النص المفهرس
صفحات 121-140
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢١ الحَسَنُ إلَّا من هذا الوجه (١). ولكن قد أجابَ عنه ابن سيِّدِ النَّاس بأنه عرّف ما يقول فيه: حسن فقط، من غير صفة أخرى، لا الحسن مطلقاً (٢)، وتبعه شيخُنا مع تردُّدِه في سبب اقتصاره عليه، وأنه إمَّا لغموضه، أو لأنَّه اصطلاح جديد له، وهو الذي اقتصر عليه ابنُ سيِّدِ الناس، بل خصَّه بجامعه فقط. وقال: إنه لو حكمَ في غيره من كتبه على حديث بأنه حسن، وقال قائل: ليس لنا أن نفسِّرَ الحسنَ هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان، لكان له ذلك(٣) . ولكن يتأَيَّد الأوَّلُ بقول المصنف في الكبير: الظاهرُ أنه لم يرد بقوله: عندنا، حكاية اصطلاحه مع نفسه، وإنما أراد عند أهل الحديث(٤)، كقول الشافعي: وإرسالُ ابن المسيب عندنا(٥)، أي أهلِ الحديثِ، فإنه كالمتفق عليه بینھم. انتهى. ويبعده قوله: وما ذكرنا، وكذا قوله: فإنما أردنا به، وحينئذ فالنُّونُ لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ = صالح مولى التوأمة عن ابن عباس: أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إذا توضأت فخلِّل بين أصابع يديك ورجليك)). وقال: حسن غريب. (١) من ذلك ما رواه في باب ما جاء ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن رقم (٢١٠) من حديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله وَ﴿ قال: ((من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه)). قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن حكيم بن عبد الله بن قيس. (٢) انظر: النفح الشذي (٢٩٥/١)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٣٣٨/١)، ومقدمة ((تحفة الأحوذي)) (٤١٠/١). (٣) انظر: ((شرح النخبة)) (ص٤٤ - ٤٥). (٤) ((مقدمة تحفة الأحوذي)) (٤٢٥/١ - ٤٣٧)، ويرى الدكتور نور الدين عتر أن مراد الترمذي بقوله: أصحابنا: الفقهاء المجتهدون من أهل الحديث، كمالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق، وغيرهم. انظر: الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين (ص٣٨٨ - ٣٩٠). (٥) تتمته: حسن. انظر: ((مختصر المزني)) المطبوع في آخر الأم (٧٨/٨). الحَسَنُ ١٢٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(١). مع الأمن من الإعجاب(٢) ونحوه المذموم معه مثل هذا. [لا سيما والعرب - كما في البخاري في ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)) من التفسير - تؤكد فعل الواحد، فتجعله بلفظ الجميع ليكون أثبت وأوكد(٣)] (٤). وعلى كل حال: فما اقتصرَ عليه الترمذيُ أليقُ كما سيأتي في الشاذ(٥). ٥٣ (وقيل) ممَّا عزاه ابنُ الصلاح لبعض المتأخرين (٦) مريداً به الحافظ أبا الفرج ابن الجوزي حيث قال في تصنيفيه ((الموضوعات))(٧)، و((العلل المتناهية))(٨): الحسنُ (ما به ضعف قريب محتمَل) بفتح الميم (فيه)، وهذا كلام صحيح في نفسه، لكنه ليس على طريقة التعاريف (٩)، فإن هذه صفة الحسن الموصوف بالحسن إذا اعتضد بغيره، حتى لو انفردَ لكان ضعيفاً، واستمرّ على عدم الاحتجاج به. على أنَّه يمكنُ أن يقال: إنه صفة الحسن مطلقاً، فالحسنُ لذاته إذا عارض الصحيحَ كان مرجوحاً، والصحيحُ راجحاً، فضعفه بالنسبة لما هو أرجح منه، والحسن لغيره أصله ضعيف، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده، فاحتمل لوجود العاضد، ولولا العاضدُ لاستمرت صفة الضعف فيه. (و) لكن مع ما تكلفناه في توجيه هذه الأقوال الثلاثة (ما بكل ذا) أي: ما تقدم (حدٍّ) صحيح جامع للحسن (حصل)؛ بل هو مستبهم، لا يشفي (١) سورة الضحى: الآية ١١. (٢) الذي يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، وفيه يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، المتوفى سنة ١٣٧٧ في منظومته الميمية (ص٦): والعجب فاحذره إن العجب مجترف أعمال صاحبه في سيله العرم (٣) ((صحيح البخاري)) (٧٢٤/٨). (٥) (١١/٢). (٤) ما بين المعقوفين غير موجود في (م). (٦) (علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٢٧). (٧) (٣٥/١). (٨) العزو إلى العلل المتناهية: تبع فيه السخاويُّ العراقيَّ في شرحه (٨٧/١)، و((التقييد والإيضاح)) (ص٤٥)، ولم أجده فيه بعد بحث طويل. (٩) التي من شرطها أن تكون جامعة مانعة. انظر: ((روضة الناظر)) لابن قدامة (٢٦/١ - (٣)، و((التعريفات)) للجرجاني (ص٦٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٣ الحَسَنُ [العليل](١)، يعني لعدم ضبطِ القدرِ المحتملِ من غيره بضابط في آخرها(٢)، وكذا في الشهرة في أولها(٣)، ولغير ذلك فيهما، وفي تعريف الترمذي الذي زعم بعضُ الحفاظ أنَّه أجودُها(٤)، ولذلك قال ابن دقيق العيد: إنَّ في تحقيق معناه اضطراباً (٥). (وقال) ابنُ الصلاح: (بَانَ) أي: ظهر (لي بإمعاني)(٦) أي: بإطالتي ٥٤ وإكثاري (النَّظَرَ) والبحث جامعاً بين أطراف كلامهم، ملاحظاً مواقع استعمالهم (أنَّ له) أي: الحسن (قسمين): أحدُهما: يعني وهو المسمّى بالحسن لغيره، أن يكونَ في الإسناد مستور لم تتحقق أهليتُه، [ولكنه بالنظر لما ظهر] (٧) غير مغفل [ولا](٨) كثير الخطأ في روايته، ولا متهم بتعمد الكذب فيها، [ولا ينسب إلى مفسق آخر](٩)، واعتضد بمتابع أو شاهد. وثانيهما: يعني وهو الحسن لذاته أن تشتهرَ رواتُه بالصدق، ولم يصلوا في الحفظ رتبةَ رجال الصحيح. قلت: وهذا الثاني هو الحسنُ حقيقة بخلاف الآخر، فهو لكونه يطلق على مرتبة من مراتب الضعيف مجاز، كما يطلق اسمُ الصحيح مجازاً على الثاني. ثم إنَّ القسمين (كل) من الترمذي والخطابي (قد ذكر) منهما (قسماً) وترك ٥٥ آخر لظهوره، كما هو مقتضى كل من الاحتمالين الماضيين في الترمذي، أو (١) كذا في (ح)، وفي (س)، (م): (الغليل). وما أثبت أنسب للشفاء. (٢) أي: آخر التعريفات الثلاثة، وهو تعريف ابن الجوزي. (٣) أي: أول التعريفات الثلاثة، وهو تعريف الخطابي. (٤) سيأتي قول السخاوي في آخر الشاذ (١١/٢): إن الأليق في الحسن ما اقتصر عليه الترمذي. (٥) ((الاقتراح)) (ص١٦٢). (٦) الإمعان: مصدر أمعن، وإمعان النظر بعده وإطالته، قال الأزهري في ((التهذيب)) (١٨/٣) نقلاً عن الليث بن المظفر: أمعن الفرس وغيره إذا تباعد في عدوه. (٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٨) ما بين المعقوفين ليس في (ح). (٩) كذا في (س)، (م)، وفي (ح) (وعلوم الحديث ص٢٨): ولا بسبب آخر مفسق. الحَسَنُ ١٢٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ذهوله، فكلامُ الترمذي يتنزلُ عندَ ابن الصلاح على أولهما، وكلامُ الخطابي على ثانيهما(١)، لكن ليس الأول عنده من قبيل الحسن؛ وحينئذٍ فتركه له؛ لذلك لا لما تقدم. ه (وزاد) [أي](٢) ابنُ الصلاح في كل منهما (كونَه ما عللا، ولا بِنُكْرِ أو شذوذٍ) أي: بكل منهما (شملا)(٣) بناء على تغايرهما، أما مع ترادفهما - كما سيأتي البحثُ فيه (٤) - فاشتراطُ انتفاء أحدهما كاف، [بل على التغاير لو اقتصر على انتفاء الشذوذ تضمَّنَ انتفاء النكارة من باب أولى](٥). ولذا اقتصر في الصحيح على نفي الشذوذ فقط(٦)، بل وكذا الحسن كما صرَّح به الترمذي. وحينئذٍ فزيادة ابنِ الصلاح له إنَّما هي بالنسبة للخطابي خاصة بخلاف العلة [مع إمكان أن يكون مجيء الجابر على وفقه يغني الترمذي عن التصريح بنفيها](٧). ولكن قد قرَّرَ شيخُنا منعَ اشتراطه نفيها(٨) . وظهرَ بما قررته تفصيلُ ما أجمله ابنُ دقيق العيد حيث قال عقبَ كلام ابن الصلاح: وفيه مباحثات ومناقشات على بعض الألفاظ(٩). ولذلك مع اختلال غيرها من تعاريفه قيل: إنَّه لا مطمع في تمييزه(١٠)، ولكنَّ الحقَّ أنَّ من خاض بحار هذا الفن سهل ذلك عليه، كما قاله شيخنا . ولذا عرف الحسن لذاته فقال: هو الحديثُ المتصلُ الإسنادِ برواة معروفين بالصدق، في ضبطهم قصورٌ عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون معلولاً، ولا شاذّاً(١١). (١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٢٦ - ٢٨). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (٤) (١٢/٢). (٣) ((علوم الحديث)) (ص٢٨). (٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٦) كما تقدم (ص٢٥). (٨) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٣٦/١). (٩) ((الاقتراح (ص١٧١). (١٠) قال الذهبي في ((الموقظة)) (ص٢٨): لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فإنا على إياس من ذلك. اهـ. (١١) ((شرح النخبة)) (ص٤٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث ١٢٥ الحَسَنُ ومُحصَّلهُ أنَّه هو والصَّحيح سواء، إلّا في تفاوت الضبط، فراوي الصحيح يُشترطُ أن يكونَ موصوفاً بالضَّبط الكامل، وراوي الحسن لا يُشترط أن يبلغَ تلك الدرجةَ، وإن كان ليس عريًّا عن الضبط في الجملة، ليخرج عن كونه مغفلاً، وعن كونه كثير الخطأ، وما عدا ذلك من الأوصاف المشترطة في الصحيح، فلا بُدَّ من اشتراط كله في النوعين. انتهى. وأمَّا مطلقُ الحسن: فهو الذي اتصل سندهُ بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا [المفسِّقِ كالكذب إن لم يفحش خطأ سيء الحفظ](١). إذا اعتضدَ مع خلوهما عن الشُّذوذ والعلة. إذا عُلمَ هذا فقد قال الخطابيُ متصلاً بتعريفه السابق لكونه متعلقاً به في الجملة، لا أنه تتمته: وعليه - أي: الحسنُ - مدارُ أكثر الحديث(٢)، أي بالنظر لتعدد الطرق، فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح المتفق عليه. ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن(٣). ثم قال الخطابي: (والفقهاءُ كلهم) - وهو وإن عبر بعامتهم فمراده كلهم - ٥٦ (يستعمله) أي: في الاحتجاج والعمل، الأحكام وغيرها - (والعلماء) من المحدثين والأصوليين (الجل) أي: المعظم (منهم يقبله) فيهما (٤). وممن خالفَ في ذلك من أئمةِ الحديث أبو حاتم الرازي، فإنه سئل عن حديث فحسَّنه، فقيل له: أتحتج به؟ فقال: إنه حسن، فأعيد السؤال مراراً وهو لا يزيد على قوله: إنه حسن(٥). ونحوه أنه سئل عن عبد ربه بن سعيد(٦)، فقال: إنَّه لا بأس به، فقيل له: أتحتج بحديثه؟ فقال: هو حسن الحديث، ثم قال: الحجةُ سفيان (١) كذا في (ح). وفي (س)، (م): (بما عدا الكذب). (٢) (معالم السنن)) للخطابي (١١/١). (٤) ((معالم السنن)) (١١/١). (٣) ((مصابيح السنة)) للبغوي (٢/١). (٥) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٣٢/١ - ١٣٣). (٦) هو: عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري النجاري المدني، وثقه أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. (ترتيب ثقات العجلي)) (ص٢٨٦)، و((تهذيب التهذيب)) (١٢٦/٦ - ١٢٧). الحَسَنُ ١٢٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وشعبة (١)، وهذا يقتضي عدَمَ الاحتجاج به، والمعتمدُ الأول. ٥٧ (وهو) أي: الحسنُ لذاته عند الجمهور، [وكذا لغيره كما اقتضاه النظم](٢) (بأقسام الصحيح ملحق حُجِّيةً) أي: في الاحتجاج (وإن يكن) كما أشار إليه ابنُ الصلاح (لا يلحق) الصحيحَ في الرتبة، [إما لضعف راويه، أو انحطاط ضبطه، بل المنحظُ لا ينكر مدرجه في الصحيح أنه دونه، ولذا قال ابنُ الصلاح](٣): فهذا اختلاف إذاً في العبارة دون المعنى (٤). [ثم إنَّ ما اقتضاه النظم يمكن التمسُّك له بظاهر كلام ابن الجوزي متصلاً بتعريفه(٥): ويصلحُ للعمل به](٦)، وهو كذلك، لكن فيمن تكثرُ طرقه، [وقد](٧) قال النووي ◌َُّهُ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيدُ مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوي بعضه بعضاً، ويصيرُ الحديث حسناً ويحتج به(٨)، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة. وظاهرُ كلام أبي الحسن ابن القطان يرشد إليه، فإنَّه قال: هذا القسمُ لا يحتج به كله(٩)، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهرُ القرآن(١٠) . (١) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٣٣/١)، وفي ((الجرح والتعديل)) له (٤١/١/٣) عن أبي حاتم: عبد ربه بن سعيد لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث ثقة. (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (كما اقتضاه كلام الخطابي الذي لم يشمل تعريفه - كما بين - غيره). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (على ما تقرر عند من يسميه حسناً، بل وصحيحاً فإنه - أيضاً - لا ينكر أنه دونه، قال). (٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٧). (٥) السابق في (ص١٢٢). (٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (وكذا يمكن التمسك بظاهر تعريف ابن الجوزي للحسن، وقوله متصلاً به: ويصلح للعمل به في إلحاق الحسن لغيره بذلك في الاحتجاج). (٧) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (ولذلك). (٨) ((المجموع شرح المهذب)) (١٩٧/٧). (٩) في حاشية (س): أي بشيء منه. (١٠) نقله عنه الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٠٢/١)، وهو من النصوص المفقودة من كتاب الوهم والإيهام لابن القطان، وفيه إشكالات ذكرها إبراهيم بن الصديق في كتابه: علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام (٣٩٤/٢ - ٤٠٢). وفي (بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٨٣/٤): هذا من الأفراد لا يعرف إلا به، ومقتضاه حكم من الأحكام. فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٢٧ الحَسَنُ واستحسَنَه شيخُنا (١)، وصرَّح في موضع آخر: بأنَّ الضعيفَ الذي ضعفه ناشئ عن سوء [حفظ](٢) إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن(٣)، ولكنه متوقف في شمول الحسن المسمى بالصحيح عند من لا يفرِّقُ بينهما لهذا(٤). وكلامُ ابن دقيق العيد - أيضاً - يشيرُ إلى التوقف في إطلاق الاحتجاج بالحسن؛ وذلك أنَّه قال في الاقتراح: إنَّ ههنا أوصافاً يجب معها قبول الرواية إذا وجدت في الراوي، فإمَّا أن يكونَ هذا الحديث المسمى بالحسن مما قد وجدت فيه هذه الصفات على أقل الدرجات التي يجب معها القبول، أو لا . فإن وجدت فذلك صحيح، وإن لم توجد فلا يجوز الاحتجاج به وإن سمي حسناً. اللهم إلا أن يُرَدَّ هذا إلى أمر اصطلاحي، وهو أن يقال: إن الصفاتِ التي يجب معها قبولُ الرواية لها مراتب ودرجات، فأعلاها هو الصحيح، وكذلك أوسطها، وأدناها الحسن. وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح، ويكون الكلُّ صحيحاً في الحقيقة، والأمرُ في الاصطلاح قريب، لكن من أرادَ هذه الطريقة، فعليه أن يعتبرَ ما سمَّاه أهلُ الحديث حسناً، وتَحقَّقَ وجودُ الصفات التي يجب معها قبولُ الرواية في تلك الأحاديث(٥) . قلت: قد وجد إطلاقه على المنكر، قال ابن عدي(٦) في ترجمة سلام بن سليمان المدائني(٧): حديثه منكر، وعامته حسان، إلا أنَّه لا يتابع عليه (٨) . (١) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٠٢/١، ٤٠٣). (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (حفظه). (٣) ((شرح النخبة)) (ص ١٠٥ - ١٠٦). (٤) يعني أن الحسن لغيره: لا يشمله اسم الحسن عند من لا يفرق بين الحسن والصحيح. انظر: ((شرح النخبة)) (ص ١٠٥ - ١٠٦). (٥) ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص١٦٥ - ١٦٦). (٦) هو الإمام الحافظ الكبير عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك الجرجاني أبو أحمد، المتوفى سنة خمس وستين وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (٩٤٠/٣ - ٩٤٢). (٧) هو: سلام بن سليمان بن سوار أبو العباس الثقفي المدائني، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال العقيلي: في حديثه مناکیر. ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (١٦١/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (١٧٨/٢ - ١٧٩). (٨) ((الكامل)) لابن عدي (١١٥٦/٣، ١١٥٩). الحَسَنُ ١٢٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقيل لشعبة: لأيِّ شيء لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي (١)، وهو حسنُ الحديث؟ فقال: من حسنه فررت(٢). وكأنَّهما أرادا المعنى اللغوي، وهو حُسْنُ المتن. ورُبَّما أطلقَ على الغريب، قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسانَ حديثه(٣)، فقد قال ابن السمعاني(٤): إنه عنى الغرائب(٥). وَوُجد للشافعي إطلاقُه في المتفق على صحته(٦)، ولابن المديني في الحسن لذاته(٧)، وللبخاري في الحسن لغيره(٨)، ونحوه فيما يظهر قول أبي حاتم الرازي: فلان مجهول، والحديث الذي رواه حسن(٩)، وقول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني(١٠) في الطلحي (١١): إنه ضعيف الحديث مع (١) هو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزمي، أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، أحد الأئمة، كان شعبة يعجب من حفظه، مات سنة خمس وأربعين ومائة. ((تهذيب التهذيب)) (٣٩٦/٦ - ٣٩٨)، والخلاصة (ص٢٠٦ - ٢٠٧). (٢) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣٦٧/٢/٢). (٣) المحدث الفاصل (ص٥٦١) وفيه (أحسن) بدل (حسان). (٤) هو: الحافظ البارع عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي الشافعي أبو سعد، المتوفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (١٣١٧/٤ - ١٣١٨)، و((النجوم الزاهرة)) (٣٧٨/٥). (٥) ((أدب الإملاء والاستملاء)) للسمعاني (ص٥٩). (٦) انظر: ((مختلف الحديث)) للشافعي (ص٥٢٢). (٧) ((العلل)) لابن المديني (ص٩٤). (٨) انظر: ((سنن البيهقي)) (٢٧٦/١)، و((نصب الراية)) للزيلعي (١٦٨/١)، نقلاً عن الترمذي عن البخاري. وذكر الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٢٦/١ - ٤٢٧): أن الترمذي نقل ذلك عن البخاري في ((العلل الكبير)). (٩) ((الجرح والتعديل)) (٢٦٢/١/٣). (١٠) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني، نزيل دمشق ومحدثها، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين. (تهذيب الكمال)) (٢٤٤/٢ - ٢٤٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٤٩/٢). (١١) هو: صالح بن موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة الطلحي القرشي الكوفي، قال ابن حجر: متروك من الثامنة. = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٩ الحَسَنُ حسنه(١)، على أنَّه يحتمل إرادتهما المعنى اللغوي - أيضاً - [وفي أولهما أن يكون لشاهد(٢) . وبالجملة فالترمذيُّ هو الَّذي أكثرَ من التعبير بالحسن، ونَوَّهَ بذكره، كما قاله ابنُ الصلاح(٣)، ولكن حيث ثبتَ اختلافُ صنيع الأئمة في إطلاقه، فلا يسوغُ إطلاقُ القول بالاحتجاج به؛ بل لا بُدَّ من النظر في ذلك، فما كان منه منطبقاً على الحسن لذاته فهو حجة، أو الحسن لغيره فيفصل بين ما [تكثر](٤) طرقه فيحتج به، وما لا فلا، وهذه أمور جملية تدرك تفاصيلها بالمباشرة(٥) . (فإن يقل) حيث تقرَّرَ أنَّ الحسنَ لا يشترط في ثاني قسميه ثقةُ رواته، ولا ٥٨ اتصالُ سنده، واكتفي في عاضده بكونه مثله، مع أن كلاً منهما بانفراده ضعيف لا تقوم به الحجة: فكيف (يحتج بالضعيف) مع اشتراطهم أو جمهورهم الثقة في القبول؟ (فقل): إنَّه لا مانع [منه](٦) (إذا كان) الحديثُ (من الموصوف رواته) ٥٩ واحد فأكثر (بسوء حفظ) أو اختلاط، أو تدليس مع كونهم من أهل الصدق والديانة، فذاك (يجبر بكونه) أي: المتن (من غير وجه يذكر)، ويكون العاضدُ الذي لا ينحط عن الأصلي معه كافياً مع الخدش فيه بما تقدم قريباً(٧) من كلام النووي وغيره، الظاهرُ في اشتراطه التعدد الذي قد لا ينافيه ما سيجيء عن الشافعي في المرسل قريباً (٨)، لاشتراطه ما ينجبر به التفرد، وإنَّما انجبرَ لاكتسابه من الهيئة المجموعة قوةً، كما في أفراد المتواتر، والصحيح لغيره الآتي قريباً (٩) . (ميزان الاعتدال)) (٣٠١/٢ - ٣٠٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٥٠). = (١) الذي في ((أحوال الرجال)) للجوزجاني (ص٧٣): ضعيف الحديث، وفي (ص٨٩): يضعف حديثه، والنص المذكور أورده المزي في التهذيب (٩٧/١٣)، والذهبي في المیزان (٢/ ٣٠٢) بتمامه. (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٣) في ((علوم الحديث)) (ص٣٢). (٤) كذا في (ح)، وفي (س) يكثر، أما في (م) فمهملة. (٥) في حاشية (ح)، (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك، كتبه مؤلفه. (٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٧) (ص١٢٦). (٨) (ص١٣١). (٩) (ص١٣١). الحَسَنُ ١٣٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وأيضاً: فالحكمُ على الطريق الأولى بالضعف، إنَّما هو لأجل الاحتمال المستوي الطرفين في [سيء الحفظ](١) مثلاً هل ضَبَطَ أم لا؟ فبالرواية الأخرى غلبَ على الظن أنه ضَبَط على ما تقرر كل ذلك قريباً عند تعريف الترمذي (٢). (وإن يكن) ضعفُ الحديث (الكذب) في راويه (أو شذّا) أي: أو شذوذ في روايته، بأن خالفَ من هو أحفظ أو أكثر (أو قوي الضعف) بغيرهما مما يقتضي الرد [كفحش الخطأ](٣) (فلم يجبر ذا) أي الضعف بواحد من هذه الأسباب، ولو كثرت طرقُه. ٦٠ كحديث: ((مَنْ حَفِظَ على أمتي أربعينَ حديثاً))(٤). فقد نقل النوويُ اتفاقَ الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه(٥)، ولكن بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار، بحيث لا يجبرُ بعضُها ببعض يرتقي عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العملُ به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العملُ به في الفضائل(٦). وربما تكونُ تلك الطرقُ الواهية بمنزلة الطريق التي فيها ضعف يسير، بحيث لو فرض مجيء ذلك الحديث بإسناد فيه ضعف يسير، كان مرتقياً بها إلى مرتبة الحسن لغيره. (١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (المستور). (٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٢) (ص١١٩ - ١٢٠). (٤) تمامه: ((في أمر دينها، بعثه الله فقيهاً، وكنت له شافعاً وشهيداً)). أخرجه ابن حبان في (المجروحين)) (١٢٨/٢) عن أبي الدرداء، وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنترة. قال فيه ابن حبان في الكتاب المذكور: كان ممن يضع الحديث، وأخرج نحوه أبو نعيم في الحلية (١٨٩/٤) عن ابن مسعود، وقال: غريب، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص١١) عنه، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (١ /٤٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٢٢٧/٦) عن أبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وبريدة. ذكر بعضها ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٤٢/١ - ٤٤)، واستوعبها ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١١١/١ - ١٢٢) وجميع طرقه فيها مقال، ليس للتصحيح بل التحسين فيها مجال، بل هو كما قال النووي: ضعيف بالاتفاق. (٥) مقدمة الأربعين النووية (ص٤). (٦) سيأتي - إن شاء الله - الكلام على الاحتجاج بالضعيف في الفضائل وغيرها (١٥١/٢ _١٥٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣١ الحَسَنُ (ألا ترى) الحديثَ (المرسلَ) مع ضعفه عند الشافعي ومن وافقه (حيث ٦١ أسندا) من وجه آخر (أو أرسلوا) أي: أو أرسل من طريق تابعي أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول (كما يجيء) تقريره في بابه(١) عن نص الشافعي (اعتضدا) وصار حجة. ثم كما أنَّ الحسنَ على قسمين، كذلك الصحيح، فما سلف(٢) هو الصحيح لذاته (و) الحديث (الحسن) لذاته، وهو (المشهور بالعدالة والصدق ٦٢ راويه)، غير أنه كما تقدم(٣) متأخر المرتبة في الضبط والإتقان عن راوي الصحيح . (إذا أتى له طرق أخرى نحوها) أي: نحوُ طريقه الموصوفة بالحسن (من ٦٣ الطرق) المنحظّة عنها (صححته). أما عند التساوي أو الرجحان فمجيئه من وجه آخر كاف، وهذا هو الصحيح لغيره، وتأخيره لكونه كالدليل أيضاً لدفع الإيراد قبله. وله أمثلة كثيرة (كمتن) أي حديث: (((لولا أن أشُقَّ) على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة))(٤) . (إذ تابعوا محمد بن عمرو) بن علقمة(٥) راويه عن أبي سلمة (عليه) في ٦٤ شيخ شيخه، حيث رواه جماعة غير أبي سلمة عن أبي هريرة، اتفق الشيخان عليه من حديث الأعرج أحدهم(٦) . (٢) (ص٢٣ - ٢٥). (١) (ص٢٦٢). (٣) (ص١٢٣). (٤) رواه الترمذي باب ما جاء في السواك برقم (٢٢)، وقال: صحيح لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي وَ لّد. (٥) هو: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبد الله، ويقال: أبو الحسن المدني، وثقه النسائي مرة، وقال أخرى: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، مات سنة أربع وأربعين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٣٠/١/٤ - ٣١)، و(تهذيب التهذيب)) (٣٧٥/٩ - ٣٧٧). (٦) البخاري: باب السواك يوم الجمعة، كتاب الجمعة (٣٧٤/٢)، ومسلم باب السواك، كتاب الطهارة (١٤٢/٣ - ١٤٣). الحَسَنُ ١٣٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث نعم. تابعه محمدُ بن إبراهيم (١) فيما رواه محمدُ بن إسحاق(٢) عنه عن أبي سلمة، لكنه جعلَ صحابي الحديث زيد بن خالد الجهني (٣)، لا أبا هريرة وفيه قصة (٤). وكذا تابعه المقبري(٥) فيما رواه محمدُ بن عجلان(٦) عنه عن أبي سلمة فجعل الصحابي عائشة(٧)، وكل منهما متابعة قاصرة، وقد صَحَّحه الترمذي عن أبي سلمة وزيد (٨)، وصحَّحه ابن حبان عن عائشة(٩). (فارتقى) المتنُ من طريق ابن علقمة بهذه المتابعات (الصحيح يجري) إليه، وإلا فهو إذا انفردَ لا يرتقي حديثه عن الحسن، لكونه مع صدقه وجلالته (١) هو: محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد القرشي التيمي أبو عبد الله المدني، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد. مات سنة عشرين ومائة، وقيل: تسع عشرة، وقيل: إحدى وعشرين. ((الثقات)) لابن حبان (٣٨١/٥)، و((تهذيب الكمال)) (٣٠١/٢٤). (٢) هو: محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المدني أبو بكر، ويقال أبو عبد الله المطلبي مولاهم، قال ابن معين: ثقة وليس بحجة. وقال أحمد: حسن الحديث. مات سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة. يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٢٢٥/٣)، و((تهذيب الكمال)) (٤٠٥/٢٤). (٣) رواه أبو داود: باب السواك، كتاب الطهارة رقم (٤٧)، والترمذي: باب ما جاء في السواك رقم (٢٣). (٤) القصة كما في ((سنن أبي داود))، قال أبو سلمة: فرأيت زيداً يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك. وفي الترمذي نحوها . (٥) هو: سعيد بن أبي سعيد أبو سعيد المدني، ثقة جليل. مات سنة ثلاث، وقيل خمس وعشرين ومائة. ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) (ص١١٨). (٦) هو: محمد بن عجلان المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. ((الكاشف)) (٧٧/٣) وفيه وفاته سنة ثمان وثلاثين، والتقريب (ص٣١١). (٧) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٢٨٨/٢). (٨) انظر: كلام الترمذي الذي تقدمت حكايته قريباً على حديث أبي هريرة. (٩) ((صحيح ابن حبان)) (٢٨٨/٢). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٣٣ الحَسَنُ الموثق بهما، كان يخطئُ بحيث ضعف(١)، ولم يخرج له البخاري إلا مقروناً بغيره، وخرَّج له مسلمٌ في المتابعات. ثم إنَّه لا يلزمُ من الاقتصار على هذا المثال الذي تعددت طرقُه(٢) اشتراطُ ذلك، بل المعتمد ما قدمته، [ومن اشترط التعدد في الحسن لغيره قد يفرق بينهما](٣) . وكذا من أمثلته: ما رواه الترمذي من طريق إسرائيل(٤) عن عامر بن شقيق(٥) عن أبي وائل(٦) عن عثمان بن عفان: أن النبي ◌َّ: ((كان يُخَلِّلُ لحِيتَه))(٧). تفرَّدَ به عامر، وقد قوَّاه البخاري(٨) والنسائي(٩) وابن حبان(١٠)، وليَّنه ابن (١) انظر: ((الثقات)) لابن حبان (٣٧٧/٧)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٧٣/٣). (٢) فقد روي عن جماعة من الصحابة، منهم - غير من ذكر -: علي بن أبي طالب، وحديثه: رواه أحمد في «المسند» (١٢٠/١)، وابنه عبد الله في زوائد المسند (٨٠/١). والعباس بن عبد المطلب وحديثه في ((المستدرك)) للحاكم (١٤٦/١). وعبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، وأحاديثهم رواها أبو نعيم في كتاب السواك، وإسناد بعضها حسن، كما في: ((التلخيص الحبير)) (٧٤/١). وزينب بنت جحش وحديثها في «المسند» (٤٢٩/٦). ورجل من أصحاب النبي ◌َّر وحديثه في ((المسند)) (٤١٠/٥). (٣) ما بين المعقوفين غير موجود في (م). (٤) هو: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي أبو يوسف الكوفي، وثقه ابن معين وأبو حاتم. وقال النسائي: ليس به بأس، مات سنة اثنتين وستين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٣٣١/١/١)، و((تهذيب