النص المفهرس

صفحات 141-160

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤١
الحَسَنُ
ولا مانعَ من استعمال ((أصح)) بالمعنى اللغوي، بل قد استعمله كذلك غيرُ
واحد، منهم الترمذي، فإنه يوردُ الحديثَ من جهة الضعيف، ثم من جهة غيره،
ويقول عقب الثاني: إنه أصحُّ من حديث فلان الضعيف(١).
وصنيعُ أبي داود، يقتضيه، لما في المسكوت عليه من الضعيف
بالاستقراء (٢)، وكذا هو واضح من حصره التبيين في الوهن الشديد، إذ مفهومه
أن غير الشديد لا يبينه (٣) .
وحينئذ فالصلاحية في كلامه أعم من أن تكونَ للاحتجاج، أو الاستشهاد
فما ارتقى إلى الصحة ثم إلى الحسن فهو بالمعنى الأول، وما عداها فهو
بالمعنى الثاني، وما قصر عن ذلك فهو الذي فيه وهن شديد، وقد التزم بيانه.
وقد تكون الصلاحيةُ على ظاهرها في الاحتجاج، ولا ينافيه وجود
الضعيف، لأنه كما سيأتي(٤) يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو
أقوى عنده من رأي الرجال، ولذلك قال ابن عبد البر(٥): إن كلَّ ما سكتَ
عليه صحيح عنده، لا سيما إن لم يكن في الباب غيره (٦) .
على أنَّ في قول ابن الصلاح: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند
(١) مثال ذلك: ما رواه الترمذي في باب ما جاء في النهي عن البول قائماً بعد الحديث
رقم (١٢) من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر،
قال: ((رآني النبي ◌َله وأنا أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً، فما بلت قائماً
بعد)) .
قال أبو عيسى: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف
عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه.
وروى عبيد الله عن نافع عن عمر، قال: قال عمر ظُله: ما بلت قائماً منذ أسلمت.
وهذا أصح من حديث عبد الكريم.
(٢) لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً، كما سيأتي قريباً (ص ١٥٠ - ١٥١).
(٣) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٣٥/١).
(٤) قريباً (ص ١٤٧).
(٥) هو: الإمام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري
القرطبي، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
تذكرة الحفاظ (١١٢٨/٣ - ١١٣٢).
(٦) نقله ابن حجر في ((النكت)) (٤٣٦/١).

الحَسَنُ
١٤٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
غيره(١)، ما يومئ إلى التنبيه بما أشار إليه ابن رُشَيد، كما نَبَّه عليه ابنُ سَيِّد
الناس؛ لأنه جوَّز أن يخالف حكمه حكمَ غيره في طرف، فكذلك يجوزُ أن
يخالفه في طرف آخر، وفيه نظر لاستلزامه نقض ما قرره.
وبالجملة فالمسكوتُ عنه أقسام: منه ما هو في الصحيحين، أو على
شرط الصحة، أو حسن لذاته، أو مع الاعتضاد، وهما كثير في كتابه جداً،
[ومنه](٢) ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه(٣).
وقد قال النووي تَّتُهُ: الحقُّ أنَّ ما وجدناه مما لم يبينه ولم ينص على
صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن (٤)، وإن نص على ضعفه من يعتمد،
أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له حكم بضعفه، ولم
يلتفت إلى سكوته. انتهى(٥).
وما أشعر به كلامه(٦) من التفرقة بين الضعيف وغيره فيه نظر، والتحقيقُ
التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عليه إلى ما يليق بحاله من صحة
وحسن وغيرهما، كما هو المعتمدُ، ورجحه هو في بابه (٧)، وإن كان رَُّهُ قد
أقر في مختصريه(٨) ابنَ الصلاح على دعواه هنا التي تقرب من صنيعه
المتقدم(٩) في مستدرك الحاكم وغيره، مما ألجأه إليها مذهبه(١٠).
ومن لم يكن ذا تمييز، فالأحوط أن يقول في السكوت عليه: صالح كما
هي عبارته، خصوصاً وقد سلكه جماعة.
(١) ((علوم الحديث)) (ص٣٣).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٣) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٤٣٥/١).
(٤) إلى هنا في ((التقريب)) للنووي (ص٩٦ - ٩٧) مع التدريب.
(٥) نقله الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٤٤/١) ثم قال: وهذا هو التحقيق، لكنه خالف
ذلك في مواضع من شرح المهذب وغيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل
سكوت أبي داود عليها، فلا يغتر بذلك. والله أعلم.
(٦) يعني: النووي.
(٧) أي: باب التصحيح والتحسين، وهو في ((التقريب)) (ص٧٨ - ٧٩).
(٨) انظر: ((التقريب)) (ص٩٦ - ٩٧). والإرشاد (ص٧٢).
(٩) (ص٦٣).
(١٠) وهو: انقطاع التصحيح والتضعيف.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤٣
الحَسَنُ
٧٠
(و) كذا (للإمام) الحافظ الثقة أبي الفتح فتح الدين محمد بن محمد بن
محمد بن أحمد بن سَيِّد الناس (اليَعْمَري) بفتح التحتانية والميم، حسبما اقتصر
عليه ابن نقطة (١)، وغيرُه من الحفاظ، وبضم الميم - أيضاً - كما ضبطه النوويُ
- الأندلسي الأصل القاهري الشافعي، مؤلف السيرة النبوية (٢) وغيرها، المتوفى
في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، عن ثلاث وستين سنة، والمدفون
بالقرافة(٣)، في القطعة التي شرَحَها من الترمذي اعتراض آخر على ابن
الصلاح، فإنه قال: لم يرسمْ أبو داود شيئاً بالحسن (إنما قول أبي داود) يعني:
الماضي، وهو: ذكرتُ الصحيح وما يشبهه، أي: في الصحة وما يقاربه أي:
فيها أيضاً، كما دلَّ على ذلك قولُه: إن بعضها أصح من بعض (٤)، فإنه يشير
إلى القدر المشترك [بينها](٥) لما تقتضيه صيغة ((أفعل)) في الأكثر(٦).
(يحكي مسلماً) أي: يشبه قول مسلم صاحب الصحيح، (حيث يقول) ٧١
أي: مسلم في صحيحه: (جملةُ الصحيح لا توجد عند) الإمام (مالك والنبلا)
كشعبة وسفيان الثوري (فاحتاج) أي: مسلم (أن ينزل في الإسناد) عن حديث
٧٢
أهل الطبقة العليا في الضبط والإتقان (إلى) حديث (يزيد بن أبي زياد(٧)
(١) ((الاستدراك على الإكمال)) لابن نقطة (٣٠٠/٦). وابن نقطة، هو: الإمام الحافظ
المتقن معين الدين أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي
الحنبلي، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٤١٢/٤)، وذيل الطبقات لابن رجب (١٨٢/٢).
