النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب الذكر والدعاء
٢٥١٢- وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَابر بن عبد الله زَّوَلَّهُ عَن
أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى رَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ واذنوباه واذنوباه فَقَالَ
هَذَا القَوْلِ مَرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًّا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ◌َِّ قل اللَّهُمَّ مغفرتك أوسع من
ذُنُوبِيٍ ورحمتك أَرْجَى عِنْدِي من عَمَلِي فَقَالَهَا ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ عد
فَعَاد ثمَّ قَالَ قُم فقد غفر الله لَك رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ رُوَاته مدنیون لا يعرف
وَاحِدٍ مِنْهُم بِجرح(١).
٢٥١٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ رَ لَ قَالَ لَهُ رجل يَا أَبًا عمَارَة وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَة الْبَقَرَة ٥٩١ أهوَ الرجل يلقى الْعَدو فَيُقَاتل حَتَّى يقتل قَالَ لَا وَلَكِنْ هُوَ
الرجل يُذنب الذَّنب فَيَقُول لا يغفره الله رَوَاهُ الْحَاكِمِ مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيحِ
على شَرطهمًا(٢).
قوله: وعن محمد بن عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله رَقَ الَّهُ عن أبيه
عن جده جده جابر بن عبد الله [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن،
وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن
سواد بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على ابن أسد بن ساردة، بالسين
(١) الحاكم (١ / ٥٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٢٦)، حديث منكر؛ تفرد به عبيد الله
بن محمد بن حنين أو عبد الله بن محمد بن حبيب وهو مجهول، وعبد الله بن محمد بن
جابر لا تعرف حاله، ومحمد بن جابر قال فيه ابن سعد: لا يحتج به. وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع (٤١٠١).
(٢) الحاكم (٢/ ٢٧٥)، والبيهقي في الشعب (٧٠٩٣).

٥٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المهملة، ابن تزيد، بالتاء المثناة فوق، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى
السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول
الله ◌َّلله. روى ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثا، اتفق البخارى
ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخارى بستة وعشرين ومسلم بمائة
وستة وعشرين، وروى عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وأبى عبيدة، ومعاذ،
وخالد بن الوليد، وأبى هريرة، رضى الله عنهم. روى عنه جماعات من أئمة
التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم
بن أبى الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير،
والشعبى، وخلائق، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله تعالى
وكلمه، وقال: يا عبد الله، ما تريد؟ فقال: أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة
أخرى، وثبت فى صحيح البخارى، عن جابر قال: دفنت أبى يوم أحد مع
رجل، ثم استخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. وثبت فى
صحيح مسلم، عن جابر، قال: غزوت مع رسول الله وَّل تسع عشرة غزوة،
ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن
رسول الله وَلاه فى غزوة قط، وفى صحيح البخارى فى كتاب المبعث، عن جابر
بن عبد الله، رضى الله عنه، قال: أنا وأبى وخالى من أصحاب العقبة. توفى
جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين،
وهو ابن أربع وتسعين سنة، رضى الله عنه. وكان ذهب بصره فى آخر عمره.
روينا فى صحيحى البخارى ومسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول

٥٨٣
كتاب الذكر والدعاء
الله ◌َ يوم الحديبية: ((أنتم اليوم خير أهل الأرض))، وكنا ألفا وأربعمائة. قال
جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وحيث أطلق جابر فى هذه
الكتب فهو جابر بن عبد الله، وإذا أراد ابن سمرة قيده(١)].
قوله: قال جاء رجل إلى رسول الله وَ له فقال: واذنوباه واذنوباه، الحديث
وفي معنى الحديث، يقول بعضهم:
يَا كَبِيرَ الذَّتْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ
أَكْبَرُ الأَشْيَاءِ فِي أَصْغَرِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ (٢)
وقال آخر:
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثْرَةً فَلَقَد عَلِمِتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرْتَ تَضَرُّعاً فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلَّا مُحسِنٌ فَمَنْ ذَا الذِي يَرْجُو وَيَدعُو المُجرِمُ
ما للفقير وَسيلَةٌ إِلّ الرَجا وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنْي مُسلِمُ (٣)
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢- ١٤٣ ترجمة ١٠٠).
(٢) ذكره ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣٤٥).
(٣) انظر: ديوان أبي نواس: ٦١٨.

