النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١
كتاب الذكر والدعاء
تکلم تکلم التودد والرفق لأن النبي ێ﴾ قال: «خیر کم خیر کم لأهله)) قاله أبو
الليث السمر قندي(١)، قال النووي: وروينا في موطأ الإمام مالك رحمه الله
تعالى أنه بلغه أنه يستحب إذا دخل بيتا غير مسكون أن يقول السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين(٢) أ.هـ.
٢٤٩١ - وَرُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي ◌ََّّهُ عَنِ النَّبِيِ وَجِهِ قَالَ من سره أَن لَا
يجد الشَّيْطَان عِنْده طَعَامًا وَلَا مقيلا وَلَّا مبيتا فليسلم إِذا دخل بيته وليسم على
طَعَامِهِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ (٣).
قوله: وروي عن سلمان الفارسي رقّ، تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((من سره أن لا يجد الشيطان عند طعاما ولا مقيلا ولا مبيتا فليسلم
إذا دخل بيته وليسم على طعامه)) سيأتي الكلام على ذلك في كتاب الطعام.
٢٤٩٢ - وَعَن أبي أَمَامَة رَّ ◌َ عَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ ثَلَاثَة كلهم ضَامِن
على الله عز وجل رجل خرج غازيا فِي سَبِيل الله عز وَجل فَهُوَ ضَامِن على الله
حَتَّى يتوفاه فيدخله الْجِنَّة بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة وَرجل رَاحِ إِلَى الْمَسْجِد
فَهُوَ ضَامِن على الله حَتَّى يتوفاه فيدخله الجنَّةِ أَو يردُهُ بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة
وَرجل دخل بَيْته بِسَلامٍ فَهُوَ ضَامِن على الله عز وجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(١) بستان العارفين (ص ٤٠٧).
(٢) الأذكار (ص ٢٥).
(٣) الطبراني في المعجم الكبير (٦١٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٨/٨)، وفيه أبو
الصباح عبد الغفور، وهو متروك.
٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه قَالَ ثَلَاثَة كلهم ضَامِن على الله إِن عَاشَ
رزق وكفي وَإِن مَاتَ دخل الجنَّة رجل دخل بيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على الله
فَذْكر الحَدِيث (١).
قوله: وعن أبي أمامة زكاته، تقدم الكلام عليه.
قوله وَلة: ((ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل)) الحديث، ومعنى ((ضامن
على الله تعالى)): أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشئ، كما يقال:
تَامِرٌ، ولاَبنٌ: أي صاحب تمر ولبن ، ومعناه كأنه في رعاية الله تعالى وما
أجزل هذه العطية ذكره النووي(٢) في أذكاره أ.هـ وتقدم الكلام على ذلك
أيضا في مواضع من هذا التعليق.
(١) ابن حبان (٤٩٩)، والحاكم (٧٣/٢)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (١٦٦/٩)،
وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٥٣).
(٢) يراجع: الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣٢).
كتاب الذكر والدعاء
٥٢٣
الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها
٢٤٩٣ - عَن عَائِشَة ◌َّهَا أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن أحدكُمْ يَأْتِهِ الشَّيْطَان
فَيَقُول من خلقك فَيَقُول الله فَيَقُول من خلق الله فَإِذا وجد ذَلِك أحدكُمْ فَلْيقل آمَنت
بِالله وَرَسُوله فَإِنِ ذَلِك يذهب عَنْهُ رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَار (١).
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ والأوسط من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو (٢).
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيث خُزَيْمَة بِن ثَابَتِ رََّ (٣).
وَتقدم فِي الذّكر وَغَيرِه حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيّ وَفِيه وآمركم بِذكر الله
كثيرا وَمثل ذَلِك كَمثل رجل طلبه الْعَدو سرَاعًا فِي أَثَرِه حَتَّى أَتَّى حصنا
حصينا فأحرز نَفسه فِيهِ وَكَذَلِكَ العَبْد لَا ينجو من الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذكر الله رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَصَحِحُهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَغَيرِهمَا (٤).
(١) أحمد (٢٦٢٠٣)، وأبو يعلى (٤٧٠٤)، والبزار (٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٤٨)،
وابن حبان (١٥٠)، وابن السني في علم اليوم والليلة (٦٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٣٣/١)، رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في
السلسلة الصحيحة (١١٦).
(٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٤٢٣٤)، والأوسط (٨٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٣٤/١)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح، خلا أحمد بن
محمد بن نافع الطحان شيخ الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٦).
(٣) أحمد (٢١٨٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٥٠).
(٤) الترمذي (٢٨٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. والنسائي في التفسير (١١٣٤٩)،
=
٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن عائشة ◌َقَّتَهَا، تقدم الكلام عليها.
قوله وقال: ((إن أحدكم [٢٦٠/ ب] يأتيه الشيطان فيقول من خلقك؟
فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله
ورسوله)) وفي الرواية الأخرى التي ستأتي ((فليستعذ بالله ولينته)) فمعناه
الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه قيل: عن
وسوستة الشيطان تجري في الإنسان كما يجري فيه الدم كذا قاله الغزالي،
وقال غيره: لأنه يدني خرطومه إلى قلب الرجل فيوسوس له بالشر، قال
الحافظ أبو نعيم عن الحسن البصري أن بعض الأنبياء سأل ربه أن يريه كيف
يوسوس الشيطان لبني آدم فأراه إنسانا في [صورة البلور، يرى داخله من
خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع] والشيطان في صورة ذباب جاء من
موقفه الأيسر فدلى خرطومه حتى وصل إلى القلب(١)، وعلى هذا يكون
المعنى أنه يجري من ابن آدم مجاري الدم ولا تحجزه البشرة عن الدخول
فيها كما لا تحجزه الأرض من العبور فيها، وفي تفسير البغوي (٢) أن شيطان
الزنى ينفخ في أحليل الرجل وفي عجز المرأة يهيج الشهوة بينهما واتفقوا على
وابن خزيمة (٩٣٠)، ابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١١٧/١)، وأحمد (١٧١٧٠)، وأبو
يعلى (١٥٧١)، والطبراني في الكبير (٣٤٢٧).
(١) إحياء علوم الدين (٤٠/٣)، والفائق (٣٩٦/٣)، وربيع الأبرار (٣٢٣/١)، والروض
الأنف (١٧٨/٢).
(٢) تفسير البغوى (١٧٩/٥).
٥٢٥
كتاب الذكر والدعاء
أن ما يقع في القلب من خواطر القلب فهو وسواس من قبل الشيطان وما يقع
فيه من خاطر الطاعة فهو إلهام وذلك من جهة الملك وما يقع فيه من طلب
شهوة فهو هاجس وذلك من قبل النفس وأول ما يقع في القلب الخاطر فإن
صرفه الله وإلا صار فكرة فإن صرفها الله وإلا صارت عزمة ووقع في المعصية
فإن أنقذه الله بالتوبة وإلا صارت طبعا (وهو الران] قال الله تعالى: ﴿كَلََّّ بَلْ
رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾(١) والخاطر الأول معفو عنه لقوله
بَلَّم ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به [أو
تعمل])) (٢) أ.هـ.
ونقل الزمخشري في الفائق عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل ربه أن يريه
مقع الشيطان من قبل ابن آدم فرأی فیما یری النائم رجلا كالبلور یری داخله
من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة قد
أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له فإذا ذكر الله خنس أي تأخر والله
أعلم (٣). أ.هـ
وأما قوله ◌َّ في حديث أبي هريرة فليستعذ بالله ولينته معناه إذا عرض له
هذا الوسواس فليجأ إلى الله تعالى في دفع شره وليعرض عن هذا الفكر في
(١) سورة المطففين، الآية: ١٤.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١ و٢٠٢ -١٢٧) عن أبي
هريرة.
(٣) الفائق (٣٩٦/٣).
٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ذلك وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان وهو إنما يسعى بالفساد
والإغواء فليعرض عن هذا الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها
بالاشتغال بغيرها (١) أ.هـ.
قال الإمام المازري رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أنه والر أمرهم أن
يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في
إيطالها (٢) أ. هـ.
