النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب النكاح
الجنة في أواخر الكتاب.
قوله: ((في غير كنهه)) أي من غير أن تبلغ من الأذى إلى الغاية التي تعذر في
سؤال الطلاق معها.
تنبيه: واشتقاق الخلع من الخلع وهو نزع الثوب لأن كل واحد من
الزوجين لباس الآخر قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسُ
لَّهُنَّ﴾(١) والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
اُللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اُفْتَدَتْ بِهُ﴾ (٢) ولذلك سمي الخلع افتداء،
واختلف الناس في عدة المختلعة، فقال الإمام أحمد بن حنبل وابن اللبان
الفرضي من أصحابنا: إن عدتها حيضة لظاهر حديث زوجة ثابت بن قيس
والذي ذهب إليه الشافعي ومالك وأبو حنيفة وغيرهم أن عدتها كعدة
المطلقة والأصح أن الخلع مكروه لأن فيه قطع النكاح الذي مطلب الشرع
دوامه إلا في حالين، أحدهما: أن يخافا أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، الثاني:
أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء لابد له منه فيخالع ثم يفعل
المحلوف عليه لأنه وسيلة إلى التخلص من وقع الثلاث والخلع أن يطلق
زوجته على عوض تبذله له وفائدته إبطال الرجعة إلا بعقد جديد وفيه عند
الشافعي خلاف هل هو فسخ أو طلاق وقد يسمى الخلع طلاقا ومنه حديث
عمران امرأة نشزت على زوجها فقال له: اخلعها أي طلقها واتركها.
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٩.

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٠٧٣- وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌ََّا عَنِ النَّبِيِ وَ قَالَ أَبْغض الْحَلَال إِلَى الله
الطَّلَاقِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيرهُ (١) قَالَ الْخطابِيّ وَالْمَشْهُور فِيهِ عَن محَارب بن
دثار عَنِ النَّبِيِ وَِّ مُرْسل لم يذكر فِيهِ ابْن عمر والله أعلم.
قوله: وعن ابن عمر رقاڅھا، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله ◌َّية: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) قال الخطابى(٢): معنى الكراهة
ينصرف إلى السبب الجالب للطلاق وهو سوء المعاشرة وقلة الموافقة لا
إلى نفس الطلاق فقد أباح الله تعالى الطلاق وثبت عن رسول الله وقليل أنه
طلق بعض نسائه ثم راجعها، وكان لابن عمر امرأة يحبها وكان عمر يكره
صحبته إياها فشكاه إلى رسول الله وَ خلال فدعا به فقال: ((يا عبد الله، طلق
امرأتك)) فطلقها، وهو لا يأمر وَله بأمر يكرهه الله تعالى ذكره المنذري على
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٨)، وأبو داود (٢١٧٨) والطرسوسي في مسند ابن عمر (١٤
و١٥)، والطبراني في الكبير ١٢٩/١٣ رقم ١٣٨١٣)، والحاكم في المستدرك (١٩٦/٢).
وصححه الحاكم ووافقه الذهبى.
وقال أبو حاتم في العلل (١٢٩٧): إنما هو محارب، عن النبي وَّل مرسل. وقال الدار قطنى
في العلل (٣١٢٣): يرويه عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب كذلك. ورواه معرف
بن واصل، واختلف عنه.
فرواه محمد بن خالد الوهبي، عن معرف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر.
ورواه أبو نعيم، عن معرف، عن محارب مرسلا، عن النبي ◌َّ. والمرسل أشبه.
وكذلك قال الخطابى في معالم السنن (٢٣١/٣). وقال الألباني: ضعيف، الإرواء
(٢٠٤٠)، وضعيف الترغيب (١٢٣٨).
(٢) معالم السنن (٢٣١/٣).

