النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
كتاب قراءة القرآن
وماتوا، ويستحب البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء فإن ذلك صفة
العارفين، وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعَاءِ ﴾﴾(١) قال السيد الجليل إبراهيم الخواص:
دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وفضاء البطن وقيام الليل
والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين، وقال الغزالي بعد ذكر
الحديث(٢): يستحب البكاء مع القراءة، قال صالح المري: قرأت على النبي
وَّل في المنام، فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟، وقال ابن عباس:
إذا قرأ سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين
أحدكم فليبك قلبه، وطريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن.
وفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن السائب، وكان حسن [٢١٤/ ب]
الصوت بالقرآن، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت
عليه فقال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن
الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن هذا القرآن نزل بحزن)) (٣)
فذكر الحديث، أ.هـ.
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.
(٢) إحياء علوم الدين (١ / ٢٧٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه ت (١٣٣٧) وأبو يعلى (٦٨٩)، والآجري في أخلاق أهل القرآن
(٨٥)، والبيهقي ١٠/ ٢٣١، وأخرجه مختصرًا أبو داود (١٤٦٩) و (١٤٧٠) وهو أيضا
في مسند أحمد (١٤٧٦)، وصحيح ابن حبان (١٢٠). ضعيف الجامع الصغير وزيادته
(٢٠٢٥).
١٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وشيقة: ((وتغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا)) الحديث، معنى
يتغن: يحسن صوته بالقرآن، أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن وقال
أبو عبيد ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت محمولة على
التحزين والتخويف والتشويق(١).
لطيفة: استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يحمد، وقد وقف
النبي ◌َّي على أبي موسى الأشعري واستمع قراءته فروي ابن ماجه عن أبي
هريرة رَو ◌َلَهُ قال: دخل رسول الله وَّر المسجد فسمع قراءة رجل، فقال: من
هذا؟ فقيل: عبد الله بن قيس، قال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود،
وخرجه مسلم (٢) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله وَله إن
عبد الله بن قيس الأشعري أعطى مزمارا من مزامير آل داود، وفي رواية أبي
بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله لأبي موسى: لو رأيتني وأنا أستمع
لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه البخاري (٣)
أيضاً، وفي رواية أن النبي ◌َّلو سمع قراءة أبي موسى فأخبر بذلك فقال: لو
علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا(٤)، وكان عمر زَوتَّهُ يأمره إذا
(١) فضائل القرآن (٣٣٣/١)، والتذكار (ص ١٢٦).
(٢) صحيح مسلم (٧٩٣).
(٣) صحيح البخاري (٥٠٤٨)
(٤) أخرجه البزار (٣١٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٢٠١)، وأبو يعلى (٧٢٧٩)، وابن حبان
(٧١٩٧)، والحاكم (٤٦٦/٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في
الصحيحة (٣٥٣٢).
١٢٣
كتاب قراءة القرآن
حضر عنده من الصحابة أن يسمعهم قراءته فيقرأ وهم يسمعون(١)، قال
العلماء: المراد هنا الصوت الحسن وأصل الزمر الغناء (٢).
وقوله: ((من مزامير آل داود)) أراد من مزامير داود نفسه والآل صلة(٣)، وآل
فلان يطلق على نفسه (٤)، وقال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن
وبه سميت الزمر مزمار وكان داود ◌َّله حسن الصوت جدا شبه حسن صوته
وحلاوة نغمته بصوت المزمار وداود النبي ◌َّ إليه المنتهي في حسن
الصوت بالقراءة (6)، وفي الحديث أن النبي ◌َ لو قرأ ورجع قراءته(٦).
وقوله: ((لحبرته لك تحبيرا)) التحبير التزيين والتحسين (٧)، يقال: حبرت
الشيء تحبيرا إذا حسنته (٨) وهذا محمول من أبي موسى على أنه كان يزيد في
رفع صوته وتحسين ترتيله حتى يسمع النبي ◌ُّ ويعرفه أنه قبل عنه كيفية
أداء القراءة وأنه متمكن منها فيحمده النبي ◌َّ﴾ ويدعو له فيحصل له فضيلة
(١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢٢٨)، والدارمى (٣٥٣٦) و(٣٥٣٨)، وأبو عوانة
(٤٣٢٨) وابن حبان (٧١٩٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).
