النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الذكر والدعاء
الذين إذا أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا
وأفطروا)) أ.هـ قاله في الديباجة(١).
٢٥٠٣ - وَعَن عبد الله بن بسر رَوَهُ قَالَ سَمِعت النَّبِي ◌َِّ يَقُول طُوبَى لمن
وجد فِي صَحِيفَتَه اسْتِغْفَار كثير رَوَاهُ بْن مَاجَهِ بِإِسْنَادِ صَحِيحِ وَالْبَيْهَقِيّ(٢).
قوله: وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.
قوله وَ ◌ّل ـ «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا)) طوبى اسم الجنة
وجاء عن أبي الدرداء أنه قال ((طوبى لمن وجد في صحيفته نبذا من
الاستغفار)) النبذ الشيء اليسير (٣) وطوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها
وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على شجرة طوبى في ذكر الجنة
مبسوطا شافيا والله أعلم.
٢٥٠٥- وَعَن أم عصمَة العوصية ◌َّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ◌َِّ مَا من
مُسلم يعْمل ذَنبا إِلَّا وقف الملك ثَلَاث سَاعَات فَإِن اسْتَغْفر من ذَنبه لم يَكْتُبُهُ
عَلَيْهِ وَلم يعذبه الله يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاد (٤).
(١) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الاشارة الى هذا.
(٢) ابن ماجه (٣٨١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧)، قال البوصيري في الزوائد
(١٩٦/٣)، هذا إسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٣٠).
(٣) أخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٢٣)
(٤) أخرجه الحاكم (٢٦٢/٤)، والطبراني في الأوسط (١٧)، وانظر قول الهيثمي في المجمع
(٢٠٨/١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢١٩)، والضعيفة (٣٧٦٥) وقال:
موضوع.

٥٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أم عصمة العوصية والعوصية بفتح العين المهملة وسكون الواو
وبالصاد المهملة نسبة إلى عوص بن عوف بن عذرة بطن من كلب والله أعلم
قاله في سلاح المؤمن(١).
قوله وَيّ ((ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات ...
الحديث)) أي يمنع كاتب اليمين كاتب الشمال من كتابة ذلك الذنب لعل أن
يتوب أو يستغفر من ذلك الذنب الذي عمله فإذا تاب واستغفر لم يوقفه الله
علیه يوم القيامة ولم يعذبه اهـ.
٢٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ عَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن العَبْد إِذا أَخطَأ
خَطِئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة فَإِن هُوَ نزع واستغفر صقلت فَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى
تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي ذكره الله تَعَالَى: ﴿كَلَّاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾(٢)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَالنَّسَائِيّ
وَابْنِ مَاجَه وَابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط
مُسلم (٣).
قوله: وعن أبي هريرة نقلت تقدم الكلام عليه.
(١) سلاح المؤمن (ص ٥٢٣).
(٢) سورة المطففين، الآية: ١٤.
(٣) الترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في التفسير من الكبرى (١١٦٥٨)، وابن ماجه (٤٢٤٤)،
وابن حبان (٩٣٠)، والحاكم (٥١٧/٢)، وأحمد (٧٩٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٧٢٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٧٠).

٥٦٣
كتاب الذكر والدعاء
قوله وَّه: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة)) الخطيئة الذنب والإثم وأخطأ
يخطئ. إذا سلك سبيل الخطإ عمدا أو سهوا. ويقال خطئ بمعنى أخطأ
أيضا. وقيل خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد. ويقال لمن أراد شيئا ففعل
غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ. قاله في النهاية.(١)
قوله ((نكتت في قلبه نكتة)) الحديث، النكتة بالتاء المثناة فوق ومعنى نكتت
فيه نكتة نقط فيه نقطة قاله الجوهري(٢).
قوله وَّ: ((فإن هو نزع واستغفر)) نزع أي رجع يقال نزع إلى أهله إذا حر
واشتاق إليهم فرجع إليهم.
قوله ((وصقلت)) قال الجوهري وصَقَلَ السيفَ وسَقَلَهُ أيضاً صَفْلاً
وصِقالاً أي جَلاه، فهو صاقِلٌ، والجمع صقلة(٣) ..
قوله صلى الله عليه وسلم: ((فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه
﴿كَلََّّ بَلٌ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾(٤)) قال الجوهري(٥):
والرين هو الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب،
وقال الحسن هو الذنب حتى يسود القلب ذكره القرطبي في التذكرة(٦) قال
(١) النهاية (٢ /٤٤)
(٢) الصحاح (١١٦٥/٣)
(٣) الصحاح (١٧٤٤/٥)
(٤) سورة المطففين، الآية: ١٤.
(٥) الصحاح (٢١٢٩/٥)
(٦) ابن أبي الدنيا في ال (١٩٣).