٨٣
كتاب النكاح
حواشي مختصر أبي داود(١)، وفي الحديث دليل على أنه لا إثم في الطلاق
بغير سبب لكن يكره وسبب هذا كله معصية الله ورسوله وطاعة الشيطان في
إيقاع الطلاق على غير الوجه الذي شرعه الله والله سبحانه وتعالى يبغض
الطلاق في الأصل، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي موسى قال رسول الله
وَاللّ:«ما بال قوم يلعبون بحدود الله تعالى يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، قد
طلقتك)) (٢) وروي الطبراني من حديث أبي موسى عن رسول الله وَل أنه قال:
((لا تطلقوا النساء)) (٣) [١٠٩ / أ] إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين
والذواقات، يعني السريعي النكاح والطلاق، وفي الدار قطني عن معاذ قال:
قال لي رسول الله وَله: ((يا معاذ ما خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض
أحب إلى من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من
الطلاق)) (٤) فإذا قال الرجل للملوكه أنت حر إن شاء الله تعالى فهو حر ولا
(١) مختصر سنن أبى داود (٣/ ٩٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٧)، والبزار (٣١١٧)، والرويانى (٤٥٢)، وابن حبان (٤٢٦٥).
قال البوصيرى فى الزجاجة ١٢٣/٢-١٢٤: هذا إسناد حسن من أجل مؤملبن إسماعيل
أبو عبد الرحمن رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن زهير عن أبي إسحاق فذكره
بإسناده ومتنه إسناده حسن. وضعفه الألبانى فى الضعيفة (٤٤٣١).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٤/٨ رقم ٧٨٤٨) ومسند الشاميين (٢٦٧/٣-٢٦٨ رقم
٢٢٣٠). قال أبو حاتم في العلل (١٢٨٤): عبادة عن أبي موسى لا يجيء. وضعفه الألبانى
في ضعيف الجامع (٦٢٤٤).
(٤) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٦٩١)، وابن عدى في الكامل
(٢/ ٦٩٤ و ٦٩٥) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥٩٢/٧ رقم ١٥١٢٠)، والكلاباذى

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
استثناء له، فإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى فله استثناؤه
ولا طلاق علیه.
قوله: قال الخطابي: والمشهور فيه عن محارب بن دثار عن النبي
صلىالله
وَسِلم
مرسل لم يذكر فيه ابن عمر،أ.هـ، وفي لفظ لأبي داود: ((ما أحل الله شيئا
أبغض إليه من الطلاق)) وأما حديث محارب بن دثار الذي ذكره الخطابي
ففيه قصة ذكرها البيهقي في سننه، قال محارب: تزوج رجل على عهد رسول
الله وَ ل امرأة فطلقها فقال له النبي وَله: ((أتزوجت)) قال: نعم، قال: ((ثم ماذا؟))
قال: ثم طلقت، قال: ((أمن ريبة؟)) قال: لا، قال: ((قد يفعل ذلك الرجل)) قال:
ثم تزوج امرأة أخرى فطلقها، فقال له النبي وَّ مثل ذلك، ثم تزوج امرأة
أخرى، فقال له النبي وَّ: «إنه ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من
الطلاق)»(١) وفي الحديث أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك
لرسول الله وَ له فتغيظ فيه رسول الله وَ له ثم أمره فليراجعها ثم يمسكها حتى
=
في بحر الفوائد (ص ٣٤١)، والدارقطنى في السنن (٣٩٨٤ و٣٩٨٥) عن معاذ. قال
الذهبى في تنقيح التحقيق (٢١٠/٢): هذا لم يثبت مع نكارته وانقطاعه، وضعف حميد.
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٦١): وقد قيل عن حميد، عن مكحول، عن خالد بن
معدان، عن معاذ، وقيل عنه، عن مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ، وليس
بمحفوظ. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٩٤).
(١) أخرجه البيهقى في الصغير (١١١/٣- ١١٢ رقم ٢٦٥٣) والكبرى (٥٢٧/٧ - ٥٢٨ رقم
١٤٨٩٦) عن محارب بن دثار مرسلا. قال البيهقى: ورواه عبيد الله بن الوليد الوصافي عن
محارب عن ابن عمر موصولا مختصرا.

٨٥
كتاب النكاح
تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، قال
الخطابي: وفي قوله ((فليراجعها)) دليل على أن الرجعة لا تفتقر إلى رضى
المرأة ولا وليها ولا تجديد عقد،أ.هـ وقد أجمعت الأمة على تحريم طلاق
الحائض الحائل بغير رضاها فلو طلقها أثم ووقع طلاقه.
فقوله: ((إن شاء طلق وإن شاء أمسك)) فيه دليل على أنه لا إثم في الطلاق
بغیر سبب لکن یکره کما تقدم فیکون حديث ابن عمر لبيان أنه ليس بحرام
وهذا البيان كراهة التنزيه.
فائدة: قال أصحاب الشافعي: الطلاق على أربعة أقسام حرام ومكروه
وواجب ومندوب، ولا يكون مباحا مستوى الطرفين، فأما الحرام ففي ثلاث
صور، إحداها: في الحيض بلا عوض منها ولا سؤالها، والثاني: في طهر
جامعها قبل بيان الحمل، والثالث: إذا كان عنده زوجات فقسم لهن فطلق
واحدة قبل أن يوفيها قسمها، وأما المكروه فهو أن يكون الحال بينهما
مستقيما فيطلق بلا سبب وعليه يحمل حديث: ((أبغض الحلال إلى الله
الطلاق)) وفي بعض الطرق ((المباح إلى الله تعالى))؛ وأما الواجب، ففي
صورتين: في الحكمين إذا بعثهما القاضي عند الشقاق بين الزوجين ورأيا
المصلحة في الطلاق ووجب عليهما الطلاق، وفي المولى إذا مضت عليه
أربعة أشهر وطالبت المرأة بحقها فامتنع من الفيئة والطلاق فالأصح عندنا
أنه يجب على القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعية؛ وأما المندوب، هو أن لا
تكون المرأة عفيفة أو يخافا أو أحدهما أن لا يقيما حدود الله أو نحو ذلك،