(٣) غريب الحديث (٣٧/١)، وكشف المشكل (٤١٥/١)، والنهاية (١ / ٨١).
(٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).
(٥) النهاية (٢/ ٣١٢).
(٦) أخرجه البخاري (٤٢٨١) و(٥٠٣٤) و(٥٠٤٧) و(٧٥٤٠)، ومسلم (٢٣٧ و٢٣٨
و٢٣٩ -٧٩٤) عن عبد الله بن مغفل.
(٧) التذكار (ص ١٢٤).
(٨) النهاية (١/ ٣٢٧).
١٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[ومنقبة] كما فعل بأبيّ حيث سأله فأجابه بقوله وَ له: ((ليهنك العلم أبا
المنذر)) ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالة يطيب بها القرآن له فإن
الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها وإن
کان مخلصا في أصل عمله(١).
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبى داود السجستاني: لأبي موسى مع حسن
صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ◌َّلة، هاجر ثلاث هجرات
هجرة من اليمن إلى رسول الله وَالله بمكة، وهجرة من مكة إلى الحبشة،
وهجرة من [الحبشة إلى المدينة]، واستعمله النبي وٍَّّ على زبيد وعدن
وساحل اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة، روى له
عن رسول الله وَلو ثلاثمائة وستون حديثا، توفي سنة خمس، وقيل: إحدى
وخمسين، وقيل: سنة اثنين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين وهو ابن
ثلاث وستين سنة(٢).
ومعناه: لو علم أن النبي وَّ كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها كما كان يقرأ
على النبي وَّل فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقرآن (٣)، هذا كان سماع القوم
[٢١٥/ أ] فمن حرم هذا السماع أو من كرهه وهل هذا إلا سماع خواص الأولياء
فلابد للروح من سماع طيب تتغذى به قاله القرطبي في التذكار، فأين هذا من
سماع المكاء والتصدية وقرآة الشيطان وآلات الملاهي أ.هـ.
(١) المفهم (٧/ ٥٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٨/٢).
(٣) التذكار (ص ١٢٤).
١٢٥
كتاب قراءة القرآن
تنبيه: اختلف العلماء في التطريب في القراءة والترجيح فيها فمنع من ذلك،
وأنكره مالك بن أنس وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن
سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه الإمام أحمد بن حنبل كما كرهه مالك
وأجاز ذلك طائفة منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والنضر
بن شميل واختاره الطبرى وابن العربى وغيرهما، واحتجوا بقوله وَله: ((زينوا
أصواتكم بالقرآن)) وبقوله {وَّ: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) أخرجه مسلم
وبقول أبي موسى للنبي ◌ّة: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك
تحبيرا، وبما رواه عبد الله بن المغفل قال: قرأ النبي وَّ عام الفتخ في مسير له
سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته، قال الإمام القرطبي: والقول الأول
أصح إن شاء الله، وبيان ما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس
بن مالك فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس
عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا ما هكذا يفعلون وكان
رَو ◌َةُ إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه(١)، أ.هـ، وتقدم الكلام
على ذلك أيضا واختلاف العلماء في ذاك مبسوطا.
٢٢٣٥ - وَرُوِيَ عَنِ جَابِر ◌َّ الَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن من أحسن النَّاس
صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعتموه يقْرَأ حسبتموه يخْشَى الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا(٢).
(١) التذكار (ص ١٢١ - ١٢٢).
(٢) ابن ماجه (١٣٣٩)، قال البوصيري في الزوائد (٤٣٦/١)، هذا إسناد ضعيف لضعف
إبراهيم بن إسماعيل عبد الله بن جعفر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٢٠٢).
١٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وروي عن جابر تقدم الكلام على جابر.
قوله وقال: ((إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ
حسبتموه يخشى الله)) خشية الله تعالى عبارة [عن خوف مقرون بمعرفة، وقال
النبي ◌َّر ((إني أتقاكم الله، وأشدكم له خشية)) فالخوف حركة، والخشية
انجماع، وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له
حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه، وهي حالة الخوف ، والثانية: سكونه
وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخشى الشيء،
والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضي البازي وتقضض(١)].