٥٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مجاهد (١): إذا أذنب الإنسان الذنب أحاط الذنب بقلبه ثم يذنب حتى يحيط
الذنب بقلبه حتى تغشى الذنوب قلبه قال الله تعالى: ﴿بَلَىَّ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً
وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾(٢) الآية أي كثرت الذنوب والمعاصي منهم حتى
حاطت بقلوبهم فكذلك الرين عليها قال: وذلك أن القلب كالكف يقبض منه
بكل ذنب أصبغ ثم يطبع عليه وإلى هذا الإشارة بقوله وَل﴾ (٣): ((إن في الجسد
مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) متصلا بقوله [٢٦٥/ ب] ((الحلال بين
والحرام بين)) إشعارا بأن أكل الحلال ينور القلب ويصلحه وأكل الحرام
والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع وآكل الحرام
والمسترسل في الشبهات ليس من المتقين، وقال بكر بن عبد الله أن العبد إذا
أذنب صار في قلبه كخرم الإبرة ثم إذا أذنب ثانيا صار كذلك ثم إن كثرت
الذنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال لا يعي خيرا ولا يثبت فيه صلاح
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾﴾(٤) هذا
في الكافرين وهذا يدل على أن الله تعالى يرى في القيامة وقال تعالى: ﴿وُجُوهُ
يَوْمَبِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾﴾(٥) قال مالك: في هذه الآية لما حجب
(١) ذكره القرطبي في التفسير (١ / ١٨٨).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٨١.
(٣) أخرجه البخاري (٥٢) (٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩).
(٤) سورة المطففين، الآية: ١٥.
(٥) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.

٥٦٥
كتاب الذكر والدعاء
أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي لما حجب قوما
بالتسخط دل على أن أقواما يرونه بالرضي ثم قال: ثم قال: أما والله لو لم
يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال
الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة
عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى: لمحجوبون: أي عن كرامته ورحمته
ممنوعون أ.هـ (١)
٢٥٠٧ - وَرُوِيَ عَن أنس ◌ََّّهُ أَنْ رَسُول اللهِ وَِّ قَالَ إِن للقلوب صدأ
كصدإ النّحاس وجلاؤها الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ(٢).
قوله وَليلة: ((إن القلوب صدأ كصدأ النحاس)) الحديث بالقصر فيهما وهو:
وسخه، وفي الحديث: ((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد)) هو أن
يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ
وجه المرآة والسيف ونحوهما. قاله في النهاية(٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ
اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾(٤) أي طبع وختم ومنه حديث علي: التعلم أينا المرين
على قلبه والمغطى على بصره، المرين المفعول به الرين ومنه حديث
(١) ذكره القرطبي في التفسير (٢٦١/١٩)
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٦٤٩)، والطبراني في الأوسط (٦٨٩٤)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (١٠ /٢٠٧)، فيه الوليد بن سلمة الطبراني، وهو كذاب، وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع (١٩٦٦).
(٣) النهاية (١٥/٣).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٧.

٥٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾(١) قال: الران والرين
سواء كالزام والزيم والعاب والعيب قاله في النهاية (٢).
٢٥٠٨ - وَعَنْ عَلَيّ رََّّهُ قَالَ كنت رجلا إِذا سَمِعت من رَسُول الله وَّل
حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعِنِي وَإِذا حَدثني أحد من أَصْحَابه اسْتَحْلَفته
فَإِذا حلف لي صدقته وَقَالَ وحَدثني أَبُو بكر ◌ََّّهُ وَصدق أَبُو بكر أَنْه قَالَ
سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول مَا من عبد يُذنب ذنبا فَيحسن الطّهُور ثمَّ يقوم
فَيَصَلِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يَسْتَغْفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة ﴿وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) إِلَى آخرِ الْآيَة)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ
وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحِه وَلَيْسَ عِنْدِ بَعضهم ذكر الرَّكْعَتَيْنِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (٤). وَذكر أَنْ بَعضهم وَقفه (٥).
قوله: وعن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام عليه.
قوله: وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته،
الحدیث، وقد کان جماعة من الصحابة يحلفون الراوي إذا روی حديثا عن
(١) سورة البقرة، الآية: ٨١.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩١).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٤) أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، والنسائي في علم اليوم والليلة (١٠٢٥٠)، وابن
ماجه (١٣٩٥)، وابن حبان (٦٢٣)، وأحمد (٢)، والطبراني في الدعاء (١٨٤١)، وأبو
يعلى (١)، والبزار (٩)، والبغوي في شرح السنة (١٠١٥)، وابن السني في عمل اليوم
والليلة (٣٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٣٨).
(٥) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٤٨).