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وصور ابن الرفعة وغيره المباح إذا عجز عن القيام بمؤنة النكاح مع استغنائه
عن النكاح.
تنبيه: جمع الطلقات (١٠٩/ ب) الثلاث دفعة واحدة، فلیس بحرام عندنا
لكن الأولى تفريقها لاحتمال ندمه أو ندمها فيمكن الرجعة وبه قال الإمام
أحمد وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة.

٨٧
كتاب النكاح
[ترهيب المرأة أن تخرج من بيتها متعطرة متزينة]
٣٠٧٤ - عَن أبي مُوسَى رَهُ عَنِ النَّبِيِنَّهِ قَالَ كل عين زَانِيَة وَالْمَرْأَةَ إِذا
استعطرت فمرت بِالْمَجْلِسِ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيّ
وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي
صحيحيهم وَلَفْظِهِمْ قَالَ النَّبِ رَِّ أَيَّمَا امْرَأَةً استعطرت فمرت على قوم
ليجدوا رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَة وكل عين زَانِيَة رَوَاهُ الْحَاكِمِ أَيْضا وَقَالَ صَحِيح
الإِسْنَادُ(١).
قوله: عن أبي موسى نظمته تقدم الكلام عليه.
قوله وَيعلى: ((كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس كذا
وكذا يعني زانية))، استعطرت أي استعملت العطر وهو الطيب. اللوحة
[١١٠/ أ](٢)
يعني إذا استعطرت المرأة فمرت بمجلس أو مسجد فقد هيجت الشهوة
بعطرها وحملت الرجال على النظر إليها فكل من نظر إليها فقد زنا بعينه
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٠٠(١٩٨٨٧) و٤١٣/٤(٢٠٠٢٥) و ٤ /٤١٨ (٢٠٠٦١)، وعبد بن حميد
(٥٥٧)، وأبو داود (٤١٧٣)، والترمذى (٢٧٨٦)، والبزار (٣٠٣٣)، والنسائى في المجتبى
٨/ ٨٤ (٥١٧٠) والكبرى (٩٣٦١)، وابن خزيمة (١٦٨١)، وابن حبان (٤٤٢٤)، والحاكم
(٥٠/١). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وحسنه الألباني في المشكاة (١٠٦٥) وصحيح الترغيب (٢٠١٩).
(٢) اللوحة ١١١ تكرار للوحة ١١٠.

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والمراد بالزنا هنا الزنا المجازي لا الحقيقي، وأما قوله ((فهي كذا وكذا،
يعني: زانية)) ومعناه: أنها بمنزلة الزانية في الإثم وأما إذا لم تقصد ذلك فلا
تسلم من الإثم كيف لا وقد قال النبي وَالحلو (ليخرجن وهن تفلات)) أي: غير
متطيبات وكل ذلك في شرعنا وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل أولا؟ كل
ذلك محتمل والله تعالى أعلم.
٣٠٧٥ - وَعَن مُوسَى بن يسَارِ رَوَّهُ قَالَ مرت بِأبي هُرَيْرَة امْرَأَةً وريحها
تعصف فَقَالَ لَهَا أَيْنِ تريدين يَا أمة الْجَبَّار قَالَت إِلَى الْمَسْجِد قَالَ وتطيبت
قَالَت نعم قَالَ فارجعي فاغتسلي فَإِّي سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول لا يقبل الله
من امْرَأَةٌ صَلَاة خرجت إِلَى الْمَسْجِد وريحها تعصف حَتَّى ترجع فتغتسل
رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه(١).
قَالَ بَابِ إِيجَاب الْغسْل على المطيبة لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد وَنفى قُبُول
صلاتهَا إِن صلت قبل أَن تَغْتَسِل إِن صَحَّ الْخَبَرَ قَالَ الْحَافِظِ إِسْنَاده مُتَّصِل
وَرُوَاته ثِقَاتٍ وَعَمْرو بن هَاشم الْبَيْرُوِي ثِقَة وَفِيه كَلَام لَا يضر وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(١) أخرجه أبو شعيب الحرابى في فوائده (٢٦)، وأبو يعلى (٦٣٨٥)، وابن خزيمة (١٦٨٢)،
والسراج (٨١٧)، والبيهقي في الكبرى ١٩١/٣ رقم ٥٣٧٥) و(٣٤٨/٣-٣٤٩ رقم
٥٩٧٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٢٠).
وأخرجه الحميدى (١٠٠١)، وأحمد ٢٤٦/٢ (٧٤٧٣) و٤٦١/٢ (١٠٠٧٥)، وعبد بن
حميد (١٤٦١)، وابن ماجه (٤٠٠٢)، وأبو داود (٤١٧٤)، وأبو يعلى (٦٤٧٩)، وابن
حبان في المجروحين (١٢٨/٢) من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبيد يعني مولى أبي
رهم عن أبى هريرة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٣١).