٥٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله
٢٥١٤ - عَن أبي ذَر رََّهُ عَن النَّبِيِنَّهُ فِيمَا يروي عَن ربه عز وجل أَنَّه
قَالَ يَا عِبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنُم محرما فَلَا تظالموا
يَا عبادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع
إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ عَار إِلَّا من كسوته
فاستكسوني أكسكم يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنَا أَغفر الذُّنُوب
جَمِيعًا فاستغفروني أَغفر لكم يَا عِبَادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضري فتضروني وَلِنْ
تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا
على أتقى قلب رجل وَاحِدٍ مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئًا يَا عِبَادي لَو أَن
أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا
نقص ذَلِك من ملكي شَيْئًا يا عبادي لَو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم
قَامُوا فِي صَعِيد وَاحِد فسألوني فَأَعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك
مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا ينقص المخيط إِذا أَدخل الْبَحْرِ يَا عِبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم
أحصیها لکم ثمَّ أوفیکم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد
غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه قَالَ سعيد كَانَ أَبُو إِذْرِيس الْخَولَانِيّ إِذا حدث
بِهَذَا الحَدِيث جثا على رُكْبَيِّهِ رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ(١).
(١) مسلم (٢٥٧٧).

٥٨٥
كتاب الذكر والدعاء
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم
عَنْهُ وَلَفِظُ ابْنِ مَاجَه قَالَ رَسُول اللهِوَلَهَ إِن الله تبارك وَتَعَالَى يَقُول يَا عِبَادي
كلكُمْ مذنبٍ إِلَّا من عافيته فاسألوني الْمَغْفِرَةِ أَغفر لكم وَمن علم مِنْكُمْ أَنِّي ذُو
قدرَة على الْمَغْفِرَة واستغفرني بِقُدْرَتِي غفرت لَهُ وكلكم ضال إِلَّا من هديت
فاسألوني الهدى أهدكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أرزقكم وَلَو أَن
حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَكَانُوا على قلب
أتقى عبد من عبَادي لم يزدْ فِي ملكي جناح بعوضة وَلَو اجْتَمعُوا فَكَانُوا على
قلب أَشْقَى عبد من عبادي لم ينقص من ملكي جناح بعوضة وَلَو أَن حيكم
وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَسَأَلَ كل سَائل مِنْهُم مَا
بلغت أمْنِيته مَا نقص من ملكي إِلَّا كَمَا لَو أَن أحدكُم مر بشفة الْبَحْرِ فَغمسَ
فِيهَا إبرة ثمَّ نَزعهَا ذَلِك بِأَنِّي جواد ماجد عطائي كَلَام إِذا أردت شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُول
لَهُ كن فَيَكون وَرَوَاهُ الْبَيْهَِيّ بِنَحْوِ ابْن مَاجَه (١). وَتقدم لَفظه فِي الْبَاب قبله.
الْمخيط بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاءِ الْمُثَنَّةِ تَحت هُوَ
مَا يخاط بِهِ الثَّوْب كالإبرة وَنَحْوهَا.
قوله: عن أبي ذر رقم، تقدم الكلام علیه.
قوله {وَّ فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم
على نفسي)) معناه: تقدست عنه وتعاليت فهو في حقه سبحانه وتعالى
(١) الترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٠٨٩)، وضعفه
الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.

٥٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كالشيء المحرم على الناس فالظلم مستحيل في حق الله تعالى وهذا قول
الجمهور، وقد ذهب قوم إلى أنه عز وجل قادر على الظلم وهو متصور منه
لكنه يفعله عدلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده واحتجوا بقوله عز
وجل ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (١) ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٢) ومثل
هذا في القرآن كثير والله أعلم.
قوله تعالى: ((وجعلته بينكم محرما)) أي كرمته عليكم ومنعتكم منه شرعا،
والظلم لغة وضع الشيء في غير موضعه، وشرعا: التصرف في ملك الغير بغير
إذنه، وقد نقل هذا عن إياس بن معاوية وغيره والله أعلم.
قوله تعالى: ((فلا تظالموا)) هو بفتح التاء، أصله: تتظالموا أي فلا يظلم
بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله: ((وجعلته بينكم محرما)) ومعناه: أنه تعالى
حرم الظلم على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم [٢٦٨ / أ] فنهاهم، فحرام
على كل عبد أن يظلم غيره مع أن الظلم نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان،
أحدهما: ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال عز وجل ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾ (٣)، والثاني: ظلم العبد لغيره وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال
النبي وَلّ في خطبته في حجة الوداع ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم
حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(٤).
(١) سورة ق، الآية: ٢٩.
(٢) سورة غافر، الآية: ٣١.
(٣) سورة لقمان، الآية: ١٣.
(٤) أخرجه البخاري في التفسير (٤٤٠٦) (٣١٩٧) (١٠٥)، والحج (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).

