النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
كتاب القضاء وغيره
بك، فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت له، فقلت:
بصالح أعمالي، قال: لا، فقلت: بإخلاصي في عبوديتي، قال: لا فقلت
[١٩٥/ ب]: بحجي وصومي وصلاتي، قال: لم أغفر لك بذلك فقلت:
بهجرتي إلى الصالحين بإدامة أسفاري في طلب العلم، فقال: لا فقلت يا هذه
المنجيات التي أعتمد عليها حسن ظني إنك بها تعفو عني، فقال: كل هذه لم
اغفر لك بها، فقلت: إلاهي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب
بغداد فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد وهي تتواري إلى جدار من شدة
الثلج والبرد فأخذتها رحمة بها فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من أليم
البرد، فقلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك(١)، أ. هـ.
وحكي ابن خلكان وغيره في ترجمة الإمام أبي الحسن طاهر بن أحمد بن
بَاب شَاذ النحوي أنه كان يوما في سطح جامع مصر يأكل شيئا وعنده بعض
أصحابه فحضره قط فرموا له قطعة قط فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد
إليهم فرموا له شيئا فأخذه وذهب ثم عاد ففعل ذلك مرارا كثيرة وهم يرمون
به وهو يأخذ ويغيب ثم يعود من فوره حتى تعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ
ذلك الطعام ويدخل به إلى حزبه فيها شبه البيت الخراب في سطح ذلك
البيت قط أعجمي فإذا هو يضع الطعام بين يديه فتعجبوا من ذلك فقال
الشيخ ابن بابشاذ إذا كان حيوان أخرس قد سخر له هذا القط وهو يقوم
بكفايته ولم يحرم الرزق فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه وترك
(١) حياة الحيوان (٢/ ٥٢٢).

٧٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خدمة السلطان ولزوم بيته واشتغاله توكلا على الله إلى أن مات في شهر
رجب سنة تسع وستين وأربعمائة وبابشاذ كلمة أعجمية يتضمن معناها
الفرح والسرور والله أعلم(١).
٣٤٣٣ - وَعَن سهل بن الحنظلية رَّ ◌َّهُ قَالَ مر رَسُول اللّهِ وَّةِ بِبَعِير قد
لصق ظَهره ببطنه فَقَالَ اتَّقوا الله فِي هَذِه الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَة فاركبوها صَالِحَة
وكلوها صَالِحَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنْه قَالَ قد لحق
(٢)
ظهره(٢) .
قوله: وعن سهل بن الحنظلية رَّهُ تقدم الكلام عليه.
قوله وَيّ: ((اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة)) الحديث، المعجمة بضم
الميم وسكون العين المهملة وكسر الجيم خصها بهذه الصفة لأنها لا تتكلم
فتشكوا ذكره المنذري في حواشي مختصر السنن لأبي داود(٣).
٣٤٣٤- وَعَن عبد الله بن عَمْرو ◌َََّّا عَنِ النَّبِيِ وَيِّ قَالَ دخلت الْجَنَّة
فَرَأَيْت أَكثر أَهلِهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلِهَا النِّسَاء وَرَأَيْت
فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذْبُونَ امْرَأَة من حمير طوالة ربطت هرة لَهَا لم تطعمها وَلم تسقها
وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض فَهِيَ تنهش قبلهَا ودبرها وَرَأَيْت فِيهَا أَخا
(١) حياة الحيوان (٣٤٢/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٤٨)، وابن خزيمة (٢٥٤٥). وصححه الألبانى فى الصحيحة (٢٣)
وصحيح الترغيب (٢٢٧٣).
(٣) كشف المناهج والتناقيح (١٣٢/٣).