٥٦٧
كتاب الذكر والدعاء
النبي وَّ لا لشكهم في صدق الراوي بل لإزالة الشك الحاصل عند غيرهم
ممن يعتريه وهم أو ريبة أو سوء ظن، وقد وقع الحلف في خبر الله تعالى، قال
الله تعالى ﴿وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ فَوَرَتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
إِنَّهُو ◌َحَقٌّ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾﴾(١) ووقع الاستحلاف في خبر
الصادق، ففي الصحيحين من حديث أنس قال: نهينا أن نسأل رسول الله
صَلىالله
وسلم
فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع
فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم
أن الله أرسلك، قال: صدق، وقال: فمن خلق السموات والأرض؟ قال: الله،
قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب الجبال وجعل فيها ما
جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السموات والأرض ونصب الجبال، آلله
أرسلك؟ قال: نعم، قال: فزعم رسولك ان علينا خمس صلوات في يومنا
وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال:
وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله
أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وززعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في
سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم
رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: فبالذي
أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: ثم ولي وقال: والذي بعثك بالحق لا
أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي وَاللّ: (لئن صدق ليدخلن الجنة))(٢) أ. هـ.
(١) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٢- ٢٣.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤)

٥٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَجّة: ((ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور)) والمراد بالطهور الوضوء،
تقدم معنى إحسان الوضوء في كتباب الصلاة مبسوطا مختصرا والله أعلم.
قوله صلى [٢٦٦ / أ] الله عليه وسلم: ((ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم
يستغفر الله إلا غفر له)) وتقدم الكلام على ركعتين بعد الوضوء في بابه في
كتاب الصلاة.
قوله: ثم قرأ رسول الله وَ لهم هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾(١) الآية، قال بعض التابعين(٢): لما
أنزلت هذه الآية الشريفة بكى إبليس لعنه الله، يشير على شدة حزنه بنزولها
لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لايزال في هم وغم وحزن منذ بعث
رسول الله وَ﴾ لما رأى منه ومن أمته ما يهمه وبغيظه ولا يزال إبليس يرى في
مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسوءه والله أعلم.
٢٥٠٩ - وَعَنِ بِلَال بن يسَار بن زيد رَّوَّهُ قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي أَنْه
سمع النَِّيِ وَِّ يَقُول من قَالَ أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّ هُوَ الْحَيّ القيوم
وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْفِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ
حَدِيثٍ غَرِيب لا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (٣).
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٢) ذكره ابن جرير في التفسير (٦٣/٦) عن ثابت البناني، قال: لما نزلت: ﴿ومن يعمل سوءا
أو يظلم نفسه﴾ ((بكى إبليس فزعا من هذه الآية)).
(٣) أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