٢٤٩٤ - وَعَنِ عُثْمَان بن عَفَّان ◌َّ ◌َهَ قَالَ تمنيت أَن أكون سَأَلَت رَسُول الله
﴿﴿ مَاذَا ينجينا مِمَّا يلقِي الشَّيْطَان من أَنْفُسَا فَقَالَ أَبُو بكر رَّ لَ قد سَأَلَتهِ عَن
ذَلِك فَقَالَ ينجيكم مِنْهُ مَا أمرت بِهِ عمي أَنْ يَقُوله فَلم يقلهُ رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده
جيد حسن وَعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أَبُو الْحُوَيْرِثِ وَثَّقَهُ ابْنِ حِبَان وَله
شَوَاهِد(٣).
يَأْتِي الشَّيْطَانِ
◌َلَى اللّه
٢٤٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
سلم
أحدكُم فَيَقُول من خلق كَذَا من خلق كَذَا حَتَّى يَقُول من خلق رَبك فَإِذا بلغه
فليستعذ بالله ولينته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ(٤).
(١) شرح النووي على مسلم (١٥٥/٢ - ١٥٦).
(٢) المعلم (٣١٢/١- ٣١٣).
(٣) أحمد (٣٧)، وأبو يعلى (١٣٣).
(٤) البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤)، وأبو داود في السنة (٤٧٢١)، والنسائي في عمل اليوم
والليلة (١٠٤٩٩)، وأحمد (٨٣٧٦)، وابن أبي عاصم (٦٥١)، وابن منده في الإيمان
(٣٥٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٢٥)، والطبراني في الدعاء (١٢٦٥).
٥٢٧
كتاب الذكر والدعاء
وَفِي رِوَايَة لمُسلم فَلْيقل آمنت بِالله وَرَسُولِه(١).
وَفِي رِوَايَة لابي دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ فَقولُوا الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد
وَلم يكن لَهُ كفوا أحد ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بالله من الشَّيْطَان وَفِي
رِوَايَة للنسائي فليستعذ بالله مِنْهُ وَمن فتنه (٢).
قوله: وعن [عثمان بن] عفان زَقُونَ﴾، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّيقول: ((ينجيكم من ذلك ما أمرت به عمي أن يقوله فلم يقله))
الحديث، أمر النبي وَل عمه أن يقول لا إله إلا الله، قال بعض العلماء:
يستحب قول لا إله إلا الله لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء او الصلاة
وشبههما فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس أي: تأخر وبعد، ولا إله إلا الله
رأس الذكر ولذلك اختار السادة الصوفية في تربية السالكين وأهل الخلوات
المباركين قول لا إله إلا الله وأمرهم بالمداومة عليها وقالوا أنفع علاج في
دفع الوسوسة الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه، قال النووي(٣): وهذا
مما يؤيد ما قاله بعض الأئمة أن الوسواس إنما يبتلى به من كمل إيمانه فإن
اللص لا يدخل بيتا خربا.
قوله وَّيقود في رواية أبى داود والنسائي: ((فقولوا الله أحد الله الصمد لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وليتفل [٢٦١/ أ] عن يساره ثلاثا وليستعذ
(١) مسلم (١٣٤).
(٢) ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٢٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٣٩/١٠).
٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالله من الشيطان)) تقدم الكلام على الحكمة في التفل عن اليسار وعلى
الاستعاذة من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغُ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ ﴾﴾(١) فأحسن ما يقلا ما أدبنا الله تعالى به
وأمرنا بقول، أ.هـ.
٢٤٩٦ - وَعَن أبي زميل سماك بن الْوَلِيد ◌ََّ قَالَ سَأَلَتِ ابْنِ عَبَّاس
فَقلت مَا شَيْء أَجِدُهُ فِي صَدْرِي قَالَ مَا هُوَ قلت وَالله لَا أَتْكَلّم بِهِ قَالَ فَقَالَ لي
أَشَيْء من شكّ قَالَ وَضحك قَالَ مَا نجا من ذَلِك أحد قَالَ حَتَّى أنزل الله عز
وَجل: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَقٍ مِّمَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ اُلْكِتَبَ
مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحُقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾﴾(٢) قَالَ
فَقَالَ لي إِذا وجدت فِي نَفسك شَيْئًا فَقل ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِئُ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمْ ﴾﴾(٣)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٤).
قوله: وعن أبي زميل سماك بن الوليد زَقْوَّهُ، أبو زميل: بضم الزاي
الحنفي، احتج به مسلم.
