النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب الطعام وغيره
قوله: وروي عن حماد بن أبي سليمان [الكوفى أستاذ أبى حنيفة].
قوله: تعشيت مع أبي بردة أَظَّالَّهُ فقال: ألا أحدثك ما حدثني به أبى عبد
الله بن قيس رَّاهُ [هو اسم أبى موسى الأشعرى قدم على رسول الله وَل مكة
قبل هجرته إلى المدينة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى رسول
الله ◌َيّ مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم لهم منها، ولم يسهم
منها لأحد غاب عن فتحها غیرهم].
قوله وَيّ: (( من أكل فشبع وشرب فروي، فقال: الحمد لله الذي أطعمني
وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) الحديث، المراد
بذلك الصغائر كما تقدم في نظائره.
فرع: إذا قرب إليه الأكل قال: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار
باسم الله، فإن نسي فليقل بسام الله أوله وآخره، فإن أكل مع صاحب عاهة
قال: باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وإذا فرغ قال الحمد لله الذي أطعمنا
وسقانا وجعلنا مسلمين، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد(١) الخدري:
الحمد لله الذي الذي أطعم وسقی وسوغه وجعل له مخرجا(٢)، الحمد لله
الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة(٣) اللهم
أطعمت وسقيت وأغنيت وأفنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٥٠). وضعفه الألبانى فى المشكاة (٤٢٠٤)، الكلم الطيب (١٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٥١)، والنسائى فى الكبرى (٦٨٦٧ و١٠٠٤٤) عن أبى أيوب.
وصححه الألبانى فى ((المشكاة)) (٤٢٠٧)، («الصحيحة» (٧٠٩ و ٢٠٦١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٥)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذى (٣٤٥٨) عن معاذ بن أنس.
حسنه الألبانى فى المشكاة (٤٣٤٣).

٤٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أعطيت(١)، الحمد لله الذي منَّ علينا وهدانا والحمد لله الذي أشبعنا وأروانا
وكل الإحسان قد آتانا(٢).
فائدة: يقال أيضا إذا فرغ من الأكل قال النووي (٣): روينا في صحيح
البخاري(٤) عن أبي أمامة أن النبي ◌َّ ((كان إذا رفع طعامه أو ما بين مائدته
قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه
ربنا)) وفي رواية: ((كان يقول إذا فرغ من طعامه))، وقال مرة: ((إذا رفع مائدته
قال: الحمد لله الذي [١٦٢/ ب].
الوجه الیمین ممسوح کاملا الوجه اليسار
كفانا وأوانا غير مكفي ولا مكفور))(٥) قلت: مكفي بفتح الميم وتشديد
الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، قال الحربي: فالمكفي الإناء
المقلوب للاستغناء عنه كما قال غير مستغني عنه أو لعدمه، ورواه أكثر الرواة
بالهمز وهو فاسد من حيث العربية سواء كان من الكفاية أو من كفايات
الإناء.
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٨٧١)، وابن السنى (٤٦٧) عن عبد الرحمن بن جبير.
وصححه الألبانى في الكلم الطيب (١٩٠).
(٢) أخرجه ابن السنى (٤٦٨).
(٣) الأذكار (ص ٢٣٥)
(٤) البخارى (٥٤٥٨).
(٥) البخاری (٥٤٥٩).

٤٦٣
كتاب الطعام وغيره
قوله: (ولا مكفور)) أي: غير مجحود نعم الله سبحانه وتعالى فيه بل
مشكورة غير مستور الاعتراف بها والحمد لله، وذهب الخطابي إلى أن المراد
بهذا الدعاء كله الباري سبحانه وتعالى وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله
((غير مكفي)) أنه يطعم ولا يطعم كأنه على هذا من الكفاية [](١)، وإلى هذا
ذهب غيره في تفسير هذا الحديث أن الله تعالى مستغن عن معين وظهير،
قال: وقوله (ولا مودع)) أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه وهو بمعنى
المستغني عنه وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص والمدح أو النداء كأنه
قال: یا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا ومن رفعه قطعه وجعله خبراً (٢)، أ.هـ.
خاتمة: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله (٣): ومن آداب الطعام أن
يتحدثوا في حال أكله بالمعروف ويتحدثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة
وغيرها والله أعلم.
(١) وهنا في هذا الموضع زيادة من النهاية نصها: ومنه الحديث ((توضأوا مما غيرت النار)) أراد
به غسل الأيدي والأفواه من الزهومة، وقيل: أراد به وضوء الصلاة. وذهب إليه قوم من
الفقهاء، ومنه حديث الحسن ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم))، ومنه
حديث قتادة ((من غسل يده فقد توضأ)) قاله في النهاية. (١٩٥/٥) ولا محل لها في هذا
الموضع وإنما موضعها في الحديث التالى من الباب التالى.
(٢) الأذكار للنووى (ص٣٧٨-٣٧٩)، ومطالع الأنوار (٣٧٩/٣ -٣٨٠).
(٣) الإحياء (٢/ ٧).

