النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب قراءة القرآن
رواياتهم وتقييدهم ورواه الحافظ أبو موسى بفتح الباء وعن أهل اللغة أنه
بفتح الباء وكسر الطاء ولم يجيزوا غير هذا وكذا نقله صاحب البارع وأبو
عبيد والبكري وهو اسم واد بالمدينة(١)، سمي بذلك لسعته وانبساطه من
البطح وهو البسط (٢) قاله الكرماني (٣) .
وفيه دليل على أنه لا تكره الصلاة في سائر الأودية سوى الوادي الذي نام
فيه رسول الله و هو والصحابة وهو الأصح في الروضة (٤) أ.هـ.
قوله: ((أو إلى العقيق)) والعقيق بفتح العين المهملة وبقافين الأولى
[١٩٩/ ب] مكسورة وبينهما ياء آخر الحروف والمراد به العقيق الأصغر
وهو واد على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: على ميلين عليه أموال أهلها(٥)،
وقال في النهاية(٦): هو واد من أودية المدينة مسيل للماء وهو الذي ورد ذكره
أنه واد بالمدينة مبارك، أ.هـ.
وفيه بئر رومة وإنما خصصها بالذكر لأنها أقرب المواضع التي يقام فيها
أسواق الإبل إلى المدينة(٧).
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٢/٥).
(٢) شرح المشكاة (٥/ ١٦٣٤) للطيبى.
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١٠/٤).
(٤) المجموع (١٦٢/٣)، والروضة (١/ ٢٧٨).
(٥) مطالع الأنوار (٦٥/٥) والميسر (٤٨٦/٢).
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٧٨/٣)
(٧) الميسر (٤٨٦/٢) وشرح المصابيح (٨/٣).

٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَليقر: ((فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين)) والكوماء بفتح الكاف
وسكون الواو وبالمد هي الناقة العظيمة السنام المشرفة قاله الحافظ، وقال
غيره: والكوماء الناقة العظيمة السنام المشرفة [يقال ناقة كوماء أي طويلة
السنام] وإنما ضرب المثل بها لأنها خيار مال العرب وأحبها إليهم (١).
وقوله: ((في غير إثم ولا قطيعة رحم)) معناه: في غير ما يوجب إثما كغصب
وسرقة، سمي موجب الإثم إثما مجازا (٢) والله أعلم.
قوله وَّ: ((خير له من ناقتين)) أي هما خير له من ناقتين.
قوله وَله: ((ومن أعدادهن من الإبل)) متعلق بمحذوف أي ثلاث خير من
ثلاث وأربع خير من أربع، وأكثر من أربع خير من أعدادهن من الإبل على هذا
القياس، ووجه القرآن بين الآية والناقة الكوماء في باب المخايرة وإن كانت الآية
الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها هو أن هذا القول صدر منه وَ ل# على وفق ما كان
المخاطب يغتنمه ويبتغيه حيازته من المال فبين أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم
مما يكدحون فيه من طلب الرزق، أو المراد أنها خير لهم في أمر المعاش الذي
يتوخونه من ناقة كوماء وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، كذا في
الميسر وشرح القاضي البيضاوي على المصابيح(٣).
(١) الميسر (٤٨٦/٢) وشرح المصابيح (٨/٣).
(٢) شرح المصابيح (٨/٣).
(٣) الميسر (٤٨٦/٢)، وشرح المشكاة (١٦٣٤/٥)، وشرح المصابيح (٨/٣-٩).