٧٢٣
كتاب القضاء وغيره
بني دعدع الَّذِي كَانَ يسرق الْحَاجِ بِمِحْجَنِهِ فَإِذا فطن لَهُ قَالَ إِنَّمَا تعلق
بمحجني وَالَّذِي سرق بدنتي رَسُول الله وَلُ﴾ رَوَاهُ ابْن حبان فِي صَحِيحه وَفِي
رِوَايَة لَهُ ذكر فِيهَا الْكُسُوفِ قَالَ وَعرضت عَليّ النَّار فلولا أَنِّي دفعتها عَنْكُم
لغشيتكم وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذْبُونَ امْرَأَةً حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة تعذب فِي هرة
لَهَا أوثقتها فَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض وَلم تطعمها حَتَّى مَانَت فَهِيَ
إذا أَقبلت تنهشها وَإِذا أَدْبَرت تنهشها الحَدِيث المحجن بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون
الْحَاء الْمُهْمَلَة بعدهمَا جِيمٍ مَفْتُوحَةٌ هِيَ عَصا محنية الرَّأْس(١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو نَّاًّا، تقدم الكلام عليه.
قوله: ((دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)).
قوله: ((واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) لما كان الفقير فاقدا
للمال الذي يتسبب به المعاصي ويحصل به البطر والشبع بهد عما يقرب إلى
النار، ولما كان الأغلب على النساء الشبع والبطر والجهل واللهو لازمهن ما
يحمل إلى النار، فإن قيل: إذا كان هذا فضل الفقير فلم استعاذ منه رسول الله
وَلّه؟ فالجواب: إن قوما يقولون إنما استعاذ من فقر النفس والصواب أن
يقال إن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعمى من نعمها فوازنهما
(١) أخرجه أحمد ١٥٩/٢ (٦٥٩٤) و١٨٨/٢ (٦٨٧٨)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد
(١١٨٠)، والنسائى فى المجتبى ٢٥٣/٣-٢٥٤(١٤٩٨) و٢٦٥/٣ (١٥١٢) والكبرى
(١٨٨٠) و(١٨٩٦)، وابن خزيمة (١٣٩٢)، وابن حبان (٢٨٣٨) و(٥٦٢٢) و(٧٤٨٩).
وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢٢٧٤).

٧٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المرض والعافية فيكون المرض فيه ثواب لا يمنع سؤال الله العافية(١)، أ.هـ.
قوله: ((ورأيت فيها ثلاثة يعذبون امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لها لم
تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)) ففيه دليل على أن
بعض الناس يعذب فيها الآن ((ورأيت فيها أخا بني دعدع الذي كان يسرق
الحاج بمحجنه، والذي سرق بدنتي رسول الله (وَّ)) الحديث، أخا بني دعدع:
قال في النهاية: اسمه عمرو بن لحي الذي يجر قصبه في النار أي أمعاءه وهو
أبو رغال الذي كان يسرق الحاج (٢) [١٩٦/ أ] بمحجنه، والمحجن عصا
معوجة الرأس،أ.هـ قاله المنذري، وقال غيره: عصى معوجة الرأس يتناول
بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفيها بعيره للمشي (٣)،أ.هـ.
وقوله: ((امرأة من حمير طوالة)) وفي الرواية: ((رأيت امرأة حميرية سوداء
طويلة تعذب)) حمير قبيلة من العرب معروفة في هذا الحديث إظهار تمكينه
وشرفه وَله بإطلاعه على الجنة والنار وفي ذلك من الحكمة إعلام الأمة بما
أعد لهم من النعيم وما توعدوا به من الجحيم عن مشاهدة فإنه ليس الخبر
كالعيان وهذا الذي اتفق لرسول الله ◌َ و كان أمرا محسوسا له على سبيل
الحقيقة ومن ادعى أن ذلك على وجه التمثيل له فقد خرج عن ظاهر اللفظ
وأي مانع من حمل ذلك على حقيقته فقد اتفق مثل ذلك للخليل صلوات الله
(١) كشف المشكل (١/ ٤٨٧) لابن الجوزى.
(٢) تحفة الأبرار (٢٧٥/٢)، والنهاية (٤/ ٦٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٨)، والعدة (١٠٠٧/٢).

٧٢٥
كتاب القضاء وغيره
عله وسلامه لما قام على صخرة بيت المقدس فكشف له إلى العرش
وكشف له ما بين المشرق والمغرب حتى رأى رجلا على معصية فدعا عليه
فهلك في الوقت ثم رأى آخر على معصية فدعا عليه فعلك أيضا ثم رأى آخر
على معصية فأراد أن يدعو عليه فقال الله له: ((مهلا يا إبراهيم فإني مع عبدي
إذا عصاني على أحد خصلتين إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج من
صلبه من يوحدني فأغفر له بذلك)) ذكره العلماء في تفسير قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١) (٢).
فائدة: قوله: (اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) إن قيل كيف الجمع
بينه وبين الحديث الآخر: ((إن لكل مؤمن زوجة في الجنة)) قال العلماء:
والجمع بينهما أن من النساء المؤمنات من يعذب بذنوبها ثم تخرج إلى
الجنة(٣)، أ. هـ ذكره والذي قبله ابن عقيل الحنبلي.
٣٤٣٥ - وَعَنْ أَسمَاء بنت أبي بكر رََّا أَنْ النَّبِيِِّ صلى صَلَاَة الْكُسُوف
فَقَالَ دنت مني النَّار حَتَّى قلت أَي رب وَأَنَا مَعَهم فَإِذا امْرَأَةً حسبت أَنْه قَالَ
تخدشها هرة قَالَ مَا شَأْنِ هَذِه قَالُوا حبستها حَتَّى مَاتَت جوعا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ(٤).
(١) سورة الأنعام، الآية: ٧٥.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم في التفسير (٧٤٩٧)، والسمعانى في التفسير (١١٨/٢).
(٣) انظر: التخويف من النار (ص ٢٦٨ -٢٦٩) قال ابن رجب: والصحيح أن أبا هريرة إنما
أراد أن جنس النساء في الجنة أکثرمن جنس الرجال، لأن کل رجل منهم له زوجتان، ولم
يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال.
(٤) أخرجه البخارى (٧٤٥) و(٢٣٦٤)، وابن ماجه (١٢٦٥).