٤٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترغيب في غسل اليد قبل الطعام إن صح الخبر وبعده
والترهيب أن ينام وفي يده ريح الطعام لا يغسلها]
٣٢٧٤ - عن سلمان رَو ◌َّه قال قرأت في التوراة إن بركة الطعام الوضوء
بعده فذكرت ذلك للنبي وَّ وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله وَله
بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده رواه أبو داود والترمذي وقال لا
يعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس يضعف في الحديث
(١)
انتھی"
قال الحافظ قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا يخرج
الإسناد عن حد الحسن وقد كان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام قال البيهقي
وكذلك مالك بن أنس كرهه وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه واحتج
(١) أخرجه الطيالسى (٦٩٠)، وابن أبى شيبة في المسند (٤٦١)، وأحمد ٤٤١/٥
(٢٤٢٢٩)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي في السنن (١٨٤٦)، وفي الشمائل (١٧٨)،
والبزار (٢٥١٩) و (٢٥٢٠)، والطبراني (٢٣٨/٦ رقم ٦٠٩٦)، وابن عدي (١٦٨/٧)
و(١٧٠/٧)، والحاكم ١٠٦/٣، و١٠٦/٤-١٠٧، وتمام الرازي في فوائده (٩٦٣) و
(٩٦٤)، والبيهقي في السنن (٧/ ٤٥٠ رقم ١٤٦٠٤)، وفي الشعب (٥/٨-٦ رقم
٥٤٢١)، وفي الآداب (٤٨٦)، والبغوي في شرح السنة (٢٨٣٣) و(٢٨٣٤).
وقال الترمذى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع
يضعف في الحديث، وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى بن دينار. وضعفه الألباني في الضعيفة
(١٦٨) وضعيف الترغيب (١٣٠٥).

٤٦٥
كتاب الطعام وغيره
بالحديث يعني حديث ابن عباس قال كنا عند النبي وقتيّ فأتى الخلاء ثم إنه
رجع فأتي بالطعام فقيل ألا تتوضأ قال لم أصل فأتوضأ رواه مسلم وأبو داود
والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى
الصلاة(١).
٣٢٧٥ - وروي عن أنس بن مالك رَّالَّ قال سمعت رسول الله وَ ل يقول
من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع رواه ابن
ماجه والبيهقي والمراد بالوضوء غسل اليدين(٢).
قوله: عن سلمان رق تقدم الكلام على سلمان الفارسي.
قوله وَجقة: ((بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده)) ومعنى البركة في
الوضوء عظم فائدة الطعام باستعمال النظافة فيستحب مسح اليد م الطعام
وغسل اليد أولى لزوال الزهومة لقوله: ((بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء
بعده))، وفي حديث أنس الذي بعده: ((من أحب أن يكثر الله تعالى خير بيته
فليتوضأ إذا حضر غداءه وإذا رفع)) قال الحافظ رحمه الله: المراد بالوضوء
(١) أخرجه أحمد ٢٨٢/١ (٢٥٩٠) و٣٥٩/١ (٣٤٤٦)، ومسلم (١١٨ و١١٩ و١٢٠ -
٣٧٤)، والترمذى (١٨٤٧)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والنسائي في المجتبى ٣٢٥/١ (١٣٧)
والكبرى (١٦٩)، وابن خزيمة (٣٥)، وابن حبان (٥٢٠٨). قال الترمذى: هذا حديث
حسن.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٠)، وابن عدى في الكامل (١٩٨/٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبى
(٦٨٦)، والبيهقى في الشعب (٨/٨ رقم ٥٤٢٤)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد
(٣٢/١٨). وقال الألباني في الضعيفة (١١٧) وضعيف الترغيب (١٣٠٦): منكر.