٨٩
كتاب النكاح
وَابْن مَاجَه من طَرِيقٍ عَاصِم بن عبيد الله الْعمريّ وَقد مَشاهُ بَعضهم وَلَا يخْتَجِ
بِهِ وَإِنَّمَا أمرت بِالْغسْلِ لذهاب رائحتها وَالله أعلم.
قوله: وعن موسى بن يسار رُُّ [المدني مولى قيس بن مخرمة، سمع: أبا
هريرة.
وعنه: ابن أخيه محمد بن إسحاق، وداود بن قيس، وعبد الرحمن ابن
الغسیل، وثقه ابن معین].
قوله: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة
الجبار، قالت إلى المسجد، قال: وتطيبت، قالت: نعم، قال ابن الأثير في
النهاية(١): اسم الله تعالى الجبار معناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر
ونهي، وقيل هو العالي فوق خلقه، وفعال من أبنية المبالغة، ومنه قولهم:
نخلة جبارة، وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول، وأما قوله: ((يا أمة الجبار))
إنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء الله تعالى؛ لاختصاص الحال التي
كانت عليها من إظهار العطر، والبخور، والتباهي به، والتبختر في المشي. أ.هـ
روى أن النبي وَّ وعظ امرأة فلم ترعو إلى عظته، فقال: ((دعوها فإنها
جبارة»(٢) أراد أنها تتكبر عن قبول الحق، وكذلك كل عات من الملوك لا
(١) النهاية (٢٣٥/١).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في التواضع (١٩٧) والبزار (٦٨٨١) وأبو يعلى (٣٢٧٦) والطبرانى
في الأوسط (١٢٢/٨ رقم ٨١٦٠) عن أنس. قال البزار: سهيل بن أبي حزم لا يتابع
حديثه. قال الهيثمى في المجمع ٩٩/١: رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى، وفیه یحیی
الحماني، ضعفه أحمد ورماه بالكذب. ورواه البزار وضعفه براو آخر.
=

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يتواضع للحق جبار، يروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما في
المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
فمزق المصحف وأنشأ يقول:
١٥
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ماجئت ربك يوم حشر فقل يارب مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره وبقيته على
سور بلده وكان قتله يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ست
وعشرين ومائة وكانت ولايته سنة وشهرين وقيل: وثلاثة أشهر وكان شرابا
للخمر ماجنا فاسقًا لا [يطأ] زعم أخوه سليمان أنه راوده عن نفسه فقاموا
عليه بذلك مع ابن عمه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص لكونه نقص الجند
عطياتهم وبويع بعده يزيد الناقص فمات في ذي الحجة من هذه السنة أيضا
عن ست وثلاثين سنة، ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس قدمه وذكر إلحاده
=
وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٣١٥) واليوم والليلة (٥٥٧) وابن عساكر في تاريخ
دمشق (١٠ / ٥٠٩) من طريق الطبرانى عن أبى موسى. وقال الهيثمى في المجمع ٩٩/١:
رواه الطبراني في الكبير، وفيه بلال بن أبي بردة. وأخرجه الطبراني في الأوسط (١١٩/٦
رقم ٥٩٧٨) عن أبى حرب أو أبى الطفيل. وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي الطفيل
إلا بهذا الإسناد، تفرد به ديلم بن غزوان. وقال الهيثمى في المجمع ٩٩/١: قلت: ذكر هذا
في ترجمة أبي الطفيل، والذي قبله في ترجمة أبي موسى، فلا أدري أحاله على أي شيء.
والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦١٠١).
(١) سورة إبراهيم، الآية: ١٥.