قوله: وروي عن ابن أبي مليكة، ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله
بن أبي مليكة ، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن
سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي
الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له ، قال أبو زرعة ، وأبو
حاتم: ثقة، وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومئة(٢)].
مر بِنَا أَبُو
◌َ اللّه ◌َوَ]
٢٢٣٦ - وَعَن ابْن أبي مليكة قَالَ قَالَ عبيد الله بن أبي یزید
لِبَابَة فاتبعناه حَتَّى دخل بيته فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذا رجل رث الْهَيْئَة يَقُول سَمِعت
رَسُولِ اللهِ وَّ يَقُول لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ قَالَ فَقلت لِابْنِ أبي مليكة يَا
أَبَا مُحَمَّد أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت قَالَ يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ وَرَوَاهُ أَبُو
(١) مدارج السالكين (٥٠٨/١).
(٢) تهذيب الكمال (١٥ / ترجمة ٣٤٠٥).
١٢٧
كتاب قراءة القرآن
دَاوُد (١)، وَالْمَرْفُوعِ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (٢).
قوله: قال عبيد الله بن أبي يزيد [المكي، مولى آل قارظ بن شيبة الكناني،
حلفاء بني زهرة، وقال البخاري: مولى أهل مكة، ويقال: مولى رهم من بني
كنانة قال يحيى بن معين: ثقة.
وكذلك قال علي بن المديني ، وأحمد بن عبد الله العجلي ، وأبو زرعة،
والنسائي، ومحمد بن سعد، زاد: كثير الحديث، وقال سفيان بن عيينة: مات
سنة ست وعشرين ومئة، وله ست وثمانون سنة(٣)].
قوله: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حت دخل بيته فدخلنا عليه فإذا رجل رث
الهيئة، رث بالثاء المثلثة وأبو لبابة اسمه [بشير بن عبد المنذر أبو لبابة
الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بن عوف، ثم من بني أمية بن زيد، وهو
بشير بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن
عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقيل: اسمه رفاعة، وهو بكنيته أشهر ،
قال الحاكم أبو أحمد: يقال: شهد بدرا مع النبي ◌َّة، ويقال: رده رسول الله
صلى الله
حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له
عالمية
وسام
بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها وأمه نسيبة بنت زيد بن ضبيعة بن زيد بن
مالك بن عوف وقال أبو عمر بن عبد البر: شهد مع رسول الله وَلّ أحدا وما
(١) أبو داود (١٤٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٤٢).
(٢) البخاري (٧٥٢٧)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٢١١).
(٣) تهذيب الكمال (١٩ / ترجمة ٣٦٩٧).
١٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعدها من المشاهد، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح،
مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين].
قوله شيقر: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» أي يلهج بتلاوته كما يلهج سائر
الناس بالغناء والطرب، كذا قال الهروي والخطابي (١) ومن تقدمهما
والصحيح أنه من تحسين الصوت ويؤيده الرواية الأخرى، يتغنى بالقرآن أي
يجهر به ويحسن به صوته وقيل معناه تحسين القراءة وترجيع الصوت به
يقال تغنى بمعنى جهر أي رفع صوته يقال جهر وأجهر والجهر والإجهار
لغتان فمعنى اجهر أي أرفع صوته فالمراد بقوله يجهر به هو إخراج القرآن
في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار [بإلذاذ] أسماعهم بحسن الصوت
وترجيعه [لا الجهر المنهى] عنه الجافي على المسامع كما قال الله عز وجل
في النبيِ وَلِّ: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِيَعْضِ﴾(٢)(٣) قاله
في الحواشي، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.
(١) معالم السنن (٢٩١/١).
(٢) سورة الحجرات، الآية: ٣.
(٣) قاله ابن بطال كما في شرح الصحيح (٥٤٣/١٠).