(٢) المسماة: ((عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير)) مطبوع.
(٣) له ترجمة في: ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٦٨/٩ - ٢٧٢)، و((فوات الوفيات)) لابن
شاکر الكتبي (٢٨٧/٣ - ٢٩٢).
(٤) انظر: ما تقدم (ص١٣٩).
(٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): (بينهما).
(٦) انظر: النفح الشذي (٢١٣/١). و((التقييد والإيضاح)) للعراقي (ص٥٣ - ٥٤).
(٧) هو: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، قال ابن عدي: يكتب حديثه، وقال الذهبي: صدوق
رديء الحفظ، مات سنة سبع وثلاثين ومائة.
((الكامل)) لابن عدي (٢٧٢٩/٧)، والخلاصة (ص٣٧١).

٧٣
الحَسَنُ
١٤٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ونحوه) كليث بن أبي سليم(١)، وعطاء بن السائب(٢) ممن يليهم في ذلك(٣).
(وإن يكن ذو) أي: صاحب (السَّبْق) في الحفظ والإتقان، وهو مالك
مثلاً (قد فاته) أي: سبقَ بحفظه وإتقانه يزيدُ مثلاً فقد (أدرك) أي: لحق
المسبوق السابق في الجملة (باسم) العدالة و(الصدق)، ويجوز أن يكون
الضمير في ((فاته)) لمسلم، ويكون المعنى وإن يكن قد فات مسلماً وجودُ ما لا
يستغنى عنه من حديث ذي السبق، إمَّا لكونه لم يسمعه هو أو ذاك السابق، فقد
أدرَك أي: بلغ مقصودَه من حديث من يشترك معه في الجملة (٤) .
وحينئذ فمعنى كلام مسلم وأبي داود واحد، ولا فرق بين الطريقين غير
أنَّ مسلماً شرط الصحيح فاجتنب حديث الطبقة الثالثة، وهو الضعيف الواهي،
وأتى بالقسمين الآخرين، وأبا داود لم يشترطه، فذكر ما يشتد وهنه عنده،
والتزم بيانه.
٧٤
فـ (هلا قضى) [أي]٥) ابنُ الصلاح (على كتاب مسلم بما قضى) به
(عليه) أي: على أبي داود أو كتابه (بالتحكم) المذكور، قال بعض المتأخرين:
وهو تعقب متجه، وردّه شيخُنا بقوله: بل هو تعقب واه جداً، لا يساوي
سماعه، وهو كذلك؛ لتضمنه أحد شيئين: وقوع غير الصحيح في مسلم، أو
تصحیح کل ما سكت علیه أبو داود.
وقد بيَّن الشارحُ ردَّه بأنَّ مسلماً شرط الصحيح، فليس لنا أن نحكمَ على
(١) هو: الليث بن أبي سليم بن زنيم - بالزاي والنون مصغراً - واسم أبيه أيمن، وقيل غير
ذلك. صدوق اختلط أخيراً، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
((الكاشف)) (١٤/٣)، والتقريب (ص٢٨٧).
(٢) هو: عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب الكوفي، وثقه العجلي، وقال أبو
حاتم: كان محله الصدق، اختلط في آخره. مات سنة سبع وثلاثين ومائة، وقيل: سنة
ست وثلاثين.
((تهذيب التهذيب)) (٢٠٣/٧ - ٢٠٧)، والخلاصة (ص٢٢٥).
(٣) انظر: مقدمة ((صحيح مسلم)) (٥١/١ - ٥٣) مع ((شرح النووي)).
(٤) لكن الاحتمال الأول أولى، فالضمير يعود إلى يزيد، كما فسره الناظم في شرحه
(١٠٠/١ - ١٠١)، وأهل مكة أدرى بشعابها.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤٥
الحَسَنُ
حديث في كتابه بأنه حسن، وأبو داود إنَّما قال: ما سكتُ عليه فهو صالح،
والصالحُ يجوز أن يكون صحيحاً، ويجوز أن يكونَ حسناً، فالاحتياطُ أن نحكمَ
عليه بالحسن(١)، وبنحوه أجاب عن اعتراض ابن رُشَيد الماضي (٢).
وسبقه شيخُه العلائيُ فأجاب بما هو أمتنُ من هذا، وعبارتُه: هذا الذي
قاله - يعني ابن سيد الناس - ضعيف، وقولُ ابن الصلاح أقوى، لأنَّ درجاتِ
الصحيح إذا تفاوتت فلا يعني بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها، والدرجةُ الدنيا منها
لم يخرج منها مسلم شيئاً في الأصول، إنَّما يخرجها في المتابعات والشواهد(٣).
وارتضاه شيخُنا، وقال: إنَّه لو كان يخرج جميع أهل القسم الثاني في
الأصول، بل وفي المتابعات، لكان كتابُه أضعافَ ما هو عليه، ألا تراه مع
كونه لم يورد لعطاء بن السائب إلا في المتابعات، وكونه من المكثِرِين ليس له
عنده سوى مواضع يسيرة، وكذا ليس لابن إسحاق عنده في المتابعات إلا ستة
أو سبعة، وهو من بحورٍ الحديث، ولم يخرج لليثِ بنِ أبي سليم، ولا ليزيد بن
أبي زياد، ولا لمجالد بن سعيد (٤) إلا مقروناً، وهذا بخلاف أبي داود فإنه
يخرِّجُ [أحاديث](٥) هؤلاء في الأصول محتجاً بها، ولأجل ذا تخلَّف كتابُه عن
شرط الصحة(٦)، [وبالجملة فتخريج مسلم لهؤلاء انتقاء بخلاف أبي داود](٧).
٧٥
(والبغويُّ) نسبة لبلدة من بلاد خراسان بين مرو وهراة يقال لها: بغ (٨)،
(١) (شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٠/١)، و((التقييد والإيضاح)) (ص٥٤).
(٢) ((التقييد والإيضاح)) (ص٥٣).
(٣) نقله الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٣٣/١).
(٤) هو: مجالد بن سعيد الهمداني الأخباري، ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس
بالقوي، وقال مرة: ثقة، توفي سنة أربع وأربعين ومائة.
((الكاشف)) (١٢٠/٣)، والخلاصة (ص٣١٥).
(٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (حديث).
(٦) (النكت على ابن الصلاح)) (٤٣٤/١ - ٤٣٥).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح)، وفي حاشيتها بلغ كذلك نفع الله به ... البحث
والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٨) ويقال لها: بغشور - بضم الشين المعجمة وسكون الواو وراء - والنسبة إليها بغوي على
غير قياس على إحداهما .