٧٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر زَرَُّنَا، تقدم الكلام عليها.
قوله: أن النبي وَلقوله صلى صلاة الكسوف فقال ((دنت مني النار)) حتى قلت
((أي رب وأنا معهم)) يقال: كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف، وكسفا بضم
الكاف على البناء للمفعول وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى، وقيل:
كسفت الشمس بالكاف وخسف القمر بالخاء وقال جمهور أهل اللغة
وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله ويكون
لذهاب بعضه، وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع
والكسوف في البعض، وقيل: ذهاب لونهما والكسوف تغيره(١).
واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة وأجمع العلماء على أنها
سنة مؤكدة بالإجماع لمشروعية الجماعة فيها ومن ادعى أنها فرض كفاية
فقد شذ ووقت صلاتها من حين الكسوف إلى حين التجلى لقوله وَاله: ((فإذا
رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي)) فإن فاتت أي بالانجلاء لم تقض لأن المعنى
الذي شرعت له الصلاة لأجله قد زال وزالت يعني الصلاة بزوال سببها
والسنة أن [١٩٦/ ب] يغتسل لها كالجمعة وأن تصلى في جماعة حيث
تصلى الجمعة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقال
العراقيون: تصلي فرادي والمشهور من مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل
ركعة قيامان وركوعان وسجودان وسواء تمادى الكسوف أم لا وبهذا قال
مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم، وقال
(١) شرح النووي على مسلم (١٩٨/٦).

٧٢٧
كتاب القضاء وغيره
الكوفيون: صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر
بن سمرة وأبي بكرة(١).
ولها قراءة وأدعية مذكورة في كتب الفقه فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من
مواضعه وأصل الباب قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلِشَّمْسِ وَلَا
لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾(٢) أي عند كسوفهما لأنه أرجح احتمال أن المراد النهي
عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضا فلا معنى لتخصيصهما بالنهي (١).
وروي مسلم عن جابر رَقُوا﴾ قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله وَال
يوم مات إبراهيم ابن رسول الله وَّة، فقال الناس: إنما انكسف لموت إبراهيم
فقام النبي ◌َّ فصلى بالناس فساق الحديث إلى أن قال: ((إنما الشمس والقمر
آيتان من آيات الله وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته من الناس فإذا رأيتم
شيئا فصلوا حتى تنجلي)) (٤) وقد جاء أيضا في حديث مشتمل على سبب
الكسوف، روى النسائي عن النعمان بن بشير زُقَّهُ عن النبي ◌َِّ قال: ((إن ناسا
يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء أن الشمس
والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، والله
تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له فإذا رأيتم ذلك فصلوا كاحدى صلاة
(١) شرح النووي على مسلم (١٩٨/٦).
(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٧.
(٣) النجم الوهاج (٥٥٨/٢).
(٤) أخرجه مسلم (٩ و١٠ - ٩٠٤).

٧٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صليتموها من المكتوبة)) (١) قال عبد الحق: لكن اختلف في إسناده فهذه
الأحاديث وردت على سبب وهو أن الشمس خسفت يوم مات إبراهيم ولد
النبي وَجّ كما تقدم فقال قائلون: كسفت الشمس لموته فقال النبي وَّ هذا
الكلام ردا عليهم، قال العلماء: والحكم في هذا الكلام أن بعض الجاهلية
الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فقال النبي ◌َّالزإنهما آيتان مخلوقتان لله
تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغيير
كغيرها وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلا
لموت عظيم أو نحو ذلك فبين النبي وَيقول أن هذا باطل لئلا يفتر بأقوالهم لاسيما
فقد صادف موت إبراهيم ابن رسول الله وَاليه (٢).
وفي رواية ذكرت في أحاديث الكسوف أن النبي ◌َّ قال: ((ما من أحد أغير
من الله أن يرى عبده أو يرى أمته)) الحديث قال العلماء: معناه ليس أحد أمنع
من المعاصي من الله ولا أشد كراهية لها منه سبحانه وتعالى (٣).
وقيل: إشارة إلى أن الزنا والإصرار عليه يكون سببا لتعجيل العقوبة كما
أن الغيور من الرجال يعجل بالعقوبة على من يجده يزني بامرأته أو أمته (٤).
(١) أخرجه ابن ماجه (١٢٦٢)، والنسائى فى الكبرى (٢٠٦٣) والمجتبى ٢٥٨/٣ (١٥٠١)،
وابن خزيمة (١٤٠٣ و١٤٠٤).
وضعفه الألبانى فى المشكاة (١٤٩٣)، الإرواء (٣/ ١٣١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٠١/٦)، والعدة (٧٢٥/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠١).
(٤) شرح المشكاة للطيبى (١٣١٢/٤).

