النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الطعام وغيره علق بالأصابع أو بالصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي قد أكلوه وازدردوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذرا لذلك، وإذا ثبت هذا فليس [بعده شىء] أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه وهو مما لا يعلم عاقل فیه بأسا إذا كان الماس والممسوس جميعا طاهرين نظيفين، وقد يتمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما فى منظر [حس] أو مخبر عقل(١) انتهى، قاله في الديباجة. ٣٢٦٦ - وَعنْهُ رََّّهُ أَنْ رَسُول الله ◌َّهِ قَالَ إِذا وَقعت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليمط مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان وَلَا يمسح يَده بالمنديل حَتَّى يلعق أَصَابِعِه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة رَوَاهُ (٢) مُسلم(٢). قوله: وعنه رَقُولَُّ تقدم. قوله: أن رسول الله وَال قال: ((إذا وقعت لقمة أحدكم)) الحديث، أما (يميط)) فبضم الياء وكسر الميم ومعناه: يزيل وينحي، فيستحب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، والمراد بالأذى هنا المستقذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك، هذا إذا لم تقع على موضع نجس فإن وقعت على (١) قاله الخطابى معالم السنن (٢٦٠/٤). (٢) أخرجه أحمد ٣٦٥/٣ (١٥١٦٨)، وعبد بن حميد (١٠٦٧)، ومسلم (١٣٤ - ٢٠٣٣)، والنسائي في الكبرى (٦٧٤٦)، وأبو يعلى (٢٢٤٦)، وأبو عوانة (٨٧١٨). ٤٤٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر تطهيرها أطعمها حيوانا أي هرة أو كلبا، ولا يدعها للشيطان والله أعلم(١). تنبيه: وإنما قال: ((ولا يدعها للشيطان)) لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس ثم إنه من خلاق المتكبرين وذلك من عمل الشيطان(٢). قوله ◌َّ: (( ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه)) سيأتي الكلام على لعق الأصابع، وأما المنديل فمعروف وهو بكسر الميم. قوله: (( فإنه لا يدري في أي طعامه البركة)) وتقدم الكلام على معنى البركة في الحدیث قبله والله أعلم. تنبيه: روى عنه مَ له أنه قال: ((لا تجعلوا المنديل الذي تمسحون به أیدیکم من الغمر في بيوتكم الذي تبيتون فيه [١٥٩/ أ] ولا القمامة التي تقم من النهار فإنهما مقعد الشيطان))(٣) ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده، والمراد بالغمر ما يكون في اليد من ريح الطعام والزفر، والمراد بالقمامة الكناسة. (١) شرح النووي على مسلم (٢٠٤/١٣). (٢) الميسر في شرح المصابيح (٢/ ٩٥٢) للتوربشتى. (٣) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٨٢٥)، وعبد بن حميد (١١٠٨)، ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (٢٢٨/٢-٢٢٩)، وابن عدي في الكامل (٣٨٤/٣-٣٨٥) من طريق حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح والمتهم به حرام قال مالك والنسائي ليس بثقة وقال الفلاس متروك الحديث وقال الشافعي ويحيى والسعدي الحديث عن حرام حرام. وقال الألباني في الضعيفة (١٨٤١): ضعيف جدا. ٤٤٣ كتاب الطعام وغيره ٣٢٦٧ - وَعِنْهُ رََّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ إِن الشَّيْطَان ليحضر أحدكُمْ عِنْد كل شَيْء من شَأْنِه حَتَّى يحضرهُ عِنْد طَعَامه فَإِذا سَقَطت لقْمَة أحدكم فليأخذها فليمط مَا كَانَ بِهَا مِن أَذَى ثُمَّ ليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَانِ فَإِذا فرغ فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَي طَعَامِه الْبرِكَة رَوَاهُ مُسلم وَابْن حبَانِ فِي صَحِيحِه وَقَالَ فَإِن الشَّيْطَان يرصد النَّاسِ أَو الْإِنْسَان على كل شَيْءٍ حَتَّى عِنْد مطعمه أَو طَعَامه وَلَا يرفع الصحفة حَتَّى يلعقها أو يلعقها فَإِن آخر الطَّعَام الْبركَة(١). قوله: و عنه زقامت تقدم الكلام علیه. قوله مَله: ((إن الشيطان ليحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه)) الحديث، فيه: التحذر منه والتنبيه على ملازمته للإنسان في تصرفاته فينبغي أن يتأهب ويتحرز منه ولا يغتر بما يزينه له، ففي هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل منها: استحباب لعق اليد محافظة على البركة وتنظيفها لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر بأن يكون مرقا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الأعذار(٢). ومما يدل على ذلك قال النووي: روينا من حديث كعب بن مالك قال: رأيت رسول الله و ﴿ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها، رواه مسلم(٣). (١) أخرجه مسلم (١٣٥-٢٠٣٣)، وابن حبان (٥٢٥٣)، والبيهقى في الشعب (٤٠/٨ رقم٥٤٦٨). (٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٣ -٢٠٦). (٣) أخرجه مسلم (١٣١ - ٢٠٢٣). ٤٤٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها وتقدم الكلام على ذلك، ومنها: إثبات الشياطين وأنهم يأكلون حقيقة وتقدم الكلام على ذلك أيضً، ومنها: جواز مسح اليد بالمنديل لكن السنة أن يكون بعد لعقها (١). قوله: في رواية ابن حبان ((ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها)) الحديث. فائدة: وعن أم [عاصم] قالت: [دخل علينا] نبيشة مولى رسول الله وَال ونحن نأكل في قصعة فقال: قال رسول الله وَّلة: (من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة)) رواه الترمذي (٢). وفي مسند البزار في هذا الحديث زيادة حسنة وهي ((استغفرت له القصعة فيقول: اللهم أجره من النار كما أجارني من لعق الشيطان))(٣). (١) شرح النووي على مسلم (٢٠٣/١٣-٢٠٦). (٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٧/ ٥٠ -٥١ و٥١، وابن أبى شيبة في المسند (٧٦١)، وأحمد ٧٦/٥(٢١٠٥٥)، والدارمي (٢٠٢٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ١٢٧/٤-١٢٨، وابن ماجه (٣٢٧١) و (٣٢٧٢)، والترمذي (١٨٠٤)، وابن أبى حيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ٥٧٨/١ (٢٤٠٤)، وبحشل في تاريخ واسط (ص٤٧)، والدولابى في الكنى (٢١٠٤)، والبيهقى في الآداب (٤٠٦) والشعب (٤٣/٨ رقم ٥٤٧٣)، والبغوى (٢٨٧٧). وقال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث المعلى بن راشد، وقد روی يزيد بن هارون، وغير واحد من الأئمة، عن المعلى بن راشد هذا الحديث. وضعفه الألبانى: المشكاة (٤٢١٨ / التحقيق الثاني)، ضعيف الجامع (٥٤٧٨). (٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٥٤٦) من طريق محمد بن مقاتل الرازي، عن أبي العباس جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان بن المهدي، عن أنس بن مالك، عن النبي وَّه قال: إذا لعق الرجل القصعة استغفرت له القصعة فتقول: اللهم أعتقه = ٤٤٥ كتاب الطعام وغيره ونبيشة هذا يقال له نبيشة الخير (١) وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث وأن له أربعة أحاديث هذا أحدها والله أعلم. ٣٢٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَن النَّبِيِ وَِّ قَالَ إِذا أكل أحدكم فليلعق أَصَابِعِه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أيتهن الْبركَة رَوَاهُ مُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ(٢). قوله: وعن [أبي هريرة] أنس زَقْلَهُ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ◌َّخير: ((إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة)) هكذا هو في معظم الأصول وفي بعضها: ((فإنه لا يدري أيتهما البركة)) وكلاهما صحيح، أما رواية: ((في أيتهما)) فظاهر وأما رواية ((لا يدري أيتهن البركة)) فمعناه أيتهن صاحبة البركة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والله أعلم(٣). من النار كما أعتقني من يد الشيطان. وسمعان بن مهدي قال الذهبي فيه: لا يكاد يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبّح الله من وضعها، وقال ابن حجر: وهي من رواية محمد بن مقاتل عن جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان فذكر النسخة وهي أكثر من ثلاثمائة حديث أكثر متونها موضوعة. ميزان الاعتدال: ٢/ ٢٣٤، لسان الميزان: ١١٤/٣. (١) ترجمته: الاستيعاب: ٤/ ٢٦٥٢، وأسد الغابة ٥١٩٨/٥، وتهذيب الكمال ٦٣٨٠/٢٩، والإصابة ٣/ ٨٦٨٠. (٢) أخرجه أحمد ٣٤١/٢ (٨٦١٥) و٤١٥/٢ (٩٤٩٣)، ومسلم (١٣٧ -٢٠٣٥)، والترمذى (١٨٠١). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سهيل. وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث عبد العزيز من المختلف لا يعرف إلا من حديثه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٢). (٣) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٢٠٧). ٤٤٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بَِّا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِذا أكل أحدكُم ٣٢٦٩- وَعَن ابْن عَبَّاس طَعَامًا فَلَا يمسح أَصَابِعِه حَتَّى يلعقها أَو يلعقها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهُ(١). قوله: وعن ابن عباس رَّنَا، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ◌َّله: ((إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها)) يلعقها: بفتح حرف المضارعة أي يلحسها، ففيه استحباب لعق اليد محافظة على ترك الطعام وتنظيفا واستنبط من استحباب لحس الإناء ولقط اللباب الذي يتساقط حول المائدة، وقد ورد في استحباب ذلك أحاديث والله أعلم (٢). وقوله: ((أو يلعقها)) بضم حرف المضارعة ومعنى الحديث والله أعلم: لا يمسح يده حتى يلعقها يعني الأكل فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره مما لا يتقذر ذلك كزوجة وجارية وولد وخادم يحبونه ويلتذون بذلك ولا يتقذرونه وكذا من في معناهم كتلميذ يعتقد بركة شيخه ويود التبرك بلعقها وكذا لو ألعقها شاة ونحوها والله أعلم، والحديث تعليم لأمته أدب الأكل وأخلاقه الشريفة، فإن [١٥٩ / ب] من فعل ذلك برئ من الكبر والله أعلم. تتمة: قال في الإحياء في القسم الثالث(٣): يستحب أن يلتقط فتات الطعام قال عَ لَلام ((من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده)) رواه (١) أخرجه البخارى (٥٤٥٦)، ومسلم (١٢٩ و١٣٠ - ٢٠٣١)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه (٣٢٦٩). (٢) آداب الأكل (ص٣٨-٣٩) للأقفهسى. (٣) إحياء علوم الدين (٣٧٢/٢) ٤٤٧ كتاب الطعام وغيره أبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر بلفظ: ((أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق)) وله من حديث الحجاج بن علاط: ((اعطي سعة ورقي الحمق في ولده وولد ولده))، والتقاط الفتات مهر الحور العين، وليشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾(١) ومهما أكل حلالا قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك، ويقرأ بعد الطعام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿لإِيلَفِ قُرَيْشٍ﴾، ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولاً، فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين، وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء [بدموعه] ندمه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله وَّة: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به)) رواه البيهقي في الشعب من حديث كعب بن عجرة بلفظ: ((سحت)) وهو عند الترمذي وحسنه قاله في الديباجة. خاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (٢): أربع خصال في الطعام فريضة وأربع سنة وأربع أدب واثنان دواء واثنان مكروه، فأما الأربع (١) سورة البقرة، الآية: ١٧٢. (٢) بستان العارفين (٤١٨/١). ٤٤٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب التي هي فريضة، فالأولى: أن لا يأكل إلا من الحلال، الثانية: أن يعلم أنه من الله، الثالثة: أن يكون راضيا به، الرابعة: ان لا يعصي الله تعالى ما دام قوة الطعام فيه، وأما الأربع التي هي سنة، الأولى: أن يسمي الله تعالى في الابتداء، الثانية: ان يحمده في الانتهاء، الثالثة: أن يغسل يده قبل الأكل وبعده، والرابع يثني