٥٨٧
كتاب الذكر والدعاء
قوله ◌َله: عن الله عز وجل ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته)) هذا كقوله
عز وجل ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اُلْمُهْتَدِ﴾(١) ونحوها ﴿وَوَجَدَكَ ضَالَّا فَهَدَى
قوله: ((فاستهدوني)) أي: اسألوني الهداية واعتقدوا أنها لا تكون إلا من
فضلي وبأمري أهدكم، قاله الطوفي (٣)، وقال النووي في شرح مسلم(٤): ظاهر
هذا الكلام يقتضي أنهم خلقوا على الضلالة إلا من هداه الله، قال المازري
ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى وفي الحديث
المشهور كل مولود يولد على الفطرة قال فقد يكون المراد بالأول وصفهم
بما كانوا عليه قبل مبعث النبي ◌َّ وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار
الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا وهذا الثاني أظهر وفي هذا دليل
لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله وبهدي الله
اهتدى وبإرادة الله تعالى ذلك وأنه سبحانه وتعالى إنما أراد هداية بعض
عباده وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخرين ولو أرادها لاهتدوا خلافا
للمعتزلة(٥)
(١) سورة الكهف، الآية: ١٧.
(٢) سورة الضحى، الآية: ٧.
(٣) التعيين (ص ١٨٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٢ - ١٣٣).
(٥) شرح مسلم (١٦/ ١٣٣).

٥٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَّل عن الله عز وجل: ((يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته
فاستطعموني أطعمكم)) وذلك ان الناس عبيد الله لا يملكون شيئا وخزائن
الرزق بيد الله عز وحل فمن لا يطعمه بفضله بقى جائعا بعدله إذ ليس عليه
إطاعم أحد.
فإن قلت: كيف هذا مع قوله عز وجل: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى
اُللَّهِ رِزْقُهَا﴾(١)؟
قلنا: هذا التزام منه تفضلا لا أن عليه للدابة حقا بالأصالة، وشبيه بهذا قوله
عز وجل ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
قَرِيبٍ﴾ (٢) الآية، أي ذلك واجب منه تفضلا التزاما عليه لزوما قاله
الطوفي(٣).
قوله وَله عن الله عز وجل أنه قال: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل
والنهار)) وهذا من باب مقابلة الجمع بالجمع أي تصدر منكم الخطيئة ليلا
ونهارا، من بعضكم ليلا، ومن بعضكم نهارا، الرواية المشهور: ((تخطئون))
بضم التاء وسكون الخاء وكسر الطاء وضبطه بعض الفضلاء بفتح التاء
والطاء على وزن تفترون من الافتراء يقال: خطئ يخطئ إذا فعل ما يأثم به
فهو خاطئ ويقال في الإثم أيضا أخطا وهما صحيحان ومنه قوله تعالى
(١) سورة هود، الآية: ٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٧.
(٣) التعيين (ص ١٨٦).

٥٨٩
كتاب الذكر والدعاء
﴿أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِئِينَ﴾(١) والخطأ من غير قصد معفو عنه لا
يعتد به أصلا ذنبا لقوله ◌َلة: ((عفي لأمتي الخطأ والنسيان)).
قوله وَله عن الله عز وجل: ((وأنا أغفر الذنوب جميعا)) هو كقوله عز وجل
في التزيل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾(٢).
قوله تعالى: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني)) الحديث، اعلم أن
الإجماع والبرهان على أن الله عز وجل منزه مقدس غني بذاته لا يلحقه ضر
ولا نفع ولا يحتاج إلى ذلك وظاهر هذا الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن
لا يبلغها العباد والله أعلم، قاله الطوفي (٣)، ومعناه: ان العباد لا يقدرون أن
يوصلوا إلى الله تعالى نفعا ولا ضرا فإن الله تعالى في نفسه غني حميد لا
حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه، وإنما عم ينتفعون بها ولا يتضرر
بمعاصيهم وإنما هم يتضررون بها قال الله تعالى: ﴿وَلَا [٢٦٨/ب] يَحْزُنكَ
الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾(٤) وكان وَّ يقول في
خطبته ((ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا))
قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضَِّ
وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾(٥) وقال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا
(١) سورة يوسف، الآية: ٩٧.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣.
(٣) التعيين (ص١٨٩).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٧٦.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٣١.