=

الحَسَنُ
١٤٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وهو الإمامُ الفقيهُ المفسرُ الحافظُ الملقب محيي السنة أبو محمد ركنُ الدين
الحسينُ بن مسعود، ويعرفُ بابن الفرَّاء - لكونها صنعة أبيه - مصنِّفُ ((معالم
التنزيل)) في التفسير، و((شرح السنة))، و((المصابيح)) في الحديث(١)، و((التهذيب))
في الفقه.
وكان سيداً زاهداً قانعاً يأكل الخبزَ وحده، فلِيْمَ في ذلك، فصار يأكله
بالزيت، مات بمرو الرُّوذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة، وقد أشرف
على التسعين ظناً (٢)، ودُفِنَ عند شيخه القاضي حسين(٣).
٧٦
(إذ قسّم) كتابه (المصابحا) بحذف الياء تخفيفاً، جمعُ مصباح، وهو
السراج (إلى الصِّحاح والحِسان جانحا) أي: صائراً إلى (أنَّ) الصحاحَ ما رواه
الشيخان في صحيحيهما أو أحدهما، و(الحسان ما رووه) أي: أبو داود
والترمذي، وغيرهما من الأئمة كالنسائي والدارمي وابن ماجه (في السنن) من
تصانيفهم (٤)، مما يتضمَّنُ مساعدة ابن الصلاح لاستلزامه تحسينَ المسكوت
عليه عند أبي داود.
(رُدَّ عليه) فقال النووي: إنه ليس بصواب(٥)، وسبقَه ابنُ الصلاح فقال:
إنه اصطلاح لا يُعرف، وليس الحسنُ عند أهل الحديث عبارة عن ذلك (٦).
(إذ بها) أي: بكتب السنن المشار إليها (غير الحسن) من الصحيح
٧٧ والضعيف، فقد (كان أبو داود) يتتبّع من حديثه (أقوى ما وُجِد) بالبناء للمفعول
- كما رأيته بخط الناظم - ويجوزُ بناؤه للفاعل، وهو أظهرُ في المعنى، وإن
= انظر: ((معجم البلدان)) (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨).
(١) في حاشية (س): والجمع بين الصحيحين بإسنادهما مع حذف المكرر.
(٢) ترجمة محيي السنة البغوي في: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٧٥/٧ - ٨٠)،
و(«البداية والنهاية)) (١٩٣/١٢).
(٣) هو: الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروروذي الشافعي، القاضي كبير القدر،
مرتفع الشأن، المتوفى سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٦٤/١/١ - ١٦٥)، و((وفيات الأعيان)) (١٣٤/٢).
(٤) مقدمة ((مصابيح السنة)) للبغوي (٢/١).
(٥) ((التقريب)) (ص٩٤ - ٩٥) مع التدريب.
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤٧
الحَسَنُ
كان الأوَّلُ أنسب، (يرويه و) يروي الحديث (الضعيفَ) أي: من قبل سوء
حفظ راويه، ونحو ذلك كالمجهول عيناً أو حالاً، لا مطلق الضعف الذي
يشملُ ما كان راويه متهماً بالكذب.
(حيث لا يجدُ في الباب) حديثاً (غيره فذاك) أي: الحديثُ الضعيفُ
(عنده مِنْ رَأي) أي: من جميع آراء الرجال (أقوى)(١) كما (قاله) - أي: كونه
يخرج الضعيف ويقدمه على الآراء - الحافظُ أحد أكابر هذه الصناعة ممن جاب
وجال، ولقي الأعلام والرجال، وشرَّق وغرَّب، وبعد وقرَّب، أبو عبد الله (ابن
منده) وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى العبدي الأصبهاني، ومنده
لقب لوالد يحيى، واسمه فيما يقال: إبراهيمُ بن الوليد، مات في سَلْخ ذي
القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، عن نحو أربع وثمانين سنة(٢).
[قال البزدوي(٣): لأنَّ الخبر [أي الثابت](٤) يقين في أصله، وإنما دخلت
الشبهةُ في نقله، [والرأي](٥) محتمل بأصله في كلِّ وصف على الخصوص،
فكانَ الاحتمالُ في الرأي أصلاً، وفي الحديث عارضاً](٦).
وأبو داود تابَع في ذلك شيخَه الإمامَ أحمد، فقد روينا من طريق
عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه، قال: سمعتُ أبي يقول: لا تكادُ ترى
أحداً ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل(٧)، والحديث الضعيف أحبُّ إليَّ من
الرأي، قال: فسألتُه عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحبَ حديث لا
يدري صحيحه من سقيمه، وصاحبَ رأي، فمن يسأل؟ قال: يسألُ صاحبَ
(١) نقله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٣٣ - ٣٤).
(٢) ترجمة ابن منده في: ((أخبار أصبهان)) لأبي نعيم (٣٠٦/٢)، و((تذكرة الحفاظ))
(١٠٣١/٣ - ١٠٣٦).
(٣) هو: علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم أبو الحسن المعروف بفخر الإسلام
الحنفي، الفقيه الأصولي، المتوفى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. ((تاج التراجم)) لابن
قطلوبغا (ص٤١)، و((الجواهر المضية)) للقرشي (٥٩٤/٢ - ٥٩٥).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٥) كذا في (ح). وفي (س): (الراوي).
(٧) الدغل - بالتحريك -: الفساد مثل الدخل، والدغل: دخل في الأمر مفسد. انظر:
(لسان العرب))، و((القاموس المحيط)) (مادة دغل).
٧٨

الحَسَنُ
١٤٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الحديث، ولا يسأل صاحبَ الرأي(١).
ونحوه ما للدارمي عن الشعبي(٢) أنه قال: ما حدَّثك هؤلاء عن النبي
فخُذْ به، وما قالوه برأيهم فألقِه في الحُش(٣)، وللبغوي في شرح السنة: إنَّما
الرأي بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلتها (٤).
وكذا نقل ابن المنذر(٥) أن أحمد كان يحتَجُّ بعمرو بن شعيب(٦) عن
أبيه (٧) عن جده (٨) إذا لم يكن في الباب غيره (٩)، وفي رواية عنه: أنَّه قال
(١) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص٤٣٨)، و((جامع بيان العلم وفضله)) لابن
عبد البر (١٧٠/٢)، و((الإحكام)) لابن حزم (٧٩٢/٦)، و((إعلام الموقعين)) (٣١/١ -
٣٢)، و((القول البديع)) للسخاوي (ص٢٥٨).
(٢) هو: عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، أبو عمرو، علامة التابعين، المتوفى سنة
ثلاث أو أربع ومائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٧٩/١ - ٨٨)، و((الكاشف)) (٥٤/٢ - ٥٥).
(٣) ((سنن الدارمي)): باب في كراهية أخذ الرأي (٦٠/١).
والحُش والحِش: المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع:
حشوش، كما في ((الصحاح)) للجوهري مادة (حشش).
(٤) (شرح السنة)) (٢١٦/١) نقلاً عن الشعبي.