٤٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هنا غسل اليدين [وقول بعض الشافعية: المراد به هنا الوضوء الشرعى، ليس
فى محله لتصريح أصحابنا بأن الوضوء الشرعى ليس صفة عند الأكل]،
وحمله القاضي عياض (١) على اللغوي وجعل المراد غسل الكفين أيضا،
وحكي اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه،
وحكي الحافظ المنذري الكراهة أيضاً فقال: وقد كان سفيان يعني الثوري
يكره الوضوء قبل الطعام، قال المنذري: قال البيهقي: وكذلك مالك بن أنس
کرهه و کذلك أصحابنا الشافعي استحب تر که واحتج بالحدیث یعین حديث
ابن عباس قال: كنا عند النبي وسلم ذات يوم فأتى الخلاء ثم أنه رجع فأتى
بالطعام فقيل له ألا تتوضأ، قال: ((لم أصلي فأتوضأ)) [١٦٢/ أ]
رواه مسلم أبو داود والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا: فقال ((إنما أمرت
بالوضوء إذا أقيمت الصلاة)) أ.هـ، قال النووي في شرح مسلم(٢): أما لم أصلي
(أما لم) فبكسر اللام وفتح الميم، وأصلي بإثبات الياء في آخره وهو استفهام
إنكار ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن،
والظاهر ان المراد الوضوء الشرعي، أ.هـ.
ففيه: عدم إيجاب الوضوء قبل الأكل وهو مجمع عليه، واختلف في
استحبابه أيضا فنفته المالكية وغيرهم كما تقدم وأثبته غيرهم فقال القرطبي (٣):
(١) إكمال المعلم (٦/ ٥٠٢ -٥٠٣)، وشرح النووي على مسلم (٤ / ٧٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٦٩ -٧٠).
(٣) المفهم (١٧ / ٢٧).

٤٦٧
كتاب الطعام وغيره
وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما روى الترمذي
من حديث سلمان أنه التام قال: ((بركة الطعام الوضوء قبله)) الحديث، وروى
أنه ◌َلَّم قال: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم)) واشتهر في
الإحياء وغيره أن النبي وَيّم قال: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي
اللمم))(١) كذا رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضى عن
آبائه متصلا، وكلها ضعيفة ولا يصح شيء منها وكرهه قبله كثير من أهل
العلم منهم سفيان الثوري ومالك والليث، وقال مالك: هو من فعل الأعاجم
واستحسنوه بعده والله أعلم قاله في الديباجة، وقال غيره: قال علي بن
المديني قال يحيى بن سفيان: كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام
(١) أخرجه القضاعى في مسند الشهاب (٣١٠) من طريق سهل بن إبراهيم المروزي، عن
موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، متصلا قال: قال رسول الله وَالله: ((الوضوء قبل الطعام
ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم، ويصح البصر)). وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٦٤
رقم ٧١٦٦) عن ابن عباس بلفظ: ((الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر، وهو من
سنن المرسلين)). وقال الهيثمى في المجمع ٢٣/٥-٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
نهشل بن سعيد، وهو متروك.
قال العراقى في تخريج الإحياء (٤٣٣): أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من رواية
موسى الرضا عن آبائه متصلا، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس ((الوضوء قبل
الطعام وبعده مما ينفي الفقر)) ولأبي داود والترمذي من حديث سلمان ((بركة الطعام
الوضوء قبله والوضوء بعده)) وكلها ضعيفة. وقال الذهبى في ميزان الاعتدال (٢٠٢/٤):
وفي مسند الشهاب بإسناد مظلم إلى سهل بن إبراهيم، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن
جده - متصلا - قال: قال رسول الله وَله: الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى
الهم ويصح البصر. وقال الألباني موضوع الضعيفة (٤٧٦٣) وضعيف الجامع (٦١٦٠).

٤٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وكان يكره أن يوضع الرغيف تحت القصعة، أ.هـ، قال العلماء في قوله
تعالى: ﴿إِلَّ اللَّمَمْ﴾ (١) اللمم: ما دون الشرك، وقيل: النظرة من غير عمد
وهو مغفور فإذا عاد فهو ذنب.
٣٢٧٦ - وعن أبي هريرة زَّوَّهُ قال قال رسول الله وَله من نام وفي يده غمر
ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه أبو داود والترمذي وحسنه
وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (٢).
بنحوه الغمر بفتح الغين المعجمة
ورواه ابن ماجه أيضا عن فاطمة زَُّوى
والمیم بعدهما راء هو ريح اللحم وزهومته (٣).
(١) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٢٩٣/٥ (٢٦٢١٨) والأدب (١٧)، وأحمد ٢٦٣/٢
(٧٦٨٤) و٣٤٤/٢ (٨٦٤٩) و٥٣٧/٢ (٨٦٤٩)، والدارمى (٢٢٢٧)، والبخارى في
الأدب المفرد (١٢٢٠)، وأبو داود (٣٨٥٢)، وابن ماجه (٣٢٩٧)، والترمذى (١٨٦٠)،
والنسائي في الكبرى (٦٨٧٨) و(٦٨٧٩)، والبزار (٧٧٧٩) و(٩٢٢٦ و٩٢٢٧)، وابن
حبان (٥٥٢١)، والبغوى في الجعديات (٢٦٧٤)، وأبو إسحاق البغدادى في الأول من
أماليه (٨١ و٨٢)، وابن الأعرابى (٢٢١) و(٢٣٣) و(٢٧٣)، وابن عدى في الكامل
(٢٩٥/٥)، والحاكم ١٣٧/٤، والبيهقي في الشعب (٥٤٢٩ -٥٤٣١) والكبرى
(٧ /٤٥٠ رقم ١٤٦٠٥) و(٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ رقم ١٤٦٠٦). قال الترمذى: هذا حديث
حسن غريب، لا نعرفه من حديث الأعمش إلا من هذا الوجه. وصححه الحاكم. وصحح
الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥٧٩/٩) سنده على شرط مسلم. وجوده الألبانى في
المشكاة (٤٢١٩)، وصححه في الروض النضير (٨٢٣)، وصحيح الترغيب (٢١٦٦).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٩٦) وأبو يعلى (٦٧٤٨) ومن طريقه المزى في تهذيب الكمال
(٢٤٨/١٩). قال البوصيرى في الزجاجة ١٤/٤: هذا إسناد فيه جبارة وهو ضعيف.
=