قوله: سألت ابن عباس رَقَالَّهَا، فقلت ما شيء أجده في صدري، قال: ما
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.
(٢) سورة يونس، الآية: ٩٤.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٣.
(٤) أبو داود (٥١١٠)، والضياء المقدسي في المختارة (٤٤٢)، وصححه الألباني في سن أبي
داود.
٥٢٩
كتاب الذكر والدعاء
هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك، قال وضحك
قال ما نجا من ذلك أحد، الحديث، قيل: ويحتمل أنه أراد الخوف من
حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس، ويحتمل أنه أراد
الوسوسة في الصلاة فإنه كان موسوسا ولا يصلح للإمامة الموسوس(١).
[قوله:]، فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ ﴾﴾(٢) الآية، الأول [الذي ليس
قبله شيء]، والآخر من أسمائه الحسنى فالآخر هو الباقي بعد فناء خلقه كله
ناطقه وصامته (٣)، وفي الحديث أن رجلا شكى إلى النبي وَجُلّ وسوسة
الشيطان فقال له النبي وقال: ((إن السارق لا يدخل بيتا ليس فيه شيء))(٤) فذلك
من محض الإيمان أي خالصه وصريحه، والمحض الخالص من كل شيء
قاله في النهاية(6)، وفي رواية فذلك صريح الإيمان والصريح الخالص من كل
شيء يعني أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في
أنفسكم حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم ولا تطمئن إليه
نفوسكم وليس معناه أن الوسوسة في تفسها صريح الإيمان لأنها إنما تتولد
(١) شرح النووي على مسلم (١٨٥/٤-١٨٦).
(٢) سورة الحديد، الآية: ٣.
(٣) النهاية (٢٩/١).
(٤) لم أجده.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٠٢/٤).
٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيمانا صريحاً(١) وقيل: معناه أن
الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه حيث شاء،
ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد فعلى هذا معنى
الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان والوسوسة علامة محض الإيمان،
وهذا القول اختاره القاضي عياض (٢)، وسئل إبراهيم عن الوسوسة فقال:
صلاة لا وسوسة فيها فإنها لا تقبل، لأن اليهود والنصارى لا وسوسة لهم(٣)،
وقال علي بن أبي طالب رَوَّة: الفرق بين صلاتنا وصلاة أهل الكتاب
وسوسة الشيطان لأنه فرغ من عمل الكفار لأنهم وافقوه، والمؤمن يخالفه،
والمحاربة تكون مع المخالف(٤)، وقال النبي وَّة: ((إن الشيطان يوسوس
لكم ما لو تكلمتم به كفرتم فعليكم بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)).
فائدة: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: روى أن رجلا أتى النبي
صَلى اللّه
وَسَام
فقال: يا رسول الله مبتلى بالهم والوسوسة، فقال: ((قل اللهم اجعل نفسي
إليك مطمئنة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك وترضى بقضائك وتخشى عقابك))
فقالها فزال عنه ما کان یجده(٥)، أ.هـ.
(١) معالم السنن (٤/ ١٤٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٤).
(٣) نزهة المجالس (١٢٨/١).
(٤) نزهة المجالس (١٢٨/١)، وبريقة محمودية (٢٣٥/٤).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٩/٨ رقم ٧٤٩٠) والشاميين (١٥٩٨). قال الهيثمي في المجمع
١٠/ ١٨٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٦٠).
٥٣١
كتاب الذكر والدعاء
٢٤٩٧ - وَعَن عُثْمَان بن العَاصِي ◌ََّهُ أَنْه ◌َتَى النَّبِيِ وَِّ فَقَالَ يَا رَسُول الله
إِن الشَّيْطَان قد حَال بيني وَبَيْن صَلَاتي وقراءتي يلبسهَا عَلَيّ فَقَالَ رَسُول الله
وَلِّ ذَاك شَيْطَان يُقَال لَهُ خنزب فَإِذا أحسسته فتعوذ بِالله واتفل عَن يسارك قَالَ
فَفعلت ذَلِك فأذهبه الله عني رَوَاهُ مُسلم (١).
خنزب بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الزَّاي بعْدِهَا بَاء مُوَحدَة
قوله: وعن عثمان بن العاصي رقُّ، تقدم الكلام عليه.