(٥) هو: الحافظ العلامة الفقيه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، المتوفى
سنة تسع أو عشر وثلاثمائة.
(تذكرة الحفاظ)) (٧٨٢/٣ - ٧٨٣).
(٦) هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال أحمد: ربما
احتججنا به، وقال ابن حجر: صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة.
((الكاشف)) (٣٣٢/٢)، والتقريب (ص٢٦٠).
(٧) هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من
جده، من الثامنة.
(تقريب التهذيب)) (ص١٤٦)، والخلاصة (ص١٤١).
(٨) يحتمل أن يكون المراد بجده: عبد الله بن عمرو الصحابي المشهور، ويحتمل أن يكون
المراد به: محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي الطائفي، وهو مقبول من
الثالثة، كما في التقريب (ص ٣٠٥)، ولأجل هذا الاحتمال اختلف العلماء في
الاحتجاج بهذه السلسلة.
(٩) انظر: ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (٨/١٨)، و((المسودة)) لآل تيمية
(ص٢٧٣).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٤٩
الحَسَنُ
لابنه: لو أَرذْتُ أن أقتصرَ على ما صحَّ عندي لم أرو من هذا المسند إلا
الشيء بعد الشيء، ولكنَّك يا بنيَّ تعرفُ طريقتي في الحديث أنِّي لا أخالف ما
يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه(١).
وذكرَ ابنُ الجوزي في الموضوعات: أنَّه كان يقدِّمُ الضعيفَ على
القياس(٢)، بل حكى الطوفي(٣) عن التقي ابن تيمية أنه قال: اعتبرتُ مسندَ
أحمدَ فوجدتُه موافقاً لشرط أبي داود. انتهى (٤).
ونحو ما حكي عن أحمد ما سيأتي في المرسل(٥) حكاية عن
الماوردي (٦) مما نسبه لقول الشافعي في الجديد: أنَّ المرسلَ يحتج به إذا لم
توجد دلالة سواه.
وزعمَ ابنُ حزم أن جميعَ الحنفية على أن مذهب إمامهم - أيضاً - أن
ضعيفَ الحديث أولى عنده من الرأي والقياس (٧)، على أنَّ بعضهم - كما حكاه
المؤلف في أثناء من تقبلُ روايته وتُردُّ من النكت (٨) - حمل قول ابن منده، على
(١) انظر: ((خصائص المسند)) لأبي موسى المديني (ص٢٧)، و((الفروسية)) لابن القيم
(ص٤٨).
(٢) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٣٥/١).
(٣) هو: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي الصرصري، ثم البغدادي،
الفقيه الأصولي نجم الدين الحنبلي، المتهم بالتشيع، المتوفى سنة ست عشرة
وسبعمائة .
ذيل الطبقات لابن رجب (٣٦٦/٢ - ٣٧٠)، و((الدرر الكامنة)) (٢٤٩/٢).
(٤) هذا القول نقله ابن حجر في: ((النكت)) (٤٣٨/١)، والصنعاني في: ((توضيح الأفكار))
(١٩٨/١) لكن الذي في ((التوسل والوسيلة)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص٨٢): أن
شرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود في سننه.
(٥) (ص٢٦٤).
(٦) هو: الإمام الجليل علي بن محمد بن حبيب الماوردي أبو الحسن الشافعي - رمي
بالاعتزال - توفي سنة خمسين وأربعمائة.
((تاريخ بغداد)) (١٠٢/١٢ - ١٠٣)، وطبقات السبكي (٢٦٧/٥).
(٧) الإحكام لابن حزم (٧٩٢/٦)، و((إعلام الموقعين)) (٣٢/١)، و((مناقب أبي حنيفة))
للذهبي (ص٢١)، و((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (٣/١).
(٨) ((التقييد والإيضاح)) (ص ١٤٥).

الحَسَنُ
١٥٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
أنَّه أريدَ بالضعيف هنا الحديثُ الحسن(١)، وهو بعيد (٢).
وكلامُ أبي داود في رسالته التي وصفَ فيها كتابه إلى أهل مكة مشعر
بخلافه، فإنه قال: سألتم أن أذكرَ لكم الأحاديثَ التي في كتاب ((السنن)) أهي
أصحُ ما عرفتُ في الباب؟
فاعلموا أنَّه كذلك كُلُّه، إلّا أن يكونَ قد رُوي من وجهين صحيحين،
وأحدهما أقدمُ إسناداً، والآخر صاحبه قدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، أي
الذي هو أقدم إسناداً، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث.
ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث
صحاح، فإنَّها تكثُر، وإنما أردتُ قرب منفعته، فإذا أعدتُ الحديثَ في الباب
من وجهين وثلاثة، فإنَّما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زائدة
على الأحاديث، وربما اختصرتُ الحديثَ الطويلَ، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم
بعض من يسمعه المرادَ منه، ولا يفهم موضعَ الفقه منه، فاختصرته لذلك(٣)
- إلى أن قال -: وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث
شيء، وإذا كان فيه حديث منكرٌ بَيَّنْتَهُ أنه منكر، وليس على نحوه في الباب
غيره(٤).
قال: وقد ألفته نسقاً على ما صحَّ عندي، فإن ذُكِرَ لك عن النبي ◌َِّ سنة
ليس فيما خَرَّجته، فاعلم أنَّه حديث واهي، إلا أن يكونَ في كتابي من طريق
آخر، فإني لم أخرج الطرق، لأنَّه يكثُرُ على المتعلم، ولا أعلم أحداً جمَعَ
على الاستقصاء غيري، إلى آخر الرسالة(٥).
(١) لعله يريد بذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فإنهما قد نصًا على ذلك.
انظر: ((منهاج السنة)) لابن تيمية (١٩١/٢)، و((إعلام الموقعين)) لابن القيم (٣١/١ -٣٢).
(٢) لأنه يلزم عليه أن هؤلاء الأئمة لا يحتجون بالحديث الحسن في الأحكام، وإنما
يشترطون للأحكام الصحة، ويكتفون بالحسن في الفضائل، وهذا غير المعروف عن
جماهير العلماء من الاحتجاج بالحديث الحسن في الأحكام وغيرها .
انظر: ((الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به)) لمقيد هذه التعليقات (ص٢٨٩).
(٣) ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (ص٢٢ - ٢٤).
(٤) المرجع السابق (ص٢٥).
(٥) المرجع السابق (ص٢٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥١
الحَسَنُ
وقد روينا: أنَّه عَرضَ سنَّه على شيخه أحمدَ فاستحسنه(١).
