النص المفهرس

صفحات 61-80

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦١
الصحيحُ الزائد على الصحيحين
التميمي البستي الشافعي الحافظُ الفقيهُ القاضي (الزكي) أي: الزاكي، لنموه
عند غير واحد من الأئمة، كالخطيب، فإنه قال: كان ثقة ثبتاً فاضلاً فهماً(١)،
وقال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن
عقلاء الرجال(٢)، واسم مصنفه ((التقاسيم والأنواع)(٣).
(و) نحوُ صحيح إمام الأئمة أبي بكر(٤)، (ابن خزيمة) بمعجمتين،
أولاهما مضمومة، وبالصرف وتركه هنا، [واسمه محمد بن إسحاق السلمي](٥)
النيسابوري الفقيه الشافعي، شيخ ابن حبان القائل فيه: ما رأيتُ على وجه
الأرض من يحسنُ صناعةَ السنن ويحفظُ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأنَّ
السنن كلها بين عينيه غيره(٦).
وأخَّرَ عنه مع تقدمه لكون صحيحه عُدم أكثره(٧)، بخلاف صحيح ابن
حبان فهو موجود بتمامه.
(وكالمستدرك) على الصحيحين مما فاتهما، للحاكم أبي عبد الله محمد بن
(١) لعل هذا النقل فيما لم يطبع من تاريخ الخطيب، كما استظهره الشيخ أحمد شاكر في
تعليقه على صحيح ابن حبان (٥٤/١)، ونقله الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٢١/٣)،
و((سير أعلام النبلاء)) (٩٤/١٦)، والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١٣٢/٣).
(٢) نقله الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٩٤/١٦).
مات ابن حبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وترجمته في: ((سير أعلام النبلاء))
(٩٢/١٦ - ١٠٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٠٦/٣ - ٥٠٨).
(٣) سلك ابن حبان في تقسيم صحيحه مسلكاً غريباً، فجعله خمسة أقسام:
الأول منها: في الأوامر، ويحتوي على عشرة ومائة نوع.
والثاني: في النواهي، ويحتوي على عشرة ومائة نوع أيضاً.
والثالث: في أخبار المصطفى وَر عما احتيج إلى معرفته، ويحتوي على ثمانين نوعاً.
والرابع: في الإباحات، ويحتوي على خمسين نوعاً.
والخامس: في أفعال النبي وَل﴿ ويحتوي على خمسين نوعاً أيضاً. فمجموع الأنواع
أربعمائة .
انظر: ((صحيح ابن حبان)) (٦٠/١ - ١٠٩) بترتيب علاء الدين الفارسي.
(٤) في (م): (ابن إسحاق).
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (م).
(٦) ((المجروحين)) لابن حبان (٧٨/١). مات ابن خزيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
((المنتظم)) لابن الجوزي (١٨٤/٦ - ١٨٦)، و((تذكرة الحفاظ)) (٧٣٠/٣ - ٧٣١).
(٧) طبع ما وجد منه في أربعة أجزاء بعناية الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.

الصحيحُ الزائد على الصحيحين
ســ
٦٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١ عبد الله الضبي النيسابوري الحافظ الثقة (١)، (على تساهل) منه فيه بإدخاله فيه
عدة موضوعات، حمله على تصحيحها، إما التعصب لما رمي به من التشيع (٢)،
وإما غيره، فضلاً عن الضعيف وغيره.
بل يقال: إنَّ السبب في ذلك أنه صنَّفه في أواخر عمره، وقد حصلت له
غفلة وتغير، أو أنَّه لم يتيسَّرْ له تحريرُه وتنقيحُه، ويدل له أنَّ تساهله في قدر
الخُمس الأول منه قليل جداً بالنسبة لباقيه، فإنه وجد عنده: إلى هنا انتهى
إملاء الحاكم.
وقول أبي سعد الماليني(٣): إنه طالعه بتمامه فلم يَرَ فيه حديثاً على
شرطهما (٤)، غيرُ مرضي (٥).
(١) المتوفى سنة خمس وأربعمائة.
(تاريخ بغداد)) (٤٧٣/٥ - ٤٧٤)، و((سير أعلام النبلاء)» (١٦٢/١٧ - ١٧٧).
(٢) من راجع فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب به في ((المستدرك)) (١٠٧/٣ - ١٤٦)
وجد فيه كثيراً من الأحاديث الموضوعة والواهية.
من هذه الأحاديث: حديث: ((أنا مدينة العلم، وعلي بابها)). قال الذهبي في ((تلخيص
المستدرك)» (١٢٦/٣): موضوع.
ومنها حديث الطير بطوله. انظر: ((المستدرك)) (١٣٠/٣ - ١٣٢).
(٣) هو: الحافظ الزاهد أحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري الهروي الماليني المعروف
بطاووس الفقراء، المتوفى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
((تاريخ بغداد)) (٣٧١/٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٠٧٠/٣ - ١٠٧٢).
(٤) نقله الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١٧٥/١٧)، والصفدي في الوافي بالوفيات (٣٢١/٣)
والسبكي في طبقات الشافعية (١٦٥/٤).
(٥) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧٥/١٧ - ١٧٦) بعد نقله كلام أبي سعد: هذه
مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في ((المستدرك)) شيء كثير
على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل
أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي
الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك
نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد
القلب ببطلانها، كنت أفردت فيها جزءاً، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل
حال فهو كتاب مفيد.
وانظر: ((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٦١/٤ - ١٧١) ولابن قاضي شهبة (١٩٠/١ - ١٩١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث
٦٣
الصحيحُ الزائد على الصحيحين
نعم، هو معروف عندَ أهل العلم بالتساهل في التصحيح، والمشاهدةُ تدل
عليه، (و) لذلك (قال) ابنُ الصلاح ما حاصله: (ما انفرد) الحاكم (به) أي
بتصحيحه ليخرج ما شاركه غيره في تصحيحه، وكذا ما خرجه فقط غير مصحح
له، (فذاك حسن ما لم يرد) للقدح فيه (ب)ظهور (علة) أي: لإمام تقتضي ٣٢
الرد(١) .
هذا ما مشى عليه النوويُّ والبدرُ ابن جماعة (٢) في اختصارهما ابن
الصلاح (٣)، والموجود في نسخه(٤): إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من
قبيل الحسن يحتج به(٥)، وظاهرُه عدم الحصر في أحدها (٦)، وأنه جعل ما لم
يكن مردوداً من أحاديثه دائراً بين الصحة والحسن احتياطاً؛ وحينئذ فلم يتحكم
بغير دليل، نعم جرَّ سدُّه بابَ التصحيح إلى عدم تمييز أحدهما من الآخر،
لاشتراكهما كما صرَّح به في الحجية (٧) .