الكمال)) (٥١٥/٢ - ٥٢٤). (٥) هو: عامر بن شقيق بن جمرة الأسدي الكوفي، قال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس. ((تهذيب التهذيب)) (٦٩/٥)، و((تبصير المنتبه)) (٥٣٠/١). (٦) هو: شقيق بن سلمة الأسدي الكوفة، شيخ الكوفي وعالمها، مخضرم جليل، مات سنة اثنتين وثمانين. ((تهذيب الكمال)) (٥٤٨/١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٦٠/١). (٧) رواه الترمذي: باب ما جاء في تخليل اللحية رقم (٣١)، وابن ماجه في باب ما جاء في تخليل اللحية، من كتاب الطهارة رقم (٤٣٠). (٨) ذكره في تاريخه الكبير (٤٥٨/٢/٣) وسكت عنه. (٩) كما في ((ميزان الاعتدال)) (٣٥٩/٢). (١٠) حيث ذكره في ((الثقات)) (٢٤٩/٧). الحَسَنُ ١٣٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث معين (١) وأبو حاتم (٢)، وحَكَمَ البخاريُ فيما حكاه الترمذي في العلل: بأن حديثه هذا حسن(٣)، وكذا قال أحمد - فيما حكاه عنه أبو داود -: أحسنُ شيء في هذا الباب حديثُ عثمان (٤). وصحَّحه مطلقاً الترمذي(٥) والدارقطني(٦) وابن خزيمة (٧) والحاكم(٨) وغيرهم(٩) وذلك لما عضده من الشواهد، كحديث أبي المَلِيحِ الرَّقِّي(١٠) عن الوليد بن زوران(١١) عن أنس ... أخرجه أبو داود(١٢)، وإسناده حسن؛ لأن الوليد وثقه ابن حبان(١٣)، ولم يضعفه أحد. وتابعه عليه ثابت البناني عن أنس، أخرجه الطبراني في الكبير (١٤)، من (١) (الجرح والتعديل)) (٣٢٢/١/٣) نقلاً عن ابن معين. (٢) المرجع السابق. (٣) ((العلل الكبير)) للإمام الترمذي (١١٥/١)، ترتيب أبي طالب القاضي. (٤) في مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص٧) قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ فقال: يخلل قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث. وانظر: ((النكت على ابن الصلاح)» (٤٢٢/١). (٥) حيث قال في ((سننه)) بعد روايته للحديث: حديث حسن صحيح. (٦) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٨٦/١) ولم يذكر تصحيحاً ولا تضعيفاً. (٧) حيث رواه في ((صحيحه)) (٧٨/١ - ٧٩). (٨) ((المستدرك على الصحيحين)) (١٤٩/١ - ١٥٠). (٩) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٤٢١/١ - ٤٢٢). (١٠) هو: الحسن بن عمر، ويقال: ابن عمرو بن يحيى الفزاري مولاهم، أبو المليح الرقي، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. مات سنة إحدی وثمانين ومائة. تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين (ص٢٤٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٩/٢ - ٣١٠). (١١) هو: الوليد بن زوران - بزاي ثم واو ثم راء، وقيل: بتأخير الواو - السلمي الرقي، لين الحديث، من الخامسة. (تقريب التهذيب)) (ص ٣٧٠)، والخلاصة (ص٣٥٧). (١٢) في باب تخليل اللحية، من كتاب الطهارة رقم (١٤٥). (١٣) حيث ذكره في ((الثقات)) (٥٥٠/٧ - ٥٥١). (١٤) لم أقف عليه في المطبوع من مسند أنس في ((المعجم الكبير)). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣٥ الحَسَنُ رواية عمر بن إبراهيم العبدي(١) عنه، وعمر لا بأس به(٢)، ورواه الذُّهْلِي(٣) في ((الزُّهْرِيَّات)) من طريق الزُّبَيْدي (٤) عن الزهري عن أنس (٥)، إلَّا أنَّ له علة، لكنها غير قادحة، كما قال ابن القطان(٦). ورواه الترمذي (٧) والحاكم(٨) من طريق قتادة عن حسان بن بلال(٩) عن عمار بن ياسر وهو معلول(١٠). قال شيخُنا: وله شواهد (١١) أخرى دون ما ذكرنا في المرتبة، وبمجموع (١) هو: عمر بن إبراهيم العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي، وثقه أحمد، وابن معین، وقال أبو حاتم: یکتب حديثه ولا يحتج به. ((تاريخ الدارمي عن ابن معين)) (ص٥٠)، و((الجرح والتعديل)) (٩٨/١/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٢٥/٧ - ٤٢٦). (٢) وتابعه أيضاً؛ يزيد الرقاشي عن أنس، أخرجه ابن ماجه في باب ما جاء في تخليل اللحية، من كتاب الطهارة رقم (٤٣١)، ويزيد الرقاشي ضعيف كما في التقريب (ص٣٨١). (٣) هو: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله النيسابوري، مولى بني ذهل، الإمام الحافظ، المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائتين. ((تاريخ بغداد)) (٤١٥/٣ - ٤٢٠)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٣/١٢). (٤) هو: محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْدي، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص٣٢٢)، والخلاصة (ص ٣١٠). (٥) نقله الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٤٢٣/١). (٦) ((بيان الوهم والإيهام)) (٢٢٠/٥). (٧) في باب ما جاء في تخليل اللحية من أبواب الطهارة رقم (٢٩، ٣٠). (٨) في ((المستدرك)) (١٤٩/١). (٩) هو: حسان بن بلال المزني البصري، وثقه ابن المديني وابن حبان، وزعم ابن حزم أنه مجهول. ((الثقات)) لابن حبان (١٦٤/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٤٦/٤ - ٢٤٧). (١٠) علته فيما يظهر لي أنه روي عن حسان بن بلال من طريقين: إحداهما: عن قتادة عنه بصيغة العنعنة، وقتادة مدلس. والثانية: من رواية عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو لم يسمع من حسان هذا الحديث، كما نقله الترمذي في ((سننه)) عن الإمام أحمد عن ابن عيينة. (١١) من حديث عائشة، وأخرجه أحمد (٢٣٤/٦) من رواية طلحة بن عبد الله بن كريز عنها . = الحَسَنُ ١٣٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ذلك حكموا على أصل الحديث بالصِّحة، وكل طريق منها بمفردها لا تبلغ (١) درجة الصحيح (١) . ثم إنَّ ابنَ الصلاح قد سلكَ في هذا القسم شبيهَ ما سلكه في الذي قبله، حيث بين هناك أنَّ الصحيحين أصح كتبه، وأن الزيادة عليهما تؤخذ من كذا، وأما