(و) كذا فيما حكى ابن منده - أيضاً - مما سمعه بمصر من محمد بن ٧٩
سعد الباوردي: كان الحافظُ أبو عبد الرحمن (النَّسَئي) صاحبُ السنن، والآتي
في الوفيات(٢)، لا يقتصر في التخريج على المتفق على قبولهم؛ بل (يُخَرِّجُ)
حديثَ (من لم يجمعوا) أي: أئمةُ الحديث (عليه تركاً) أي: على تركه(٣)،
حتى إنه يُخَرِّج للمجهولين حالاً وعيناً، للاختلاف فيهم، كما سيأتي(٤).
وهو - كما زاده الناظمُ - (مذهب متسع) يعني: إن لم يُرَد إجماعٌ خاصٌّ،
كما قرَّره شيخُنا حيث قال: إنَّ كلَّ طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد
ومتوسط :
فمن الأولى: شعبةُ والثوري، وشعبةُ أشدُّهما.
ومن الثانية: يحيى القطان وابنُ مهدي، ويحيى أشدُّهما.
ومن الثالثة: ابنُ معين وأحمدُ، وابنُ معين أشدُّهما .
ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشدُّهما (٥).
فقال النسائي: لا يُتركُ الرَّجلُ عندي حتى يَجتمعَ الجميعُ على تركه، فأمَّا
إذا وثقه ابنُ مهدي، وضعفه القطانُ مثلاً، فإنه لا يترك، لما عرف من تشديد
يحيى، ومن هو مثله في النقد (٦).
وحينئذ فقولُ ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي، يعني في
عدم التقيد بالثقة، والتخريج لمن ضعف في الجملة، وإن اختلف صنيعهما .
وقولُ المنذري في مختصر السنن له حكاية عن ابن منده: إن شرط أبي
داود والنسائي إخراجُ حديث قوم لم يجمع على تركهم، إذا صحَّ الحديث
باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال(٧)، محمولٌ على هذا، وإلا فكم من
(١) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٥٦/٩).
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٣).
(٢) (٤٢١/٤ - ٤٢٢).
(٤) (٢٠٢/٢).
(٥) انظر: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي (ص١٥٨ - ١٥٩).
(٦) ((النكت)) لابن حجر (٤٨٢/١).
(٧) ((مختصر سنن أبي داود)) للمنذري (٨/١).

الحَسَنُ
١٥٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رجل أخرجَ له أبو داود والترمذي [و](١) تجنّب النسائي إخراج حديثه، بل
تجنّب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين(٢)، حتى قال بعضُ
الحفاظ: إنَّ شرطه في الرجال أشد من شرطهما(٣).
على أنَّه قد انتصرَ التاجُ التبريزي للبغوي، وقال: إنه لا مشاحة في
الاصطلاح، بل تخطئة المرء في اصطلاحه بعيدة عن الصواب، والبغوي قد
صرَّحَ في ابتداء كتابه بقوله: أعني بالصحاح كذا، وبالحسان كذا، وما قال:
أرادَ المحدثون بهما كذا، فلا يرِدُ عليه شيء مما ذكره، خصوصاً وقد قال:
وما كان فيها من ضعيف أو غريبٍ أشرتُ إليه، وأعرضتُ عما كان منكراً أو
موضوعاً (٤).
وأيَّده شيخُنا بحكمه في قسم الحسان بصحة بعض أحاديثه تارة إما نقلاً
عن الترمذي أو غيره(٥)، وضعفه أخرى(٦) بحسب ما يظهرُ له من ذلك، إذ لو
أرادَ بالحسان الاصطلاحَ العام، ما نوَّعه، ولا تضرُّ المناقشة له في ذكره ما
يكون منكراً بعد التزامه الإعراض عنه(٧).
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٨٢/١ - ٤٨٣).
(٣) حكاه أبو الفضل بن طاهر في: ((شروط الأئمة الستة)) (ص١٨) عن سعد بن علي
الزنجاني، المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
(٤) ((مصابيح السنة)) للبغوي (٢/١)، وانتصار التبريزي للبغوي نقله ابن حجر في: ((النكت))
(٤٤٥/١ - ٤٤٦). كما انتصر للبغوي - أيضاً - السراج البلقيني في ((محاسن
الاصطلاح)) (ص١١١).
(٥) مثال ذلك: حديث ابن عباس في الخضاب بالسواد، صححه الحافظ ابن حجر في
أجوبته عن أحاديث وقعت في المشكاة، وقد طبعت في آخرها (٣١٦/٣) في حين أن
الحديث من قسم الحسان عند البغوي. انظر: المصابيح (١٢٧/٢).
(٦) مثال ذلك: حديث ابن عباس - أيضاً -: ((صنفان من أمتي ليس لهما في
الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية)). ضعفه الحافظ ابن حجر في أجوبته المذكورة
آنفاً (٣١٦/٣) مع المشكاة، في حين أن البغوي جعله من الحسان، وإن قال: إنه
غريب، لأن الغرابة لا تنافي الحسن، كما أنها لا تنافي الصحة.
(٧) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٤٦/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٥٣
الحَسَنُ
كقوله في باب السلام من الأدب: ويُروى عن جابر عن النبي ◌َّ:
((السَّلامُ قبل الكلام)). وهذا منكر(١).
ولا تصريحه بالصحة والنكارة في بعض ما أطلق عليه الحسان، كما لا
يضره تركُ حكاية تنصيص الترمذي في بعضها بالصحة - أحياناً -، ولا إدخاله
في الفصل الأول المسمى بالصحاح عدةً روايات ليست في الصحيحين، ولا
في أحدهما مع التزامه الاقتصارَ عليهما؛ لأن ذلك يكون لأمر خارجي يرجع
إلى الذهول ونحوه.
بل أحسن من هذا في العذر عنه بالنسبة إلى الأخير فقط أنَّه يذكرُ أصلَ
الحديث منهما أو من أحدهما، ثم يُتْبعُ ذلك باختلاف لفظه، ولو بزيادة في نفس
ذلك الخبر، يكون بعض من خرج السنن أوردها، فيشير هو إليها لكمال الفائدة،
[وأما بالنسبة لذكره بعضَ المناكير مع التزامه تركَها فيُحمَلُ على ما لم يبينه] (٢).
(ومن عليها) أي: السننِ كلها أو بعضها (أطلق الصحيحا) كالحاكم ٨٠
والخطيب، حيث أطلقا الصحة على الترمذي(٣)، وابنُ منده وابنُ السكن على
كتابي أبي داود(٤) والنسائي(٥)، والحاكمُ على أبي داود(٦)، وجماعة منهم أبو
(١) ((مصابيح السنة)) للبغوي (٢ / ١٤٠ - ١٤١) والحديث: أخرجه الترمذي في باب ما جاء في
السلام قبل الكلام من أبواب الاستئذان والآداب رقم (٢٧٠٠) عن جابر بن عبد الله،
وقال: هذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمداً - يعني البخاري -
يقول: عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث.
وانظر: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣٩/١/٤)، و(٨٨/١/١).