٧٢٩
كتاب القضاء وغيره
وفيه إشارة إلى أن التوبة من الزنا [١٩٧ / أ] تكون سببًا لزوال الكسوف
كما أن فعله والإصرار عليه يكون سببا لحدوث النقمة وحبس النعمة
وزوالها فإن الشمس نعمة عامة على الخلق فإن بها يحصل نماء الزرع ونضج
الثمار فكل زرع أو شجر لا تصيبه الشمس لا يثمر وفيه إشارة إلى أن وبال
الزاني يعود على غيره بسبب حبس هذه النعمة وقدم هنا ذكر العبد على الأمة
وإن كان الله تعالى قد بدأ بالزانية قبل الزاني لأجل الخطاب فإنه كان يخاطب
الرجال فبدأ بذكر العبيد قبل الإماء والعبد هاهنا يشمل الحر والعبد وكذلك
الأمة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.
قال ابن بطال (١): اختلف العلماء فى الكسوف هل فيه خطبة أم لا، فقال
الشافعى: يخطب بعد الصلاة فى الكسوف كالعيدين والاستسقاء، وقال مالك
والكوفيون: لا خطبة فى كسوف الشمس، واحتجوا فى ذلك بأن رسول الله
وَج* إنما خطب الناس؛ لأنهم قالوا: إن الشمس والقمر كسفت لموت
أحدهم، وهو ابن النبى ◌ٍّّ فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت
أحد ولا لحياته، وأمرهم بالصلاة ونحوه، وسبب الانكساف قدرة الله تعالی
فقط فقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يعني علامتان لقرب القيامة
أو العذاب أو لكونهما مسخرين لقدرة الله تعالی وتحت حکمه.
قال الخطابي (٢): كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث
تغيير في العالم من موت وضرر ونحوه على ما يذهب إليه المنجم من إعطائه
(١) شرح الصحيح (٣٥/٣).
(٢) أعلام الحديث (١/ ٦١١-٦١٢).

٧٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأحكام وزعمه أن السفليات مربوطة بالنجوم وان لها تأثيرا فيها فأعلم النبي
وَالّ أنه باطل وأنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما خلقه ليعملوا أنهما
خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على
الدفع عن أنفسهما وأنهما لا يستحقان أن يعبدوا قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾(١) فلهذا أمر عند كسوفهما أن يفزع إلى
الصلاة والسجود لله تعالى دونهما إبطالا لقول الجهال الذين يعبدونهما،
ويحتمل أن يكون الأمر بالصلاة عنده التضرع إلى الله في دفع الآفات التي
يتوهمها الأنفس تحقيقا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى ونفيا لها عن
الشمس والقمر وإبطالا لأحكامهما وفيه وجه ثالث: وهو أنهما من آيات الله
الدالة على قرب القيامة وأمارتان من أماراتها وقد يكون لك أيضا أنه يخوف
بهما الناس ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ
بِالْأَيَاتِ إِلَّ تَخْوِيفًا﴾(٢) أ.هـ قاله الكرماني(٣).
تنبيه: إبراهيم ابن النبي وسلّ من مارية القبطية سريته، ولد بالمدينة في ذي
الحجة سنة ثمان من الهجرة ومات في ذي الحجة سنة عشر ودفن بالبقيع
ويقال: عن وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول سنة عشر قاله
(٤)
الكرماني (٤).
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٧.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.
(٣) الكواكب الدرارى (١٢٨/٦-١٢٩).
(٤) المصدر السابق (١٢٩/٦).