رجله اليسرى وينصب اليمنى عند الجلوس للأكل، وأما الأربعة التي هي أدب أولها أن يأكل مما يليه، الثاني: أن يصغر اللقمة، الثالث: أن يمضغ مضغا ناعما، الرابع: أن لا ينظر إلى لقمة غيره، وأما اللذان فيهما دواء أحدهما أن يأكل ما يسقط من المائدة، الثاني أن يلعق القصعة، وأما اللذان هما مکروه ونهي عنهما أن لا يشم الطعام ولا ینفخ فيه فیترکه حتى يبرد، أه. ٤٤٩ كتاب الطعام وغيره [الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل] ٣٢٧٠ - عَنِ معَاذ بن أنس ◌َّهُ أَن رَسُول الله ◌ََّ قَالَ من أكل طَعَاما ثمَّ قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمِنِ هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَّا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِیث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظِ رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحِيم أبي مَرْحُوم عَن سهل بن معَاذُ وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن معاذ بن أنس نََّه تقدم. قوله وَّه: ((من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه)) المراد بذلك دون الكبائر، فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله سبحانه وتعالى، وتقدم له نظائر في الصلاة، وفي الوضوء والله أعلم. وتقدم في باب من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه (١) أخرجه أحمد ٤٣٩/٣ (١٥٨٧٢)، ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٧، والبخاري في التاريخ الكبير ٣٦٠/٧-٣٦١، وابن ماجه (٣٢٨٥)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذى (٣٤٥٨)، وأبو يعلى (١٤٨٨) و(١٤٩٨)، والطبراني في الكبير ١٨١/٢٠ (٣٨٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (٤٦٧)، والحاكم في المستدرك (٥٠٧/١) و(١٩٢/٤-١٩٣). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب وأبو مرحوم اسمه: عبد الرحيم بن ميمون. وصححه الحاكم وقال الذهبى: أبو مرحوم ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤٢) و(٢١٦٤). ٤٥٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو كذلك في كتاب سلاح [١٦٠/ أ] المؤمن (١) أيضًا أتى في لفظ: ((وما تأخر)) في اللبس، ولم يأت في الأكل، وكأنه والله أعلم لدوام نفع اللبس بخلاف الطعام فإنه سريع الاستخلاف لكن ظاهر هذا الحديث أنه كلما لبس ثوبا قاله سواء كان الثوب جديدا أو معتاد اللبس، وهذا فيه بشرى عظيمة لقائل ذلك، أ.هـ قاله في الديباجة. ٣٢٧١ - وَعَن أنس بن مالك رَوَ أَن رَسُول الله وَّلِ قَالَ إِن الله ليرضى عَن العَبْدِ أَن يَأْكُل الأكلة فيحمده عَلَيْهَا وَيَشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه الأكلَة بِفَتْحِ الْهِمِزَة الْمرة الْوَاحِدَة من الأكل وَقیل بِضَمِ الْهِمِزَة وَهِي اللُّغْمَةِ(٢). قوله: وعن أنس بن مالك زَّوَّهُ تقدم. قوله وَليلة: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها)) قال الحافظ: الأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وقيل: بضم الهمزة وهي اللقمة، أ.هـ، وقال غيره هي الغدوة أو العشي، ويحتمل هنا الوجهان الفتح الضم ورجح بعضهم هنا الفتح وقال (١) سلاح المؤمن (ص ٣٩٧ رقم ٧٢٩). (٢) أخرجه مسلم (٨٩ - ٢٧٣٤)، والترمذى (١٨١٦) والنسائي في الكبرى (٦٨٧٢). وقال الترمذى: هذا حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن زكريا بن أبي زائدة نحوه، ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٥)، الصحيحة (١٦٥١). ٤٥١ كتاب الطعام وغيره عياض(١): بعد حكاية الوجهين الضم اللقمة وبالفتح الأكل [والأوجه] هنا الضم، قال أبو عبيد: والأكلة بال[ضم] وبالكسر [الغيبة] والأكلة بالهمز وبالكسر الهيئة، أ.