٥٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىُ مِنْكُمْ﴾(١) والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن
يتقوه ويطيعوه كما انه قد يكره منهم ان يعصوه ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد
من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشاربه بفلاة من الأرض وطلبها
حتى يعي وأيس منها واستسلم للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام
فاستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أغلى ما يتصوره المخلوق من الفرح هذا كله
مع غناه عن طاعات عباده وتوبتهم وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه ولكن هذا
من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم ودفع الضرر عنهم فهو
يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا، ويحب
ان يعلماو أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده والله
أعلم قاله ابن رجب(٢).
قوله وَّة عن الله عز وجل: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم
وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني)) الحديث، أي: في أرض واحدة
فالصعيد وجه الأرض، والمراد بقوله ((في صعيد واحد)) في مقام واحد قيد
السؤال بالاجتماع لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول عنه
ويعسر عليه إنجاح مآربهم(٣) والله أعلم قاله في شراح مشارق الأنوار.
قوله وَ له عن الله عز وجل: ((ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص
المخيط إذا أدخل البحر)) المخيط بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح
(١) سورة الحج، الآية: ٣٧.
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٣).
(٣) تحفة الأبرار (٢/ ٧٠)، وشرح المشكاة (١٨٣٩/٦).

٥٩١
كتاب الذكر والدعاء
الياء المثناء تحت وهو ما يخاط به الثوب كالإبرة ونحوها قاله الحافظ
المنذري، قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام ومعناه لا ينقص شيئا كما قال
في الحديث الآخر ((يد الله ملئى لا يغيضها نفقة)) أي لا تنقصها لأن ما عند الله
تعالى لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى
من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص فضرب المثل
بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب
إل الأفهام مما يشاهدوه فإن البحر أعظم المرئيات عيانا وأكبرها، والإبراة
من أصغر الموجودات مع أنها صقلية لا يتعلق بها (1) والله أعلم أ.هـ
وقال ابن رجب: تحقيق لأن ما عند الله لا ينقص البتة كما قال تعالى ﴿مَا
عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾(٢) فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم
أخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيء وكذلك لو فرض أنه شرب منه
عفور مثلا فإنه لا ينقص البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى وقول هذا المثل في
نفسه في نسبة علمهما إلى علم الله عز وجل وهذا لن البحر لا يزال تمده مياه
الدنيا وأنهارها الجارية فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء لأنه يمده ماء هذا هذا
زيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينفد كما قال الله تعالى
﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿ لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾﴾(٣) وقد جاء أنه كلما
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٣).
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.
(٣) سورة الواقعة، الآيتان: ٣٢-٣٣.

٥٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
نزعت تمرة عاد مكانها مثلها، ووري مثلاها فهي لا تنقص أبدا وكذلك
الشراب، يشرب حتى ينتهي نفسه ثم يعود مكانه، ورئی بعض العلماء
الصالحين بعد موته بمدة في المنام فقال ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ
أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد، أ.هـ
قوله وَ﴾ عن الله عز وجل: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم
أوفيكم إياها)» بالجزاء عليها، وهذا كقوله عز وجل ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن [٢٦٩/ أ] يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾(١) فالشر
يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه، والخير يضاعف الحسنة منه
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله
تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَلَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٢)(٣).
فائدة: قوله في الحديث ((إنما هي أعمالكم أحصيها لكم)) أي: بعلمي
وملائكتي الحفظة.
فإن قيل: ما الحاجة إلى الحفظة مع علمه؟ قيل: ليكونوا شهداء بين
الخالق والمخلوق ولهذا يقال لبعض الناس يوم القيامة كفى بنفسك اليوم
عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا، وقيل فيه: غير ذلك والله تعالى أعلم.
قوله گیلآل عن الله عز وجل أنه قال: «فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل
(١) سورة الزلزلة، الآية: ٧-٨.
(٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.
(٣) جامع العلوم والحكم (٤٩/٢ - ٥٢) باختصار.