٤٦٩
كتاب الطعام وغيره
قوله: وعن أبي هريرة رقُو ◌َّهُ تقدم.
قوله ◌َّ: ((من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء)) الحديث، الغمر:
هو ريح اللحم وزهومته، قاله الحافظ، وقال غيره: الغمر بالتحريك أي وسخ
ودسم وزهومة من اللحم كالوضر من السمن، وقد غمرت يداه غمرا، قاله
صاحب المغيث(١)، وقال فى الغريب(٢): الغمر بالتحريك الدسم والزهومة
من اللحم والوضر من السمن واللبن والزبد والسهك من السمك وصدأ
الحديد، تقول: يدي غمرها اللحم ووضرها السمن وضمرها سهكها السمك
فظهر والله أعلم انه ◌َ له إنما خص الغمر بالذكر لأن السهك عندهم قليل، لأن
بلادهم بلاد بر فلذلك لم يذكر السهوكة، وأما الوضر وهو من اللبن والسمن
فلم يذكره لأنه دون الغمر في تغير الرائحة ولأن الغالب عليهم ألبان الإبل
والفأرة لا تقرب ألبان الإبل ويظهر أنه عليَلها إنما أمرهم بذلك في الغمر لأن أكل
اللبن والسمن عليهم غالب بخلاف اللحم ونحوه مما له غمر، روى الحافظ أبو
يعلى والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله وَال ﴾ ((من
أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من ريح وضره لا يؤذي من حذاءه))(٣)، أ.هـ
=
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٧)، وحسنه فى الروض النضير (٨٢٣).
(١) المجموع المغيث (٢/ ٥٧٦).
(٢) غريب الحديث للحربى (١٠٦٩/١- ١٠٧٠) والنهاية (٣٨٥/٣) ولسان العرب
(٣٢/٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٥٦٧)، ومن طريقه أخرجه ابن عدي في المجروحين (٣/ ٨٤)، وابن
حبان في المجروحين (٨٤/٣)، والطبرانى كما في مجمع البحرين (٤٠٥٠). وقال
=

٤٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال ابن بطال(١): قال ابن وهب: سئل مالك عن الحديث الذي جاء من بات وفي
يده غمر فلا يلومن إلا نفسه، فقال: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان
يقول: ((منديل عمر بطن قدميه)) وما كان إلا هذا شيء حدث والحديث الذي لم
يعرفه مالك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زهير عن سهيل بن أبي صالح
عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي وَّ قال: ((من [١٦٣/ ب] نام وفي يده غمر لم
يغسله)) الحديث، وقد تكلم الحافظ على سهيل، وقيل لمالك: أيغسل يده
بالدقیق قال غيره أعجب إلي منه ولو فعل لم أر به بأسًا، قد تمندل عمر بباطن
قدمیه، وروى ابن وهب في الجلبان وشبهه أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في
الحمام وقد يدهن جسده بالزيت والسمن، وسئل أشهب عن الوضوء بالدقيق
والنخالة فقال: لا علم لي به(٢) والله أعلم. قاله في الديباجة.
٣٢٧٧- وعنه زَّوَّهُ قال قال رسول الله وَله إن الشيطان حساس لحاس
فاحذروه على أنفسكم من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا
نفسه رواه الترمذي والحاكم كلاهما عن يعقوب بن الوليد المدني عن ابن
أبي ذئب عن المقبري عنه وقال الترمذي حديث غريب من هذا الوجه وقد
روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة انتهى وقال
=
الهيثمى في المجمع ٣٠/٥: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وفيه الوازع بن نافع وهو
متروك. وضعفه جدا الألبانى في الضعيفة (٤٥٦١).
(١) شرح الصحيح لابن بطال (٥٠٥/٩- ٥٠٦).
(٢) وزاد ابن بطال: ولم يتوضأ به إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب (٩/ ٥٠٦)، والتوضيح
(٢٦/ ٢٤٠٢٤١) لابن الملقن.