هـ، يقال: إنه [أكل] أكلة وإكلة، قال العلماء: من السنة أن يحمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام ولا يرفع صوته بالجهر إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل فيشرع ذكر الله تعالى على الأكل والشرب في الطعام فإن المشروع في الأكمل والشرب أن يسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره لهذا الحديث المذكور وهو حدیث انس، وقد روی أن من سمى الله على أول طعامه وحمد الله على آخره فقد أدى ثمنه ولم يسأل بعد عن شكره ذكره ابن رجب (٢). تنبيه: فإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا عل ذلك، كما إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه عبادة، قال أبو العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه، قال: فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي ذكره ابن رجب أيضاً(٣). ٣٢٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َالْتَّا قَالَ خرج أَبُو بكر بالهاجرة إِلَى الْمَسْجِد فَسمع عمر فَقَالَ يَا أَبًا بكر مَا أخرجك هَذِهِ السَّاعَة قَالَ مَا أخرجني إِلَّ مَا أجد من (١) مشارق الأنوار (٣٠/١). (٢) لطائف المعارف (ص٢٨٩ -٢٩٠). (٣) لطائف المعارف (ص ١٥٧). ٤٥٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب حاق الْجُوعِ قَالَ وَأَنَا وَالله مَا أخرجني غَيرِه فَبَيْنَمَا هما كَذَلِك إِذْ خرجٍ عَلَيْهِمَا رَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ مَا أخرجكما هَذِه السَّاعَة قَالًا وَالله مَا أخرجنَا إِلَّ مَا نجده فِي بطوننا من حاق الْجُوعِ قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أخرجني غَيرِه فقوما فَانْطَلِقُوا حَتَّى أَتَوا بَاب أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ وَكَانَ أَبُو أَيُّوب يدّخر لَرَسُول الله وَ طَعَامَا كَانَ أَو لَبَنَّا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ يَوْمِئِذٍ فَلم يَأْتِ لحينه فأطعمه لأهله وَانْطَلَق إِلَى نخله يعْمل فِيهِ فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْبَابِ خرجت امْرَأَتَه فَقَالَت مَرْحَبًا بِنَبِي الله وَُّ وبمن مَعَه قَالَ لَهَا نَبِي الله وَلِّ أَيْنِ أَبُو أَيُّوب فَسَمعَهُ وَهُوَ يعْملِ فِي نخل لَهُ فجَاء يَشْتَدَ فَقَالَ مَرْحَبًا بِنَبِي الله وَّهُ وبمن مَعَه يَا نَبِي الله لَيْسَ بالحين الّذِي كنت تَجِيء فِيهِ فَقَالَ بِّهِ صدقت قَالَ فَانْطَلق فَقطع عذقا من النّخلِ فِيهِ من كل من التَّمْر وَالرّطب والبسر فَقَالَ وَِّ مَا أردْت إِلَى هَذَا أَلا جنيت لنا من تمره قَالَ يَا رَسُول الله أَحْبَيْت أَن تَأْكُل من تمره ورطبه وبسره ولأذبحن لَك مَعَ هَذَا قَالَ إِن ذبحت فَلَا تذبحن ذَات در فَأخذ عنَاقًا أَو جديا فذبحه وَقَالَ لامْرَأَته اخبزي واعجني لنا وَأَنت أعلم بالخبز فَأخذ نصف الجدي فطبخه وشوى نصفه فَلَمَّا أدْرك الطَّعَام وَوضِعِ بَيْن يَدِي النَّبِي ◌ِِّ وَأَصْحَابه أَخذ من الجدي فَجعله فِي رغيف وَقَالَ يَا أَبَّ أَيُّوب أبلغ بِهَذَا فَاطِمَة فَإِنَّهَا لم تصب مثل هَذَا مُنْذُ أَيَّام فَذهب أَبُو أَيُّوب إِلَى فَاطِمَة فَلَمَّا أكلُوا وشبعوا قَالَ النَّبِي وَطِّ خبز وَلحم وتمر وَبسر وَرطب ودمعت عَيْناهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِن هَذَا هُوَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْأَلُون عَنْهُ يَوْمِ الْقِيَامَة فَكبر ذَلِك على أَصْحَابِه فَقَالَ بل إِذا أصبْتُم مثل هَذَا فضربتم بِأَيْدِيكُمْ فَقولُوا بِسم الله فَإِذا شبعتم فَقولُوا الْحَمد لله الَّذِي أشبعنا وأنعم علينا فأفضل فَإِن هَذَا كفاف بِهَذَا فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ لأَبِي أَيُّوب ائتنا غَدا وَكَانَ لَا يَأْتِي أحد إِلَيْهِ مَعْرُوفا إِلَّا أحب أن ٤٥٣ كتاب الطعام وغيره يجازيه قَالَ وَإِن أَبًا أَيُّوب لم يسمع ذَلِك فَقَالَ عمر رََّهَ إِنَ النَِّي ◌َِّ يَأْمُرك أَنْ تَأْتِيه ◌َدَا فَأَتَاهُ من الْغَدِ فَأَعْطَاهُ وليدته فَقَالَ يَا أَبَا أَيُّوب اسْتَوْصِ بِهَا خيرا فَإِنَّا لم نر إِلَّا خيرا مَا دَامَت عندنَا فَلَمَّا جَاءَ بِهَا أَبُو