قوله {مَّيّ: ((إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ))
الحديث، ومعنى ((حال بيني وبين صلاتي)) أي بلدني فيها ومنعني لذتها
والفراغ والخشوع فيها، ومعنى قوله ((وقراءتي يلبسها عليّ)) أي: يخلطها عليّ
ویشککني فيها وهو بفتح أوله و کسر ثالثه.
قوله وَله: ((ذاك شيطان يقال له خنزب)) الحديث، قال أبو عمر: خنزب
لقب له، والخنزب قطعة لحم منتنة، قال النووي (٢): ويروي بكسر الخاء
المعجمة وسكون النون وفتح الزاي، ولم يذكر المنذري غيره، [٢٦١/ ب]
واختلف العلماء في ضبط الخاء والزاي منه فمنهم من فتح الخاء ومنهم من
كسرها وهذان مشهوران ومنهم من ضمها حكاه ابن الأثير في النهاية(٣) وهو
(١) مسلم (٢٢٠٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨٦/٤).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨٣).
٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
غريب والمعروف الفتح والكسر واختلفوا في الزاي أيضا فمنهم من كسرها
ومنهم من فتحها ومنهم من ضمها مع ضم الخاء حكاه ابن الأثير في
النهاية(١) وقال إنه غريب وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند
وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثا وتقدم الحكمة من ذلك والله أعلم.
خاتمة: شيطان الصلاة يقال له خنزب وتقدم الكلام على شيطان الوضوء
يقال له الولهان عن أبي بن كعب قال قال رسول الله وح لو ((إن للوضوء شيطانا
يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء)) رواه الترمذي(٢).
وقال في الإحياء(٣): قال الحسن إن شيطانا يضحك من الناس في الوضوء
يقال له الولهان والوله ذهاب العقل [و] التحير فكأن هذا الشيطان يزيل
العقل ويحير المتطهر وقال إبراهيم بن أدهم أول ما يبدأ الوسواس من قبل
الطهور (٤)، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان حديث أبي ثم روى
عن الثوري قال بلغني عن طاوس أنه يقول إن الولهان هو أشد الشياطين قال
النووي(6) في الأذكار وروينا بالإسناد الصحيح في رسالة القشيري عن أحمد
(١) ينظر المرجع السابق.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٧) سنن ابن ماجه (٤٢١)، وأحمد (٢١٢٣٨) وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع الصغير (١٩٧٠)
(٣) إحياء علوم الدين (١ / ١٣٤).
(٤) كذا وقع هنا وفى الاحياء (١/ ١٣٤) إبراهيم بن أدهم وإنما قاله ابراهيم التيمى كما في
الطهور (١٢٤) لابن سلام.
(٥) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣١٦).
كتاب الذكر والدعاء
٥٣٣
بن عطاء الروذباري السيد الجليل أنه قال كان بي وسواس في الطهارة فضاف
صدري ليلة لكثرة ما استعملت من الماء ولم يسكن قلبي فقلت يا رب عفوك
عفوك فسمعت هاتفا يقول العفو في العلم فزال عني(١) ذلك والله أعلم.
(١) الرسالة (٢/ ٥٣١).
٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار
٢٤٩٨ - عَن أبي ذَر رَّهُ عَن رَسُول الله ◌َِّ أَنَّه قَالَ: «يَقُول الله عز وجل
يَا ابْن آدم كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت فاستغفروني أَغفر لكم وكلكم فَقير إِلَا
من أغنيت فاسألوني أعطكم وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى
أهدكم وَمن استغفرني وَهُوَ يعلم أَنَّي ذُو قدرَة على أَن أَغفر لَهُ غفرت لَهُ وَلَا
أُبَالِي وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا
على قلب أَشْقَى رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من سلطاني مثل جناح
بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا
على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زادوا فِي سلطاني مثل جناح بعوضة وَلَو
أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سَأَلُونِي حَتَّى تَنْتَهِي
مَسْأَلَةٍ كل وَاحِدٍ مِنْهُم فأعطيتهم مَا سَأَلُونِي مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي كمغرز
إبرة لَو غمسها أحدكُم فِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ أَنِّي جواد ماجد وَاحِد عطائي كَلَام
وعذابي كَلَام إِنَّمَا أَمْرِي لشَيْء إِذا أردته أَن أَقُول لَهُ كن فَيكون)) رَوَاهُ مُسلم
وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَفِي إِسْنَاده شهر بن حَوْشَب
وَإِْرَاهِيم بن طهْمَان وَلَفظ التِّرْمِذِيّ نَحوه إِلَّا أَنْه قَالَ يَا عِبَادي وَيَأْتِي لفظ
المُسلمٍ فِي الْبَابِ بعده إِن شَاءَ الله(١).