٩١
كتاب النكاح
وأنه قتله لفعله الخبيث، أ.هـ. قاله في الديباجة، وسيأتي ذكره أيضا في الطيرة.
قوله: ((فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله وَلل يقول ((لا يقبل الله من
امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل)) قال
المحدثون: وفي بعض طرق الحديث كاغتسالها من الجنابة فارجعي فرأيتها
مولية وقال ابن خزيمة في صحيحه: باب إيجاب الغسل على الطيبة للخروج
إلى المسجد ونفي قبول صلاتها إن صلت قبل أن تغتسل إن صح الخبر، قال
الحافظ وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها فصلاة المرأة مع تطييبها
مكروهة [وتقييده تطيبها بالمسجد] مبالغة في المنع عن ذهابهن إلى المساجد
[مظنة أن ذلك] يهيج الرغبات [ويفتح باب عيون] الناس [وإلا] فبعض
العيون قد عصمها الله تعالى وقد فهم ابن خزيمة من هذا الحديث وجوب
الغسل عليها ونفي قبول صلاتها إن لم تفعل وفي هذا نظر لأنه إن أراد
(١١٠/ ب) بنفي القبول عدم الرضى بصلاتها، وهي في هذا الحال فهو متجه
كما في قوله منطقة: ((من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ومن أتى
كاهنا فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما)) وإن أراد عدم سقوط الصلاة من
ذمتها فذلك بعيد أ.هـ والله أعلم.
تنبيه: قال الحافظ: إسناده متصل فالسند المتصل هو الذي لم يحذف من
إسناده شيء وهو الذي اتصل إسناده فکان کل واحد من رواته قد سمعه ممن
فوقه حتى انتهى إلى منتهاه ويقع على المرفوع والموقوف مثال المتصل
المرفوع مالك ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ◌َّ ومثال

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المتصل الموقوف مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر، قوله انتهى ذكره في
(١)
التنقيح (١).
قوله: عمرو بن هاشم البيروتي ثقة وفيه كلام لا يضر [صاحب الأوزاعي،
قال ابن واره: ليس بذاك، كتب عن الأوزاعي صغيرا وقال ابن عدي: ليس به
بأس].
قوله: ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله العمري
[مشاه بعضهم، وصحح له الترمذي والحاكم، ولا يضر في المتابعات].
٣٠٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَيَّمَا امْرَأَةَ أَصَابَت
بخورا فَلَا تشهدن مَعنا الْعَشَاء قَالَ ابن نفيل الْآخِرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
وَقَالَ لا أعلم أحدا تَابِعِ يزِيد بن خصيفَة عَن بسر بن سعيد على قَوْله عَن أبي
هُرَيْرَة وَقد خَالفه يَعْقُوب بن عبد الله بن الْأَشَجِ رَوَاهُ عَنْ زَيْنَب الثقفية ثمَّ سَاق
حَدِيث بشر عَن زَيْنَب من طرق بِهِ (٢).
(١) كشف المناهج والتناقيح (٥٦/١).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٣ -٤٤٤)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي ٨٦/٨ (٥١٧٢)
و١٨٨/٨ (٥٣٠٧). قال النسائى: لا أعلم أحدا تابع يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد
على قوله، عن أبي هريرة، وقد خالفه يعقوب بن عبدالله بن الأشج، رواه عن زينب الثقفية.
وقَالَ ابْن عَبْد البِرِّ فى التمهيد (٢٤/ ١٧٢): ((وهو عندي خطأ، وليس في الإسناد من يتهم
بالخطأ فيه إلا أبو عَلْقَمَة الفروي؛ فإنه كَثِير الخطأ جداً، والحديث إنما هو لبُسْر بن سَعِيد
عن زَيْنَبِ الثَّقَفِيّة)). وقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فى العلل (١٦٥٣): ((والقول قول من أسنده عن
زَيْنَب)). وصححه الألبانى فى الصحيحة (٣٦٠٥) وصحيح الترغيب (٢٠٢١).

٩٣
كتاب النكاح
قوله: وعن أبي هريرة نَظَل ◌َّه تقدم الكلام عليه.
قوله وَاجله: ((أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء)) قال ابن
نفيل: الآخرة قاله النووي (١): البخور بفتح الباء الموحدة وفتح الخاء وهو ما
يتبخر به من عود أولبان أو غيرهما، قال الجوهري: البخور كالعطور
والسحور والوضوء قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد(٢): يلتحق بالطيب
ما في معناه فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال
وشهوتهم قال: وقد ألحق به حسن الملابس ولبس الحلي الذي يظهر أثره في
الزينة وحمل عليه بعضهم قول عائشة في الصحيحين لو أدرك رسول الله وَاه
ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل يعني
من الزينة والتطيب وحسن الثياب وتجملها وبخور ونحو ذلك، وفي هذا
الحديث حجة على أنه يحرم على المرأة التطيب للخروج إلى المسجد والله
أعلم، وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز قول الإنسان العشاء الآخرة،
وأما ما نقل عن الأصمعي أنه قال من المحال قول العامة العشاء الآخرة لأنه
ليس لنا إلا عشاء واحدة فلا توصف بالآخرة فهذا القول غلط لهذا الحديث
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة
وألفاظهم بها مشهورة في هذه الأبواب والله أعلم.
وإنما خصها بالذكر لأن وقتها أشد خوفا على النساء بخلاف الصبح فإنها
(١) شرح النووي على مسلم (٤ / ١٦٢).
(٢) إحكام الأحكام (١ / ١٩٧).