٥٦٩
كتاب الذكر والدعاء
قَالَ الْحَافِظِ وَإِسْنَاده جيد مُتَّصِل فقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخِه الْكَبِير أَنْ
بِلَال سمع من أَبِيه يسَار وَأَن يسارا سمع من أَبِيه زيد مولى رَسُول الله ◌َّ وَقد
اخْتلف فِي يسَار وَالِدِ بِلَالِ هَلَ هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَةِ أَو بِالْيَاءِ الْمُثَنَّةِ تَحت وَذكر
البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنْه بِالْمُوَخَّدَةِ وَالله أعلم(١).
وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرطهمَا إِلَّا أَنْه
قَالَ يَقُولِهَا ثَلَاثًا(٢).
قوله: وعن بلال بن زيد مولى رسول الله وَل﴾، قال: حدثني أبي عن جدي
قال البخاري في تاريخه إن بلال سمع من أبيه يسار، وإن يسارا سمع سمع من
أبيه زيد مولى رسول الله ﴾﴾(٣) وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء
الموحدة أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله
أعلم، ذكره الحافظ المنذري.
٢٥١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ◌َّ ◌َّهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله ◌َآلآ فِي مسيره
فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا الله فاستغفرنا فَقَالَ أتموها سبعين مرّة يَعْنِي فأتممناها فَقَالَ
رَسُول الله وَّلِ مَا من عبد وَلَا أمة يسْتَغْفر الله فِي يَوْم سبعين مرّة إِلَّا غفر الله لَهُ
سَبْعِمِائَة ذَنْب وَقد خَابَ عبد أَو أمة عمل فِي يَوْم وَلَيْلَة أَكثر من سَبْعِمِائَة ذَنْب
(١) التاريخ الكبير (١٠٨/٢).
(٢) الحاكم (١/ ٥١١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: أبو سنان هو ضرار
بن مرة، لم يخرج له البخاري.
(٣) التاريخ الكبير (١٠٨/٢) و(٤٢٠/٨).

٥٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني(١).
قوله: وروي عن أنس بن مالك، تقدم.
قوله ويلي: ((ما من عبد ولا أمة يستغفر الله في يوم سبعين مرة إلا غفر له
سبعمائة ذنب)) الحديث، قد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة في القرآن
والحديث، والعرب تضعها مواضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى:
﴿كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾(٢) الآية، وكقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(٣) وكقوله ((الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف)) وأعطى رجل أعرابيا درهما فقال سبع الله لك الأجر أراد
التضعيف، قاله ابن العماد في شرح العمدة(٤).
٢٥١١ - وَعَن أنس أَيْضا ◌ََّهُ فِي قَوْله عز وجل: ﴿فَتَلَقَّىَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ،
كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْءٍ إِنَّهُ هُوَ الثَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾﴾(٥) قَالَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك خير الغافرين لَا إِلَه إِلَّا
أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت
أرْحم الرَّاحِمِينَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتِ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٦٥٢)، والأصبهاني في الترغيب (٢٠٦) قال ابن الجوزي:
حديث لا يصح والحسن بن جعفر أحد رواته قال السعدي: واه والنسائي: متروك.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٨٠.
(٤) انظر عمدة الحفاظ (١٦٨/٢)، وقاله ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة ٤١) وكشف
الأسرار (لوحة ٤٠).
(٥) سورة البقرة، الآية: ٣٧.

٥٧١
كتاب الذكر والدعاء
نَفْسِي فتب عَلَيّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم ذكر أَنْه عَن النَّبِي ◌َِّ وَلَكِن شكٌ
فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده من لا يحضرني حَاله (١).
قوله: وعن أنس أيضا تقدم.
قوله: في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىّ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾﴾(٢) قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا
وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، الحديث.
اختلف العلماء في الكلمات فقال ابن أبي نجيح: الكلمات اللهم لا إله إلا
أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين،
و قال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته
على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك
قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي(٣) .
وقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما -: كانت ((لا إله إلا أنت سبحانك
وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين)).
قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهٍ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ ﴾﴾(٤) قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، جعل الأرض
والجبال والشجر تقول ((أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك)). وأمره الله
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٧١٧٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٧.
(٣) تفسير الدر المنثور: ٥٩/١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٣٧.

٥٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها [٢٦٦/ ب]،
فتاب الله عليها قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع
رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السموات، ونودی
بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم
يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فآقتلعه جبريل، فصاح
صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال: ((ماذا تفعل الخطيئة)) ؟ ثم ضرب
جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل
آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى
حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله
قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع قال: وأمر الله
عزّ وجلّ الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهتّئوه فأتوه وهنّأوه كما
كانوا عزّوه ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من
طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا
قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد(١).
نظر آدم غَيَّاه الى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله الّ الله محمد
رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن
تغفر لي فغفر له (٢).
(١) نهاية الأرب في فنون الأدب (٢٤/١٣).
(٢) حديث التوسل الذى ذكره الشارح في هذا الموضع لا يصح: أخرجه الطبراني في الأوسط
(٣١٣/٦-٣١٤ رقم ٦٥٠٢)، والحاكم في المستدرك (٦١٥/٢) وعنه البيهقي في