٥٩٣
كتاب الذكر والدعاء
ومن وجد غير ذلك فلا یلومن إلا نفسه)) الحدیث، إن کان المراد من وجد
ذلك في الدنيا كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أَنْقَى﴾ (١) الآية، ويكون مأمورا بوم نفسه على ما فعلت من الذنوب الذي
وجد عاقبتها في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ اٌلْعَذَابِ
اُلْأَدْنَى﴾ (٢) الآية، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع على نفسه ودعاه
ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، فيه إشارة إلى أن الخير كله
فضل من الله على بعده من غير استحقاق والشر كله من عند ابن آدم من اتباع
هوى نفسه كما قال عز وجل ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ
مِن سَبِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾(٣) والله أعلم قاله ابن رجب (٤).
قوله: قال سعيد، وسعيد هذا هو ابن عبد العزيز التنوخي.
قوله: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه،
وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بالهمز وبالذال المعجمة بن عبد الله بن
عمرو على المشهور، الخولاني: بالخاء المعجمة الشامي التابعي الجليل
القدر الكبير الشأن ولاه معاوية القضاء بدمشق وكان من عبادة الشام
وقرائهم، ولد يوم حنين، توفي سنة ثمانين والله أعلم.
(١) سورة غافر، الآية: ٤٠.
(٢) سورة السجدة، الآية: ٢١.
(٣) سورة النساء، الآية: ٧٩.
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٣).

٥٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٥١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن الله عز وجل
يَقُول أَنَا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنَا مَعَه إِذا دَعَاني رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَاللَّفْظ لَهُ
وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ابْن مَاجَه (١).
قوله: وعن أبي هريرة زَقَّه، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّيه: ((إن الله عز وجل يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني))
الحديث، للدعاء شرط وآداب منها: أن يحسم الداعي ظنه بالإجابة لهذا
الحديث المذكور.
٢٥١٦ - وَعَن التُّعْمَان بن بشيرِ رَوْلَّهَا عَنِ النَّبِنَّ قَالَ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾﴾(٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّزْمِذِيّ وَاللَّفْظ
لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحِ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حِبَان فِي صَحِيحه
وَالْحَاكِمْ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاد (٣).
قوله: وعن النعمان بن بشير ◌َقَالًَّا، تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّه: ((الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾)).
(١) البخاري (٧٤٠٥)، وفي الأدب المفرد (٦١٦)، ومسلم (٢٦٨٦)، والترمذي (٣٦٠٣)،
والنسائي (٧٧٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، وأحمد (٧٤٢٢)، وابن حبان (٨١١).
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، والنسائي في اليوم والليلة (١١٤٦٤)، وابن ماجه
(٣٨٢٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (٤٩٠/١)، وأحمد (١٨٣٥٢)، والبخاري في
الأدب المفرد (٧١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٠٧).

٥٩٥
كتاب الذكر والدعاء
قوله: ((هو العبادة)) أي معظمها كقولهم ((الحج عرفة)).
قوله تعالى: ﴿اُدْعُونِيّ﴾ قال ابن عباس: يريد وحدوني أغفر لكم ، وكذا قال
مجاهد ويدل على صحة هذا التفسير حديث النعمان هذا، والدعاء بمعنى
العبادة في القرآن كثير ولما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة
لتجانس اللفظ وعن الثوري أنه قيل له: ادع الله قال: إن ترك الذنوب هو
العبادة(١)، وفي الحديث ((إذا شغل عبدي طاعتي عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أعطي السائلين)» (٢) وقيل: الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، وعن كعب:
أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيا مرسلا: كان يقول لكل نبيّ
أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان
يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وكان
يقول: ادعني أستجب لك، وقال لنا ﴿آدْعُونِيّ أُسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٣). وهذا
[الوعد مقيد بشرط] المشيئة وينبغي للداعي أن يفرغ قلبه مما سوى الله تعالى
فلا يكون فيه ذرة اعتماد على غيره من مال أو جاه أو قريب أو صديق أو جد
واجتهاد فإذا لم يبق في القلب التفات [٢٦٩ / ب] إلى شيء من ذلك فالمرجو
(١) أورده الطبري في التفسير (٣٥٤/٢٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) وإسناده ضعيف جدًّا. قال أبو حاتم في العلل (١٧٣٨): منكر.
وفي إسناده عطية وهو العوفي قال عنه الحافظ في التقريب صدوق يخطيء كثيرًا وكان
شيعيًّا مدلسًا (ت ٤٦٤٩). وانظر: الضعيفة (١٣٣٥).
(٣) ذكره الزمخشري في التفسير (١٧٥/٤)، والماوردى في النكت والعيون (١٦٢/٥ -
١٦٣).