(والحقُّ) كما أرشدَ إليه البدرُ ابن جماعة (٨) (أن) يتتبع الكتاب، ويكشف
عن أحاديثه، و(يُحكمَ) بسكون الميم [على](٩) لغة (١٠)، أي يقضى على كل
منهما (بما يليق) به من الصحة أو الحسن أو الضعف.
ثم إنَّ السببَ في تخصيص الحاكم عن غيره ممن ذكر بالتصريح بذلك
مزيدُ تساهله (و) إلا فابنُ حبان (البُسْتي) وهو بضم الموحدة وإسكان المهملة،
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٨).
(٢) هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الأصل الشافعي
القاضي بدر الدين، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة.
((البداية والنهاية)) (١٦٣/١٤)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٩٨/٩).
(٣) ((التقريب)) للنووي (ص٥٢ - ٥٣)، و((المنهل الروي)) لابن جماعة (١٢٥/١).
(٤) أي: نسخ ((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
(٥)
((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٨).
يعني: فيما انفرد بتصحيحه أو أخرجه غير مصحح له.
(٦)
(٧)
((علوم الحديث)) (ص٣٦).
(٨) في ((المنهل الروي)) (١٢٦/١).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(١٠) ذكر بعض الكوفيين وأبو عبيدة أن بعضهم يجزم بأن، ونقله اللحياني عن بعض بني
صباح من ضبة. انظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (٣٠/١).

الصحيح الزائد على الصحيحين
٦٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وبعدها مُثَنَّاة فوقانية، نسبة لمدينة(١) من بلاد كابُل(٢) بين هَراة (٣) وغَزنة(٤)،
وُصفَ بأنه (يداني) أي: يقارب (الحاكما) في التساهل، [وذلك يقتضي النظر
في أحاديثه أيضاً، لأنَّه غيرُ متقيِّدٍ بالمُعَذَّلين، بل رُبَّما يُخرِّج للمجهولين، لا
سيما ومذهبُه إدراجُ الحسن في الصحيح] (٥) .
مع أنَّ شيخَنا قد نازَعَ في نسبته إلى التَّساهل، إلَّا من هذه الحَيْئِيَّة،
[وعبارته: إن كانت باعتبار وجدان الحسنٍ في كتابه، فهي مشاحة في
الاصطلاح، لأنَّه يُسَمِّيه صحيحاً، وإن كانت باعتبار خِقَّةٍ شروطه، فإنَّه يُخَرِّجُ
في الصحيح ما كان راويه ثقةً غيرَ مدلس، سمِعَ ممن فوقه، وسمِعَ منه الآخذ
عنه، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا
تعديل، وكان كلٌّ من شيخه والرَّاوي عنه ثقةً، ولم يأتِ بحديث منكر، فهو
عنده ثقة(٦)، وفي كتاب ((الثقات)) له کثیر ممن هذه حاله.
ولأجل هذا رُبَّما اعْتَرضَ عليه في جعلهم في الثقات من لم يَعْرفْ
اصطلاحه، ولا اعتراض عليه، فإنَّه لا يشاحح في ذلك.
(١) بست: مدينة حسنة، كثيرة الخضر والأنهار، وهي من البلاد الحارة.
((اللباب)) لابن الأثير (١٢٢/١)، و((مراصد الاطلاع)) لصفي الدين البغدادي (١٩٦/١).
(٢) كابل: بضم الموحدة ولام، تقع بين الهند وسجستان، وهي ذات مروج كثيرة.
كما في ((معجم البلدان)) (٤٢٦/٤ - ٤٢٧)، قلت: وهي عاصمة أفغانستان.
(٣) هراة: بالفتح مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان، فيها بساتين كثيرة ومياه
غزيرة، وخيرات كثيرة. ((معجم البلدان)) (٣٩٦/٥ - ٣٩٧).
(٤) غزنة: بفتح الغين المعجمة والزاي الساكنة المعجمة وفي آخره نون مفتوحة، بلدة من
أول بلاد الهند. ((الأنساب)) للسمعاني (٣٥/١٠).
(٥) ما بين المعقوفين ليس في (ح)، وفيها مكانه ما نصه: (لأنه غير متقيد بشرطه الآتي في
مراتب الصحيح، إذ ربما يخرج للمجهولين عيناً، بل وحالًا، بناء على مذهبه في أن
من لم يعرف بجرح فهو عدل، حتى يتبين ضده، قال: لأنه لم يكلف الناس من الناس
معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم للظاهر، ولكنه إنما يخرج حديث من يكون
كذلك إذا كان كل من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فضلاً عن كون
مذهبه إدراج الحسن في الصحيح، وكلاهما مما يقتضي النظر في أحاديثه أيضاً.
(٦) انظر: شرط ابن حبان في مقدمة صحيحه (١١٢/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٥
الصحيحُ الزائد على الصحيحين
قلت](١): ويتأَيَّدُ بقول الحازمي(٢): ابنُ حبان أمكنُ في الحديث من
الحاكِم (٣)، وكذا قال العمادُ ابنُ كثير(٤): قد التزمَ ابنُ خزيمة وابن حبان
الصحةً، وهما خيرٌ من المستدرك بكثير، وأنظفُ أسانيدَ ومتوناً (٥).
وعلى كُلِّ حال فلا بدَّ من النظر للتمييز، وكم في كتاب ابن خزيمة
- أيضاً - من حديث محكوم منه بصحته(٦)، وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن (٧)،
(١) ما بين المعقوفين ليس في (ح)، وفيها مكانه ما نصه: ((أعني التوسع مع تقريره أنه لا
مشاحة في الاصطلاح، يعني بخلاف من تقيد بشيءٍ فلم يوف به، ولكن ظاهر كلام
الذهبي في تلخيصه لثقات ابن حبان أنه لم يوف أيضاً، فإنه قال: المذكورون فيها من
الثقات كثير منهم لم يوثق، وكثير منهم من لم يرو عنه سوى واحد ثقة، ثم قد يكون
معروفاً بالتحري في الأخذ، وقد يروي عن كل ضرب، قال: وقد يكون ضعيفاً لا
يعرف شيخه إلا من جهته، فالشيخ مجهول والراوي عنه واه، فكيف يكون صدوقاً، أو
مقبول الرواية؟ .
قال: ومن هنا دخل الداخل عليه في مناكير أخرجها في صحيحه، لا تسمن ولا تغني
من جوع.
بل لما نقل الذهبي في ميزانه (٥٠٧/٣) عن طبقات ابن الصلاح قوله: إنه غلط الغلط
الفاحش في تصرفه، قال: إنه صدق فله أوهام كثيرة تتبع بعضها الضياء الحافظ،
قلت: وعلى كل حال فهو دون الحاكم في التساهل.
(٢) هو: محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن حازم الحازمي الهمداني أبو بكر زين
الدين الفقيه الحافظ، المتوفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
((الروضتين في أخبار الدولتين)) (١٣٧/٢)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٤١٣/١ - ٤١٤).
(٣)
((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص٣٢).