والحديث له شاهد عند أبي نعيم من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من بدأكم بالكلام قبل
السلام فلا تجيبوه)). ورجاله - كما قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص (٢٤٢) - من
أهل الصدق، لكن فيه بقية، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة، ولكن قد تابعه حفص بن
عمر الأيلي، ومتابعته أخرجها ابن عدي في: ((الكامل)) (١٩٢٩/٥)، وحفص متروك،
ومنهم من كذبه كما في الميزان (٥٦١/١ - ٥٦٢).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) انظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٦).
(٤) انظر: التقييد لابن نقطة (١٥١/١ - ١٥٢)، و((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر
(٤٨٢/١).
(٥) انظر: المرجعين السابقين.
(٦) ((المستدرك)) (٣١٨/١).

الحَسَنُ
١٥٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عليُّ النيسابوري وأبو أحمد ابن عدي والدارقطني والخطيبُ على كتاب
النسائي(١)، حتى شذّ بعضُ المغاربة فَفَضَّله على كتاب البخاري، كما قدمته في
أصح كتب الحديث(٢) مع ردِّه؛ بل ذكرَ الحافظُ أبو طاهر السِّلَفي اتفاقَ علماء
المشرق والمغرب على صحة الكتب الخمسة(٣).
(فقد أتى تساهلاً صريحاً)، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً،
ونحو ذلك من أوصاف الضعيف، قال ابنُ الصلاح: وقد صرَّحَ أبو داود فيما
قدمناه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره، والترمذي مصرح فيما في كتابه
بالتمييز بين الصحيح والحسن (٤).
وأما حملُ ابنِ سيِّدِ الناس في شرحه للترمذي قولَ السلفي على ما لم يقع
التصريح فيه من مخرجها وغيره بالضعف(٥)، فيقتضي كما قال الشارح في
الكبير أنَّ ما كان في الكتب الخمسة مسكوتاً عنه، ولم يُصَرَّحْ بضعفه أن يكون
صحيحاً، وليس هذا الإطلاق صحيحاً، بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم
فيها الترمذي أو أبو داود، ولم نجد لغيرهم فيها كلاماً، ومع ذلك فهي
ضعيفة.
وأحسنُ من هذا قول النووي: مرادُ السلفي أنَّ معظم الكتب الثلاثة محتج
به، أي صالح لأن يحتج به، لئلا يرد على إطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح
عند المعارضة، ويجوز أن يقال: إنه لم يعتبر الضعيف الذي فيها، لقلته بالنسبة
إلى النوعين.
(١) التقييد لابن نقطة (١٥٢/١)، و((النكت)) (٤٨١/١).
(٢) (ص٤٧).
(٣) عبارة الحافظ السلفي - كما في مقدمته التي أملاها على ((معالم السنن)) المطبوعة في
آخر الجزء الثامن (ص١٤١ - ١٤٢) -: أما كتاب أبي داود: فهو أحد الكتب الخمسة
التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث النبهاء على قبولها، والحكم
بصحة أصولها. وقال في (ص١٤٦): هو - يعني سنن أبي داود - أحد الكتب الخمسة
التي اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، والمخالفون لهم كالمتخلفين عنهم بدار
الحرب . اهـ.
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٧).
(٥) النفح الشذي (١٩٠/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٥
الحَسَنُ
وبالجملة: فكتابُ النسائي أقلُّها - بعد الصحيحين - حديثاً ضعيفاً(١)،
ولذلك قال ابنُ رُشيد: إنَّه أبدَعُ الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً، وأحسنُها
ترصيفاً، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم، مع حظ كبير من بيان
العلل(٢)، بل قال بعض المكيِّين من شيوخ ابن الأحمر(٣): إنَّه أشرفُ
المصنفاتِ كلِّها، وما وُضع في الإسلام مثلُه. انتهى (٤).
ويقاربه كتابُ أبي داود، بل قال الخطابي: إنه لم يُصنَّفْ في علم الدين
مثله، وهو أحسنُ رصفاً، وأكثر فقهاً، من الصحيحين(٥).
ويقاربه كتابُ الترمذي، بل كان أبو إسماعيل الهروي يقول: هو عندي
أنفع من كتابي البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر
العالم، وهو يصلُ إلى الفائدة منه كل أحد من الناس(٦).
وأما كتابُ ابن ماجه، فإنه تفرَّدَ بأحاديث عن رجال متَّهمين بالكذب،
وسرقة الأحاديث، مما حُكِمَ عليها بالبطلان أو السقوط أو النكارة (٧)، حتى
كان العلائيُّ يقول: ينبغي أن يكونَ كتابُ الدارمي سادساً للخمسة بدله، فإنه
قليلُ الرجال الضعفاء، نادرُ الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث
(١) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٤٨٤/١).
(٢) نقله الحافظ ابن حجر في: ((النكت)) (٤٨٤/١) عن ابن رشيد.
(٣) هو: محمد بن معاوية بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأموي المرواني القرطبي، محدث
الأندلس، المتوفى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
((الديباج المذهب)) لابن فرحون (١/ ٣٠٤).
(٤) القائل: هو الشيخ عبد الرحيم المكي، كما في ((فهرست ابن خير)) (ص١١٧)،
و((برنامج التجيبي)) (ص١١٦)، وانظر ما تقدم (ص٤٧).
والمراد بسنن النسائي المفضلة هنا: هي الصغرى - المجتبى - التي هي أحد الكتب
الستة، دون الكبرى، صرح بذلك التاج ابن السبكي، قال: وهي التي يخرجون عليها
الأطراف والرجال، وإن كان شيخه المزي ضم إليها الكبرى، وصرح ابن الملقن بأنها
الکبری، وفيه نظر.
انظر: ((تدريب الراوي)) (ص٤٩)، و((الرسالة المستطرفة)) (ص١٢).
(٥) ((معالم السنن)) (١٠/١ - ١١).
(٦) انظر: ((شروط الأئمة الستة)) لابن طاهر (ص١٦)، و((البداية والنهاية)) (١١ /٦٧).
(٧) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٤٨٥/١).

الحَسَنُ
١٥٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه(١) .
على أنَّ بعضَ العلماء كرزين السَّرَقُسْطي(٢)، وتبعه المجدُ ابن الأثير(٣)
في جامع الأصول(٤)، وكذا غيرُه جعلوا السادس الموطأ(٥)، ولكن أوَّلُ من
أضافَ ابنَ ماجه إلى الخمسة أبو الفضل ابن طاهر حيث أدرجه معها في
الأطراف، وكذا في شروط الأئمة الستة (٦)، ثم الحافظُ عبد الغني(٧) في كتاب
[الإكمال](٨) في أسماء الرجال، الذي هذبَّه الحافظ المزي، وقدَّموه على
الموطأ، لكثرة زوائده على الخمسة، بخلاف الموطأ، [وقد أبرزت من كتاب
ابن ماجه جواهرَ أوضحتها في جزء أفردته لختمه - رحمهم الله وإيانا -](٩) .