٥٧٣
كتاب الذكر والدعاء
روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّی
ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهٍ ﴾(١) قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى
قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك
قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت
وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ
مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾(٢) وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان
آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى
الجنة . أ.هـ، قاله ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح (٣).
وقال ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ
تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾(٤) وقيل: أقوال غير هذه الأقوال.
قوله: ((قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي
فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين)) كان ◌َّ يقول: ((سبحانك اللهم
وبحمدك)) وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم
=
الدلائل (٧٦/٢-٧٧) و(٤٨٨/٥-٤٨٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣٦/٧ -
٤٣٧) عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
من هذا الوجه، وهو ضعيف. قال الذهبى: بل موضوع، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم
المذكور في إسناده واه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٥).
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٧.
(٣) انظر حادي الأرواح (ص ٣١)، ونهاية الأرب (٢٥/١٣).
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.

٥٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قالوا: ﴿وَثَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾(١) وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَّبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ
رَبِّهِمْ﴾ (٢) وروى البغوي (٣) في تفسيره أن تسبيحهم سبحانك وبحمدك لك
الحمد على حلمك بعد علمك سبحانك وبحمدك لك الحمد على عفوك
بعد قدرتك، وقيل: معناه وبحمدك وبتوفيقك سبحت وهو من مجاز إطلاق
السبب على المسبب لأن التوفيق هو سبب الحمد وقول الملائكة ﴿وَنَحْنُ
ـ التها : نحمد
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (٤) أي: بسبب توفيقك وهذا كما قالت عائشة
الله لا نحمدك [الذي نحيطه (بحمد الله لا بحمد) بالباء الموحدة فيهما وهو
كذلك فيما وقعنا عليه من نسخ صحيح البخاري في حديث الإفك (٥)، وقال
وَالّ لأبيها: ((دعها، فقد أولت الحمد أهله)».
وقوله: ((اللهم)) معناه: يا الله فعوضت الميم عن حرف النداء، وقيل: أصله
يا الله أمنا.
وقوله: ((عملت سوءا وظلمت نفسي))، فإن قيل: كيف قال ظلمت نفسي،
والنفس هي الظالمة للعبد لأنها هي الأمارة بالسوء وقال تعالى حكاية عن
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٥.
(٣) ينظر: تفسير البغوي-طيبة (٩٥/٥).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٥) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له: أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولت الحمد أهله
ذكره فى المصابيح، ولعلها تمسكت بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام لها: احمدي الله كما
في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد. (إرشاد الساري ٣٧١/٥).

٥٧٥
كتاب الذكر والدعاء
إبليس حين يقوم في النار خطيبا ولا يتكلم في ذلك المقام إلا بالحق ﴿فَلَا
تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾(١) وقال الله تعالى حكاية عن السامري ﴿وَكَذَلِكَ
سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾(٢) وقال ◌َّةٍ: ((عدوك نفسك التي بين جنبيك)) ويروي أن
الله تعالى أعطى العبد نور العقل وجعله حاكما على ما يرد عليه من
الوساوس التي من جهة الشيطان وعلى الهواجس التي من جهة النفس
وعرفه طريق الرشد من الغي فالعقل متى حكم للنفس واتبع الهوى فقد
أهلك نفسه، ولهذا قيل: إن قاضي الهوى يهلك نفسه والمحكوم له
والمحكوم عليه والنفس هاهنا حتى حكم لها أهلكها لأنها أبدا تتبع الهوى
وإن حکم علی النفس نجی.
وقوله: ((فارحمني)) وفي رواية ((فاغفر لي)) أي فبسبب ظلمي لنفسي
واعترافي بذنبي فيه موافقة لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرُ
لِى فَغَفَرَ لَهُرَ﴾(٣) وقدم المغفرة على الرحمة تأسيا بقوله تعالى: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا
وَأَرْحَمْنَأَ﴾(٤).
فإن قيل: لم قدم سؤال المغفرة على سؤال الرحمة، والمغفرة نوع من
الرحمة؟
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٢.
(٢) سورة طه، الآية: ٩٦.
(٣) سورة القصص، الآية: ١٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.