هو: إسماعيل بن عمر بن كثير الحافظ عماد الدين أبو الفداء المفسر المحدث المؤرخ
(٤)
الفقيه الشافعي، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
((طبقات المفسرين)) للداوودي (١١٠/١ - ١١٢)، و((البدر الطالع)) (١٥٣/١).
(٥) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص٢٧)، وفي حاشية (س) هنا: بلغ سيدنا الشيخ
العلامة الرباني المحيوي عبد القادر الحلبي الشافعي، ويعرف بالأبار، نفع الله به
وبعلومه قراءة علي وبحثاً من أوله إلى قوله في الذي بعده المستخرجات، كتبه مؤلفه
ختم الله له بغفرانه.
(٦) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٧٠/١).
(٧) من ذلك ما رواه ابن خزيمة من حديث زيد بن ثابت: ((أن النبي ◌َّ كان يقرأ في المغرب
بسورة الأعراف في الركعتين كلتيهما)) ففي إسناده محاضر بن المورع، وهو صدوق له=

الصحيحُ الزائد على الصحيحين
٦٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
[ولكنَّه أيضاً ممن يُدرجه في الصحيح ويقبلُ المجهول](١)، بل وفيما صحَّحه
الترمذي من ذلك جملة مع أنَّه ممن يفرِّق [بين الصحيح والحسن](٢).
وكذا من مظان الصحيح ((المختارةُ مَمَّا ليس في الصحيحين أو أَحدِهما))
للضياء المقدسي الحافظ(٣)، وهي أحسنُ من المستدرك(٤)، لكنَّها مع كونها
على المسانيد لا الأبواب لم يُكمل تصنيفها .
ويقع(٥) في ((صحيح أبي عوانة)) الَّذي عَمِله مستخرجاً على مسلم أحاديث
كثيرة زائدة على أصله، وفيها الصحيح والحسن، بل والضعيف - أيضاً - فينبغي
التحرُّز في الحكم عليها أيضاً.
وأمَّا ما يقع فيه وفي غيره من المستخرجات على الصحيحين من زيادة في
أحاديثهما، أو تتمة لمحذوف، أو نحو ذلك، فهي صحيحة، لكن مع وجود
الصِّفات المشترطة في الصحيح فيمن بين صاحب المستخرج والراوي الذي
جتمعا فيه، كما سيأتي قريباً(٦).
أوهام، كما في التقريب (ص٣٢٩)، ولم يتابع عليه كما صرح به ابن خزيمة نفسه في
=
صحيحه (٢٦٠/١).
بل فيه ما هو ضعيف كحديث ابن عمر: ((أن رسول الله وَلقر قرأ عام الفتح سجدة
فسجد الناس كلهم ... الحديث)). انظر: ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٧٩/١)، وفي
إسناده: مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، كما
في ميزان الاعتدال (١١٨/٤ - ١١٩).
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (بينهما).
(٣) هو: الإمام الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي
المقدسي، ثم الدمشقي الحنبلي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ((تذكرة
الحفاظ)) (١٤٠٥/٤ - ١٤٠٦)، و(«البداية والنهاية)) (١٦٩/١٣).
(٤) قال الحافظ ابن كثير في اختصاره لعلوم الحديث (ص٢٩): كان بعض الحفاظ من
مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم.
(٥) يعني: الحديث الصحيح.
(٦) (ص٧٠). وفي حاشية (ح): بلغ مقابلة، وفيها - أيضاً -: ثم بلغ نفع الله به، قرأه علي
في المسجد، والحمد لله.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٧
الصحيحُ الزائد على الصحيحين
[فائدة: قد كَتَبَ الحافظُ عبدُ الغني بن سعيد(١) ((الأوهام التي في مدخل
المستدرك»، وبلغ الحاكم ذلك، فبعث إليه يشكره ويدعو له، بحيث قال
المنتقِد: علمتُ بذلك أنَّه رجل عاقل](٢).
(١) هو: عبد الغني بن سعيد بن علي الحافظ الكبير النسابة، أبو محمد الأزدي المصري،
المتوفى سنة تسع وأربعمائة.
((العبر)» للذهبي (١٠٢/٣ - ١٠٣).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح): وكتاب الأوهام التي في مدخل المستدرك للحافظ
عبد الغني ضمن مجموع في مكتبة أحمد الثالث، ومنه صورة في الجامعة الإسلامية.
وقد طبع بتحقيق مشهور حسن سلمان بمكتبة المنار، عام ١٤٠٧ هـ.
ملحوظة: انظر بحث الصحيح الزائد على الصحيحين في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١٧ - ١٨).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٥٢/١ - ٥٦).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٣١٢/١ - ٣٢١).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٥١ - ٥٤).
٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٦٢/١ - ٦٩).
٦ - ((منهج ذوي النظر))، للترمسي (ص٢٤ - ٢٦).

المستَخْرَجاتٌ
٦٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
المستَخْرَجاتُ
[والاستخراجُ أن يعمِدَ حافظٌ إلى صحيح البخاري مثلاً، فيورد أحاديثَه
حديثاً حديثاً بأسانيدَ لنفسه، غير ملتزم](١) فيها ثقةَ الرواة، وإن شذَّ بعضُهم
حيث [جعلَه شرطاً من غير طريق البخاري إلى أن يلتقي معه] (١) في شيخه، أو
في شيخ شيخه، وهكذا، ولو في الصحابي كما صرَّح به بعضُهم.
لكن لا يسوغُ للمخرِّج العُدِولُ عن الطريق التي يقربُ اجتماعُه مع مصنف
الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلَّا لغرض من علوٍّ أو زيادة حكم مهم، أو نحو
ذلك.
ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابي أنَّهما لو اتَّفقا في الشيخ مثلاً،.
ولم يتَّحد سندُه عندهما، ثم اجتمعا في الصحابي، إدخاله فيه، وإن صرَّح
بعضُهم بخلافه، وربَّما عَزَّ على الحافظ وجودُ بعض الأحاديث فيتركه أصلاً،
أو يعلِّقه عن بعض رواته، أو يورِدُه من جهة مصنف الأصل.
(و) قد (استخرجوا) أي جماعةٌ من الحفاظ (على الصحيح) لكل من
البخاري ومسلم، الَّذي انجِرَّ الكلام بسببهما إلى بيانه، وإلا فقد استخرجوا
على غيرهما من الكتب، والّذين تقيَّدوا بالاستخراج على الصحيح جماعة (ك)
الحافظ (أبي عوانةٍ) بالصرف للضرورة، يعقوبُ بنُ إسحاق الإسفراييني
الشافعي(٢)، استخرجَ على مسلم.
٣٣
(ونحوه) أي: أبي عوانة، كالحُفَّاظ الشافعية أبوي بكر أحمدَ بن
إبراهيمَ بنِ إسماعيل الإسماعيلي على البخاري فَقَط، وأحمدَ بن محمدِ بنِ
(١) ما بين المعقوفات غير واضح في (م).