أَيُّوب من عِنْدِ رَسُول الله ◌ِ لَ قَالَ لَا أجد لَوَصِيَّةٌ رَسُول الله وَّ خِيرا لَهُ من أَنْ أعْتقَهَا فَأَعْتقهَا رَوَاهُ الطَّرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاُهُمَا من رِوَايَة عبد الله بن كيسَان عَنِ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس(١). حاق الْجُوعِ بحاء مُهْملَة وقاف مُشَدّدَة مُوَ شدته و کلبه. قوله: وعن ابن عباس رَ ائِّنَا، تقدم. قوله: خرج أبو بكر بالهاجرة إلى المسجد، الحديث، الهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، قيل: سميت هاجرة من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون فيه وهو استحباب المبادرة بالصلاة أول الوقت قاله النووي في شرح مسلم (٢). قوله: فسمع بذلك عمر رََّ، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع، قال: وأنا والله ما أخرجني (١) أخرجه ابن حبان (٥٢١٦)، والطبراني فيالصغير (١٢٤/١ -١٢٥ رقم ١٨٥) والأوسط (٣٦٥/٢-٣٦٦ رقم ٢٢٤٧) ومن طريقه الضياء في المختارة ١٢١/١٢ - ١٢٤ (١٤٧ و١٤٨ و١٤٩)، والحاكم مختصرا (١٠٧/٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الهيثمى في المجمع ٣١٨/١٠: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن كيسان المروزي، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠٣). (٢) شرح النووي على مسلم (١٤٥/٥). ٤٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب غيره، حاق الجوع: هو شدته وكلبه، قاله الحافظ، وقال في النهاية(١): حاق الجوع أي صادقه وشدته ويروي بالتخفيف من حاق يحيق حيقا وحاقا إذا أحدق يريد من اشتمال الجوع عليه فهو مصدر أقامه مقام الاسم وهو مع التشدید اسم فاعل من حق یحق، أ.هـ. قوله: فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله وَالل فقال: ((ما أخرجكما هذه الساعة؟)) قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من حاق الجوع، معناه: أنهما نَّالّهما لما كانا عليه من مراقبة الله ولزوم طاعته والاشتغال به فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به وهذا من أكمل الطاعات وأكمل أنواع المراقبات، وقد نهي عن الصلاة [١٦٠/ ب] مع مدافعة الأخبثين وبحضرة الطعام تشوق النفس إليه وغير ذلك مما يشغل القلب، ونهي القاضي عن القضاء في حال غضبه وجوعه وهمه وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر، وهذا يدل على شدة حالهم في أول أمرهم وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في [شظف] من العيش عندما قدم عليهم النبي ◌ّ مع المهاجرين وكان المهاجرون فروا بأنفسهم وتركوا أموالهم وديارهم وقدموا فقراء على أهل شدة وحاجة مع أن الأنصار واسوهم ومنحوهم غير أن ذلك ما كان يسد خلاتهم ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم، ومع ذلك فلم يزل (١) النهاية (١ /٤١٥). ٤٥٥ كتاب الطعام وغيره عيشهم شديدا وجهدهم جهيدا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها مقبلين على الآخرة ونعيمها، أ.هـ قاله أبو العباس القرطبي(١). قوله ◌َ: ((وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره)) الحديث فيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضى بل التسلية والتصبر كفعله وَّله ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وجزعا. قوله: ((قوموا)) فقاموا، هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز بلا خلاف لكن الجمهور يقولون إطلاق على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون حقيقة، أمر بالقيام لطلب العيش عند الحاجة. قوله: حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذكره إلى أن قال: فلما انتهوا إلى الباب خرجت امرأته فقالت مرحبا بنبي الله وَل وبمن معه، مرحبا: كلمة منونة تقال عند المسرة للقادم والوافد ولمن یجتمع به بعد مغیب، ومعناها: صادفت رحبا أي سعة ومنصوب بفعل لا يظهر وقيل هو منصوب بفعل على المصدر، وقال الفراء معناه(٢): رحب الله بك مرحبا كأنه وضع موضع