٧٣١
كتاب القضاء وغيره
٣٤٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّهُ عَنِ رَسُول الله ◌َِّ قَالَ دنا رجل إِلَى بِثْر
فَنزل فَشرب مِنْهَا وعَلى الِْثْر كلب يَلْهَث فرحمه فَنزع أحد خفيه فَسَقَاهُ فَشكر
الله لَهُ فَأَدْخِلُهُ الْجِنَّة رَوَاهُ ابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم
وَأَبُو دَاوُد أطول من هَذَا وَتقدم فِي إِطْعَام الطَّعَامُ(١).
قوله: وعن أبي هريرة ◌َقَّ تقدم الكلام عليه.
قوله وَالخلية: ((دنا رجل إلى بئر فنزل فشرب منها وعلى البئر كلب يلهث
فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه فشكر الله له فأدخله الجنة)) الحديث، وفي
رواية: ((فإذا كلب يأكل الثرى من العطش)) أما الثرى فهو التراب الندي (٢).
قوله [١٩٧/ ب]: يلهث ويقال لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها لا
غير لها بإسكانها والاسم اللهث بفتحها واللهات بضم اللام ورجل لهثان
وامرأة لهثى كعطشان وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش والحر(٣).
قوله: فسقاه فشكر الله له فأدخله الله الجنة، وفي الرواية الأخرى فغفر له معناه
قبل عمله وأثابه وغفر له، وروی أن رجلا من بین إسرائيل كان فاجرا مسرفا
على نفسه لما ارتكب من الفواحش أتى في مسير له على بئر فإذا كلب يلهث من
العطش فرق له ورثى له فنزل في البئر ونزع خفه وسقى الكلب وأرواه فشكر الله
عز وجل له وغفر له، وروي أن رجلا من بنى إسرائيل كان بذلك وأوحى الله
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٨٨)، والبخارى (١٧٣) و(٢٣٦٣) و(٢٤٦٦) و(٦٠٠٩)،
ومسلم (١٥٣ - ٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠).
(٢) مشارق الأنوار (١٢٩/١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤١ -٢٤٢).

٧٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لذلك المسرف بأني قد غفرت لك جميع ما
اقترفت برحمتك على خلقي فسئل النبي عن ذلك فقيل يا رسول الله: وإن لنا في
البهائم لأجرا، فقال: ((في كل كبد رطبة أجر)) ومعنى رطبة حية لأن الميت إذا
مات جفت جوارحه والحي يحتاج إلى ترطيب كبده من العطش إذ فيها الحرارة
الموجبة له(١) . وقيل كنى بالرطبة عن الحياة فإن الميت يابس الكبد(٢).
ومعنى في كل كبد رطبة أجر معناه في الإحسان إلى كل حيوان حتى سقيه
ونحوه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده كما تقدم،
ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو مما لا يؤمر
بقتله فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي
والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في
معناهن وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضاً وسواء كان
مملوكاً أو مباحًا وسواء كان مملوكا له أو لغيره والله أعلم(٣).
٣٤٣٧ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َّ ◌َا قَالَ نهى رَسُول الله وَّه عَن التحريش بین
الْبَهَائِمِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مُتَّصِلا ومرسلا عَن مُجَاهِد وَقَالَ فِي الْمُرْسل
(٤)
هُوَ أصح (٤).
(١) مشارق الأنوار (٢٨٨/١)، ومطالع الأنوار (١٤٥/٣).
(٢) النهاية (١/ ٣٦٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤ / ٢٤١).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٥٦٢)، وأبو حاتم في العلل (٢٢١٧) مرسلا ومتصلا والمتصل عن
ابن عمر أو غيره، والترمذى في العلل (٥١١) و(٥١٢) والسنن (١٧٠٨) و(١٧٠٩)،

كتاب القضاء وغيره
٧٣٣
دَ اللّهر
قوله: وعن ابن عباس رقائھا، تقدم الكلام عليه وعلى أبيه العباس.
قوله: نهى رسول الله وَل عن التحريش بين البهائم، الحديث، وروى أبو يعلى
من حديث ابن عباس أيضا إلا أنه قال: ((لا تحرشوا بين البهائم)) الحديث، وروی
أبو يعلى من حديث ابن عباس أيضا إلا أنه قال: ((لا تحرشوا بين البهائم فإن أمة
من الأمم هلكت في ذلك)»(١) وفي الكامل في ترجمته غالب بن عبد الله الجزي من
حديث ابن عمر أن النبي قال: ((إن الله لعن من يحرش بين البهائم)) (٢) ومنه
الحديث: ((إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في
التحريش بينهم)) (٣) أي في حملهم على الفتن والحروب المراد بعبادة الشيطان
عبادة الصنم لأنه الداعي إليها والمراد بالمصلين المؤمنين المؤمنون كما قاله
عَالَّله نهيتكم عن قتل المصلين، سمي المؤمن بالمصلي لأن الصلاة أظهر أعمال
=
والبزار (٤٩٠٣)، وأبو يعلى (٢٥٠٩) و(٢٥١٠)، والطبراني في الأوسط (٣٣١/٢ رقم
٢١٣٦) والكبير (٨٥/١١ رقم ١١١٢٣)، وابن عدي في الكامل (١٣٧/٤) و(٢١١/٤)،
والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٣٨ رقم ١٩٧٨٢ و١٩٧٨٣).
قال الترمذى: فسألت محمدا فقال: الصحيح إنما هو عن مجاهد، عن النبي صل مرسل.
وقال البيهقى: والمرسل هو المحفوظ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٧٣)
وغاية المرام (٣٨٣).
(١) أخرجه أبو العباس الأصم فى مصنفات الأصم (١٩٥) من طريق بقية: حدثنا عبدالعزيز بن
زياد القرشي، عن ليث بن أبي سليم، عن عبدالرحمن بن سابط، عن حذيفة.
(٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ١١٠). وقال ابن عدى: ولغالب غير ما ذكرت وله
أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره.
(٣) أخرجه مسلم (٦٥ - ٢٨١٢)، والترمذى (١٩٣٧) عن جابر.