٥٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من الله سبحانه وتعالى القبول وإذا حصل الرد والعياذ بالله تعالى فلعله لفوات
بعض هذه الأمور وعدم صدق الالتجاء والله أعلم، وقال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمَّ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾﴾ أي: صاغرين، جعل الله الدعاء عبادة ولأن الداعي إنما
هو يدعوا الله عز وجل عند انقطاع أمله مما سواه وذاك حقيقة التوحيد
والإخلاص، ولا عبادة فوقها فالدعاء مخ العبادة من هذا الوجه ومخ الشيء
خالصه وإنما كان مخها لأمرين، أحدهما: أنه امتثال لأمر الله عز وجل حيث
قال: ﴿أَدْعُونِيّ أُسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها، والثاني: إنه إذا
رأى نجاح الأمور من الله عز وجل قطع أمله ممن سواه ودعاه لحاجته موحدا
وهذا هو أصل العبادة أ.هـ، فإن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو
المطلوب بالدعاء قاله في النهاية (١) قال النووي(٢): اعلم المذهب المختار
الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء أن الدعاء مستحب قال الله
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أُسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، والآيات في هذا الباب
كثيرة مشهورة، وأما الأحاديث الصحيحة فكذلك وروينا رسالة الإمام أبي
القاسم القشيريّ ◌َّهُ قال: اختلفَ الناسُ في أن الأفضل الدعاء، أم السكوت
والرضى؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة، للحديث السابق ((الدُّعاءُ هُوَ العبادة)
ولأنَّ الدعاءَ إظهارُ الافتقار إلى الله تعالى.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٠٥/٤).
(٢) الأذكار (ص ٣٩٥)

٥٩٧
كتاب الذكر والدعاء
وقالت طائفة: السكوت والخمودُ تحت جريان الحكم أتمّ، والرضا بما
سبق به القدر أولى، وقال قوم: يكون صاحبُ دعاءٍ بلسانه ورضا بقلبه ليأتي
بالأمرين جميعاً.
قال الإمام القشيري: والأولى أن يقال إِن الأوقات مختلفة ففي بَعْض
الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وَهُوَ الأدب وَفِي بَعْض الأحوال
السكوت أفضل من الدعاء وَهُوَ الأدب وإنما يعرف ذَلِكَ فِي الوقت، لأن
علم الوقت إِنَّمَا يحصل في الوقت فَإِذَا وجد بقلبه إشارة إِلَى الدعاء فالدعاء
لَهُ أولى وإذا وجد إشارة إِلَى السكوت فالسكوت لَهُ أتم ، أ.هـ(١)، قال الإمام
السبكي: والصواب أن الدعاء أولى مطلقا لما في الحديث الذي رواه أبو
هريرة أن النبي وَّ قال: ((من لم يدع الله غضب عليه)) قال: ومن شروط
الدعاء أن يكون مطعمه حلالا ومن آدابه حضور القلب، وقال الإمام أبو
حامد الغزالي في كتابه الإحياء: آداب الدعاء عشرة، الأول: أن يترصد
الأزمان الشريفة كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من
الليل ووقت الأسحار؛ والثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود
والتقاء الجيوش ونزول الغيث وإقامة الصلاة وبعدها وبين الأذان والإقامة
وعند فطر الصائم، قلت: وحالة رقة القلب، الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة
ويرفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره، الرابع: خفض الصوت بين
المخافتة والجهر، الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء، وقد فسر به
(١) الرسالة للقشيري (٤٢٢/٢)