(ودُونَها) [أي: كتب السنن](١٠)، [الماضي ذكرُها، بل وما جرى
مجراها، فضلاً عن الصحيحين، وشمول غيرهما من الصحاح، كما لابن
٨١
(١) نقله ابن حجر في ((النكت)) (٤٨٦/١).
(٢) في كتابه المسمى ((تجريد الصحاح الستة)) كما في مقدمة جامع الأصول (٤٨/١)،
ورزين هو: ابن معاوية بن عمار العبدري السرقسطي أبو الحسن المالكي، المتوفى سنة
خمس وعشرين وخمسمائة، وقيل: خمس وثلاثين.
((الديباج المذهب)) (٣٦٦/١)، و((العقد الثمين)) للفاسي (٣٩٨/٤ - ٣٩٩).
(٣) هو: العلامة البارع مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن
عبد الكريم الشيباني الجزري، ثم الموصلي، المتوفى سنة ست وستمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٨/٢١ - ٤٩١).
(٤) انظر المراد بالستة وتراجمهم في: ((جامع الأصول)) (١٧٩/١ - ١٩٧).
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٨٦/١).
(٦) ((شروط الأئمة الستة)) (ص١٦ - ١٧).
(٧) هو: الحافظ الزاهد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الجماعيلي المقدسي
أبو محمد تقي الدين الحنبلي، المتوفى سنة ستمائة.
((المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي)) (٨٢/٣ - ٨٣)، و((الذيل على طبقات
الحنابلة)) لابن رجب (٥/٢ - ٣٤).
(٨) كذا في الأصول، والصواب في تسميته ((الكمال)) كما في تقدمة تهذيبه للحافظ المزي
(١٤٧/١)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٤٨٧/١).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ح)، وفي حاشية (م) هنا: ثم بلغ قراءة عوداً على بدء
وتحقيق والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.
(١٠) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٥٧
الحَسَنُ
الصلاح(١) في ذلك كله](٢)، (في رتبة) أي: رتبة الاحتجاج الذي هو أصل
بغية المُبَوِّبين.
(ما جُعلا على المسانيد) التي موضوعها جعلُ حديث كل صحابي على
حدة، من غير تقيد بالمحتج به، (ف) بهذا السبب (يدعى) الحديث فيها الدعوة
(الجَفَلا) - بفتح الجيم والفاء مقصور - أي: العامة للمحتج به وغيره، وهو
استعارة، يقال: دعا فلان الجَفَلا إذا عَمَّ بدعوته، ولم يخصَّ قوماً دون قوم(٣)،
والنَّقَرى - وزنه أيضاً - هي الخاصة (٤).
وكأنَّ الرُّكونَ لأجل هذا لما يورد في تلك(٥) أكثر؛ لا سيما واستخراج
الحاجة منها أيسر، وإن جلَّت مرتبة هذه(٦) بجلالة مؤلفيها وتقدم تاريخ من
سأسمِّيه منهم؛ لا سيما وقد نقلَ البيهقيُّ في المدخل عن شيخه الحاكم الفرقَ
بين التصنيف على الأبواب والتراجم، فقال: التراجمُ يذكر فيها ما روى
الصحابي عن النبي ◌َّ، فيقولُ المصنف: ذكر ما رُوِيَ عن أبي بكر الصديق
عن النبيِ وَّ﴾، ثم يترجمُ على ذلك المسند فيقول: ذكرُ ما روى قيس بن أبي
حازم عن أبي بكر، فيوردُ جميعَ ما وقع له من ذلك صحيحاً كان أو سقيماً،
وأما الأبواب: فإن مصنفها يقول: كتاب الطهارة مثلاً، فكأنه يقول: ذكرُ ما
صحَّ عن النبي ◌َّر في أبواب الطهارة، ثم يوردها [انتهى](٧).
(١) في ((علوم الحديث)) (ص٣٤).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري، والقاموس المحيط مادة (جفل).
(٤) انظر: المرجعين السابقين مادة (نقر)، وفي الجفلا والنقرى يقول طَرَفة:
لا ترى الآدب فينا ينتقر
نحن في المشتاة ندعو الجفلا
(٦) أي: المسانيد.
(٥) أي: السنن.
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). وهذا النص من النصوص المفقودة، من كتاب
((المدخل)) للبيهقي كما في مقدمته (ص٧٥).
قال الحافظ ابن حجر فى ((النكت)) (٤٤٦/١ - ٤٤٧): ظاهر حال من يصنف على
الأبواب أنه ادعى على أن الحكم في المسألة التي بوب عليها ما بوب به فيحتاج إلى
مستدل لصحة دعواه، والاستدلال إنما ينبغي أن يكون بما يصلح أن يحتج به، وأما
من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة؛ سواء
أكان يصلح للاحتجاج به أم، لا، لكن خالف جماعة من المصنّفين أصل موضوعه
فانحط أو ارتفع، فإن بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة، بل =

٨٢
الحَسَنُ
١٥٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
والمسانيدُ كثيرة (كمسندٍ) الحافظِ الثقة أبي داود سليمان بن داود بن
الجارود القرشي الفارسي الأصل البصري (الطيالسي) نسبة إلى الطيالسة التي
تجعل على العمائم، مات بالبصرة في ربيع الأول سنة أربع أو ثلاث ومائتين،
عن نحو سبعين سنة (١).
وهذا المسندُ يسير بالنسبة لما كان عنده، فقد كان يحفظُ أربعين ألف
حديث(٢)، والسببُ في ذلك عدم تصنيفه هو له، إنما تولَّى جمعَه بعضُ حفاظ
الأصبهانيين، من حديث يونس بن حبيب(٣) الراوي عنه (٤).
وكمسندِ أبي محمد عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي(٥)، وأبي
بكر الحميدي(٢)، وأبي الحسن مُسَدَّد بن مُسَرْهَد(٧)، وأبي بكر بن
والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد، وبعض من صنف على
=
المسانید انتقی أحادیث کل صحابي، فأخرج أصح ما وجد من حديثه.
(١) ترجمة أبي داود الطيالسي في: ((تاريخ بغداد)) (٢٤/٩ - ٢٩)، و((سير أعلام النبلاء))
(٣٧٨/٩ - ٣٨٤).
(٢) ((تاريخ بغداد)) (٢٧/٩).
(٣) هو: يونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي الأصبهاني أبو بشر، المتوفى سنة سبع
وستين ومائتين.
((الجرح والتعديل)) (٢٣٧/٢/٤ - ٢٣٨)، و(«تاريخ أصبهان)) (٣٤٥/٢).