الترحيب، وقال الجوهري(٣): وقولهم مرحبا وأهلا أي أتيت سعة وأتيت (١) المفهم (١٧ /٣٠). (٢) الزاهر في معانى كلمات الناس (٢٣٤/١) (٣) الصحاح (١/ ١٣٤). ٤٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أهلا فاستأنس ولا تستوحش، قرئ على الحافظ المنذري من الحواشي. قوله: فقال لها رسول الله وَلي: ((أين أبو أيوب؟)) فسمعه وهو يعمل في نخل له فجاء يشتد، أي: يسعي ويعدو عدوا شديدا والشدة العدو. قوله: فانطلق فقطع عذقا من النخل فيه من كل من التمر والرطب والبسر، الحديث، العذق: هنا بكسر العين وهو الكباسة وهو الغصن من النخل يعني العرجون بما فيه من الشماريخ، وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أظرف وليجمعوا بين أكل هذه الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لاسيما إن غلب ظنه حاجته في الحال إلى الطعام وقد يكون شديدا لحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما ينعه له لاستعجال الانصراف وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهذا محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور [١٦١/ أ] بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه وأنه تكلفه فيتأذي الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله ◌َّر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))(١) لأن آكد الكرامة إراحة خاطره وإظهار السرور، وفي هذا الحديث دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، والله أعلم. (١) أخرجه البخارى (٦٠١٨) و(٦١٣٦) و(٦١٣٨) و(٦٤٧٥)، ومسلم (١٤ و ١٥ و٧٦ - ٤٧) عن أبى هريرة. ٤٥٧ كتاب الطعام وغيره تتمة: قال في الإحياء في آداب الضيافة(١)، من آدابها: ترتيب الأطعمة، فتقدم الفاكهة أولا إن كانت، فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالة، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾﴾(٢) ثم قال: ﴿وَلَحْمٍ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴾﴾(٣)، ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال رَالية ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (4)، فإن جمع إليه شيء من الحلواء بعده فقد جُمعت إليه سائر الطيبات، قال أبو سليمان الداراني رَّهُ: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل، قال المأمون: شرب الماء بالثلج يخلص الشكر لله تعالى، قاله في الديباجة. قوله: ولأذبحن لك مع هذا قال: ((إن ذبحت فلا تذبحن ذات در)) أي: ذات لبن وهي الحلوب، والحلوب: الشاة ذات اللبن التي تحلب لبنا كثيراً، وإنما نهاه عن ذبحها لأن في ذبحها تضييعا للبنها مع أن غير ذات الذر تنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود والله أعلم، يقال: ناقة وشاة حلوب فإذا (١) إحياء علوم الدين (١٦/٢). (٢) سورة الواقعة، الآية: ٢٠. (٣) سورة الواقعة ، الآية: ٢١. (٤) أخرجه البخارى (٣٤١١) و(٣٤٣٣) و(٣٧٦٩) و(٥٤١٨)، ومسلم (٧٠ - ٢٤٣١) عن أبى موسى. والبخارى (٣٧٧٠) و(٥٤١٩) و(٥٤٢٨)، ومسلم (٨٩ - ٢٤٤٦) عن أنس. ٤٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أفردته عن الموصوف قلت حلوبة، وقد أضمر الموصوف في الحديث وهو قوله ((إياك والحلوب))(١) في الحديث الآخر فلهذا حذف الهاء، وقيل: الحلوب الاسم والحلوبة الصفة، وقيل: إن الحلوب الواحدة والحلوبة الجماعة يقال جاءوا بحلوبتهم وركوبتهم، أ.هـ قاله صاحب المغيث(٢). قوله: فأخذ عناقا أو جذعا فذبحه، العناق: بفتح العين وهي الأنثى من أولاد المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنق وعنوق. قوله: فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي ◌َّ: (( خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه)) الحديث، ففي هذا الحديث دليل على جواز الشبع من الحلال، وما جاء من النهي عن الشبع عن النبي وَّ وعن السلف إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة المبطئ بصاحبه عن الصلوات والأذكار والمضر بالإنسان بالتخم وغيرها الذي يفضي بصاحبه