١٢٩
كتاب قراءة القرآن
الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها
٢٢٣٧ - عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رَقِّو ◌َ قَالَ كنت أُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ فدعاني
رَسُول الله وََّ فَلم أجبه ثمَّ أَتَيْتِه فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت أَصَلِّي فَقَالَ ألم
يقل الله تَعَالَى: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾(١) ثمَّ قَالَ لأعلمنك
سُورَة هِيَ أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قبل أَن تخرج من الْمَسْجِد فَأخذ بَيَدِي فَلَمَّا
أردنَا أَن نخرج قلت يَا رَسُول الله إِنَّك قلت لأعلمنك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن
قَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمِينِ هِيَ السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيمِ الَّذِي أُوتِيتَهُ
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه(٢).
قَالَ الْحَافِظ أبو سعيد: هَذَا لَا یعرف اسْمه وقیل اسْمه رافع بن أَوْس وَقیل
الْحَارِث بن نفيع بن الْمُعَلَّى وَرجحه أَبُو عمر النمري وَقيل غير ذَلِك وَالله
(٣)
أعلم(٣).
قوله: عن أبي سعيد بن المعلى رَغْرِيّ، قال الحافظ: أبو سعيد هذا قيل لا
يعرف اسمه، وقيل: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث بن نفيع، ورجحه
أبو عمر النمري وقيل: غير ذلك والله [٢١٥/ ب] أعلم أ.هـ.
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.
(٢) البخاري (٤٤٧٤)، وأبو داود (١٤٥٨)، وابن ماجه (٣٧٨٥)، وابن خزيمة (٨٦٢)،
وأحمد (١٥٧٣٠)، وابن حبان (٧٧٧).
(٣) الاستيعاب (١٦٦٩/٤)، والإصابة (١٢ / ت ١٠٠٥٠).
١٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أبو سعيد هذا: أنصاري واسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث
بن أوس المعلى ورجحه ابن عبد البر وكان من جلة الأنصار وساداتهم، توفي
سنة أربع وتسعين وهو أول من صلى إلى القباء حين حولت وليس له في
الصحیح سوی هذا الحدیث وروی له النسائي حدیثا آخر من حديث رواية
عبيد بن حنين عنه، وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلا
بحدیثین فذکرهما قاله صاحب سلاح المؤمن(١).
قوله: كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله وسير فلم أجبه ثم أتيته فقلت
يا رسول الله: إني كنت أصلي، فقال: ((ألم يقل الله تعالى: ﴿اُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيِكُمْ﴾(٢)) الحديث، أجمعت الأمة على
بطلان الصلاة بالكلام العمد الذي يصلح لخطاب الآدميين من غير عذر إذا
لم يكن من مصلحة الصلاة لما روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم
في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ (٣) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن
الكلام(٤)، ثم الكلام المبطل هو المسموع [المهجى] وهو حرفان أو حرف
مفهم فإذا نطق بحرفين بطلت صلاته سواء أفهما معنى أم لا، والحرف
(١) سلاح المؤمن (ص ٨٣).
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.
(٤) النجم الوهاج (٢١٦/٢).
والحديث أخرجه مسلم (٣٥-٥٣٩).
١٣١
كتاب قراءة القرآن
الواحد إذا أفهم أبطل مثل: (ق) و(ع) و(ش) فإن لم يفهم لم تبطل وإن كان
[قبل] الحرف [همزة] مثل آه بطلت سواء كان من خوف النار أو من غيره،
وقال المحامي: إن كان من خوف النار لم تبطل والمشهور الأول(١).
فروع: الفرع الأول: لو دعا النبي ◌َّ مصليا في عصره لزمه إجابته على
الأصح ولا تبطل صلاته به وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو
مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي أنها تبطل بخطاب الملائكة وبقية الأنبياء،
وحكى ابن الرفعة وجها إن إجابته لا تجب وتبطل به الصلاة والأول أصح(٢)
والله أعلم.
فرع في إجابة الأبوين: ثلاثة أوجه، أصحهما أن الإجابة لا تجب،
وثانيهما: تجب وتبطل الصلاة، وثالثهما: تجب ولا تبطل الصلاة واختار
الشيخ أن الصلاة إن كانت نفلا قطعها وأجاب، وإن كانت فرضا لا يقطعها
ولا يجيب والأصح البطلان ولا يجيب، وروينا في معجم ابن قانع من
حديث حوشب الفهري أنه سمع النبي ◌ّ يقول: لو كان جريج الراهب
فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه لأن الكلام الذي يحتاج
إليه كان مباحا في ذلك، وكذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ وإشارة
الأخرس المفهمة لا تبطل صلاته على الأصل قاله الكمال الدميري (٣).