(٢) النيسابوري الأصل، الحافظ، الثقة الكبير، المتوفى سنة ست عشرة وثلاثمائة.
((وفيات الأعيان)) (٣٩٣/٦ - ٣٩٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (٧٧٩/٣ - ٧٨٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٩
المستخْرَجاتُ
أحمدَ الخوارَزْمي البرقاني (١) - بتثليث الموحدة - وأبي نعيم أحمدَ بنِ عبدِ الله بن
أحمد الأصبهاني(٢)، كلاهما عليهما، وهُما في عصر واحد، والّذي قبلهما
شيخ أولهما، وهو تلميذُ أبي عوانة، ولذا خُصَّ بالتصريح به، ولم يُلاحظ كون
غيره استخرج على الصحيحين أو على البخاري الَّذي هو أعلى؛ لا سيما وهو
مناسب للباب قبله، لما اختصَّ به كتابُه من زيادات متون مستقلة، وطرقٍ
متعددة، غير ما اشترك مع غيره فيه من زيادة مستقلة في أحاديثهما، ونحوها
كما بَيَّنْتُه قريباً (٣).
وإنَّما وقعت الزياداتُ في المستخرجات لعدم التزام مصنفيها لفظَ
الصحيحين (و) لهذا قيل للناقل: (اجتنب عزوك ألفاظ المتون) (٤)، أي:
الأحاديث التي تنقلها منها (لهما) أي: للصحيحين، فلا تقل - حيث تورده
للحجة كالتصنيف على الأبواب حسبما قَيَّده ابنُ دقيق العيد(٥) -: أخرجه
البخاري أو مسلم بهذا اللفظ، إلا بعد مقابلته أو تصريح المخرِّج بذلك.
[وظاهرُه عدمُ منع إطلاق العزو، وليس كذلك، وإن لم أر
التصريح به](٦).
(إذ) قد (خالفت) المستخرجاتُ (لفظاً) كثيراً، لتقيد مؤلِّفيها بألفاظ
(١) الحافظ الفقيه المتوفى سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
((طبقات الفقهاء)) الشيرازي (ص١٢٧)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) لعبد القادر بن بدران
(١ / ٤٤٧ - ٤٤٩).
(٢) هو: الإمام الحافظ الثقة العلامة أبو نعيم المهراني الأصبهاني، المتوفى سنة ثلاثين
وأربعمائة.
((المنتظم)) لابن الجوزي (١٠٠/٨)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٨١/٧ - ٨٤).
(٣) (ص٦٦).
(٤) المتون: جمع متن من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية، لأن المتن غاية السند، أو من
المتن وهو ما صلب وارتفع من الأرض؛ لأن راوي الحديث يقويه بالسند ويرفعه به إلى
قائله. ((لسان العرب)) مادة (متن)، و((فتح الباقي)) للشيخ زكريا الأنصاري (٥٩/١)، وفي
المختصر للجرجاني (ص٣٣): هو ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني.
(٥) نقله عنه الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٣١١/١).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
٣٤

المستَخْرَجاتُ
٧٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رواياتهم، (و) كذا (معنى) [غير مناف](١) (رُبَّما) خالفت أي: قليلاً(٢).
٣٥
(و) إذا كانَ كذلك فانظرْ (ما تزيدُ) بالمثناة الفوقانية أو التحتانية، أي:
المستخرجات أو المستخرج (فاحْكُمَنْ) بنون التوكيد الخفيفة (بصحته) بشرط
ثبوت الصفات المشترطة في الصحة للرواة الذين بين المخرِّج والراوي الذي
اجتمعا فيه، كما يرشد إليه التعليل بأنها خارجة من مخرج الصحيح، [إلا إنْ
منع منه مذهبه في منع التصحيح](٣).
فالمستخرجون ليس جُلُّ قصدهم إلا العُلُوَّ، يجتهدون أن يكونوا هم
والمخرج عليه سواء، فإن فاتهم فأعلى ما يقدرون عليه - كما صرَّح به بعضُ
الحفاظ - مما يساعده الوجدان، وقد لا يتهيأ لهم علوٍّ فيوردونه نازلاً .
وإذا كان القصدُ إنَّما هو العلوُّ ووجدوه، فإن اتَّفق فيه شرط الصحيح
[فذاك الغاية، وإلا فقد حصلوا على قصدهم، فرُبَّ حديث أخرجه البخاري من
طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلاً، فأورده المخرِّجُ من طريق آخر ممن
تكلّم فيه عن الزهري بزيادة، فلا يحكم لها حينئذ بالصحة.
وقد خرَّج الإسماعيليُّ في مستخرجه لإبراهيمَ بن الفضل المخزومي (٤)،
وهو ضعيف عندهم، وأبو نعيم لمحمدٍّ بن الحسن بن زَبالة(٥)، وقد اتَّهموه.
وإذا حكمتَ بالصِّحة بشرطها، وعدَم منافاتها (فهو) أي: الحكمُ بالصحة
(١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٢) ترد ربما للتكثير كثيراً، وللتقليل قليلاً، وليس معناها التقليل دائماً، خلافاً للأكثرين،
ولا التكثير دائماً خلافاً لابن درستويه وجماعة، كما في ((مغني اللبيب)) (١/ ١٣٤)،
والشارح السخاوي جعلها هنا للتقليل تبعاً للعراقي في شرحه (٥٩/١).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٤) أبو إسحاق المدني، ضعفه أحمد وأبو زرعة، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء،
وقال البخاري: منكر الحديث.
(يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (١٦١/٣)، و((التاريخ الكبير)) (٣١١/١/١)، و((تهذيب
التهذيب)) (١٥٠/١ - ١٥١).
(٥) المخزومي المدني، قال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي والدارقطني: متروك.
((الضعفاء الصغير)) للبخاري (ص٩٩)، و((الضعفاء والمتروكين)) للنسائي (ص٩٣)،
وسؤالات البرقاني للدارقطني (ص٥٩)، و((ميزان الاعتدال)) (٥١٤/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧١
المستَخْرَجاتٌ
للزِّيادة الدَّالة على حكم](١) لا يدلُّ له حديثُ الأصل، أو الموضِّحة لمعنى
لفظه (مع) ما تشتملُ عليه المستخرجاتُ من (العلُوِّ) الَّذي هو كما قرَّرَ قصد
المخرج في أحاديث الكتاب بالنسبة لما أورده من الأصل.
مثاله: حديثٌ في جامع عبد الرزاق، فلو رواه أبو نعيم - مثلاً - من طريق
أحدِ الشيخين، لم يصِلْ إليه إلا بأربعة، وإذا رواه عن الطبراني(٢) عن
إسحاقَ بن إبراهيم الدبري(٣) عنه وصلَ باثنين.
(من فائدته) أي: الاستخراج، إلى غير ذلك من الفوائد التي أوردت منها
في النكت نحو العشرين (٤).