(١) مسلم (٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٧٠٨٩)، وأحمد (٢١٣٦٧).
٥٣٥
كتاب الذكر والدعاء
قوله: عن أبي ذر زَقَّهُ واسم أبي ذر جندب بن جناده وقيل غير ذلك.
قوله وَله ((يقول الله عز وجل يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت
فاستغفروني أغفر لكم)) الحديث.
هذا الباب من أهم الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل بها قال الله
تعالى: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾(١) وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾(٢) وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَأُسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ, كَانَ تَوَّابًا ﴾﴾﴾(٣) وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾(٤)
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ ﴾﴾(٥) وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٦) الآية وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾(٧) وقال
الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، قَالا: قَالَ عَبْدُ اللهِ(٨): إِنَّ فِي كِتَابِ اللهِ آيَتَيْنِ مَا أَصَابَ عَبْدٌ
(١) سورة نوح، الآية: ١٠.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٠٦.
(٣) سورة النصر، الآية: ٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٧.
(٥) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.
(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٧) سورة النساء، الآية: ١١٠.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠١٣٧) والطبراني في الكبير (٢٤١/٩ رقم ٩٠٣٥)
والبيهقي في الشعب (٦٧٤٣).
٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ذَنْبًا فَقَرَأَهُمَا، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللهَ إِلَّ غَفَرَ لَهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ
أَنفُسَهُمْ﴾(١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. و﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾(٢). وقال
الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾(٣)) وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن(٤) عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح
في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) ولهذا
کان بعضهم يقول في دبر كل صلاة اللهم اغفر لأبوي وراحمهما كما ربياني
صغيرا وقال خالد بن معدان قال الله تعالى إن أحب قوله: ﴿أُسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾(٥) وغفار وغفور من امثلة المبالغة والغافر الساتر
لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران
التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة من الله تعالى
العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة.
قوله وَي ((يقول الله عز وجل يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت
فاستغفروني أغفر لكم)) الحديث أي يطلب مني المغفرة أغفر لكم وجاء في
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ١١٠.
(٤) أخرجه أحمد (٥٠٩/٢)، وابن ماجه (٣٦٦٠)، والبيهقي في السنن (٧٨/٧)، وصححه
الألباني في صحيح الجامع (١٦١٧)، وحسنه في الصحيحة (١٥٩٨).
(٥) سورة نوح، الآية: ١٠.
٥٣٧
كتاب الذكر والدعاء
الحديث ((لو أنكم لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم فيذنبون
فيستغفرون فيغفر لهم))(١).
وأصل الغفر الستر وغفرت المتاع سترته والمغفر وقاية تستر الرأس في
الحرب وغفر الذنب ستره ومحواثره وأمن عاقبته ذكره الطوفي اهـ (٢).
فالاستغفار من الذنوب [٢٦٢ / أ] هو طلب المغفرة والعبد أحوج شيء
إليه لأنه يخطئ بالليل والنهار وقد تكرر في القرآن العظيم والأمر بهما
والحث عليهما، فأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء
مجرد إن شاء الله رده وإن شاء أجابه وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة،
وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، ويل للذين يصرون على ما
فعلوا وهم يعلمون(٣)، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم
الإصرار كما مدح الله أهله ووعدهم المغفرة.
قوله وَّ ه قال الله تعالى ((وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألوني أعطكم)) هذا
يقتضي أن جميع الخلق يفتقرون إلى الله تعالى في جلب منافعهم ودفع
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤٩).