هنا: فبعد أن أفاد إكثار الدارقطني من التنصيص عليه في سننه، وأن الترمذي هو المُنَوِّه به، والمكثر من ذكره في جامعه (٢)، مع وقوعه في كلام من قبله كشيخه البخاري، الذي كأنه - كما قال شيخي - اقتفى فيه شيخَه ابن المديني لوقوعه في كلامه - أيضاً(٣) .. (قال(٤): ومن مَظِنَّة) بكسر المعجمة، مَفْعلة من الظن بمعنى العلم، أي: موضِع ومعدِن(٥)، (للحسن) سوى ما ذكر (جمعُ) الإمام الحافظ الحجة الفقيه التالي لصاحبي الصحيحين، والمقول فيه: إنه أُلينَ له الحديثُ كما أُلينَ لداودَعَلَّه الحديد(٦)، (أبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني، الآتي في ٦٥ وأم سلمة وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) (٢٣٥/١)، وفي = إسناده خالد بن إلياس وهو متروك الحديث كما في التقريب (ص٨٧). وابن أبي أوفى وحديثه في ((كتاب الطهور)) لأبي عبيد، (ص٣٤٤ ح٣١١) بتحقيق مشهور. وأبي أيوب الأنصاري وحديثه في ((السنن)) لابن ماجه برقم (٤٣٣). وابن عباس وحديثه في ((الأوسط)) للطبراني (١٤٥/٣ ح٢٢٩٨). وأبي أمامة وحديثه في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٣/١) وغيرهم، كما في «نصب الراية)) للزيلعي (٢٣/١ - ٢٦)، و((التلخيص الحبير)) لابن حجر (٩٦/١ - ٩٨)، لكن قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤٥/١): سمعت أبي يقول: لا يثبت عن النبي بَّ في تخليل اللحية حديث. وقد تقدم قريباً مثله عن الإمام أحمد. (١) ((النكت)) لابن حجر (٤٢٣/١ - ٤٢٤). (٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٢). (٣) انظر: ((العلل)) لابن المديني (ص١٠٢)، و((سنن الترمذي)) بعد الحديث رقم (٣٢٣٣) نقلاً عن البخاري، و((النكت)) لابن حجر (٤٢٦/١). (٤) يعني ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٣٣). (٥) في ((الصحاح)) للجوهري مادة (ظنن): مظنة الشيء موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع المظان، يقال: موضع كذا مظنة من فلان: أي: معلم منه. (٦) نقله أبو سليمان الخطابي في ((مقدمة)) معالم السنن (١١/١ - ١٢) بسنده إلى إبراهيم = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣٧ الحَسَنُ الوفيات(١)، (أي في) كتابه (السنن) الشهيرِ، الذي صرَّح حجةُ الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث (٢). وقال النووي في خطبة شرحه: إنَّه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناءُ به، وبمعرفته المعرفة التامة، فإن معظمَ أحاديثِ الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه، إلى غير ذلك من الثناء على الكتاب ومؤلفه. (فإنَّه قال) ما معناه: (ذكرتُ فيه) أي: في كتاب السنن (ما صحَّ أو ٦٦ قارب) الصحيحَ (أو يحكيه) أي: يشبهه، إذ لفظه فيما رويناه في تاريخ الخطيب من طريق ابن دَاسَه (٣) عنه: ذكرتُ الصحيحَ وما يشبهه ويقاربُه (٤). وأو هنا للتقسيم، أو لغيره من أنواع العطف(٥) المقتضي للمغايرة، ولا شك فيها هنا، فما يشبه الشيء وما يقاربه ليس به، ولذا قيل: إن الذي يشبهه هو الحسن، والذي يقاربه الصالحُ، ولزم منه جعلُ الصالح قسماً آخر، وقول يعقوب بن شيبة (٦): الحربي، ونقله الحافظ السلفي في مقدمته المطبوعة في آخر الجزء الثامن من («معالم = السنن)) (ص١٤٢، ١٤٥)، والذهبي في: ((تذكرة الحفاظ)) (٥٩٢/٢) أيضاً عن محمد بن إسحاق الصاغاني، وقد يقع الحافر على الحافر، ويوافق قول الأول قول الآخر. (١) (٤/ ٤٢١). (٢) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (٣٥١/٢) لكن أضاف له ((المعرفة)) للبيهقي. (٣) هو الشيخ الثقة العالم أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسه التمار، المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة. ((العبر)) للذهبي (٢٧٣/٢)، و((شذرات الذهب)) (٣٧٣/٢). (٤) ((تاريخ بغداد)) (٩/ ٥٧). (٥) انظر: معاني (أو) في ((شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك)) (١٧٩/٢ - ١٨١) مع ((التوضيح والتكميل)). وقد تكون (أو) هنا: بمعنى الواو، وذلك جائز عند أمن اللبس، كما هنا، وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته مع الشرح المذكور: خَيِّر أبخْ قَسِّمْ بأو وأبْهِم واشكُك وإضْراب بها أيضاً نُمِي لم يُلْفِ ذو النطق بلبس منفذا وربَّما عاقَبَت الواوَ إذا (٦) هو: الحافظ العلامة يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور أبو يوسف السدوسي البصري، نزيل بغداد، المتوفى سنة اثنتين وستين ومائتين. ((تذكرة الحفاظ)) (٥٧٧/٢ - ٥٧٨). الحَسَنُ ١٣٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث إسناد وسط، ليس بالثبت، ولا بالساقط، هو صالح(١)، قد يساعده(٢). وقال أبو داود - أيضاً - فيما رويناه في رسالته في وصف السُّنن ما معناه: (وما) كان في كتابي من حديث (به وَهْنٌ) وفي نسخة من الرسالة: وَهْيٌّ، (شديد) فقد (قلته) أي: بَيَّنْتُ وهنَه أو وهاءه. وقال في موضع آخر منها: وإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره(٣) . وتردَّدَ شيخي كَُّهُ في محل هذا البيان، أهو عقب كل حديث على حدته، ولو تكرر ذلك الإسناد بعينه مثلاً، أو يكتفي بالكلام على وهن إسناد مثلاً، فإذا عاد لم يبينه اكتفاء بما تقدم، ويكون كأنه قد بينه، وقال: هذا الثاني أقرب عندي(٤). قلت: على أنَّه لا مانِعَ أن يكون سكوتُه هنا لوجود متابع أو شاهد، [أو يكون المسكوت عنه في الفضائل، وذلك في الأحكام](٥). قال شيخنا (٦): وقد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض، ولا سيما رواية أبي الحسن ابن العبد(٧)، فإن فيها من كلام أبي داود شيئاً زائداً على (٨) رواية اللؤلؤي . وسبقه ابنُ كثير فقال: الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جداً، ويوجدُ في بعضها من الكلام، بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، قال: ولأبي عبيد (١) ((مسند عمر بن الخطاب)) ليعقوب بن شيبة (ص٩٣). (٢) في حاشية (س): ثم بلغ كذلك نفعنا الله به وبعلومه والجماعة سماعاً، كتبه مؤلفه. (٣) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه (ص٢٥، ٢٧). (٤) ((النكت)) لابن حجر (٤٤٠/١). (٦) في «النكت)) (٤٤١/١). (٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٧) هو: علي بن الحسن بن العبد أبو الحسن الوراق، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد)» (٣٨٢/١١). (٨) هو: الإمام المحدث الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو البصري اللؤلؤي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. (الوافي بالوفيات)) (٣٩/٢)، و((مرآة الجنان)) (٣١٢/٢). ٦٧ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣٩ الحَسَنُ الآجري(١) عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه، ثم تردّدَ هل المراد بالبيان في سننه فقط أو مطلقاً(٢)؟ وقال: إنه مما ينبغي التنبيهُ عليه والتيقظُ له. انتهى(٣). والظاهرُ الأولُ، ولكنِ يتعين ملاحظةُ ما وقع في غيرها مصرحاً فيه بالضعف الشديد، مما سكت عليه في السنن، لا مطلق الضعف، وكذا ينبغي عدم المبادرة لنسبة السكوت إلا بعد جمع الروايات، واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم(٤). وقد صرَّح ابنُ الصَّلاح(6) - مما تبعه فيه النووي(٦) - بذلك في نسخ الترمذي، حيث قرر اختلافها في التحسين والتصحيح. ثم قال أبو داود: (وحيث لا) وهن، أي: شديد فيه، ولم أذكر فيه شيئاً (ف) هو (صالح)(٧)، وفي لفظ أورده ابن كثير ممرضاً فهو حسن(٨)، (خرجته) وبعضه أصح من بعض (٩). قال ابن الصلاح: (ف) على هذا (ما) وجدناه مذكوراً (به) أي: بالكتاب ٦٨ (ولم يصحح) عند واحد من الشيخين، ولا غيرهما ممن يُمَيِّزُ بين الصحيح والحسن، (وسكت) أي: أبو داود (عليه) فهو (عنده) أي: أبي داود (له الحسن ثبت)، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، ولا مندرج فيما حققنا (١) لم أقف له على ترجمة فيما بين يدي من المراجع، سوى ما كتب في تقدمة سؤالاته لأبي داود (ص٣٩ - ٤٣) حيث قال محققه: هو أبو عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري البصري الحافظ، صاحب أبي داود، أدرك أوائل القرن الرابع الهجري. وانظر: ((تاريخ التراث العربي)) لفؤاد سزكين (٤١٦/١). (٢) قال الحافظ العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (ص٥٥): كيف يحسن هذا الاستفسار بعد قول ابن الصلاح: إن من مظان الحسن ((سنن أبي داود)»؟ فكيف يحمل كلامه على الإطلاق في السنن وغيرها؟ وكذلك لفظ أبي داود صريح فيه، لأنه قال في رسالته: ذكرت في كتابي هذا. (٣) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص٤١). (٤) قريباً من كون بعضها يشتمل على زيادات دون بعض. (٥) ((علوم الحديث)) (ص٣٢). (٦) في ((التقريب)) (ص٩٦) مع التدريب. (٧) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (ص٢٧). (٩) ((رسالة أبي داود)) (ص٢٧). (٨) ((اختصار علوم الحديث)) (ص٤١). الحَسَنُ ١٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ضبط الحسن به على ما سبق(١)، لا سيما ومذهبُ أبي داود تخريجُ الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره، كما سيأتي(٢). انتهى(٣). ويتأيد تسميته حسناً بالرواية المحكية لابن كثير(٤)، لكن المعتمدَ اللفظُ ٦٩ الأول، (و) لذلك اعترض الحافظُ المتقن الثقة المصنف أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر (ابن رُشَيد) - بضم الراء وفتح المعجمة، هو محمدُ بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس السبتي الأندلسي المالكي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بفاس عن خمس وستين(٥) - على ابنِ الصلاح، حيث (قال) فيما حكاه عنه ابن سيِّدُ الناس في شرح الترمذي (٦) وحسنه: (وهو متجه) ليس يلزم أن يستفاد من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف، ولا نص عليه غيره بصحة أن الحديثَ عنده حسن؛ بل (قد يبلغ الصحة عند مخرجه)، أي: أبي داود، وإن لم يكن عند غيره كذلك. [ويشيرُ إليه قولُ المنذري في خطبة الترغيب: وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكتَ عليه، فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزلُ عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الشيخين(٧). انتهى(٨). فإنه لا يمنع وجودَ الصحيح فيه. وقال النوويُ في آخر الفصول التي بأول الأذكار: ما رواه أبو داود في سننه، ولم يذكر ضعفه، فهو عنده صحيح أو حسن(٩)](١٠). ويساعده ما سيأتي(١١) من أن أفعل في قوله: ((أصح من بعض)) تقتضي المشاركة غالباً، فالمسكوتُ عليه إما صحيح أو أصح، إلا أن الواقع خلافه، (٢) (ص١٤٧، ١٥٣/٢). (١) (ص١١٦ - ١٢٦). (٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٣٣ - ٣٤). (٤) جاء في (م) هنا: وهو الذي مشى عليه المنذري، فإنه قال في خطبة الترغيب: وكل حديث عزوته ... إلخ، كلام المنذري الآتي، وقد كتب في (س) ثم طمس. (٥) له ترجمة في: ((الديباح المذهب)) لابن فرحون (٢٩٧/٢ - ٢٩٨)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٢٨٤/٤ - ٢٨٦). (٧) في ((الترغيب)) - أيضاً -: أو أحدهما. (٦) النفح الشذي (٢١٨/١). (٨) ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٨/١). (٩) ((الأذكار)) للنووي (١٧١/١ - ١٧٢) مع شرحه ((الفتوحات الربانية)) لابن علان. (١٠) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (١١) (ص١٤٣).