٥٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والجواب: أن المغفرة عبارة عن ستر الذنب أو محوه فإذا وجدت بعدها
الرحمة كان أبلغ في الكرامة والعبد المذنب تارة يعفو عنه السيد وتاره يعفو
عنه ويحسن إليه بالعتق وتارة يكسوه مع العتق والعتق مع الكسوة نوعان من
الرحمة وكذلك ربنا سبحانه وتعالى إذا عفا عن [زلة] عبده ترك عقوبته وستر
[٢٦٧/ أ] عليه ذنوبه وأبدلها حسنات، فالرحمة راجعة إلى تبديل السيئات
حسنات، [يعني] ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(١) قيل لإبراهيم بن أدهم: ما معنى قول العبد يا
كريم العفو فقال: ما كفى أن غفر السيئات حتى أبدلها حسنات، وجاء في
حديث آخر ((فاغفر لي مغفرة من عندك فإنك أنت الغفور الرحيم وإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت)».
قوله: ((مغفرة من عندك)) هو مصدر، وفيه تأكيد لطلب مضاعفة الساتر لأن
الغفر الستر في كلام العرب ومنه المغفر لأنه يستر الرأس، وفيه استعارة
حسنة لأن العورة الحسية يطلب سترها بمضاعفة الثياب كذلك العورة
المعنوية وهي خلل المعصية فطلب ستره بمضاعفة الساتر المعنوي.
قوله: ((من عندك)) قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: فيه إشارة إلى
طلب مغفرة يتفضل بها من عند الله -تعالى- لا يقتضيها سبب من العبد من
عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب
(١) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.

٥٧٧
كتاب الذكر والدعاء
وهذا تبرأ من الأسباب والإِدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب
وجوبًا عقليًّا(١).
وقوله: لا يقتضيها سبب من العبد، [فيه نظر لأن معناه إحالة العمل شهودا
وإن كان ثابتا وجودا، فلعل العمل أن يكون معلولا أو يوجد عند النقد
مدخولا فإن الثقة بالعمل خطير كيف والناقد بصير وعلى تقدير خلوصه،
فعسى أن تستغرقه النعم التي لا يطاق حصرها ولا يطاق شكرها، وتذكر هنا
قصة العابد التي قال الله تعالى: ((أدخلوه الجنة برحمتي)) (٢) فقال: بل بعبادتي
كذا وكذا فلما ركن إلى العمل قوبل بالنعم المستغرقة كذلك إلى أن رجع
إلى شهود المنة والفضل (مع العصمة) والله أعلم فكيف لا يفزع إلى باب
الفضل وهو تعالى هو المتفضل بالايجاد والإمداد وبإعطاء الإيمان قبل
السؤال وهو خالق الهداية والموفق لمن وفق فضلا أوليا ثم أثاب عليه فضلا
آخريا ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾(٣)
فالفضل سابق وعائد منه عليك خلق ونسب إليك على أن الدعاء نفسه من
توفيق الله وفضله على استيفاء شرائطه لا ينفى أن يعد سببا یرکن إليه، کیف
(١) إحكام الأحكام (٣١٣/١)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥٠٧).
(٢) انظر: الضعفاء ٢/ ١٤٤ (٦٣٨)، وهذه القصة مع ضعف سندها ونكارة متنها تخالف نص
القرآن: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي
٢٢٨/٢.
(٣) سورة النور، الآية: ٢١.

٥٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وهو غير موثوق بذلك والله اعلم قاله كاتبه] فيه نظر لأن تسبب العبد إذا كان
بتوفيق الله تعالى كان من عند الله تعالى وأيضًا فدعاء العبد بطلب المغفرة
تسبب من العبد فكيف يقال بإحالة ترتبها على السبب والأحسن أن يقال في
مثل ذلك أن تكون المغفرة من عند الله تعالى بلا واسطة شفاعة من أحد من
المخلوقين، فإن المعصية إذا كانت بين العبد وربه قوبلت بمغفرة من الرب
كان أبلغ في الستر وأحسن، وإذا كانت بشفاعة أحد كان في ذلك فضيحة وعار
على صاحبها بسبب إطلاع الغير عليها، وقد ورد أن الله تعالى ينسى العبد
التائب ذنوبه حتى لا يذكرها بين يديه فيفتضح قيل وإليه الإشراة بقوله تعالى
﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾(١) أي غطها عنا حتى لا نراها ولا نذكرها فنخجل بين
يديك وورد في الحديث أن الله تعالى ينسي الحفظة ما عمله العبد وينسي
الأرض ما عمل عليها حتى لا تشهد عليه يوم القيامة.
قوله: ((فإنك أنت الغفور الرحيم)) فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يدعى الله
تعالى بإسمائه الحسنى فيقول يا غفور اغفر لي يا رزاق ارزقني ويا رحمان
ارحمني وقد وقعت المقابلة هنا الأول بالأول وبالثاني الثاني، وقد يقع على
خلاف ذلك بأن يراعي القرب فيجعل الأول للأخير ومن ذلك قوله تعالى:
﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾(٢).
وقوله: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)) إقرار بوحدانية الباري سبحانه وتعالى
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.
(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٠٦-١٠٧.