ثم إنَّ أصحابَ المستخرجات غير منفردين بصنيعهم، بَلْ أكثر المخرِّجين
للمشيخات(٥) والمعاجم(٦)، وكذا للأبواب يوردونَ الحديثَ بأسانيدهم، ثُمَّ
(١) ما بين المعقوفين مما أكلته الأرضة في (م).
(٢) هو: الحافظ الإمام العلامة سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني أبو
القاسم، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة.
((وفيات الأعيان)) (٤٠٧/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩١٢/٣ - ٩١٧).
(٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن عباد أبو يعقوب الدبري الصنعاني، قال الذهبي: ما كان
صاحب حديث، وإنما أسمعه أبوه واعتنى به، وقال ابن عدي: استصغر في
عبد الرزاق، عاش إلى سبع وثمانين ومائتين.
((الكامل)) لابن عدي (٣٣٨/١)، و((ميزان الاعتدال)) (١٨١/١ - ١٨٢).
(٤) ذكر منها ابن الصلاح في ((علوم الحديث (ص١٩ - ٢٠) فائدتين، وذكر ثالثة في كتابه
((صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط)) له (ص٨٧)، وذكر الحافظ ابن حجر في
((النكت)) (٣٢١/١ - ٣٢٣) زيادة على ذلك سبعاً، فكملت عشر فوائد، نصف ما أورده
السخاوي في نكته مما يدل على أهميتها وضرورة البحث عنها.
(٥) المشيخات: هي الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ
عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم، كمشيخة أبي يعلى الخليلي ... ومشيخة أبي طاهر
السِّلَفي، وغيرهما .
انظر: ((الرسالة المستطرفة)) (ص١١٦ - ١١٧).
(٦) المعاجم: جمع معجم، وهو في اصطلاح المحدثين: ما تذكر فيه الأحاديث على
ترتيب الشيوخ بحسب وفياتهم، أو تقدمهم في العلم، أو حروف الهجاء، منها:
المعجم الأوسط، والمعجم الصغير للطبراني.
((الرسالة المستطرفة)) (ص١١٢ - ١١٤)، ومقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري (٦٦/١ - ٦٧).

المستخْرَجاتُ
٧٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
يصرِّحون بعد انتهاء سياقه - غالباً - بعزوه إلى البخاري أو مسلم أو إليهما معاً
مع اختلاف الألفاظِ وغيرها يريدون أصله.
٣٦
(و) لذلك (الأصلَ) بالنصب مفعول مقدم، لا الألفاظ (يعني) الحافظ
الفقيه، ناصرُ السنة أبو بكر أحمدُ بنُ الحسين (البيهقي)(١) نسبة لبَيْهَق، قرى
مجتمعة بنواحي نيسَابور [الشافعي](٢) في تصانيفه، كالسُّننِ الكبرى والمعرِفة.
(ومَنْ عَزَا) للشيخين أو أحدِهما، كالإمام مُحيي السنة أبي محمد
الحسينِ بنِ مسعود البغوي الفقيه الشافعي في شَرْحِ السنة، وغيرِهِ ممن أشرتُ
إليهم، وذلك في المشيخات ونحوها أسهلُ منه في الأبواب، خصوصاً مع
تفاوت المعنى، وكون القصد بالتبويب منه ليسَ عند صاحب الصحيح، ولذلك
استنكرَه ابنُ دقيق العيد فيها(٣).
ولكن جلالةُ البيهقي ووفورُ إمامته تمنَعُ ظَنَّ ارتكابه المحذور منه، ولو
بمجرد الصحة إن لم يكن على شرط المعزوِّ إليه أو فيه، وعلى تقدير تجويز
ذلك في غيره، فالإنكارُ فيه أخفُّ ممن عَمِدَ إلى الصحيحين فجمَعَ بينهما، لا
على الأبواب، بل على مسانيد الصحابة بحذف أسانيدهما، ويُدرِجُ في أثناء
أحاديثهما ألفاظاً من المستخرجات وغيرها، لأن موضوعَه الاقتصارُ عليهما،
فإدخال غير ذلك مخل.
(وليت إذا زاد) الحافظُ أبو عبدِ الله محمدُ بنُ أبي نصر [فَتُّوح](٤)
(الحُميدي) بالتصغير نسبة لجده الأعلى حُميد الأندلسي القرطبي، [المتوفى في
ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة](٤)، فاعل ذلك في جمعه (مَيَّزا) فإنه
ربما يسوقُ الحديثَ الطويلَ ناقلاً له من مستخرج البرقاني أو غيره، ثم يقولُ:
اختصره البخاريُ، فأخرجَ طرفاً منه، ولا يبيِّنُ القدرَ المقتصرَ عليه، فيلتبسُ
(١) المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، مترجم في ((المنتظم)) لابن الجوزي (٢٤٢/٨)،
و((وفيات الأعيان)) (٧٥/١ - ٧٦).
(٢) ما بين المعقوفين غير موجود في (م).
(٣) انظر: ما تقدم (ص٦٩ - ٧٠).
(٤) ما بين المعقوفات زيادة من (ح): وترجمة الحميدي في: ((بغية الملتمس)) (ص ١٢٣ - ١٢٤)،
و ((الصلة)) لابن بشكوال (٥٦٠/٢ -٥٦١)، و((نفح الطيب)) للمقري (٣١٤/٢ -٣١٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧٣
المستَخْرَجاتُ
على الواقف عليه، ولا يُميِّزُهُ إلا بالنَّظر في أصله (١).
ولكنَّه في الكثير(٢) يُمَيِّزُ بأن يقول بَعْدَ سياق الحديث بطوله: اقتصرَ منه
البخاري على كذا، وزاد فيه البرقاني مثلاً كذا، ولأجل هذا انتقد ابنُ الناظم
وشيخنا دعوى عدم التمييز(٣)، خصوصاً وقد صرَّح العلائي ببيان الحميدي
(١) قال الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح (ص٢٩): أما الذي زاده الحميدي، فإنه لم
يروه بإسناده حتى ينظر فيه، ولا أظهر لنا اصطلاحاً أنه يزيد فيه زوائد التزم فيها
الصحة، فيقلد فيها، وإنما جمع بين كتابين، وليست تلك الزيادات في واحد من
الكتابين، فهي غير مقبولة حتى توجد في غيره بإسناد صحيح، والله أعلم.
وقد نص المصنف - يعني ابن الصلاح في علوم الحديث (ص١٩) - على أن من
نقل شيئاً من زيادات الحميدي عن الصحيحين أو أحدهما فهو مخطئ، وهو كما
ذکر.
(٢) وقيل: في جميعه. انظر: ((فتح الباقي شرح ألفية العراقي)) للشيخ زكريا الأنصاري (١/
٦٣) مع شرح المصنف.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٣٠١/١): كأن شيخنا به قلد في هذا غيره،
وإلا فلو راجع كتاب ((الجمع بين الصحيحين)) لرأى في خطبته ما دل على ذكره
لاصطلاحه في هذه الزيادة وغيرها، ولو تأمل المواضع الزائدة لرآها معزوة إلى من
زادها من أصحاب المستخرجات. اهـ.