(١) كفاية النبيه (٤٠٦/٣-٤٠٧)، والنجم الوهاج (٢١٧/٢).
(٢) كفاية النبيه (٤٠٧/٣)، والنجم الوهاج (٢١٨/٢)، وطرح التثريب (١٤/٣).
(٣) النجم الوهاج (٢١٨/٢).
١٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفرع الثاني: لو رأى صغيرا أو أعمى أو نحوهما مشرفا على الهلاك
وأمكن إنذاره بغیر الكلام کفعل أو فعلین فتكلم بطلت صلاته وإن لم يمكن
إلا بالكلام فقيل: لا يجب إنذاره فإن فعل بطلت صلاته، والمذهب الوجوب
فإن فعل بطلت صلاته والمذهب الوجوب فعلى هذا لا تبطل صلاته على
الأصح لأنه قد لا يقع فيما يخاف منه، لكنه في الروضة تبع الرافعي فصحح
البطلان لأنه قد لا يقع فیما یخاف منه(١).
الفرع الثالث: قراءة الآية المنسوخة في الصلاة تبطلها، وفيه وجه أنها لا
تبطل بآية الرجم والقراءة بالشواذ لا تبطل لكن تكره، قاله القاضي حسين،
واشترط الرافعي أنه لا يكون فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه
فتجوز (٢)، ولا تبطل الصلاة كاللحن الذي لا يغير المعنى وإن كان فيها زيادة
حروف أو تغيير معنى امتنع وتبطل الصلاة به إذا تعمده كقوله ثلاثة أيام
[متابعات] وقوله [فاقطعوا] أيمانهم وقوله ﴿وَأَتِقُواْ الْجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٣)
و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُاْ﴾(٤) برفع الله ونصب العلماء(6)
وجزم النووي(٦) في كتبه بتحريم القراءة بالشواذ من غير تفصيل، وحكى
(١) روضة الطالبين (٢٩١/١)، وكفاية النبيه (٤٠٧/٣-٤٠٨)، والنجم الوهاج (٢١٧/٢-
٢١٨).
(٢) كفاية النبيه (٤٠٨/٣)، والنجم الوهاج (١١٦/٢).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٩٦.
(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
(٥) النجم الوهاج (١١٦/٢).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٠٦/٤): وقال وَيَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَلَا يَجُوزُ
=
١٣٣
كتاب قراءة القرآن
البغوي(١) في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بما يقرأ يعقوب وأبو
جعفر لاستفاضها وصوبه الشيخ واختاره في فتاوي [٢١٦ / أ] قاضي القضاة
صدر الدين موهوب الجزري: أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقا إلا في الفاتحة
للمصلي، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ ولا
الصلاة خلف من يقرأ بها وقال العجلي: تكره الصلاة بها وتجزئ الصلاة
أ.هـ، قاله الكمال الدميري (٢).
الفرع الرابع: التلفظ بالنذر عامدا لا يبطل الصلاة على الأصح في شرح
المهذب (٣) لأنه مناجاة لله تعالى(٤)، ويجب أن يكون محل هذا الخلاف فيما
إذا قال الله على كذا فلو علق كإن شفى الله زيداً [ونحوها] من صيغ
التعليق [فلا وجه إلا ] البطلان(٥).
قوله ◌َّير: «ثم قال لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج
من المسجد)) الحديث، ومعنى قوله ((أعظم سورة في القرآن)) أراد به في الأجر
لا أن بعض القرآن أفضل من بعض كما سيأتي بيانه (٦) إنما قال أعظم سورة في
三
بِالشَّوَاذِّ وفي المجموع شرح المهذب (١٦٥/٢) وَتَجُوزُ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَلَا تَجُوزُ
بِالشَّوَاذٌ.
(١) تفسير البغوي-طيبة (١/ ٣٧)
(٢) النجم الوهاج (١١٦/٢ -١١٧).