٤٧١
كتاب الطعام وغيره
الحاكم صحيح الإسناد قال الحافظ يعقوب بن الوليد الأزدي هذا كذاب
واتهم لا يحتج به لکن رواه البيهقي والبغوي وغيرهما من حديث زهير بن
معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه الترمذي وقال
البغوي في شرح السنة حديث حسن وهو كما قال رحمه الله فإن سهيل بن أبي
صالح وإن کان تكلم فيه فقد روی له مسلم في الصحيح احتجاجا واستشهادا
وروى له البخاري مقرونا وقال السلمي سألت الدارقطني لم ترك البخاري
سهيلا في الصحيح فقال لا أعرف له فيه عذرا وبالجملة فالكلام فيه طويل
وقد روى عنه شعبة ومالك ووثقه الجمهور وهو حديث حسن والله أعلم (١).
قوله: وعنه زقوتت تقدم الكلام علیه.
قوله وَله: (إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم)) قوله: ((إن
الشيطان حساس لحاس)) أي كثير اللحس لما يصل إليه تقول لحست الشيء
ألحسه إذا أخذته بلسانك ولحاس للمبالغة والحساس الشديد الحس
والإدراك قاله في النهاية (٢) والله أعلم.
(١) أخرجه الترمذي (١٨٥٩)، والحاكم ١١٩/٤ و١٣٧، وأبو القاسم البغوي في الجعديات
(٢٨٣٧)، وابن عدى في الكامل (٤٧٢/٨). وقال الترمذى: هذا حديث غريب من هذا
الوجه، وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ.
وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: بل موضوع، فإن فيه يعقوب بن الوليد كذبه أحمد،
والناس. وقال ابن عدى: وهذه الأحاديث، عن ابن أبي ذئب لا يرويها، عن ابن أبي ذئب
غير يعقوب بن الوليد، عن أبي هريرة كلها غير محفوظة. قال الألباني في ضعيف الترغيب
(١٣٠٧) والضعيفة (٥٥٣٣) وضعيف الجامع (١٤٧٦): موضوع.
(٢) النهاية (٤/ ٢٣٧).

٤٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٢٧٨- وعن ابن عباس چاتنا أن النبي ێ قال من بات وفي يده ريح غمر
فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه البزار والطبراني بأسانيد رجال أحدها
رجال الصحيح إلا الزبير بن بكار وقد تفرد به كما قال الطبراني ولا يضر
تفرده فإنه ثقة إمام (١).
٣٢٧٩- وعن أبي سعيد رقانگگ عن النبي پ﴾ قال من بات وفي یدە ریح غمر
فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه رواه الطبراني بإسناد حسن الوضح بفتح
الواو والضاد المعجمة جميعا بعدهما حاء مهملة والمراد به هنا البرص (٢).
وفي الباب أحاديث بمعناه.
(١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٢١٩)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٨٨٦)،
والطبراني في الأوسط (١٥٩/١) و(٣١٤/٣)، وابن عدي في الكامل (١٠٢/٢)، وأبو نعيم
في أخبار أصبهان (٣٢٧/٢). قال البزار: قد اختلف فيه عن الزهري، فقال ابن عيينة، عن
الزهري، عن عبيد الله مرسلا، وقال عقيل: عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة، وقال سفيان بن حسين: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقال الهيثمى في المجمع ٣٠/٥: رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد ورجال
أحدهما رجال الصحيح خلا الزبير بن بكار وهو ثقة وقد تفرد به كما قال الطبراني.
وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٥٦) وصحیح الترغيب (٢١٦٨).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٣٥/٦ رقم ٥٤٣٥)، وأبو نعيم فى الطب (١٢٩) و(١٥٤)،
والبيهقى فى الشعب (١٠/٨ رقم ٥٤٢٨). وقال البيهقى: هكذا رواه عقيل بهذا الإسناد
عنه موصولا وخالفه معمر، فرواه فيما (يعنى عن أبى هريرة). وقال الهيثمى فى المجمع
٣٠/٥: رواه الطبراني وإسناده حسن. وقال الألبانى فى ضعيف الترغيب (١٣٠٨): منكر.