٧٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإيمان وأشرفها ومشتملة على الشهادتين(١).
وجزيرة العرب اسم لبلاد العرب سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار
بها بحر فارس وبحر الحبشة والروم ودجلة والفرات، وقيل: لانقطاعها عن
معظم البر وقد اكتنفها البحار والأنهار من أكثر الجهات كبحر البصرة وعمان
وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله تعالى فرعون بها وبحر الاشم
والنيل وما اتصل بالبر منقطع بالقفار [١٩٨/ أ] والرمال عن العمرانات،
وقال مالك: جزيرة العرب هي الحجاز واليمن واليمامة وما لم يبلغه مالك
فارس والروم، ومعنى الحديث: أن الشيطان قد يئس من عبادة المؤمنين في
جزيرة العرب الصنم أي من ارتدادهم وقد أيس من جمعهم فيها بين الصلاة
وعبادة الصنم كما فعلت اليهود والنصارى ولا يرد على هذا ارتداد من ارتد
بعده ◌َآلُ من أصحاب مسيلمة وغيره لأنهم ليسوا جميع المصلين في جزيرة
العرب واللام في المصلين للاستغراق وخصت جزيرة العرب بالذكر لأنها
معدن العبادة ومهبط الوحي ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بها(٢).
والتحريش الخديعة وفيه النهي عن التحريش بين البهائم وهو الإغراء بين
القوم والبهائم وتهيج بعضهم على بعض، قلت: وما يفعله السفهاء من منافرة
الديوك ومناطحة الكباش والبقر ونحو ذلك كذلك، قال الحليمي (٣): وهو
حرام ممنوع لا يؤذن لأحد فيه لأن كل واحد من المتحارشين يؤلم صاحبه
(١) المفاتيح (١٦٣/١).
(٢) شرح الصابيح (٨٩/١) لابن ملك، ومرقاة المفاتيح (١/ ١٤٢).
(٣) شعب الإيمان (٤٨٣/٨).

٧٣٥
كتاب القضاء وغيره
ويجرحه ولو أراد المحرش أن يفعل ذلك بيده ما حل له، وعن الإمام أحمد
في ذلك روايتان التحريم والكراهة ومما قيل في ليالي صفين:
الليل داج الكباش تنتطح نطاح أسدما أراها تصطلح
ومن نجا برأسه فقد ربح أ.هـ
فمن يقاتل في وغاها ما نجا
قاله في منافع حياة الحيوان(١).
٣٤٣٨- وَعَن أبي مَسْعُود البدري ◌ََّ قَالَ كنت أَضْرب غُلَاما لي
بِالسَّوْطِ فَسمِعت صَوتا من خَلْفي اعْلَم أَبَا مَسْعُود فَلم أفهم الصَّوْت من
الْغَضَبِ فَلَمَّ دنا مني إِذا هُوَ رَسُول الله وَّةِ فَإِذا هُوَ يَقُول اعْلَمْ أَبَّا مَسْعُود أَن
الله عز وَجل أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام فَقلت لَا أَضْرب مَمْلُوكا بعده
أبدا وَفِي رِوَايَةٍ فَقلت يَا رَسُول الله هُوَ حر لوجه الله تَعَالَى فَقَالَ أما لَو لم تفعل
لَلَفَحَتْك النَّارِ أَو لمستك النَّارِ رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (٢).
قوله: وعن أبي مسعود البدري رقميّ تقدم الكلام عليه.
قوله: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، الحديث، فيه الحث على الرفق
بالمملوك والوعظ والتثنية على استعمال العفو وكظم الغيظ والحلم كما
يحلم الله على عباده(٣).
وقوله: عن أبي مسعود أنه كان يضرب غلامه فجعل يقول: أعوذ بالله
(١) حياة الحيوان (٣٦٨/٢).
(٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٧١)، ومسلم (٣٤ و ٣٥ و٣٦ - ١٦٥٩)، وأبو داود
(٥١٥٩ و٥١٦٠)، والترمذى (١٩٤٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٠/١١).