(٤) طبع مسند أبي داود الطيالسي في مجلد كبير بالهند سنة ١٣٢١، وقام جماعة من طلبة
العلم بتحقيقه. ثم طبع الكتاب في أربعة مجلدات بتحقيق د/ محمد التركي.
(٥) المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين. مترجم في: ((الجرح والتعديل)) (٣٣٤/٢/٢ - ٣٣٥)،
و ((تهذيب التهذيب)) (٥٠/٧ - ٥٣).
(٦) هو: عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي القرشي المكي الفقيه، أحد الأعلام، مات
سنة تسع عشرة ومائتين.
(تذكرة الحفاظ)) (٤١٣/٢ - ٤١٤)، و((الكاشف)) (٨٦/٢).
ومسنده مطبوع في الهند سنة ١٣٨٢، ١٣٨٣ في جزئين بعناية الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
(٧) انظر: ((الرسالة المستطرفة)) (ص٥٣)، وقال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١٠/ ٥٩٢):
وقع لي جزء منه.
ومسدد هو: ابن مسرهد بن مسربل الحافظ الحجة أبو الحسن الأسدي البصري
المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين.
(تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٩
الحَسَنُ
أبي شيبة(١)، وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن راهُوْيَه(٢).
والإمامِ المُبَجَّل (أحمدا) الآتي ذكره في الوفيات(٣)، وابنٍ أبي عمر
العدني(٤)، وأبي جعفر أحمد بن منيع(٥)، وأبي محمد عبد بن حميد
[الكَشِّي](٦)، وغيرهم ممن عاصرهم أو كان بعدهم.
(و) لكن (عَدّه) أي: ابنُ الصلاح [في علومه(٧)](٨) (للدارمي) أي:
لمسند الدارمي - نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم (٩)، وهو الحافظُ
أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التميمي السمرقندي، توفي في
يوم التروية، ودفن في يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين، ومولده سنة
(١) انظر: ((كشف الظنون)) (١٦٧٨/٢).
(٢) انظر: ((كشف الظنون)) (١٦٧٨/٢)، و((الرسالة المستطرفة)) (ص ٥٥ - ٥٦).
(٣) (٤١٧/٤).
(٤) هو الإمام المحدث الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، المتوفى
سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
((التاريخ الكبير)) (٢٦٥/١/١)، و((العبر)) (٤٤١/١).
(٥) هو: الحافظ الحجة أبو جعفر أحمد بن منيع البغوي ثم البغدادي الأصم، المتوفى سنة
أربع وأربعين ومائتين.
((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢)، و((شذرات الذهب))(١٠٥/٢).
(٦) بالشين المعجمة كذا بالأصول، والذي في ((اللباب)) لابن الأثير (٤١/٣): الكِسِّي
- بكسر أوله وتشديد السين المهملة - نسبة إلى كِس، مدينة بما وراء النهر بقرب
نخشب، ذكرها الحفاظ في تواريخهم كذلك، غير أن الناس يكثرون ذكرها - بفتح
الكاف والشين المعجمة -. اهـ.
وفي ((معجم البلدان)) (٤/ ٤٦٠) قال - نقلاً عن أبي الفضل بن طاهر -: كِس - بالسين
المهملة - تعريب كش - بالشين المعجمة -.
وعبد بن حميد: هو ابن نصر أبو محمد الإمام الحافظ، المتوفى سنة تسع وأربعين
ومائتين .
((تذكرة الحفاظ)) (٥٣٤/٢).
(٧) (ص٣٤).
(٨) كذا في (ح)، وقد كتبت في (س)، (م)، ثم طمس عليها.
(٩) ((اللباب)) لابن الأثير (٤٠٤/١ - ٤٠٥)، وفي ((خزانة الأدب)) للبغدادي (٣٠٧/١):
دارم لقب، واسمه بحر.

الحَسَنُ
١٦٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
إحدى وثمانين(١) - في المسانيد (انتقدا) عليه(٢)، فإنَّه على الأبواب، كما عُلم
مما قدَّمته قريباً(٣)، على أنَّه يحتملُ على بُعْد أن يكون أرادَ مسنده الذي ذكره
الخطيب في تصانيفه، فإنه قال: إنه صنَّف المسنَد والتفسيرَ والجامعَ (٤).
وكذا انتقدَ بعضُهم على ابن الصلاح - كما قرأته بخط الشارح - تفضيلَ
كتب السنن على مسند أحمد، الذي هو أكبر هذه المسانيد، بل مطلقاً،
وأحسنُها سياقاً، متمسكاً بكونه لم يُدخِلْ فيه إلا ما يحتجُّ به، كما دل عليه عدم
استيعاب ما عنده من أحاديث الصحابة فيه، وإنَّما انتقاه من أكثر من سبعمائة
ألف وخمسين ألف حديث، وقالَ: ما اختلفَ المسلمون فيه من حديث
رسول الله ◌َ﴿ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة(٥).
بل بالغ بعضُهم فأطلقَ عليه الصحة(٦)، والحقُّ أنَّ فيه أحاديث كثيرة
ضعيفة، وبعضُها أشدُّ في الضعف من بعض، حتى إنَّ ابنَ الجوزي أدخلَ كثيراً
منها في موضوعاته(٧) .
ولكن قد تعقَّبَه في بعضها الشارعُ(٨)، وفي سائرها [أو جُلِّها](٩)
(١) ترجمة الدارمي في: ((تاريخ بغداد)) (٢٩/١٠ - ٣٢)، و((تهذيب الكمال)) (٢١٠/١٥).
(٢) انظر: ((محاسن الاصطلاح)) للبلقيني (ص١١٢).
(٣) (ص١٥٧).
(٤) ((تاريخ بغداد)) (٢٩/١٠).
(٥) ((خصائص المسند)) لأبي موسى المديني (ص٢١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٩/١١).
(٦) قال الحافظ أبو موسى المديني في ((خصائص المسند)» (ص٢٤): لم يورد - يعني
الإمام أحمد - فيه - يعني: المسند - إلا ما صح عنده.
(٧) منها: حديث ابن عمر في احتكار الطعام ... أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٢/٢)،
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٤٢/٢ - ٢٤٣).
ومنها: حديث عمر: ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد ... الحديث رواه
الإمام أحمد في ((المسند)) (١٨/١)، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٤٦/٢).
ومنها: حديث ابن عمر في سد الأبواب إلا باب علي ... رواه الإمام أحمد في
((المسند)) (٢٦/٢)، وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٦٤/١). ومنها: حديث
أنس في فضل عسقلان، رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٢٥/٣)، وذكره ابن
الجوزي في ((الموضوعات)) (٥٣/٢).
(٨) ((التقييد والإيضاح)) (ص٥٧ - ٥٨).
(٩) ما بين المعقوفتين لا يوجد في (م).