٤٧٣
كتاب القضاء وغيره
[كتاب القضاء وغيره]
[الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة لا سيما لمن لا يثق بنفسه
وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك]
٣٢٨٠- عن ابن عمر رَ لَّهَذَا قال سمعت رسول الله وَجُل يقول كلكم راع
ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله
ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها
والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته و کلکم راع ومسؤول عن رعيته
رواه البخاري ومسلم(١).
قوله: عن ابن عمر نقیتھًا، تقدم الكلام علیه.
قوله وَّر: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته)) تقدم الكلام على الكتاب
واشتقاقه، والقضاء بالمد الولاية المعروفة وجمعه أقضية كغطاء وأغطية
وأردية وكساء وأكسية، وقضى السلطان فلانا أي ولاه كما يقال أمر أميراً.
قوله: (کلکم راع ومسؤول عن رعيته)) الحديث، تقدم الكلام علیه في باب
النكاح، الراعي هنا الحافظ المؤتمن على ما يليه، وأصل الرعي الحفظ،
ومنه رعيت النجوم، أمرهم النبي ◌َّ بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم من
الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه فالرعاية حفظ الشيء وحسن العهد به
(١) أخرجه البخارى (٨٩٣) و(٢٤٠٩) و(٢٥٥٤) و(٢٥٥٨) و(٢٧٥١) و(٥١٨٨) و(٥٢٠٠)
و(٧١٣٨)، ومسلم (٢٠ - ١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذى (١٧٠٥).

٤٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقد استولى هؤلاء في الاسم، واختلفوا في المعنى أما رعاية الإمام فولاية
أمور الرعية والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، وأما رعاية
الرجل أهل فالقيام عليهم بالحق في التفقه وحسن العشرة، وأما رعاية المرأة
في بيت زوجها فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه، وأما
رعاية العبد فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله والله أعلم (١) وتقدم
الكلام على ذلك في النكاح أبسط من هذا.
٣٢٨١- وعن أنس بن مالك زقڅ﴾ قال قال رسول الله ێ إن الله سائل كل
راع عما استرعاه حفظ أم ضيع رواه ابن حبان في صحيحه(٢).
قوله: وعن أنس بن مالك زقوته تقدم الكلام عليه.
قوله آية: ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع)).
٣٢٨٢- وعن أبي هريرة زَّهُ قال قال رسول الله وَّةٍ من ولي القضاء أو
جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين رواه أبو داود والترمذي واللفظ له
(١) شرح السنة (١٠ / ٦٢).
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (٩١٢٩)، وأبو عوانة فى المستخرج (٧٤٧٧)، وابن حبان
(٤٤٩٢)، والطبرانى فى الأوسط (١٩٧/٢ رقم ١٧٠٣)، وأبو نعيم فى الحلية (٦/ ٢٨١)
و(٢٣٤/٩). وقال الترمذى عقيب حديث (١٧٠٥): قال محمد: وروى إسحاق بن
إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، عن النبي وَّ: إن الله سائل كل
راع عما استرعاه سمعت محمدا يقول: هذا غير محفوظ، وإنما الصحيح عن معاذ بن
هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ◌ُّڑ مرسلا.
وقال الألباني: حسن صحيح - ((تخريج فقه السيرة)) (٤٣٤)، ((الصحيحة)) (١٦٣٦)،
وصحیح الترغيب (١٩٦٧) و(٢١٧٠).

٤٧٥
كتاب القضاء وغيره
وقال حديث حسن غريب وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد قال
الحافظ ومعنى قوله ذبح بغير سكين أن الذبح بالسكين يحصل به إراحة
الذبيحة بتعجیل إزهاق روحها فإذا ذبحت بغیر سکین کان فیه تعذیب لها
وقيل إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل وَل عن
ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده وَخلية بهذا القول ما يخاف
عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ذكره الخطابي ويحتمل غير ذلك (١).
قوله: وعن أبي هريرة ◌َّالله قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن
أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسميت في
الإسلام عبد الرحمن، وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعي غنما
فوجدت هرة فحملتها في كمي فقال أبي: أنت أبو هريرة، وروي ابن سعد (٢):
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٥٤٢/٤ (٢٢٩٨٠) و٥٤٣/٤ (٢٢٩٨٧)، وأحمد
٣٢٣٠/٢ (٧٢٦٦) و٣٦٥/٢ (٨٨٩٨)، وابن ماجه (٢٣٠٨)، وأبو داود (٣٥٧١)
و(٣٥٧٢)، والترمذى (١٣٢٥)، والنسائى فى الكبرى (٥٨٩٢- ٥٨٩٥). وقال الترمذى:
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني: حسن صحيح الروض النضير
١١٣٦، المشكاة ٣٧٣٣، صحيح الترغيب ٢١٧١.
(٢) فى الأصل أبو كبير العبدى وإنما هو أبو كثير الغبرى كما فى الطبقات (٣٢٨/٤). وهو
السحيمي الغبري اليمامي الأعمى قيل اسمه يزيد بن عبد الرحمن الضرير وقيل يزيد بن
عبد الله بن اذينه وقيل بن غفيلة قال أبو عوانة الإسفرائيني أنه أصح من أذينة روى عن أبيه
وأبي هريرة وعنه ابنه زفر ويحيى بن أبي كثير وعكرمة بن عمار وعبد الله بن بدر السحيمي
وموسى بن نجدة وعقبة بن التوأم والأوزاعي وغيرهم قال أبو حاتم وأبو داود والنسائي
ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (١٢ / ٢١١ ترجمة ٩٧٥).