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إقبال النهار وقيل: لأنها وقت الوطئ [وخلو الطريق]، والعطر يهيج الشهوة.
٣٠٧٧- وَرُوِيَ عَنِ عَائِشَة ◌َِّهَا قَالَت بَيْنَمَا رَسُول اللّهِ وَّوَ جَالس فِي
الْمَسْجِد دخلت امْرَأَةٌ من مزينة ترفل فِي زِينَة لَهَا فِي الْمَسْجِد فَقَالَ النَّبِيِ لَيهِ
يَا أَيَهَا النَّاس انهوا نساءكم عَن لبس الزِّينَة والتبختر فِي الْمَسْجِد فَإِن بني
إِسْرَائِيل لم يلعنوا حَتَّى لبس نِسَاؤُهُم الزِّينَة وتبختروا فِي الْمَسْجِد رَوَاهُ ابْنِ
مَاجه(١) قَالَ الْحَافِظ وتقدم في کتاب الصَّلاة جملة أحاديث في صلاتهن فِي
بيوتهنَّ.
قالت بينما رسول الله وَّله جالس في المسجد إذ
رضِوعِنهـ
قوله: عن عائشة
دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد، تقدم الكلام على هذا
الحديث في أوائل النكاح والله أعلم.
خاتمة: الباب وفي الحديث: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))(٢) فهذا
الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء من المساجد عند الاستئذان ولكن
الفقهاء خصوه بشروط وحالات منها أن لا يتطيين، ففي بعض الروايات:
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٠١). قال في الزجاجة ٤ /١٨١: هذا إسناد ضعيف داود بن مدرك لا
يعرف وموسى بن عبيدة ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢١) وضعيف
الترغيب (١١٩٩) و(١٢٣٩).
(٢) أخرجه الشافعى (١٢٠٧)، والحميدى (١٠٠٨)، وابن أبى شيبة في المصنف ١٥٦/٢
(٧٦٠٩) وأبو داود (٥٦٥) وابن خزيمة (١٦٧٩) وابن حبان (٢٢١٤) عن أبى هريرة.
وفيه ولكن ليخرجن تفلات وصححه الألباني في الإرواء (٥١٥)، صحيح أبي داود
(٥٧٤). وأخرجه البخارى (٩٠٠)، ومسلم (١٣٤ و١٣٥ و١٣٦ - ٤٤٢) عن ابن عمر.

٩٥
كتاب النكاح
وليخرجن تفلات، وفي بعضها: ((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس
طيبا)) (١) ويلحق بالطيب ما في معناه كما تقدم لما فيه من تحريك داعية
الرجال وشهوتهم وربما يكون سببا في [١١٢ / أ] تحريك شهوة المرأة وما
كان موجبا لهذا المعنى التحق به، قاله في الديباجة، وتقدم شيء من ذلك في
صلاة النساء في بيوتهن.
(١) أخرجه مسلم (١٤١ و١٤٢ - ٤٤٣)، والنسائى في المجتبى ٨٨/٨ (٥١٧٣) و٨٩/٨
(٥١٧٤) و٩٠/٨ (٥١٧٥) و(٥١٧٦) و٩٢/٨ (٥١٧٧) و(٥١٧٨)، وابن خزيمة
(١٦٨٠)، وابن حبان (٢٢١٢) و(٢٢١٥) عن زينب امرأة ابن مسعود.