أقول: وقد راجعت مقدمة الجمع المذكور في النسخة المحفوظة في مكتبة الشيخ
عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم (٢٣٢/٤٢) فإذا فيه :... وربما أضفنا إلى ذلك
نبذاً مما تنبهنا عليه من كتب أبي الحسن الدارقطني وأبي بكر الإسماعيلي وأبي بكر
الخوارزمي، وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم من الحفاظ الذين عنوا بالصحيح، مما
يتعلق بالكتابين، من تنبيه على غرض، أو تتميم لمحذوف، أو زيادة في شرح أو بيان
لاسم أو نسب، أو كلام على إسناد، أو تتبع لوهم بعض أصحاب التعاليق في الحكاية
عنهما، ونحو ذلك من الغوامض التي يقف عليها من ينفعه الله - تعالى - بمعرفتها - إن
شاء الله -... وتتبعنا مع ذلك زيادة كل راو في كل متن، ولم نخل بكلمة فما فوقها
تقتضي حكماً، أو تفيد فائدة، ونسبناها إلى من رواها، إلا أن يكون فيما أوردناه
معناها، أو دلالة عليها ... وربما أوردنا المتن من ذلك بلفظ أحدهما، فإن اختلفا في
اللفظ، واتفقا في المعنى أوردناه باللفظ الأتم، وإن كانت عند أحدهما فيه زيادة وإن
قلت نبهنا عليها، وتوخينا الاجتهاد في ذلك والمعصوم من عصم الله ... انتهى
ملخصاً من مقدمة الجمع بين الصحيحين - الورقة (٢/أ - ب). وهو في المطبوع
(٧٤/١، ٧٥).

المستَخْرَجاتُ
٧٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
للزيادة(١)، وهو كذلك، لكن في بعضِها ما لا يتميَّز كما قررته.
وبالجملة فيأتي في النقل منه ومن البيهقي ونحوِه ما سبَقَ في
المستخرجات(٢) .
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٣١٠/١): وقد قرأت في كتاب الحافظ أبي سعيد
العلائي في ((علوم الحديث)) له، قال - لما ذكر المستخرجات -: ومنها المستخرج على
البخاري للإسماعيلي، والمستخرج على الصحيحين للبرقاني، وهو مشتمل على زيادات
كثيرة في تضاعيف متون الأحاديث، وهي التي ذكرها الحميدي في ((الجمع بين
الصحيحين)) منبهاً عليها، هذا لفظه بحروفه، وهو عين المدعى، ولله الحمد.
(٢) (ص٦٩ - ٧٠). وفي حاشية (م): ثم بلغ قراءة علي وتحقيقاً عوداً على بدء نفع الله به.
ملحوظة: انظر: بحث الاستخراج والمستخرجات في:
١ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٩ - ٢٠).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٥٦/١ - ٦٣).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٣٢١/١ - ٣٢٣).
٤ - ((تدريب الراوي)) (ص ٥٥ - ٦٠).
٥ - ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (٦٩/١ - ٨٥).
٦ - ((منهج ذوي النظر)) (ص٢٧ - ٢٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧٥
مَراتِبُ الصَّحيح
مَراتِبُ الصَّحيح
٣٧
مطلقاً [الماضي ما يشعر بجُلُّها في ثاني التراجم (١)](٢)، (وأرفعُ الصَّحيح
مرويُّهما) أي: البخاري ومسلم، لاشتمالِه على أعلى الأوصافِ المقتضية
للصِّخَّة، وهو المسمَّى بالمتفق عليه(٣)، وبالَّذي أخرجَه الشيخان، إذا كان
المتنُ عن صحابي واحد كما قَيَّده شيخُنا (٤)، وقال: إنَّ في عدِّ المتن الذي
يُخرِجِه كلٌّ منهما عن صحابي من المتفق عليه نظراً على طريقة المحدثين(٥).
[قلت: ويتأيَّدُ بانتقاد الحميدي في جمعه عدَّ أبي مسعود الدمشقي(٦) في
المتفق عليه حديث عائشة: أرَادتْ أن تشتري بريرةً مع كونه في البخاري عن ابن
عمرَ أن عائشة(٧)، وفي مسلم عنه عن عائشة(٨)، يعني: فيكونُ الأوَّلُ من مسنده،
والثاني من مسندها(٩)، وقال: إنَّه حينئذٍ لا يكون متفقاً عليه بينهما، ثم جوَّز أن
يكونَ أبو مسعود رآه في نسخة من مسلم كالبخاري(١٠)، والله المُوفِّق)(١٠).
(١) (ص٤٦) وما بعدها .
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) تسمية ما أخرجه الشيخان متفقاً عليه اصطلاح جرى عليه جمهور العلماء، لكن الشيخ
الحافظ مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، المتوفى سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وستمائة،
جعل المتفق عليه في كتابه ((المنتقى من أخبار المصطفى)) ما أخرجاه هما والإمام أحمد.
انظر: المنتقى مع شرحه نيل الأوطار، للشوكاني (١٢/١).
(٤) في ((النكت)) (٣٦٤/١).
(٥) المرجع السابق (٢٩٨/١، ٣٦٤).
(٦) هو: إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ، أحد المبرزين في علم الحديث،
المتوفى سنة أربعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٠٦٨/٣ - ١٠٧٠).
(٧) (صحيح البخاري)): باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا تحل، كتاب البيوع (٣٧٦/٤).
(٨) (صحيح مسلم)): باب بيان أن الولاء لمن أعتق، كتاب العتق (١٣٩/١٠ - ١٤٨).
(٩) وعلى هذا مشى المزي في ((تحفة الأشراف)). انظر: مسند ابن عمر فيه (٢١٠/٦)،
ومسند عائشة فيه (٤٦٦/١١).
(١٠) حديث بريرة هذا: هو الخامس من مسند عائشة في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي=

مَراتِبُ الصَّحيح
٧٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وهو - أعني ما اتَّفَقَا عليه [وعِدَّته كما لِلْجَوْزَقي ألفان وثلاثمائة وستة
وعشرون](١) - أنواعٌ، فأعلاه ما وُصِفَ بكونه متواتراً، ثم مشهوراً، ثم أصَخُ
كمالك عن نافع عن ابن عمر، ثم ما وافقهما ملتزِمو الصِّحَّة، ثم أحدهم على
تخريجه، ثم أصحابُ السنن ثم المسانيدُ، ثم ما انفردا به(٢)، ولا يخرج بذلك
كُلِّه عن كونه مِمَّا اتفقا عليه، [وعلى تقدير وجود شيء من الثلاثة الأُوَل
خارجهما فيأتي فيه ما ذُكِرَ تلوه](٣).