٤٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي: حدثنا [١٦٤ / أ]
عكرمة بن عمار حدثنا أبو كثير الغبرى عن أبي هريرة قال: والله لا يسمع
بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبني، قال: قلت له وما يعلمك ذاك؟ قال: فقال: إني
كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبي علي، فدعوتها ذات يوم فأسمعتني في
رسول الله ◌ّي ما أكره، فأتيت رسول الله وَّليه وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني
كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما
أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله وَشير: ((اللهم اهد أم أبي
هريرة)) فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله وَجّة، فلما جئت فصرت إلى الباب،
فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة
وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن
خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله وَ لخلقه، فأتيته وأنا أبكي
من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم
أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال قلت: يا رسول الله ادع الله
أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله
وَالر: ((اللهم حبب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين،
وحبب إليهم المؤمنين)) فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، وفي
رواية: ((فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يري أمي إلا وهو
يحبني)) ولم يرو عن رسول الله وَل أحد من الرجال أكثر ما روي عنه أبو

٤٧٧
كتاب القضاء وغيره
هريرة فإنه روي عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعین حديثا
وإنما صحبه أربع سنين، قاله في مرآة الزمان(١).
قوله: ((من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد)) فالقاضى اسم لكل
من قضى بين اثنين أو حكم بينهما سواء إن سمى خليفة أو سلطانا أو نائبا أو
واليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو بأمثاله حتى من يحكم فى الصبيان فى
الخطوط إذا تخايروا وهكذا ذكر أصحاب رسول الله وَاخله وهو ظاهر(٢). أ.هـ.
ومعنى (ذبح بغير سكين)) أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة
بتعجيل إزهاق روحها وإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها، وقيل: إن
الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل وَّ عن ظاهر
العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده وَليل بهذا القول ما يخاف عليه من
هلاك دينه دون هلاك بدنه، وقيل: غير ذلك ذكره الخطابي (٣)، أ.هـ.
وقال بعضهم: إذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب المثل
بذلك ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه (٤).
وفي البيان للعمراني(٥) قيل لابن عباس: ما هو الذبح بغير سكين؟ قال: ((نار
جهنم)).
(١) مرآة الزمان (٤٢٦/٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٥٤/٢٨).
(٣) معالم السنن (١٥٩/٤-١٦٠).
(٤) المصدر السابق.
(٥) البيان (١٣ /٩).

٤٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال الشيخ أبو الربيع المالقي حضرت رجلا في النزع فسألته عن حاله
فقال: ها أنا أذبح، فعلمت تصديق الخبر لأن الرجل كان قد ولي القضاء مدة
جبره عليه بعض الولاة هذا وهو مجبور فكيف إذا كان جبارا، وروي البيهقي
أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولي عمر بن الخطاب [١٦٤/ب] القضاء، وولي
أبا عبيدة بيت المال وقال أعينوني فمكث عمر سنة لا يأتيه اثنان ولا يقضي
بين اثنين وهو أول قاض ولي القضاء بالمدينة رضي الله عنه،أ.هـ.
ففي الحديث التحذير من طلب القضاء والحرص عليه لأن معناه أن من
تصدي للقضاء وتولاه فقد تعرض للذبح فليحذره والذبح هنا مجاز عن الهلاك
فإنه من أسرع أسبابه(١). وأغرب من جعل ذلك مدحً وأنه لشدة ما يلاقيه والصبر
على الحق فيه لعظم أجره والظاهر الأول وهذا فيمن لم يتعين عليه فإن تعين عليه
لزمه ذلك وله البذل فيه أيضا وإن كان يحرم الأخذ كما قرره الفقهاء.
قال ابن الصباغ في شامله(٢): الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره
وصعوبة أمره حتى لا يقدم عليه من لا يجد في نفسه قوة في دينه وبصيرة باقية
في علمه ويقينه، وليجتهد في طلب الحق عادلا عن الهوى والميل، وقال
بعض أصحابنا: من استشعر في نفسه ميل لم يجز له الدخول ولا يحل له
القبول، وحكي القاضي بن كج (٢) أنه يكره الدخول فيه مطلقا، ولا يجوز له
أن يطرق فيه بابا مغلقا.
(١) معالم السنن (١٥٩/٤)، والنهاية (١٥٣/٢).
(٢) نقله ابن الرفعة عنه فى كفاية النبيه (١٨ /٤٤).
(٣) كفاية النبيه (١٨ /٤٥)، والنجم الوهاج (١٣٨/١٠).

