أهل الحديث خاصة القولُ بعدم صحته؛ بل هو قولُ جمهور الشافعية(٨)، واختيارُ إسماعيل القاضي(٩)، وابنٍ عبد البر(١٠)، وغيرهما من المالكية، والقاضي أبي بكر الباقلاني(١١)، وجماعةٍ كثيرين من أئمة الأصول. (١) الرد بسعيد ومن ذكر على ابن الحاجب في ادعائه الإجماع ظاهر، لأن الإجماع عنده اتفاق الكل، فلا إجماع مع وجود المخالف ولو ندر. انظر: «مختصره)) (٣٤/٢) أما الرد بمن ذكر على الطبري فغير ظاهر؛ لأن الإجماع في نظره لا يعني اتفاق الكل، وإنما حقيقته قول الأكثر. انظر: ((المحصول)) للرازي (٢٥٧/١/٢)، و((روضة الناظر)) لابن قدامة (٣٥٨/١) مع شرحها لعبد القادر بن بدران، وهو الذي مشى عليه في (تفسيره))، فتراه يذكر الخلاف في مسألة، ثم يقول: والصواب في ذلك عندنا كذا، لإجماع الحجة من أهل التأويل. انظر: ((تفسير الطبري)) (٢٨٩/١). (٢) لعله أخذ من عنايته بالإسناد كما في: ((صحيح مسلم)) (٨٤/١)، و((سنن الدارقطني)) (١٧١/١)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢٩١/١). (٣) نقله عنه: الحاكم في ((المدخل)) (ص٩٢). (٤) في ((رسالته)) (ص٢٤). (٥) انظر: ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص ٣٠). (٦) المرجع السابق. (٨) ((جامع التحصيل)) (ص٣١). (٧) ساقطة من (م). (٩) هو: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي، أبو إسحاق القاضي المالكي، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ((الديباج المذهب)) (٢٨٢/١ - ٢٩٠)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٠٥/١ - ١٠٧). (١٠) انظر: ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص٣١). (١١) نقله عنه: الغزالي في ((المستصفى)) (١٦٩/١)، والعلائي في ((جامع التحصيل))= المرسلُ ٢٥٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وبالغَ بعضُهم في التضييق فردَّ مراسيلَ الصحابة(١)، كما بالغَ من توسَّع من أهل الطرف الآخر فقبل مراسيلَ أهل هذه الأعصار وما قبلها، وبينا هناك(٢) رده، وسنبين رَدَّ الآخر آخر الباب(٣) . وما أوردته من حجج الأولین مردود: أما الحديثُ(٤) فمحمول على الغالب والأكثرية، وإلا فقد وُجِدَ فيمن بعد الصحابة من القرنين من وُجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كَثُرَ فيهم واشتهر(٥) . وقد روى الشافعي عن عمه(٦)، ثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: إني لأسمع الحديثَ أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهيةَ أن يسمعه سامع فيقتدي به؛ وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث [به](٧) عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدَّثَ به عمن لا أثق به(٨) . وهذا كما قال ابن عبد البر: يدلُّ على أنَّ ذلك الزمان - أي زمان الصحابة والتابعين - كان يحدِّثُ فيه الثقةُ وغيرُه(٩) . (ص٣١)، وابن حجر في ((النكت)) (٥٦٩/٢)، والباقلاني: هو محمد بن الطيب بن = محمد الباقلاني، الأصولي المتكلم، المالكي الأشعري، المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة . ((تاريخ بغداد)) (٣٧٩/٥ - ٣٨٣)، و((مرآة الجنان)) (٦/٣ - ١٠). (١) كما سيأتي (ص٢٧١ - ٢٧٢). (٢) (ص٢٤٤). (٣) (ص٢٧٢). (٤) يعني حديث: ((خير الناس قرني))، وقد تقدم مخرجاً (ص٢٤٤ - ٢٤٥). (٥) انظر: ((فتح الباري)) (٧/٧). (٦) هو: محمد بن علي بن شافع بن السائب المطلبي المكي، وثقه الإمام الشافعي، من السابعة . ((الأم)) للشافعي (١٧٤/٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣١٢). (٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٨) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٣٨/١)، و((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص٧٣)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (١/ ٦١). (٩) ((التمهيد)) (٣٩/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٥ المرسلُ ونحوه ما أخرجه العقيلي(١) من حديث ابن عون، قال: ذكرَ أيوبُ السختياني لمحمد بن سيرين حديثاً عن أبي قلابة (٢)، فقال: أبو قلابة رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة(٣)؟. ومن حديث عمران بن حدير(٤) أن رجلاً حدثه عن سليمان التيمي(٥) عن