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترهيب من إفشاء السر سيما ما كان بين الزوجين]
٣٠٧٨ - عَن أبي سعيد زَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه إِن من شَرّ النَّاس عِنْد
الله منزلَة يَوْم الْقِيَامَة الرجل يُفْضِي إِلَى امْرَأَتَه وتفضي إِلَيْهِ ثمَّ ینشر أحدهما
سر صَاحبه وَفِي رِوَايَةٍ إِن من أعظم الْأَمَانَة عِنْد الله يَوْمِ الْقِيَامَة الرجل يُفْضِي
إِلَى امْرَأَته وتفضي إِلَيْهِ ثمَّ بنشر سرها رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرِهمَا (١).
قوله: عن أبي سعيد زَقْو تقدم الكلام عليه.
قوله وَّة: ((إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى
امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه)) الحديث، قال القاضى
عياض (٢): هكذا وقعت الرواية: ((إن من أشر الناس)) بالألف، اعلم أن أهل
النحو يأبون أن يقال فلان أشر أو أخير من فلان، قالوا: وإنما يقال شر وخير،
(١) أخرجه أحمد ٦٩/٣ (١١٨٣٤)، ومسلم (١٢٣ و١٢٤ - ١٤٣٧)، وأبو داود (٤٨٧٠)،
وأبو عوانة (٤٧٣٧) و(٤٧٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥٥٦).
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٤ /٤٥١): وهو حديث إنما يرويه عند مسلم عمر بن
حمزة العمري، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي سعيد، وعمر بن حمزة ضعفه ابن
معین، وقال: إنه أضعف من عمر بن محمد ابن زید، وهذا تفضیل لعمر بن محمد بن زید
عليه؛ فإنه ثقة - أعني عمر بن محمد - فهو الحقيقة تفضيل أحد ثقتين على الآخر، وأما
ابن حنبل فقال: أحاديثه مناکیر فالحدیث به حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٢٥)،
وآداب الزفاف (٦٥)، وضعيف الترغيب (١٢٤٠).
(٢) إكمال المعلم (٤ / ٦١٤).

٩٧
كتاب النكاح
(١)
وهو [مشهور] كلام العرب عندهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾(
وقال: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا﴾(٢) قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة
باللغتين جميعا وهي حجة فى جوازهما جميعا وأنهما لغتان، فقوله: ((من أشر
الناس)) إلى آخره أي ممن تتعاطي المكروهات وأطلق على المكروه شرا
وإن كان لا إثم فيه، وقد صرح النووي بالكراهة هنا (٣)، وقال في التبويب باب
تحريم إفشاء سر المرأة، وقال القاضي: جاء في النهي عن هذا أحاديث كثيرة
ووعيد شديد وذلك في وصف ما يفعله من ذلك وكشف حالهما فإنه من
كشف العورة بالنظر أو بالوصف كما جاء في الحديث.
قوله: ((الرجل يفضي إلى امرأته)) الحديث[فیکره للإنسان أن يحدث بكل ما
جرى بينه وبين زوجته، وصحح النووي التحريم قال: وهذا إذا لم تتعلق بذكره
مصلحة فإن تعلقت بذلك مصلحة جازاً ومعنى إفضائه إليها مباشرته إليها
فيكنى عن جماع المرأة بالإفضاء والدخول والمعاشرة والوقاع ونحوها ولا
يصرح بالنيك والجماع ونحوها وكذلك يكنى عن البول والتغوط بقضاء
الحاجة والذهاب إلى الخلاء ولا يصرح بالخلاء والبول ونحوهما والله أعلم.
قوله: ((ثم ينشر أحدهما سر صاحبه)) الحديث، أي: يقول جامعتها الليلة
كذا كذا مرة والسر هو الجماع وإنما قيل للجماع سر لأنه يكون في خفاء من
(١) سورة مريم، الآية: ٧٥.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٦.
(٣) شرح النووي على مسلم (٨/١٠-٩).

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الناس، قال النووي: وفي هذا الحديث تحريم إفشاء السر فيما يجري بينه
وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة
فيه من قول أو فعل ونحوه، فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا
إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة[وقد عده ابن ابن القيم من الكبائر
فذكر ذلك لغير فائدة ليس من مكارم الأخلاق ولا من حديث أهل
المروءات]، وقد قال رَّة: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو
ليصمت)) وإن كان إليه حاجة أو تترتب عليه فائدة كأن تنكر عليه إعراضه
عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره كما
قال النبي وَّة: ((إني لأفعله أنا وهذه)) وقال رَّهِ لأبي طلحة: ((أعرستم الليلة))
وقال لجابر نَّهُ: ((الكيس الكيس)) قال ابن الأعرابي: الكيس الجماع
والكيس العقل والمراد حثه على ابتغاء الولد.
قوله: وفي رواية ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى
امرأته)) الحديث، قال في المفهم (١): إن من أعظم الأمانة أي أوكد وأكبر في
مقصود الشرع والأمانة للجنس أي الأمانات والأمانة ما يوكل إلى حفظ
الإنسان وقيامه وقد سقطت من في رواية والصواب إثباتها فإنها تفيد أن هذه
الأمانة من جنس الأمانات العظيمة وهو صحيح وإسقاطها يشعر بأن هذه
الأمانة أعظم الأمانات كلها وليس بصحيح فإن الأمانة على صحيح الإيمان
أعظم وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن الإنسان عليه من خفي
(١) المفهم (١٣ /٢٥).