٥٧٩
كتاب الذكر والدعاء
ونفي الشريك وبأنه الضار النافع وبأنه ليس لغير من الأمور شيء واستجلاب
لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى: ((علم عبدي بأن له ربا يغفر الذنب
ويأخذ به قد غفرت لعبدي)) الحديث.
تتمة: روى الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا إلى النبي
وَلَه أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ
اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾﴾(١) فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى
يوم القيامة ثم قال حديث غريب فيه إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف أ.هـ(٢)،
الصواب أن إبراهيم بن مهاجر ليس بضعيف فقد روى له مسلم والأربعة (٣)
وحاله متقارب إنما أنكر عليه حديث أبي هريرة أن النبي وَل# قال: ((لا يدخل
الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء)) وهو: إبراهيم بن مهاجر بن
جابر البجلي الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وطارق بن شهاب وطائفة،
(١) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٤١)، والضعيفة (١٦٩٠).
وفي الإسناد سفيان بن وكيع ضعيف، وعباد بن يوسف مجهول كما في التقريب.
(٣) وهم إنما هو إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلى الكوفى قال أحمد: ((أبوه
أقوى في الحديث منه)). وقال ابن معين: ((ضعيف)). وقال البخاري: ((في حديثه نظر)»، وقال
النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ((ليس بقوي يكتب حديثه)). وقال الآجري: سألت أبا
داود عنه فقال: ((ضعيف، ضعيف، أنا لا أكتب حديثه))، وقال ابن الجارود: ((ضعيف)).
وقال ابن حبان: ((كان فاحش الخطأ)). وقال الساجي: (فيه نظر)). وقال الحافظ:
(ضعيف)). انظر: الجرح والتعديل (١٥٢/٢)، تهذيب الكمال (٣٣/٣). تهذيب التهذيب
(٢٤٤/١) والتقريب (٤١٧).

٥٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال الإمام أحمد: لا بأس به (١) كما [٢٦٧ / ب] قال ابن عطية: قالت طائفة
هذه الآية نزلت كلها بمكة، قالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر، قال
القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وَما كانَ اللهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها،
فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم (٢)، وقوله بعدها
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) مخصوص بالكفار أ.هـ، قاله في الديباجة (٤).
خاتمة: عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في
اليوم سبعين مرة)) (٥) الحديث، استغفاره والخير إظهارا للعبودية والافتقار
وملازمة الخضوع وشكرا لما أولاه فقد قال المحاسبي: خوف الملائكة
والأنبياء خوف إعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى(١).
(١) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (١ / ٤٢٧)، والطبراني في الأوسط (١ /٢٦٢)، ومن طريق
عبد بن حميد: ابن الجوزي في الموضوعات (١١١/٣)، جميعهم من طريق عمرو بن أبي
قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي هريرة،
به. قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا عمرو. اهـ، قال الألباني في الضعيفة (٤٣٦/٣):
وعمرو صدوق له أوهام، لكن شيخه إبراهيم بن المهاجر - وهو ابن جابر البجلي - صدوق
لين الحفظ؛ فهو علة الحدیث. اهـ.
(٢) المحرر الوجيز (٥٢١/٢)
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٣٤.
(٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الاشارة الى هذا.
(٥) أخرجه البخاري (٦٣٠٧)، والترمذي (٣٢٥٩).
(١) نقله ابن بطال في شرح الصحيح (١٣٠/١٠) والقاضى عياض في إكمال المعلم
(١٩٧/٨).