٧٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فجعل يضربه فقال أعوذ يا رسول الله فتركه، قال العلماء: لعله لم يسمع
استعاذته الأولى لشدة غضبه كما لم يسمع نداء النبي ولو أو يكون لما استعاذ
برسول الله تنبه لمكانه (١).
وقوله في الرواية الأخرى: ((أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار))
لفح النار حرها ووهجها يقال لفحتك السموم بحرها وكذلك النار أي
ضربتك بلهبها وأحرقتك قاله عياض (٢).
وقوله: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبداً، وفي رواية: فسقط السوط من
يدي من هيبة رسول الله وله فقلت هو حر لوجه الله تعالى.
٣٤٣٩- وَعَنْ زَاذَان وَهُوَ الْكِنْدِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي قَالَ أتيت ابْن عمر وَقد
أعتق مَمْلُوكا لَهُ فَأخذ من الأَرْضِ عودا أَو شَيْئًا فَقَالَ مَا لي فِيهِ من الأجر مَا
يُسَاوِي هَذَا سَمِعتَ رَسُول اللهِ وَِّ يَقُول من لطم مَمْلُو کا لَهُ أَو ضربه فكفارته
أَن يعتقهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ وَرَوَاهُ مُسلمٍ وَلَفظه قَالَ من ضرب غُلَامًا لَهُ
حدا لم يَأْتُهُ أَو لطمه فَإِن كَفَّارَته أن يعتقهُ(٣).
قوله: وعن زاذان وهو الكندي مولاهم الكوفي (٤) [أبو عمر ويقال: أبو
عبد الله البزاز الضرير، يقال: أنه شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية وروى
(١) المصدر السابق (١١ /١٣١).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٦).
(٣) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٧٧) و(١٨٠)، ومسلم (٢٩ و٣٠ - ١٦٥٧)، وأبو
داود (٥١٦٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٧٨).
(٤) تذهيب تهذيب الكمال (٢٦٢/٣ ترجمة ١٩٧٢).

٧٣٧
كتاب القضاء وغيره
عنه وعن علي وابن مسعود وسلمان وحذيفة وعائشة وابن عمر والبراء
وجماعة. وعنه أبو صالح السمان وعمرو بن مرة وأبو اليقظان عثمان بن
عمير والمنهال بن عمرو وأبو هاشم الرمانى ومحمد بن جحادة وطائفة، عن
شعبة: سألت الحكم وسلمة بن كهيل، عن زاذان فقال الحكم: أكثر، يعني:
من الرواية. وقال سلمة: أبو البختري أحب إلي منه. وفي رواية قال: قلت
للحكم: مالك لم تحمل عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، قال يحيى: ثقة
وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يبيع
الكرابيس، وإنما رماه من رماه لكثرة كلامه، مات سنة اثنتين وثمانين].
قوله: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال
ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله (( يقول من لطم مملوكا له
أو ضربه فكفارته أن يعتقه)) الحديث، هكذا وقع في معظم النسخ ما يسوي هذا،
وفي بعضها ما يساوي هذا بالألف، وهذه هي اللغة الفصيحة المعروفة والأولى
عدها أهل اللغة في لحن العوام، وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تغيير
من بعض الرواة لا أن ابن عمر نطق بها ومعنى كلام ابن عمر أنه ليس لي في
إعتاقه أجر المعتق [١٩٨ / ب] تبرعا، وإنما أعتقه كفارة لضربه (١).
قال العلماء: في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف
الأذى عنهم وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبا وإنما هو
مندوب رجاء كفارة ذنبه فيه وإزالة إثم لطمه ومما استدلوا به لعدم وجوب
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٨/١١).