٩٩
كتاب النكاح
الأعمال قال ابن كثير: ويؤخذ منه (١١٢/ ب) كراهة وطئ إحدى المرأتين
بحضرة الأخری بطريق الأولى.
ـا أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُول اللهِ وَلِّ
٣٠٧٩ - وَعَن أَسمَاء بنت يزيد ذَلِمَا
وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءَ قعُود عِنْدِه فَقَالَ لَعَلَّ رجلًا يَقُول مَا فعل بأَهْله وَلَعَلَّ امْرَأَةُ
تخبر بِمَا فعلت مَعَ زَوجهَا فأرم الْقَوْم فَقلت إِي وَالله يَا رَسُول الله إِنْهُم
ليفعلون وإنهن ليفعلن قَالَ فَلَا تَفعلُوا فَإِنَّمَا مثل ذَلِك مثل شَيْطَان ◌َلَقِي شَيْطَانَة
فغشيها وَالنَّاس ينظرُونَ. رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب أرم الْقَوْمِ
بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم أي سكتوا وَقيل سكتوا من خوف وَنَحْوِهِ (١).
قوله: وعن أسماء بنت يزيد(٢) نَّالَّها [هى أسماء بنت يزيد بن السكن
الأنصارية، أحد نساء بني عبد الأشهل، هي من المبايعات. وهي ابنه عمة
معاذ بن جبل، تكنى أم سلمة، وقيل أم عامر، مدنية. كانت من ذوات العقل
والدين، وكان يقال لها خطيبة النساء].
قوله: [أنها كانت عند رسول الله (وَ له والرجال والنساء قعود عنده فقال]
لعل رجلا يقول ما فعل بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فأرم
القوم، أي: سكتوا، وقيل: سكتوا من خوف أو نحوه قاله الحافظ، وقال
(١) أخرجه أحمد ٤٥٦/٦ (٢٨٢٣١)، والطبراني في الكبير (١٦٢/٢٤ رقم ٤١٤)،
والخطيب في المتفق والمفترق (٧٩٨/٢). وقال الهيثمى في المجمع ٢٩٤/٤: رواه
أحمد، والطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وفيه ضعف. وصححه الألبانى
في صحیح الترغيب (٢٠٢٢).
(٢) ترجمتها: الاستيعاب ٣٢٣٣/٤، وأسد الغابة ٦٧١٧/٧، والإصابة ٨ / ١٠٨١٦.

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
غيره: أرم القوم يروى بالراء المهملة فيحتمل أن يكون من رم الحائط وهو
سده فعبر عن سكوت القوم وصمتهم بهذه العبارة كأنهم لشدة صمتهم سدوا
أفواههم، ويروي بالزاي المعجمة مشتق من أزم القوم وهو المنع ومنه زمام
الجمل لأنه يمنعه من الحركة والله أعلم قاله ابن عقيل الحنبلي في شرح
الأحكام.
تنبيه: من الكبائر إفشاء أحد الزوجين سر الآخر للحديث وكذا عده ابن
قيم الجوزية وغيره من الكبائر والله أعلم.
٣٠٨٠- وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ أَلَا عَسى
أحدكُمْ أَن يَخْلُو بِأَهْله يغلق بابا ثُمَّ يُرْخِي سترا ثمَّ يقْضِي حَاجته ثمَّ إِذا خرج
حدث أَصْحَابِه بذلك أَلا عَسى إحداكن أَن تغلق بَابِهَا وترخي سترهَا فَإِذا
قَضَتِ حَاجَتهَا حدثت صواحبها فَقَالَت امْرَأَة سفعاء الْخَدين وَالله يَا رَسُول
الله إنَّهُنَّ ليفعلن وَإِنَّهُمْ ليفعلون قَالَ فَلَا تَفعلُوا فَإِنَّمَا مثل ذَلِك مثل شَيْطَان ◌َقِي
شَيْطَانَة على قَارِعَة الطَّرِيقِ فَقضى حَاجته مِنْهَا ثُمَّ انْصَرف وَتَرِكِهَا رَوَاهُ الْبَزَّار
وَله شَوَاهِد تقويه وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد مطولا بِنَحْوِهِ من حَدِيث شيخ من طفاوة
وَلم يسمه عَن أبي هُرَيْرَةَ(١).
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٤٥٠). قال البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا
الإسناد، وأبو مسلمة ثقة، ومهدي واسطي لا بأس به. وقال الهيثمى في المجمع
٢٩٤/٤-٢٩٥: رواه البزار عن روح بن حاتم، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٥٣) وصحيح الترغيب (٢٠٢٣).
وأما حديث أبى هريرة: أخرجه أحمد ٢/ ٥٤٠-٥٤١ (١١١٣٣)، وأبو داود (٢١٧٤)،
=