(٢) كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص ١٨٩)
(٣) أخرجه أحمد (١٦٥/٢) والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠) والبيهقي في الشعب
(٧٢٣٦) (١١٠٥٢) وقال الهيثمي (١٩١/١٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير
حبان بن يزيد الشرعبي ووثقه ابن حبان ورواه الطبراني كذلك. وقال المناوي (١ / ٤٧٥)
قال الزين العراقي والمنذري: إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨٩٧)
والسلسلة الصحيحة (٤٨٢).
٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من عباد
إلى المتحابون بحبي والمتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار
أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت
العقوبة عنهم وقال قتادة القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم
فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار، وقال علي بن أبي طالب العجب ممن
يهلك ومعه النجاة قيل وما هي؟ قال الاستغفار، قال الغزالي (١) وكان يقال ما
دل الله عبدا على الاستغفار وهو يريد أن يعذبه، وقال الفضيل قول العبد
أستغفر الله تفسيرها أقلني وقال بعض العلماء العبد بين ذنب ونعمة لا
يصلحهما إلا الاستغفار والحمد وقال الربيع بن خثيم لا يقولن أحدكم
أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ولكن ليقل اللهم اغفر
لي وتب علي، قال النووي(٢) وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب
علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لأن معنى
أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذبا ويكفي في رده في سنن أبي داود
والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ له
((من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له
ذنوبه وغن كان قد فر من الزحف)»(٣).
(١) إحياء علوم الدين (٣١٣/١)
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧). وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه
انتھی. ووقع في کتاب أبي داود روایته من حدیث هلال بن يسار بن زید عن أبيه عن جده
=
٥٣٩
كتاب الذكر والدعاء
وقال الفضيل: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقالت رابعة العدوية:
استغفارنا يحتاج إلى استغفار وسمع أعرابي متعلق بأستار الكعبة يقول: إن
استغفار إليك مع إصراري للؤم وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك
لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع
حاجتي إليه يا من إذا وعد وفى وإذا تواعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم
عفوك يا أرحم الراحمين، وقال أبو عبد الله الوراق: ولو كان عليك مثل عدد
القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عند إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن
شاء الله تعالى الله استغفرم من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه
وأستغفرك من كل وعدتك به من نفسي ثم لم أوف لك به وأستغفرك من كل
عمل أردت له وجهك فخالطه غيره وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي
فأستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب
أتيته في ضياء النهار أو ظلام الليل في ملأ أو خلاء أو سر أو علانية يا حليم،
ويقال: إنه استغفار الخضر ،فَلَّا أ.هـ. قاله في الديباجة .، ذلك كله وإن لم
بالهاء ووقع في كتاب الترمذي وغيره وفي بعض نسخ أبي داود: بلال بن يسار بالباء
الموحدة.
وانظر: تعقب الناجي على المنذري في عجالة الإملاء (٥٧٨/٤) ويسار بن زيد أبو بلال
مولى النبي ◌ّ﴾ ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عنه أبو حاتم، وقال الذهبي: لا يعرف.
وقال الحافظ في التقريب. مقبول (ت ٧٨٥٣).
وبلال بن يسار بن زيد: قال الحافظ في التقريب. مقبول (ت ٧٩٥)، وكلام البخاري في
تاریخه (٨/ ٤٢٠).
٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله
عليه بمغفرة ذنوبه او بقية خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ
فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن ◌َجِدَ لَهُ, وَلِيَّا مُرْشِدًا﴾(١)، وفي الحديث دليل
على أن الله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح [٢٦٢/ ب] دينهم
ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية
والمغفرة، وفي الحديث: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا
انقطع))(٢)، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح
عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال:
يارب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك قال: سلني حتى
ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله
تعالى فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحبه الله تعالى،
وكان بعض السلف يستحي من الله تعالى أن يسأله شيئا من حوائج الدنيا،
والاقتداء بالسنة أولى والله أعلم ذكره ابن رجب(٣).
قوله وَليه: ((قال الله تعالى: وكلكم ضال إلا من هديت فاسألوني الهدى
أهدكم)) الحديث، وأما سؤال المؤمن الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية
(١) سورة الكهف، الآية: ١٧.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩٦٣) وابن حبان (٨٩٤). وضعفه الألباني (٤٩٤٦)، والضعيفة
(١٣٦٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣٩/٢).