إلى البطر والأشر والنوم والكسل فهذا هو المكروه، وقد يلحق بالمحرم إذا كثرت آفاته وعمت بلیاته، والقسطاس المستقيم ما قاله عليه الصلاة والسلام ((وإن كان لابد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس))(٣) والله تعالى أعلم. (١) أخرجه مسلم (١٤٠ - ٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٠) و(٣١٨١)، والترمذى (٢٣٦٩ و ٢٣٧٠) عن أبى هريرة. (٢) المجموع المغيث (١/ ٤٨٣). (٣) أخرجه الترمذى (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (٦٧٣٩)، وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦) عن المقدام بن معدی کرب. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح لغيره - ((الإرواء)) (١٩٨٣)، ((الصحيحة)) (٢٢٦٥). ٤٥٩ كتاب الطعام وغيره قوله: ((والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة)) أي تحاسبون يوم القيامة على ما أكلتم وشربتم فالنعيم هو المعبر بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ اٌلَّعِيمِ ﴾﴾(١) فأخبر الله تعالى أن الناس مسئولون عن نعيمهم في الدنيا فالنعيم كل ما يتنعم به أي يستطاب ويستلذ، وقال الزمخشري (٢): [١٦١/ ب] فإن قيل ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاقب عليه فما من أحد إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عاب نفسه على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يغنم بالعلم والعمل ولا يحمل نفسه مشاقها وأما من يمتع بنعيم الله تعالى وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده ويقوي بها على دراية العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل وإليه أشار رسول الله وَّة بقوله فيما يروي أنه أكل وأصحابه تمرا وشربوا عليه ماء فقال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين)) فسؤالهم عن نعيم هذا اليوم، أي: سؤال (عرض لا سؤال) مناقشة وسؤال [إظهار] الفضل والمنن لا سؤالهم سؤالا يقتضي المعاتبة والمحن وإنما قال ◌َّة هذا استخراجا للشكر على النعيم وتعليما لذلك(٣)، أ.هـ. قال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره، قال النووي: (١) سورة التكاثر، الآية: ٨. (٢) تفسير الزمخشرى (٤ / ٧٩٣). (٣) المفهم (١٧ / ٢١). ٤٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، ذكره في شرح مسلم (١). قوله: فکبر ذلك على أصحابه، أي: عظم عندهم موقعه. قوله: فأتاه من الغد فأعطاه وليدته، فالأنثى وليدة، والجمع ولائد، وقد تطلق الوليد على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة، ومنه الحديث: ((تصدقت على أمي بوليدة))(٢) يعني جارية (صغيرة، والولائد: الوصائف وفيه فوائد] جمة، تقدم ذكرها، وفيه بيان ما كان عليه ◌َّي هو وأصحابه من التقلل من الدنيا وإيثار ضيق العيش، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الزهد في الدنيا إن شاء الله تعالى. ٣٢٧٣ - وَرُوِيَ عَن حَمَّد بن أبي سُلَيْمَان قَالَ تعشيت مَعَ أبي بردة رَّهُ فَقَالَ أَلَا أَحَدثك مَا حَدثْنِي بِهِ أَبُو عبد الله بن قيس رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ من أكل فشبعٍ وَشرب فَروِيَ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمني وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذُنُوبِه كَيَوْمٍ وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو يعلى قَالَ الْحَافِظِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة من قَول النَِّي وَّ لَيست من شَرط كتَابنَا لم نذكرها(٣). (١) شرح النووي على مسلم (٢١٤/١٣). (٢) أخرجه مسلم (١٥٨ و١٥٩ - ١١٤٩)، وأبو داود (١٦٥٦) و(٢٨٧٧) و(٣٣٠٩) واللفظ له، وابن ماجه (١٧٥٩) و(٢٣٩٤)، والترمذى (٦٦٧) و(٩٢٩) عن بريدة. (٣) أخرجه أبو يعلى (٧٢٤٦)، ومن طريقه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٧٣). وقال الهيثمى في المجمع ٢٦/٥: رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١١٤١) وضعيف الترغيب (١٣٠٤).