محمد بن سيرين: أن من زارَ قبراً أو صلى إليه فقد برئ اللهُ منه (٦)، قال عمران: فقلت لمحمد عند أبي مجلز(٧): إن رجلاً ذكر عنك كذا، فقال أبو مجلز: كنت أحسبُك يا أبا بكر أشدَّ اتقاء، فإذا لقيت صاحبَك فأقرئه السلامَ، وأخبره أنه كَذَبَ، قال: ثم رأيت سليمانَ عند أبي مجلز فذكرت ذلك له، فقال: سبحان الله! إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب(٨) . فإنَّ هذا والذي قبله فيهما رد - أيضاً - على من يزعم أن المراسيلَ لم تزل مقبولة معمولاً بها. ومثل هذه: حديثُ عاصم (٩) عن (١) هو: الإمام الحافظ محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي أبو جعفر، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (٨٣٢/٣ - ٨٣٤)، و((شذرات الذهب)) (٢٩٥/٢). (٢) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي البصري، ثقة فاضل، مات بالشام هارباً من القضاء، سنة أربع ومائة. ((الكاشف)) للذهبي (٨٨/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٧٤). (٣) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٦/١ - ٧)، و((شرح علل الترمذي)) (٦٠/١). (٤) هو: عمران بن حدير السدوسي، أبو عبيدة البصري، وثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، مات سنة تسع وأربعين ومائة. ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد (٩٥/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٢٥/٨). (٥) هو: سليمان بن طرخان القيسي مولاهم البصري الإمام الحافظ، ولم يكن تيمياً؛ بل نزل فيهم، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. ((تذكره الحفاظ)) (١٥٠/١ - ١٥٢)، والخلاصة (ص١٢٩). (٦) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٨/١). (٧) هو: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري أبو مجلز، مشهور بكنيته، ثقة من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل: تسع ومائة. طبقات خليفة بن خياط (ص٢٠٩)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٧٢). (٨) ((الضعفاء)) للعقيلي (٨/١). (٩) هو: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، وثقه= المرسلُ ٢٥٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنةُ بعد(١). وأعلى من ذلك ما رويناه في ((الحلية)) من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة (٢) أنه سمع شيخاً من الخوارج يقول بعدما تاب: إنَّ هذه الأحاديثَ دين، فانظروا عمن تأخذونَ دينَكم، فإنَّا كُنَّا إذا هَوَيْنا أمراً صَيَّرناه حديثاً. (٣) . . انتھی ولذلك قال شيخُنا: إنَّ هذه والله قاصمةُ الظهر للمحتجين بالمرسل؛ إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسَنوا أمراً جعلوه حديثاً وأشاعوه، فربما سمِعَ الرجل الشيءَ فحدث به ولم يذكر من حدثه به، تحسيناً للظن فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله (٤). أحمد وابن معين وابن المديني، وغيرهم. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. = ((تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين)) (ص١٦١)، و((تهذيب الكمال)) (٤٨٥/١٣). (١) انظر: مقدمة صحيح مسلم (٨٤/١)، و((علل الترمذي)) التي بآخر جامعه (٤٣٧/٩)، و((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص١٩٧). (٢) هو: عبد الله بن لهيعة بن عقبة القاضي أبو عبد الرحمن المصري، من بحور العلم، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومائة. ((سير أعلام النبلاء)) (١٠/٨ -٢٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٨٦). (٣) حلية الأولياء (٣٩/٩). ورواه - أيضاً - الرامهرمزي في: ((المحدث الفاصل)) (ص٤١٥ - ٤١٦)، والخطيب في: ((الكفاية)) (ص١٩٨)، و((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١٣٧/١ - ١٣٨). لكن كثير من العلماء يشكك في صحة نسبة هذا القول إلى الخوارج مع قول أبي داود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج، انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٥٥/١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (١١٠/٤): أهل الحديث جربوا الخوارج فوجدوهم صادقين. (٤) (لسان الميزان)) لابن حجر (١١/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٧ المرسلُ وأما الإلزامُ بتعاليق(١) [البخاري، فهو قد عُلِمَ شرطُه في الرجال، وتقيده بالصحة، بخلاف التابعين. وأما ما بعده (٢) فالتعديلُ المحَفَّقُ في المبهم لا يكفي على المعتمد، كما سيأتي في سادس فروع من تُقْبل روايته(٣)، فكيف بالاسترسال إلى هذا الحد؟ نعم، قد قال ابنُ كثير: المبهمُ الذي لم يُسمَّ، أو سمي ولم تُعرَفْ عينه، لا يقبل روايتَه أحد عَلْمناه، ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لها بالخير، فإنه يُستأنَسُ بروايته، ويُستضَاءُ بها في مواطن، وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير (٤). وكذا يمكن الانفصالُ عن الأخير بأنَّ الموقوف لا انحصار له فيما اتصل، بخلاف المحتج به، وبهذا وغيره مما لم نطل بإيراده قويت الحجة في رد المرسل، وإدراجه في جملة الضعيف](٥). ١٢٥ (لكن إذا صحَّ) يعني ثبت (لنا) أهل الحديث، خصوصاً الشافعية تبعاً لنص إمامهم (مخرجه) أي [اتصال](٦) المرسل (بمسند) يجيء من وجه آخر، (١) هنا سقط في ((النسخة)) (ح) مقداره تسع ورقات تقريباً، وسوف أرجع في مواطن الاختلاف بين النسختين (س)، (م) إلى النسخة الأزهرية، ونسخة الخزانة الملكية بالرباط، ورمز الأولى منهما (ز) ورمز الثانية (ط). (٢) وهو قولهم: إن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه، فكأنه عدله. (٣) (١٩١/٢ - ١٩٢). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص ٩٧). ومن أمثلته ما رواه الإمام أحمد في («المسند» (٣٢٢/٤) عن رجل من بكر بن وائل عن خاله، قال: قلت: يا رسول الله: أعشِّر قومي؟ قال: ((إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على الإسلام عشور)). ورواه - أيضاً - أبو داود: باب تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (٣٠٤٨) بالإبهام، ورواه برقم (٣٠٤٦، ٣٠٤٧، ٣٠٤٩) عن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه عن أبيه، وعن حرب بن عبيد الله عن النبي وَّر، والترمذي باب: ما جاء ليس على المسلمين جزية من أبواب الزكاة، بعد الحديث رقم (٦٣٤) . (٥) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك عوداً على بدء. (٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). المرسلُ ٢٥٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٦ صحيح أو حسن أو ضعيف يعتَضِدُ به (أو) بِ (مرسل) آخر (يخرجه) أي: يرسله (من ليس يروي عن رجال) أي: شيوخ راوي المرسل (الأول) حتى يغلبَ على الظن عدمُ اتحادهما . (نقبلْه) بالجزم جواباً لإذا الشرطية، كما صرَّح ابنُ مالك في ((التسهيل)) بجوازه في قليل من الكلام(١)، وهو ظاهر كلام ابنه (٢) الشارح، ولكن نصوص مشاهير النحاة على اختصاصه بضرورة الشعر(٣)، على أنه لو قال: ((متى)) بدل ((إذاً))، أو ((يقبل)) بدل ((نقبله))، كما قال شيخُنا لكان أحسن. وكذا يعتَضِدُ بما ذكره مع هذين الشافعي كما سيأتي (٤)، من موافقة قول بعض الصحابة، أو فتوى عوام أهل العلم، مع كون الاعتضاد بها في الترتيب هكذا . وقد نظمَ الزائد بعض(٥) الآخذين عن الناظم، فقال: خيرِ الأنام عجم وعربٍ أو كان قولُ واحدٍ من صحبٍ وشيخُنا أهمله(٦) في النظم(٧) أو كان فتوى جُلِّ أهل العِلم (قلت: الشيخ) ابنُ الصلاح (لم يفصّل) في المرسل المعتضد بين كبار التابعين وصغارهم، بل أطلق كما ترى(٨)، وكأنه بناء على المشهور في تعريفه (١) ((التسهيل)) لابن مالك (ص٢٣٧). (٢) هو: محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله بدر الدين الطائي النحوي، المتوفى سنة ست وثمانين وستمائة. ((مرآة الجنان)) (٢٠٣/٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٢٥/١). (٣) انظر: ((كتاب سيبويه)) (١٣٤/١، ٦١/٣ -٦٢)، و((شرح المفصل)) لابن يعيش (٤/ ٩٧)، و((مغني اللبيب)) لابن هشام (٩٣/١). (٤) (ص٢٦٣). (٥) بحاشية (ط): هو: برهان الدين الحلبي، وهو غير واضح في حاشية (س)، وقد مر نظيره (ص٢١). (٦) في حاشية (س): أي المذكور. (٧) انظر: ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١١٧/ب). (٨) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٨). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٥٩ المرسلُ كما تقدم(١). (والشافعي) الذي اعتمَد ابنُ الصلاح مقالَه في ذلك (بالكبار) ١٢٧ منهم (قيَّدا) المعتضد(٢). وتبع ابنَ الصلاح في الإطلاق النوويُ في عامة كتبه(٣)، ثم تَنَبَّه للتقييد في شرحه للوسيط، وهو من أواخر تصنيفه، فإنه قال فيه: وأما الحديث المرسلُ فليس بحجة عندنا، إلا أنَّ الشافعي كان يرى الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين، بشرط أن يعتضِدَ بأحد أمور أربعة، وذكرها . (و) كذا قيَّده الشافعي بِ(من روى) منهم (عن الثقات أبدا) بحيث إذا عَيَّنَ شيخَه في مرسله في رواية أخرى، أو في مطلق حديثه، حسبما يحتملهما كلام الشافعي الآتي(٤)، لا يسمى مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه. ولا يكفي قوله: إنه لم يكن يأخذ إلا عن الثقات، كما جاء عن سعيد بن المسيب(٥) وغيره، فالتوثيقُ مع الإبهام لا يكفي على ما سيأتي(٦). نعم، قد قال الشافعي في سعيد بخصوصه: إنه ما عرفه روى إلا عن ثقة، وأجاب بذلك من عارضه في قبول مراسيله خاصة، بل وزاد أنه لا يحفظ له منقطعاً إلا وجد ما يدل على تسديده(٧). (١) (ص٢٣٨). (٢) هذا القيد يفهم من قول الإمام الشافعي في ((الرسالة)) (ص٤٦٥): فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله فلا أعلم منهم واحداً يقبل مرسله. ومن قوله (ص٤٦٧): ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين. (٣) (شرح مسلم)) (٣٠/١)، و((المجموع شرح المهذب)) (٦١/١)، و((التقريب)) (ص١١٨) مع التدريب. (٤) (ص٢٦٣). (٥) رواه ابن منده في ((الوصية)) من طريق يزيد بن أبي مالك، قال: كنت عند سعيد بن المسيب فحدثني بحديث، فقلت له: مَنْ حدثك يا أبا محمد بهذا؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل، فإنا لا نأخذ إلا عن الثقات. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٨٧/٤). (٦) (١٩١/٢ - ١٩٢). (٧) ((الرهن الصغير)) (١٨٨/٣) مع ((الأم)). المرسلُ ٢٦٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولهذا قال ابنُ الصلاح عقب العاضد بمجيئه من وجه آخر: ولهذا احتجَّ الشافعي بمرسلات سعيد، فإنَّها وُجدتْ مسانيدَ من وجوه أخر، قال: ولا يختص ذلك عنده بإرسال ابن المسيب. انتهى (١). وتبعه أحمدُ فنقل الميموني(٢) وحنبل(٣) معاً عنه أنه قال: مراسيلُ سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته(٤)، وقال ابن معين: هي أحبُّ إليَّ من مرسلات الحسن(٥) . ولكن قد قال النوويُ في ((الإرشاد)): اشتهرَ عند فقهاء أصحابنا أنَّ مرسلَ سعيد حجة عند الشافعي، حتى إنَّ كثيراً منهم لا يعرفون غير ذلك، وليس الأمرُ على ذلك(٦). ثم بينه بما ذكر معناه في ((شرح المهذب)) فإنه قال فيه عقب نقله عن الشافعي في ((المختصر)) مما رواه عنه الربيع(٧) - أيضاً -: إرسالُ ابن المسيب عندنا حسن(٨)، ما نصه: اختلف أصحابُنا المتقدمون في معناه على وجهين، (١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٩). (٢) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني الرقي أبو الحسن، من أصحاب الإمام أحمد، وكان الإمام يكرمه ويفعل معه ما لا يفعله مع أحد غيره. ((مختصر طبقات الحنابلة)) للنابلسي (ص ١٥٥ - ١٥٧). (٣) هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وصاحبه، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (١٤٣/١ - ١٤٥). (٤) انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (١/ ٢٩٠) ونقل عنه ذلك - أيضاً - الفضل بن زياد. انظر: ((الكفاية)) (ص٥٧١)، و((المسودة)) لآل تيمية (ص٢٥٢)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢٩٠/١). (٥) انظر: ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٢٠٧/٣)، و((الكفاية)) (ص٥٧١)، و((شرح علل الترمذي)» (٢٩٤/١). (٦) ((الإرشاد)) للنووي (ص٨٢). (٧) إذا أطلق الربيع فالمراد به: المرادي، كما في طبقات الإسنوي (٣١/١). وهو: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي أبو محمد المصري، خادم الشافعي وصاحبه، المتوفى سنة سبعين ومائتين. («العبر)) (٤٥/٢)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٣٩/١ - ٤٠). (٨) (مختصر المزني)) (٧٨/٨) مع ((الأم)).