٤٧٩
كتاب القضاء وغيره
وقال الرافعي(١): وحيث أبحنا التقليد فذاك عند الوقوف وغلبة الظن بقوة
النفس وأمن الاشتباه واللبس وأما عند الاشتباه فينبغي أن يحذر من الدخول
فيه وان يشتغل بما يعنيه فإن أهم المغانم حفظ السلامة، وحكي القاضي أبو
الطيب(٢) أن المأمون كتب إلى الشافعي زَقَوَّهُ يستدعيه ليوليه القضاء في
الشرق والغرب فأبى ودعا المزني في مرض موته ونهاه عن تولية القضاء وأظهر
له كتاب المأمون وقال: إني لم أظهره لأحد غيرك، وحكي أيضا هو وغيره(٣)
أن المنصور استدعى سفيان الثوري وأبا حنيفة وشريك بن عبد الله لتولية
القضاء فهرب سفيان من الطريق وعرض على أبي حنيفة فامتنع وقال: لا
أصلح فعرض علي شريك فاعتذر بعلل فأزاحها وولاه، وروي الإمام أبو
جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن المنصور طلب أبا حنيفة للقضاء
فأبى فحلف ليفعلن وحلف أبو حنيفة أنه ما يفعل فقال له الربيع يحلف أمير
المؤمنين وتحلف فقال الإمام أبو حنيفة أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه
مني فحبسه المنصور أياما ثم دعاه فعرض عليه فقال: إني لا أصلح فإن كنت
صادقا فلا أصلح وإن كنت كاذبا فلأجل الكذب ورده إلى الحبس وضربه
بالسياط فلم يل وقيل إنه مات في الحبس (٤).
وقال الزبير بن بكار في كتابه المسمى بالموفقيات: لما تولى شريك
(١) كفاية النبيه (٤٧/١٨)، والنجم الوهاج (١٤١/١٠).
(٢) كفاية النبيه (٤٨/١٨).
(٣) المصدر السابق فى نفس الموضع.
(٤) تاريخ بغداد (١٥/ ٤٤٤)، وكفاية النبيه (١٨ /٤٨-٤٩).

٤٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القضاء هجره سفيان الثوري فوجده شريك فقال سبحان الله يا أبا عبد الله أو
ليس للناس من قاض فقال سفيان أوليس للناس من [شرطى]، وكان سفيان
إذا ذكر عنده شريك يقول نعم الرجل لو لم يفسدوه بالقضاء (١).
وروي الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في حليته بسنده أنه طلب أبو قلابة
بالقضاء ففر إلى الشام (٢).
وحكاه ابن عبد ربه وقال: إن تلامذته قالوا له يا أستاذ ما يمنعك من ذلك
وعندك من العلم ما يمنعك من الجور ومن الورع ما يمنعك من الرشا
فأطرق زمانا ثم رفع رأسه وقال لهم: كم يريد السابح الغارق يسح في البحر
الطريق لابد أن يغرق(٣).
وحكي اللوحة [١٦٥ / أ] القاضي أبو الطيب عن بعض الفقهاء أنه مشى
مع صاحب له فأراه دكاكين مختمة فقال انظر هذا حتى تحكيه هذا عقار لي
علي بن حيران استدعاه ابن الفرات للقضاء فهرب فختم عقاره حتى يظهره،
وحكي غيره أنها أقامت شهرا مختومة ومنزله وكان أبو علي هذا من تلامذة
ابن شريح وكان يعاتب ابن شريح على القضاء ويقول هذا الأمر لم يكن في
أصحابنا وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة(٤).
(١) حلية الأولياء (٤٧/٧)، وبحر المذهب (٤٣/١١).
(٢) حلية الأولياء (٢٨٥/٢).
(٣) العقد الفريد (٢٠/١) و(١٥٢/٣) وذكره أيضا ابن سعد فى الطبقات (١٨٣/٧)، والضبى فى
أخبار القضاة (٢٣/١) وعبد الجبار فى تاريخ داريا (ص٦١)، وبحر المذهب (٤٤/١١).
(٤) كفاية النبيه (٤٨/١٨).