(٣) المجموع (٤/ ٨٥).
(٤) طرح التثريب (٣٩/٦).
(٥) النجم الوهاج (٢١٨/٢).
(٦) التذكار (ص ٤١)، وتفسير القرطبي (١١٠/١).
١٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القرآن اعتبارا بعظم قدرها وتفردها بالخاصية التي لا يشاركها فيها سورة
ولاشتمالها على فوائد ومعاني كثيرة مع قصرها ووجازة ألفاظها، ولذلك
سميت أم القرآن(١)، وسميت فاتحة الكتاب لافتتاح القرآن بها، وسميت أم
الكتاب لأنها أوله وأصله ولذلك سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض
وأصلها ومنها دحيت وحكي في التحرير لها عشرة أسماء: الحمد وفاتحة
الكتاب وأم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني لأنه سبع آيات وتثني في
الصلاة والوافية والكافية والشفاء والأساس وزاد الكاشغرى في غريبه الكنز،
قال في الإكمال وكره قوم منهم ابن سيرين تسميتها بأم القرآن ولا وجه له
لصحة الأحاديث به(٢).
قوله: ((الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
أوتيته)) الحديث، وسميت بذلك لأنها سبع آيات بالاتفاق (٣) غير أن منهم من
عد أنعمت عليهم دون التسمية ومنهم من عكس(٤)، وقال عمرو بن عبيد
ثمان آيات وجعل إياك نعبد آية(6)، وأجمعت الأمة على أنها قرآن ولم يكتبها
ابن مسعود في مصحفه كما لم يكتب المعوذتين اكتفاء بحفظ الناس لذك
(١) شرح المشكاة (١٦٣٩/٥).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ١١١ -١١٢).
(٣) معانى القرآن (٤٥/١)، وتفسير الكشاف (٩٩/١)، وتفسير الماوردى (٤٦/١)، وتفسير
العز ابن عبد السلام (٨٨/١)، وتحفة الأبرار (٥٢١/١)، وجمال القراء (١٩٠/١)
للسخاوى.
(٤) تحفة الأبرار (١ / ٥٢١).
(٥) المحرر الوجيز (٥٨/١-٥٩)، وتفسير ابن كثير (١٠١/١).
١٣٥
كتاب قراءة القرآن
واختلفوا هل مكية أو مدنية، فقيل: مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي
ونصفها مدني، حكاه أبو الليث السمرقندي في تفسيره(١)، والصواب الأول
لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِى وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
﴾﴾(٢) وسورة الحجر مكية بالإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان
بمكة وما حفظ عنه وَّ ل أنه صلى صلاة بغير فاتحة(٣) أ.هـ.
وهي مثنى في الصلاة أو الإنزال فإنها نزلت بمكة حينما فرضت الصلاة
وبالمدينة لما حولت القبلة (٤)، أ.هـ.
وقال بعض العلماء: السبع المثاني من أسماء سورة الفاتحة لأنها تثنى في
كل ركعة أو لأنها مثنى نصفها ثناء العبد للرب ونصفها إعطاء الرب للعبد(٥)،
وليس عطف القرآن على السبع المثاني من باب عطف الشيء على نفسه
وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الأخرى أي
هي الجامع لهذين الوصفين(٦).
٢٢٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ أَن رَسُول الله ◌َّهِ خرج على أبي بن كَعْب
فَقَالَ يَا أبِي وَهُوَ يُصَلِّ فَالْتَفْت أبي فَلم يجبهُ وَصلى أبي فَخفف ثمَّ انْصَرف
(١) بحر العلوم (١ / ١٥).
(٢) سورة الحجر، الآية: ٨٧.
(٣) التذكار (ص ١٧١).
(٤) تحفة الأبرار (١ / ٥٢١)، وشرح أبي داود للعينى (٣٧١/٥).
(٥) نوادر الأصول (٣٦٥/٦)، وتفسير الثعلبى (٣٥٠/٥)، والميسر (٢٣٩/١)، وتفسير
النيسابورى (١/ ٨٣).
(٦) الميسر (٤٩١/٢).
١٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إِلَى رَسُول اللهِِّ فَقَالَ السَّلَامِ عَلَيْك يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولِ اللهِّهِ وَعَلَيْك
السَّلَامِ مَا مَنعك يَا أبي أَن تُچِينِي إِذْ دعوتك فَقَالَ یَا رَسُول الله إِنِّي کنت فِي
الصَّلَاة قَالَ فَلم تَجِد فِيمَا أوحى الله إِلَيَّ أَن ﴿اُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(١) قَالَ بَلَى وَلَا أَعُود إِن شَاءَ الله قَالَ أَنَّحِبُّ أَنْ
أعلمك سُورَة لم ينزل فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي
الْفِرْقَان مثلهَا قَالَ نعم يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ◌َيِ كَيفَ تَقْرَأْ فِي الصَّلَاة
قَالَ فَقَرَأَ أم الْقُرْآن فَقَالَ رَسُول الله ◌َّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أنزل الله فِي التَّوْرَاة
وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزبُورِ وَلَا فِي الْفَرْقَان مثلهَا وَإِنَّهَا سبع من المثاني
وَالْقُرْآن الْعَظِيمِ الَّذِي أَعْطيته رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِیث حسن صَحِيح(٢).
وَرَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم بِاخْتِصَارِ عَن أبي
هُرَيْرَة عَن أبي وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيح على شَرط مُسلم(٣).
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام علیه.
قوله: أن رسول الله وَّيه خرج على أبي بن كعب، تقدم الكلام على أبي بن
كعب، وتقدم الكلام أيضا على إجابته وَله في الصلاة في الحديث أول الباب.
قوله ودليله لأبي بن كعب: ((أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا
في الإنجيل مثلها)) الحديث، ومعنى قوله،عَلًا: «ما في التوراة ولا في الإنجيل
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.
(٢) الترمذي (٢٨٧٥)، وأحمد (٩٣٤٥).
(٣) ابن خزيمة (٨٦١)، ابن حبان (٧٧٥)، والحاكم (٥٥٧/١)، والترمذي (٣١٢٥)، وأحمد
(٨٦٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
١٣٧
كتاب قراءة القرآن
مثلها)) أن الله تعالى لا يعطي القارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما
يعطي لقارئ أم القرآن لأن الله تعالى بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من
الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه وهو فضل منه لهذه الأمة، وقال
ابن العربي(١): قوله وَّ «ما أنزل الله في التوراة [٢١٦/ ب] ولا في الإنجيل
ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها» الفرقان من أسماء سور القرآن أي أنه
فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام يقال: فرقت بين الشيئين أفرق
فرقا وفرقانا ومنه الحديث محمد فرق بين الناس، أي: يفرق بين المؤمنين
والكافرين بتصديقه وتكذيبه قاله في النهاية(٢).
قوله: ((وأنها سبع من المثاني والقرآن الذي أعطيته)) الحديث، قيل: هي
الفاتحة لكونها سبع آيات وقيل: السبع الطول بالضم جمع الطولي مثل الكبر
في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة، والسبع الطوال هي
البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة (٣) على أن
تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة ولهذا لم يفصل بينهما في المصحف
بالبسملة ومن في قوله من المثاني لتبيين الجنس ويجوز أن تكون للتبعيض أي
سبع آيات أو سبع سورة من جملة ما يثنى به على الله من الآيات (٤)، أ.هـ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (١/ ١٤).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٣٩/٣)
(٣) النهاية (١٤٤/٣).
(٤) النهاية (٣٣٥/٢).
١٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وسكت عن سائر الكتب كالصحف المنزلة وغيرها لأن هذه المذكورة
أفضلها وإذا كان الشيء أفضل الأفضل كان أفضل الكل كقولك زيد أفضل
العلماء فهو أفضل الناس وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل
إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن
قاله القرطبي في كتابه التذكار(١) ..
قوله وَّير: ((كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: تقرأ أم القرآن)) سميت الفاتحة أم
القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو
أهله والتعبد بالأحكام والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد وقصة الغابرين
من العصاة والمطيعين(٢)، قال ابن عرفة: سميت أم القرآن لأن السور تضاف
إليها ولا تضاف إلى شيء من السور(٣)، أ.هـ.