٥٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الاعتداء في قوله تعالى: ﴿اَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
ج
اٌلْمُعْتَدِينَ ﴾﴾(١) فقيل: معناه التكلف بالأسجاع والأولى أن يقتصر على
الدعوات المأثورة فما كل أحد يحسن الدعاء فيخاف عليه الاعتداء، وقال
بعضهم: ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والإنطلاق ويقال إن
العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات ويشهد له ما ذكره
سبحانه وتعالى في آخر سورة [٢٧٠/ أ] البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾(٢) إلى
آخرها، لم يخبر سبحانه وتعالى في موضع عن داعية عباده بأكثر من ذك،
قلت: ومثله قول الله سبحانه في سورة إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا اُلْبَلَدَ
ءَامِنَّا﴾(٣) إلى آخره، قلت: والمختار الذي عليه جماهير اللعماء أنه لا حجر
في ذلك ولا تكره الزيادة على السبع بل يستحب الإكثار من الدعاء مطلقا،
السادس: التضرع والخشوع والرهبة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ
فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا﴾(٤) الآية، وقال تعالى ﴿اَدْعُواْ رَبَّكُمْ
ج
تَضَرُّعَا وَخُفْيَةً﴾(٥)، السابع: أن يجزم بالطلب ويوقن بالإجابة ويدق رجاؤه
فيها ودلائله كثيرة مشهورة، قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.
(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.
(٥) الأعراف، الآية: ٥٥.

٥٩٩
كتاب الذكر والدعاء
الدعاءما يعلمه من نفسه فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال:
﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴾﴾(١)، الثامن:
أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا ولا ولا يستبطئ الإجابة، وقال بعضهم إنني
أسأل الله حاجة منذ عشرين سنة وما أجابني وأنا أرجوا الإجابة، التاسع: أن
يفتتح الدعاء بذكر الله، قلت: وبالصلاة على رسول الله وَخلقه بعد الحمد
والثناء ويختمه بذلك كله أيضا، قال سلمة بن الأكوع سمعت النبي
صَلَ اللَّهِ
بلم
يستفتح الدعاء بقوله سبحان ربي العلي الأعلي الوهاب، وقال أبو سليمان
الداراني: من أراد أن يسأل الله تعالى فليبتدئ بالصلاة على النبي وتّ ثم يسأل
حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ◌َّ فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو
أكرم أن يدع ما بينهما، العاشر: وهو أهمها والأصل في الإجابة وهو التوبة
ورد المظالم والإقبال على الله تعالى والله أعلم(٢).
٢٥١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ من سره أن يستجيب
الله لَهُ عِنْد الشدائد فليكثر من الدُّعَاء فِي الرخَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِمِ من
حَدِيثِه وَمن حَدِيث سلمَان وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا صَحِيحِ الْإِسْنَادَ(٣).
قوله: وعن أبي هريرة زَقْطَ، تقدم الكلام عليه.
(١) سورة الحجر، الآيتان: ٣٦-٣٧.
(٢) إحياء علوم الدين (٣٠٦/١). وينظر تخريج الأحاديث في المغني للعراقي.
(٣) الترمذي (٣٣٨٢)، وقال: حديث غريب، والحاكم (١ /٥٤٤)، وأبو يعلى (٦٣٩٦)،
وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٩٠).

٦٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَليلى: ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في
الرخاء)) الحديث، والرخاء سعة العيش، ومنه الحديث ((ليس كل الناس
مرخي عليه))(١) أي: موسعا عليه في رزقه ومعيشته.
قوله: عن أنس بن مالك زَّه قال: كان رجل على عهد رسول الله
وس
يتجر من بلاد الشام إلى المدينة ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله
فبينما هو جاء إلى الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس فصاح
بالتاجر: قف! قال: فوقف له التاجر وقاله له شأنك بمالي وخل سبيلي، قال:
فقال له اللص المال مالي وإنما أريد نفسك، فقال له ثانيا وثالثا وهو يأبي،
فقال التاجر: أنظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعوا ربي عز وجل، قال: افعل ما
بدا لك، فتوضأ التاجر وصلى أربع ركعات وفع يده إلى السماء فكان من
دعائه: يا ودوديا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما يريد
أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت
بها على خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت يا مغيث
أغثني ثلاث مرات، فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس أشهب عليه
ثياب خضر بيده حربة من نور فلما رأى اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر
نحو الفارس فلما دنا منه شد الفارس على اللص فطعنه طعنة أرداه عن فرسه
ثم جاء إلى التاجر فقال له قم فاقتله فقال له التاجر من أنت، فما قتلت أحدا
قط ولا تطيب نفسي بقتله فرجع الفارس إلى اللص وقتله ورجع إلى التاجر
(١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٥٦/٢)