(ثم) يليه مرويُّ (البخاري) فقط، وهو القسم الثاني، لأنَّ شرطَه أضيقُ، (ف) يليه
مرويُّ (مسلم) وحدَه، لمزاحمته للذي قبله، وهو الثالثُ، هذا هو الأصل [الأكثر] (٤).
وقد يَعرِضُ للمَفُوقِ ما يجعلُه فائقاً، كأن يتَّفِقَ مجيءُ ما انفرد به مسلمٌ
من [طرق](٥) يبلغُ بها التواتر، أو الشهرةَ القوية [أو](٦) يوافقه على تخريجه
مشترطو الصحة، فهذا أقوى مما انفردَ به البخاري(٧)، مع اتحاد مخرَجه، وكذا
نقولُ فيما انفردَ به البخاريُ بالنسبة لما اتفقا عليه، بل وفي غيره من الأقسام
المفضلة بالنسبة لما هو أعلى منه إذا انضَمَّ إليه ذلك(٨).
- (٤ / ١٧). وقد فصل روايات البخاري عن روايات مسلم، لكنه لم يشر إلى أن أبا
=
مسعود زعم أنه متفق عليه.
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). وقد استخلص ما اتفق عليه الشيخان الشيخ محمد
حبيب الله الجكني الشنقيطي المالكي، المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وألف في
كتاب أسماه: ((زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم))، وقد بلغت أحاديثه ستة
وتسعين ومائتين وألف حديث، والشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في كتاب أسماه:
((اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان))، وقد بلغت أحاديثه ستة وتسعمائة وألف
حديث، وقد طبع الكتابان أكثر من مرة.
(٢) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٦٣/١ - ٣٦٤).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (والأكثر).
(٥) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (طريق).
(٦) كذا في (س)، وفي (ح)، (م): (و).
(٧) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٦٥/١ - ٣٦٦).
(٨) كأن يوجد حديث لم يخرجه الشيخان في ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد. انظر:
((شرح النخبة)) لابن حجر (ص٤١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٧٧
مَراتِبُ الصَّحيح
٣٨
(ف) يلي ما انفردَ به مسلمٌ (ما شرطَهما) مفعول (حوى) أي: جَمَعَ
شرطهما(١)، وهو الرابع، والدليل لتأخره [عن] (٢) اللذين قبله، التَّلَقي لكلٍّ من
الصحيحين بالقبول.
على أنَّ شيخَنا تردّدَ في كونه أعلى من الَّذي قبله أو مثله(٣)، كما تردَّدَ
غيره في تأخير الثالث عن الثاني إذا كان على شرطه، ولم ينَصَّ على تعليله،
ويساعده أنهما لم يستوعبا شروطهما .
وإذا كان على ما قرَّروه (فـ) يلي الذي على شرطهما ما حوى (شرطَ
الجعفي) أي: البخاري وهو الخامسُ.
(هـ) ما حوى شرطَ (مسلم) وهو السادسُ.
(ذ) ما حوى (شرطَ غير) من الأئمة، سوى البخاري ومسلم، بتخريجه
في كتابه الموضوع للصحة، أو ثبوته عنه [وكذا ما يوجد شرطه فيه، ولو لم
يخرجه، واقتصارُ النّظم عليه للضرورة، وإلا فقد صرَّحَ في الشرح
(٤)
بالأول](٥)، وهو السابعُ. واستعمالُ غير بلا إضافة قليل(٦).
مع أنَّه لو لُوحظ الترجيحُ بين شروط مَنْ عدا الشيخين، كما فَعَلَ فيهما
لزادت الأقسامُ، ولكن ما ذَكَرَ (يكفي) لما في ذلك من التطويل، وعدم تصريح
ابنِ الصلاح(٧) بالاكتفاء لا يخالفه؛ لأنه قد يلزم منه الخوضُ في التصحيح (٨).
(١) ذكر الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)) (ص٣٨ - ٣٩) علة ذلك بقوله: لأن المراد به
رواتهما مع باقي شروط الصحيح، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم
بطريق اللزوم، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصل لا يخرج عنه إلا
بدلیل .
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (على).
(٣) ((شرح النخبة)) (ص٣٩).
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦٥/١).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) في (مغني اللبيب)) لابن هشام (١٥٧/١): غير: اسم ملازم للإضافة في المعنى،
ويجوز أن يقطع عنها لفظاً إن فُهِم المعنى، وتقدمت عليها كلمة ((ليس)).
(٧) في ((علوم الحديث)) (ص٢٤).
(٨) قال السيوطي في ((تدريب الراوي)) ( ص ٦٥): قد علم مما تقرر أن أصح من صنف في
الصحيح - يعني بعد الصحيحين - ابن خزيمة ثم ابن حبان، ثم الحاكم، فينبغي أن
يقال: أصحها بعد مسلم ما اتفق عليه الثلاثة، ثم ابن خزيمة وابن حبان أو الحاكم، =

مَراتِبُ الصَّحيح
٧٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩
(وعنده) أي: ابنِ الصلاح (التصحيحُ) وكذا التحسينُ (ليس يمكن)(١)؛
بل جَنَحَ لمنع الحكم بكل منهما في الأعصار المتأخرة الشاملة له (في عصرنا)،
واقتصرَ فيهما على ما نصَّ عليه الأئمةُ في تصانيفهم المعتمدة (٢) التي يؤمن فيها
لشهرتها من التغيير والتحريف، محتجاً بأنه ما من إسناد إلّا وفي رواته من
اعتمد على ما في كتابه(٣) عرباً عن الضبط والإتقان (٤).
وظاهرُ كلامه - كما قال شيخُنا على ما سيأتي في أوَّل التنبيهات التي
بآخر المقلوب(٥) - القولُ بذلك في التضعيف - أيضاً -، [لعدم التمكن في
استيفاء الطرق، وقد سبَقَه لنحو ذلك الحافظُ أبو عبد الله ابنُ مَنده، فإنه قال
فيما سمعه أبو عبد الله ابن أبي ذُهل (٦) منه: لا يُخرِجُ الصحيح إلَّا من ينزل أو
يكذِبُ، حكاهُ الذّهبي(٧) في ترجمته من ((طبقات الحفاظ))، وقالَ: يعني أنَّ
= ثم ابن حبان والحاكم، ثم ابن خزيمة فقط، ثم ابن حبان فقط، ثم الحاكم فقط، إن
لم يكن الحديث على شرط أحد الشيخين.
(١) ((علوم الحديث)) (ص١٣).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٧٠/١): فيه نظر، لأنه يشعر بالاقتصار على ما
يوجد منصوصاً على صحته، ورد ما جمع شروط الصحة إذا لم يوجد النص على
صحته من الأئمة المتقدمين، فيلزم على الأول تصحيح ما ليس بصحيح، لأن كثيراً من
الأحاديث التي صححها المتقدمون اطلع غيرهم من الأئمة فيها على علل تحطها عن
رتبة الصحة ... إلخ.