٧٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إعتاقه حديث سويد بن مقرن الذي يأتي بعده أن النبي ◌َّ أمرهم حين يلطم
أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها قال: ((فليستخدموها، فإذا
استغنوا عنها فليخلوا سبيلها)» قال القاضي عياض رحمه الله: وأجمع العلماء
على أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء مما يفعله به مولاه من مثل هذا من الأمر
الخفيف، قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح من غير
موجب لذلك أو حره بنار أو قطع عضو له أو أفسده أو نحو ذلك مما فيه مثلة
فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك ويكون ولاءه
له ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه، واختلف
أصحاب مالك فيما لو حلق رأسه أو لحية العبد واحتج مالك بحديث عمرو
بن العاص الذي جب عبده فأعتقه النبي (١) .
وقوله في رواية مسلم: (( من ضرب غلاما له حدا لم يأته)) هذه الرواية مبينة
على أن المراد بالأولى من ضربه بلا ذنب ولا على سبيل التعليم والأدب.
٣٤٤٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بن مقرن قَالَ لطمت مولى لنا فَدَعَاهُ أبي
وَدَعَانِي فَقَالَ اقْتَصّ مِنْهُ فَإِنَّا معشر بني مقرن كُنَّا سَبْعَة على عهد النَِّي ◌َُّ
وَلَيْسَ لنا إِلَّا خَادِم فلطمها رجل منا فَقَالَ رَسُول الله وَِّ أَعتقوها قَالُوا إِنَّه لَيْسَ
لنا خَادِمِ غَيرهَا قَالَ فلتخدمهم حَتَّى يستغنوا فَإِذا استغنوا فليعتقوها رَوَاهُ
مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٢٧).
(٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٧٦) و(١٧٨) و(١٧٩)، ومسلم (٣١ و٣٢ و٣٣ -
=

٧٣٩
كتاب القضاء وغيره
قوله: وعن معاوية بن سويد بن مقرن(١) [المزني أبو سويد الكوفي، ابن
أخي النعمان بن مقرن روى عن أبيه والبراء وعنه الشعبى وسلمة بن كهيل
وأشعث بن أبى الشعثاء وغيرهم، له فى الكتب حديثان، ذكره بن حبان في
الثقات وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم يصب من زعم أن له صحبة].
قوله: لطمت مولى لنا فدعاه أبي ودعاني، فذكره إلى أن قال: وليس لنا إلا
خادم فلطمها رجل منا، الحديث، هكذا هو في جميع النسخ خادم والخادم
بلا هاء يطلق على الجارية كما يطلق على الرجل، ولا يقال خادمة بالهاء إلا
في لغة شاذة قليلة أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات(٢).
قال في النهاية: وفي حديث ابن مقرن أما علمت أن الصورة محرمة أراد
بالصورة الوجه وتحريمها المنع من الضرب واللطم على الوجه (٣). أ.هـ.
قوله: فقال رسول الله وَالـ ((أعتقوها))، وهذا محمول على تطبيب نفس
المولى المضروب وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها وإنما واجبه
=
١٦٥٨)، وأبو داود (٥١٦٦ و٥١٦٧)، والترمذى (١٥٤٢)، والنسائي في الكبرى
(٤٩٩٠-٤٩٩٤).
(١) تذهيب تهذيب الكمال (٣٤/٩-٣٥ ترجمة ٦٨٠٦)، وتهذيب التهذيب (٢٠٨/١٠
ترجمة ٣٨٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٨/١١-١٢٩) وقال في تهذيب الأسماء واللغات (٨٩/٣):
خدم: وروينا في صحيح البخاري في كتاب النكاح في باب النقيع والشراب الذي لا يسكر
في العرس. عن سهل بن سعد: أن امرأة أبي سعد كانت خادمتهم في عرسهم هكذا هو في
معظم الأصول خادمتهم بالتاء.
(٣) النهاية (٦٠/٣).

٧٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
التعزير لكنه تبرع فأمكنه من القصاص فيها، وفي هذا الحديث الرفق بالموالي
واستعمال التواضع والله اعلم، وهذا أيضا محمول على أنهم كلهم رضوا
بعتقها وتبرعوا به وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد منهم فسمحوا له بعتقها
تكفیرا لذنبه(١).
٣٤٤١ - وَعَن عمار بن يَاسر رََّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ێ من ضرب
مَمْلُوكه ظلما أقيد مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاتِهِ ثِقَات(٢).
قوله: وعن عمار بن ياسر زَقْ تَّه تقدم الكلام عليه.
قوله: (من ضرب مملو که ظلمًا أقید منه يوم القيامة)) معناه: اقتص منه يوم
القيامة.
٣٤٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَهِ نَبِيِ الثَّوْبَة من قذف
مَمْلُوكه بَرِيِئًا مِمَّا قَالَ أقيم عَلَيْهِ الْحَدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَن يكون كَمَا قَالَ رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ حسن صَحِيح (٣).
قوله: وعن أبي هريرة زقالله تقدم الكلام عليه.
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٨/١١-١٢٩).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٧٨/٤) عن الطبرانى به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد
(١٨١) موقوفًا. وقال غريب من حديث الثوري وحبيب، لم يروه عنه مجردا إلا
الأشجعي. وقال الهيثمى في المجمع ٣٢٨/٤: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه
الألباني في الصحيحة (٢٣٥٢) وصحيح الترغيب (٢٢٨٠).
(٣) أخرجه البخارى (٦٨٥٨)، ومسلم (٣٧ - ١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذى
(١٩٤٧).