لطيفة: ذكر بعض العلماء أن في سورة الفاتحة اثنى عشر اسما من أسماء
الله تعالى ولم يشرحها، قال الإقليشي٤: فتأملت ما قال فوجدت فيها ثلاثة
عشر اسما من أسماء الله تعالى طريقة من يجيز أن يشتق من الأفعال أسماء
وأن يسمي الله تعالى بكل ما كان كمالا في حقه فمنها حميد من قوله:
﴿اَلْخَمْدُ لِلَّهِ﴾، ومنها الله وهو الاسم الأعظم الخاص لله عز وجل، ومنها
(١) التذكار (ص ٤٣).
(٢) تحفة الأبرار (٢٨٦/١).
(٣) الميسر (٢٣٨/١).
(٤) الانباء في شرح الصفات والأسماء (لوحة ٨/ مخ ٢٨٩٢٤ أزهرية).
١٣٩
كتاب قراءة القرآن
الرب، ومنها الرحمن، ومنها الرحيم، ومنها مالك، ومنها الديان من قوله:
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ ومنها المعبود من قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومنها:
المستعان من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ وفي القرآن ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ
اُلْمُسْتَعَانُ﴾(١)، ومنها: الهادي من قوله: ﴿أَهْدِنَا﴾ وقد ورد الهادي في القرآن
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ﴾(٢) الآية، ومنها: المنعم من
قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يرد المنعم في القرآن ولا عند الترمذي
في الأسماء المعدودة ووري في حدیث لم يخرجه الترمذي وخرجه غيره في
الأسماء المعدودة فعد منها المنعم ومنها المضل ولم يرد هذا الاسم في
القرآن العزيز ولكن إجماع أهل الحق قد انعقد على أن الله تعالى يضل من
يشاء ويهدي من يشاء فهو الهادي والمضل لا إله إلا هو .
ومن شرف الفاتحة أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده ولا تصح الصلاة
إلا بها ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم كما
صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ تعدل ثلث القرآن إذ القرآن تعدل ثلث القرآن إذ
القرآن توحيد وأحكام ومواعظ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ فيها التوحيد كله،
وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليَّلها لأبيّ: ((أي آية في القرآن أعظم؟)) قال:
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها
كما صار قوله عليه الصلام ((أفضل ما قلته أنا والنبيون [٢١٧/ أ] من قبلي لا
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١١٢.
(٢) سورة الحج، الآية: ٥٤.
١٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إله إلا الله وحده لا شريك له)) أفضل الذكر لأنها كلمات حولت جميع العلوم
في التوحيد والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والتذكير ولا يستبعد ذلك في
قدرة الله تعالى ذكره القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار(١).
٢٢٣٩ - وَعَن أنس ◌َّهُ قَالَ كَانَ النَِّّي ◌َّ فِي مسير فَنزل وَنزل رجل إِلَى
جَانِبِه قَالَ فَالْتَقْتِ النَّبِي ◌َّهِ فَقَالَ أَلا أخْبرك بِأَفْضَل الْقُرْآنْ قَالَ بَلَى فَتْلا
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ
صَحِيح على شَرط مُسلم (٢).
قوله: وعن أنس رقمّه، تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّيّة: ((ألا أخبرك بأفضل القرآن)).
تتمة: اختلف العلماء في تفضيل بعض سور القرآن على بعض والآي على
بعض وتفضيل بعض أسماء الله الحسنى على بعض فقال قوم: لا تفضيل لبعض
على بعض لأن الجميع كلام الله تعالى وكذلك أسماء الله تعالى لا مفاضلة بينها
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الطيب وأبو
حاتم البستى وجماعة من الفقهاء، وروي جماعة معناه عن مالك واحتج هؤلاء
بأن الأفضل يؤذن بنقص المفضول والذاتية في الكل واحدة وقال قوم بالتفضيل
وأن ما تضمنه قوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد﴾(٣) الآية، وآية الكرسي وآخر
(١) التذكار (ص ٤٣).
(٢) ابن حبان (٧٧٤)، والحاكم (١ / ٥٦٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٩٢).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.