(٣) في (ص ١٨٥ - ١٨٦) من ((علوم الحديث))، وصف ابن الصلاح من منع الرواية من
الكتاب بالتشديد، فكيف ينتقد الاعتماد على الرواية من الكتاب؟!
(٤) في ((علوم الحديث)) (ص١٣): عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط
والإتقان.
(٥) (١٤٩/٢)، وانظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٨٧/٢).
(٦) هو: الإمام الحافظ محمد بن محمد بن العباس بن أبي ذهل العصمي، المتوفى سنة
ثمان وسبعين وثلاثمائة.
((تاريخ بغداد)) (١١٩/٣ - ١٢١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٠/١٦ - ٣٨٢).
(٧) هو: الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن
قايماز التركماني الدمشقي، المحدث المؤرخ، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
((ذيل تذكرة الحفاظ)) للحسيني (ص٣٤ - ٣٨)، و((ذيل العبر)) له (ص٢٦٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧٩
مَراتِبُ الصَّحيح
شيوخَ المتأخرين لا يرتقونَ إلى درجةِ الصِّحة، فيكذِبُ المحدِّثُ إن خَرَّجَ
عنهم، انتهى (١)](٢).
ولكن لم يوافَقْ ابنُ الصلاح على ذلك كُلِّه حكماً ودليلاً.
أما الحكمُ: فقد صَحَّحَ جماعةٌ من المعاصرين له كأبي الحسن ابنِ
القطّان(٣)، مُصَنِّفِ ((الوهم والإيهام)) (٤)، والضياء المقدسي صاحبٍ
((المختارة))(٥)، ومَمَّن توفي بعده، كالزكي المُنذِرِي(٦)، والدِّمياطي (٧) طبقة بعد
(١) (تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٠٣٣/٣).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) هو: الحافظ العلامة الناقد علي بن محمد بن عبد الملك الحِمْيري الفاسي، الشهير
بابن القطان، المتوفى سنة ثمان وعشرين وستمائة.
(تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٧/٤)، و((شذرات الذهب)) (١٢٨/٥).
(٤) حيث صحح حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما،
ويقول: كذلك كان رسول الله 18 يفعل. ذكره السيوطي في التدريب (ص٧٩)
والحديث صححه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢٢٢/٥)، وذكره بسنده عند
البزار. ولم أقف عليه في زوائده.
(٥) حيث صحح في الكتاب المذكور أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها .
(٦) حيث صحح زيادة: ((وما تأخر)) في حديث أبي هريرة: ((من قام ليلة القدر إيماناً
واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم
من ذنبه)). انظر: ((الترغيب والترهيب)) له (٦٤/٢). والحديث بدون الزيادة أخرجه
البخاري: باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً، كتاب الصيام (١١٥/٤)، ومسلم:
باب الترغيب في قيام رمضان، من كتاب الصلاة (٣٩/٦ - ٤١)، وبالزيادة أخرجه
النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٢٧/٣ -٢٥٢٣).
انظر: ((تحفة الأشراف)) (٢٦/١١ - ٢٧)، و((فتح الباري)) (١١٥/٤ - ١١٦).
والمنذري: هو الإمام الكبير الحافظ الثبت زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن
عبد الله بن سلامة أبو محمد المنذري الشامي ثم المصري، المتوفى سنة ست وخمسين
وستمائة.
((ذيل مرآة الزمان)) (٢٤٨/١)، ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص ٥٠١ - ٥٠٢).
(٧) حيث صحح حديث: ((ماء زمزم لما شرب له ... )) الحديث، في ((المتجر الرابح)) له
(ص٣١٧ - ٣١٨)، والحديث أخرجه ابن ماجه: باب الشرب من ماء زمزم، كتاب
المناسك رقم (٣٠٦٢)، والدارقطني في سننه (٢٨٩/٢)، والحاكم في ((المستدرك))
(١/ ٤٧٣)، وقال: صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، قال الدمياطي: قلت: قد
سلم منه .

مَراتِبُ الصَّحيح
٨٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
طبقة إلى شيخنا ومَن شاءَ الله بعدَه(١).
(وقال) الشيخُ أبو زكريا (يحيى) النووي تَّتُ: الأَظْهرُ عندي جوازُه،
وهو (ممكن) لمن تمكَّن وَقويتْ معرفتُه(٢)، لتَيَسُّر طُرقه.
وأما الدَّليلُ: فالخللُ الواقعُ في الأسانيد المتأخرة إنما هو في بعض
الرواة لعدم الضَّبط والمعرفةِ بهذا العلم، وهو [منجبر في(٣) الضبط] بالاعتماد
على المقيد عنهم، كما أنهم اكتفوا بقول بعضٍ الحفاظ فيما عَنْعَنَهُ المدلِّسُ:
هذا الحديث سمعه هذا المدلس من شيخه، وحكموا لذلك بالاتصال.
وفي عدم المعرفة بضبطهم كتبهم من وقت السماع إلى حين التأدية،
[وكذا تَيَسُّرِ جمع الطرق التي يتمكن معها من نفي الشُّذوذ والعلَّة المكتفى فيه
بغلبة الظن](٤).
ووراء هذا: أنَّ الكتابَ المشهورَ الغنيَّ بشهرته عن اعتبار الإسناد مِنَّا إلى
مصنفه، ككتابٍ النسائي مثلاً [مما](٥) لا يحتاج في صحة نسبته إلى النسائي
إلى اعتبار حال الإسناد منا إليه، كما اقتضاه كلامُه إذا روى مصنفه فيه حديثاً
ولم يعلله، وجمع إسناده شروط الصحة، ولم يطلع المحدثُ فيه على علة، فما
المانعُ من الحكم بصحته، ولو لم يَنُصَّ عليها أحدٌ من المتقدمين؟.
لا سيما وأكثرُ ما يوجدُ من هذا القبيل ما رواته رواةُ الصحيح، وفيهم
الضابطون المتقنون الحفاظُ بكثرة، هذا لا ينازعُ فيه من له ذوق في هذا الفن
أفاده شيخنا (٦)، ومن قبله ابن الناظم في ديباجةٍ شرحِه لأبي داود.
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٧٢/١ - ٢٧٣): الاستدلال على جواز الحكم
بالتصحيح لأن من عاصر ابن الصلاح قد خالفه فيما ذهب إليه، وحكم بالصحة
لأحاديث لم يوجد لأحد من المتقدمين الحكم بصحتها ليس بدليل ينهض على رد ما
اختاره ابن الصلاح، لأنه مجتهد وهم مجتهدون، فكيف ينقض الاجتهاد بالاجتهاد؟ !.
وانظر: ((فتح الباقي))، للشيخ زكريا الأنصاري (٦٨/١).
(٢) ((التقريب)) للنووي (ص٧٩) مع التدريب.
(٣) كذا في (س)، (ح). وفي (م): (بالضبط منجبر).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) انظر: ((النكت)) لابن حجر (٢٧١/١ - ٢٧٢).