٢٣
كتاب قراءة القرآن
٢١٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ لَهُ أَنْ رَسُول الله ◌َِّ قَالَ من اسْتمع إِلَى آيَة من
كتاب الله كتبت لَهُ حَسَنَة مضاعفة وَمن تَلَاهَا كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ
أَحْمد عَن عباد بن ميسرَة وَاخْتلف فِي توثيقه عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة
وَالْجُمْهُور على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَةٍ(١)
قوله: وعن أبي هريرة رقم﴾، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّة: ((من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن
تلاها كانت له نورا يوم القيامة)) قال الليث بن سعد رحمه الله: يقال: ما
الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله عز وجل ﴿وَإِذَا
(٢)(٣) قال الإمام
قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَأُسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أبو عبد الله القرطبي(٤): وإذا كان هذا الثواب لمستمع القرآن فكيف بتاليه،
وفي الخبر أنه يدفع عن مستمعه بلوى الدنيا وعن تاليه بلوى الآخرة، وقال
النخعي: أوحى الله إلى القبر أن لا يأكل لحم حامل القرآن فقال يا رب كيف
آكله وقد قرأ كتابك؟(6) وقال الفضيل يعني ابن عياض: لو كان هذا القرآن آية
(١) أحمد (٨٤٩٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٠٨).
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.
(٣) التذكار (ص ١٠٠- ١٠١).
(٤) التذكار (ص ١٠١).
(٥) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٤٨٢) من طريق أحمد بن يعقوب، حدثنا سفيان،
عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا مات حامل القرآن أوحى الله
إلى الأرض أن لا تأكلي لحمه، قالت: إلهي کیف آکل لحمه و کلامك في جوفه».
=

٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالمشرق وآية بالمغرب لكان للرجل حكم أن يذهب فيستمع كلام ربه عز
وجل، وقال ثابت البناني: دخلت على مطرف عند النزع فأغمي عليه فسطع
منه ثلاثة أنوار نور من رأسه ونور من صدره ونور من رجله، فلما أفاق سألته
عن ذلك قال: هو نور السجدة ويس وتبارك(١) والله أعلم، وعن ابن عباس
ا قال: قال رسول الله قال: ((من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له ألف
◌َ اللَّهَـ
حسنة مضاعفة ومن تلا آية من كتاب الله عز وجل كانت له نورا يوم القيامة))
خرجه الوائلي أبو نصر(٢).
قوله: في حديث الباب: رواه أحمد عن عباد بن ميسرة [هو عباد بن ميسرة
المنقري التميمي البصري المعلم، ذكره ابن حبان في جملة الثقات قال:
و کان من العباد وقال أبو داود: ثنا [أحمد بن و کیع] عنه ونحن نکتب حديثه،
وقال الساجي: ليس حديثه بالقوي لكنه يكتب، وقال ابن عدي: وهو ممن
قال الذهبي في لسان الميزان (١٧٧/١): أحمد بن يعقوب البلخي عن سفيان بن عيينة
وغیرہ أتی بمناکیر وعجائب.
(١) أخرجه بنحوه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت (٤٦)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٠٦/٢).
(٢) لم نقف عليه مسندا وأخرجه أحمد (٨٤٧٥): عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِوَّ قَالَ: ((مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ،
وَمَنْ تَلاَهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٤٠٨).
وذكره القرطبى في التذكار (ص ١٠١) وقال: خرجه الوايلي أبو نصر من حديث إسماعيل
بن عياش عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس فذكره.

٢٥
كتاب قراءة القرآن
يكتب حديثه، وذكره العقيلي وأبو العرب في جملة الضعفاء ، وابن شاهين
وابن خلفون في الثقات زاد: وهو عندي في الطبقة الرابعة من المحدثين وقال
ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه].
٢١٨٩ - وَعَن أبي سعيد رََّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َيْهِ يَقُول الرب تبارك
وَتَعَالَى من شغله الْقُرْآن عَن مَسْأَلَتِي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين وَفضل
كَلَام الله على سَائِرِ الْكَلَام كفضل الله على خلقه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث
غَرِيب (١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري گلّه، تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته
أفضل ما أعطي السائلين)) الحديث، وهذا الحديث نص في الباب لا يحتمل
التأويل وهو يفسر قوله وَاله في الحديث الآخر: ((من شغله ذكري عن مسألتي
أعطيته أفضل ما أعطي [٢٠٠/ أ] السائلين)) (٢) فأخبر وَ يّ أنه من قرأ القرآن
(١) الترمذي (٢٩٢٦)، والدرامي في مسنده (٣٣٩٩)، والعقيلي في الضعفاء (٤٩/٤)،
والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٠٧)، والطبراني في الدعاء (١٨٥١)، وابن حبان في
المجروحين (٢/ ٢٧٧)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٨٢)، وقال أبو حاتم: هذا حديث
منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١١٥/٢) وخلق أفعال العباد (ص ١٠٩)، والبزار
(١٣٧)، والطبراني في الدعاء (١٨٥٠)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (١٥٤) عن عمر.
قال ابن كثير في مسند الفاروق (٢٤٠/١-٢٤١): هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم
يخرجوه.
=

٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واشتغل به عن الدعاء أعطاه الله عز وجل أفضل سؤال سأله أحد من خلقه،
وروي: ((من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب
الشاكرين)) خرجه ابن شاهين أبو حفص عمر بن أحمد(١)، وذكر الوابلي عن
عطية بن قيس قال: قال رسول الله وَاللّه: ((ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله
تعالى من كلامه، وما ورد إلى الله عز وجل أحب إليه من كلامه))(٢) ذكره
القرطبي في كتابه التذكار(٣).
٢١٩٠- وَعَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ◌َ ◌ّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِوَلِ مثل
الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل
الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها حُلْو وَمثل
الْمُنَافِقِ الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْمُنَافِقِ
الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الحنظلة لَيْسَ لَهَا ریح وطعمها مر.
وقال العراقى في تخريج الاحياء (ص ٣٥٠): أخرجه البخاري في التاريخ والبزار في
المسند والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب وفيه صفوان بن أبي الصفا ذكره
ابن حبان في الضعفاء وفي الثقات أيضًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٨٩).
(١) أخرجه العقيلى في الضعفاء (٤٨/٤)، وقاضى المارستان (٣٥٠) عن أبي سعيد الخدرى.
قال العقيلى: لا يتابع عليه. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٣٣٥).
(٢) أخرجه العبسى في نسخة وكيع (٥) مرسلا، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات
(٥٢٧) موقوفًا. وفيه سويد بن سعيد وبقية وأبو بكر بن أبي مريم. قال القرطبى في التذكار
(ص ٥٠): قال الوايلي: هذا حديث فيه إرسال، وعطية من التابعين تابعي، ولكن الرواة
مشاهير، وبقية إذا روى عن المشهورين كان حجة.
(٣) التذكار (ص ٤٩- ٥٠).

٢٧
كتاب قراءة القرآن
وَفِي رِوَايَة مثل الْفَاجِرِ بدل الْمُنَافِقِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ
مَاجَە (١)
٢١٩١ - وَعَن أَنْس ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّلِ مثل الْمُؤْمنِ الَّذِي يَقْرَأ
الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ
الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها طيب وَمثل الْفَاحِرِ الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن
كَمثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن
كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا وَمثل الجليس الصَّالح گمثل صَاحب
الْمسك إِن لم يصبك مِنْهُ شَيْء أَصَابَك من رِيحه وَمثل الجليس السوء كَمثل
صَاحب الْكِير إِن لم يصبك من سوَاده أَصَابَك من دخانه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٢).
قوله: وعن أبي موسى الأشعري زُقُّته، تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َير: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب
وطعمها طيب)) الأترجة: بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وضم
الراء المهملة وتشديد الجيم، واحدة الأترج، وحكى أبو زيد: ترنجة بغير
همزة مع ضم التاء وزيادة نون، في هذا الحديث فضيلة حافظ القرآن
واستحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد وإنما يضرب المثل لكشف
الغطاء وكان ﴾﴾ يخاطب العرب بما يفهمونه.
(١) البخاري (٥٠٥٩)، ومسلم (٧٩٧)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٤)، وأحمد (١٩٥٤٩)،
والترمذي (٢٨٦٥)، وابن حبان (٧٧١).
(٢) أبو داود (٤٨٢٩)، والقضاعي (١٣٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٨٣٩).

٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن)) إلى آخره، ضرب النبي ◌َ﴾ المثل
للمؤمن بالأترجة لطيب طعمها وريحها عبارة عن طيب الظاهر [بالذكر
والباطن] بالاعتقاد وضرب [للمنافق مثلا] بالريحان لأن ظاهره طيب
[الريح] وإذا اختبرت باطنه وجدته [مرا] وضرب المثل للكافر بالحنظلة
الخبث ظاهره وباطنه والله أعلم قاله في الديباجة(١).
تنبيه: لم يوجد من الثمار الشجرية التي أنشأتها العرب في بلادهم أبلغ من
هذا المعنى من الأترجة لكونها أفضل الثمار وأجدى لأسباب كثيرة منها كبر
الجرم وحسن المنظر ومنها أنها طيبة الطعم لين الملمس ذكي الأرج ناقع
لونها تسر الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول يفيد أكلها بعد الالتذاذ
طيب نكهة وقوة هضم وأجزاؤها تنقسم طبائع، فإن قشرها حار يابس
ولحمها حار رطب أو بارد رطب وحماضها بارد يابس ويزرها حار فتخفف
ويدخل بهذه الأجزاء في الأدوية للأدواء المزمنة والأوجاع المقلقة مائة ثمرة
تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة ثم إنه و # أشار في ضرب
هذا المثل إلى معان منها: أنه ضربه بما يخرجه من الشجر للمشابهة التي بينه
وبين الأعمال فإنها من ثمرات النفوس وإن ضرب المؤمن نفسه فإن العبرة
فيه بالعمل الذي يصدر منه لأنه الكاشف عن حقيقة الحال ومنها: أنه ضرب
مثل المؤمن بما تخرجه الشجر وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض تنبيها
على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله ودوام ذلك ما لم تيبس الشجرة وتوفيقا
(١) الديباجة (ص ١٢٢ / رسالة علمية).

٢٩
كتاب قراءة القرآن
على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته ومنها أن
الأشجار المثمرة لا تخلوا عمن يغرسها ويسقيها ويربيها وكذلك المؤمن
يقيض الله له من يؤدبه ويعلمه ويهذبه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة
بالعراء كذا في الميسر(١) ذكره شارح مشارق الأنوار(٢).
لطيفة: الخواص لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج، روينا عن الإمام أبي
الحسن علي بن الحسن بن الحسين الخلعي نسبة إلى بيع الخلع وهو من
أصحاب الشافعي وقبره معروف بالقرافة بإجابة الدعاء وكان يقال قاضي
الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه ويقرؤون عليه وأنهم أبطأوا عنه جمعة ثم
أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شيء من هذا الأترج وإنا لا ندخل
بيتا هو فيه، قال الحافظ أبو الطاهر السلفي: وكان الخلعي إذا سمع عليهم
الحديث يختم مجالسه [٢٠٠/ ب] بهذا الدعاء وهو اللهم ما مننت به فتممه
وما أنعمت به فلا تسلبه وما سترته فلا تهتكه وما علمته فاغفره، توفي في شوال
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة(٣).
قلت: ولهذا ضرب النبي وَّ المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة
لأن الشيطان يهرب من قلب المؤمن القارئ للقرآن فناسب ضرب المثل به
بخلاف سائر الفواكه، وفي المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن
(١) الميسر (٤٨٨/٢-٤٨٩).
(٢) حدائق الأزهار للأرزنجاني (لوحة ١٧٧ و١٧٨/ خ ٨٧٧٨١ كتابخانة).
(٣) حياة الحيوان (٣٠٦/١-٣٠٧).

٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حنبل عن عبد القدوس عن بكير بن حبيش بإسناده إلى مسلم بن صبيح (١)
قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف و هي تقطع له الأترج
وتطعمه له بالعسل فقالت: هذا ابن أم مكتوم الأعمى عاتب الله فيه نبيه وَليله
ما زال هذا له من آل محمد وَّيٍ(٢)، وفي تخصيصه بالأترج والعسل ما لا
يخفى على متأمل(٣) والله أعلم.
وفي معجم الطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه،
عن جده، قال: كان رسول الله وَل ((يعجبه النظر إلى الأترج وكان يعجبه
النظر إلى الحمام الأحمر))(٤) والله أعلم ذكره الشيخ كمال الدين الدميري في
(١) هذا خلط بين إسنادين الأول إنما رواه من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه نا أبو الجهم
عبد القدوس بن بكر بن خنيس، عن مسعر، عن أبي البلاد، عن الشعبي والثانى من طريق
أحمد بن بشير الهمداني، ثنا أبو البلاد، عن مسلم بن صبيح، وسيأتى تخريجهما.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٥٥/٩ رقم ٩٤٠٤)، والحاكم (٦٣٤/٣ -٦٣٥)، وأبو
نعيم في الطب (١٦٤) و(٧٩٦)، والبيهقي في الشعب (١٠ / ٤٧٧ رقم ٧٨٢٩) من طريق
أحمد بن بشير الهمداني، ثنا أبو البلاد، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق. قال الطبراني: لم
يرو هذا الحديث عن أبي البلاد، عن مسلم بن صبيح إلا أحمد بن بشير تفرد به أبو موسى
الأنصاري.
وأخرجه الحاكم (٦٣٤/٣) أبو نعيم في الحلية (٢٢٣/٩)، والبيهقي في الشعب
(٤٧٦/١٠-٤٧٧ رقم ٧٨٢٨) من طريق أحمد بن حنبل ثنا أبو الجَهْم عبد القدوس بن
بكر بن خُنَيس ثنا مسعر به. قال البيهقي عقبه: (كذا قال في إسناده عن الشعبي، وقد
خولف فيه).
(٣) حياة الحيوان (١/ ٣٠٧).
(٤) أخرجه ابن قانع (٢٢١/٢-٢٢٢)، وابن حبان في المجروحين (١٤٨/٣)، والطبراني في
=

٣١
كتاب قراءة القرآن
حياة الحيوان(١).
قوله وثيقة ((ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب
وطعمها مر)) فأخبر أن الفاجر يقرؤه وقال الإمام مالك قد يقرأ القرآن من لا
خير فيه(٢) وأخبر الحق سبحانه بأن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير
من اليهود والنصارى يقرؤونه قال الإمام القرطبي ومن دخل النار من القراء
الموحدين فإنه يخرج بالشفاعة ثم يدخل الجنة(٣).
قوله وَّة ((ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا
ريح لها)) والحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة
معروفة.
قوله وَّه ((ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه
الكبير (٣٣٩/٢٢ رقم ٨٥٠)، وأبو نعيم في الطب (٢١٦)، والخطيب في تلخيص
المتشابه (١/ ٤٥٢).
قال ابن حبان: أبو سفيان الأنماري شيخ يروي الطامات من الروايات لا يجوز الاحتجاج
به إذا انفرد.
وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد: تفرد به بقية بن الوليد عن أبي سفيان
الأنماري عن حبیب بن عبد الله بن أبي كبشة عن أبيه عن جده.
وقال الهيثمي في المجمع ٤ /٦٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سفيان الأنماري، وهو
ضعيف. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٣٩٣).
(١) حياة الحيوان (١/ ٣٠٧).
(٢) التذكار (ص ٥٥).
(٣) التذكار (ص ٦١ - ٦٢).

٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
شيء أصابك من ريحه)) الحديث وسيأتي الكلام على ذلك في بابه.
٢١٩٢ - وَعَن عَائِشَة ◌َّالِّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَالَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن ويتتعتع فِيهِ وَهُوَ
عَلَيْهِ شاق لَهُ أَجْرَانِ.
وَفِي رِوَايَة وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَد عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم
وَاللَّفْظِ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهِ(١).
قوله: وعن عائشة زقراتها تقدم الكلام على عائشة.
قوله وَّة ((الماهر بالقرآن)) الحديث، الماهر بالقرآن الحاذق بالقراءة
الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجوده حفظه وإتقانه
والماهر مأخوذ من المهارة قال أبو العباس القرطبي: المهارة في القراءة
جودة التلاوة كجودة الحفظ فلا يتردد فيه لأنه يسره الله علیه كما يسره على
الملائكة فهو على مثلها في الحفظ والدرجة اهـ
والمهارة الحذق في الشيئ وقد مهر يمهر مهارة قاله في النهاية.
قوله: ((السفرة الكرام البررة)) والسفرة جمع سافر وهم ملائكة الوحي
ككاتب والسافر السول والسفارة الرسل لأنه يسفرون إلى الناس برسالات
الله تعالى وقيل السفرة الكتبة جمع سافر أيضا من السفر وأصله الكشف فإن
الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه ومنه قيل للكتاب سفر بالكشف لأنه يكشف
(١) البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٤)، والنسائي
(٨٠٤٧)، وابن ماجه (٣٧٧٩)، وأحمد (٤٨/٦).

٣٣
كتاب قراءة القرآن
عن الحقائق ومنه أسفار الكتب(١) وعلى هذا فيكون [وجه] كونهم مع
الملائكة أن حملة [القرآن يبلغون] كلام الله إلى خلقه فهم سفراء بين رسل
الله وبين خلقه فهم معهم أي في مرتبتهم في هذه العبادة و[يستفيد] من هذا حملة
القرآن التحرز فى التبليغ [والتعليم والاجتهاد فى] في تحصيل [الصدق]
والإخلاص في النية لله تعالى حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة(٢) اهـ
((الكرام البررة)) والبررة جمع بار وهو المطيع مأخوذ من البر وهو الطاعة
وقيل الإحسان، قال القاضي عياض (٣) يحتمل أن يكون ممعن كونه مع
السفرة الكرام البررة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة
لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله قال ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم
وسالك مسلكهم [٢٠١/ أ] والمراد بهؤلاء الملائكة الذين هم حملة اللوح
المحفوظ كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴾ کِرَامِ بَرَرَةِ ﴾﴾(٤ سموا
بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنيباء فإنهم يستنسخونها
والماهر بالقرآن من حيث أنه حامل للقرآن حافظ له أمين عليه يؤديه إلى
المؤمنين ويكشف لهم ما يلتبس عليهم مع السفرة ومعدود من أعدادهم
فإنهم الحاملون لأصله الحافظون له ينزلون به على رسل الله تعالى ويؤدون
(١) كشف المشكل (٣٦٥/٤)، وتحفة الأبرار (٥١٩/١).
(٢) المفهم (٥٨/٧).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١٦٦/٣).
(٤) سورة عبس، الآيتان: ١٥-١٦.

٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إليهم ألفاظه ويكشفون عليهم معانيه(١) ذكره في شرح مشارق الأنوار(٢).
فائدة: قال الإمام القرطبي في كتابه التذكار: ولا يكون ماهرا بالقرآن إلا
حتى يكون عالما بالقرآن وذلك بأن يتعلم أحكامه فيفهم عن الله مراده وما
فرض عليه ويعرف المكي من المدني ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في
أول الإسلام وما ندبهم إليه في آخر الإسلام وما افترض في أول الإسلام وما
زاد عليهم من الفرائض في آخره ويعرف الإعراب والغريب كذلك يسهل
عليه معرفة ما يقرأ ويزيل عنه الشك فيما يتلو ثم ينظر في السور المأثورة
الثابتة عن رسول الله وَيقول فيها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه
وهي تفتح له أحكام قد قال الضحاك في قول الله عز وجل: ﴿وَلَكِن كُونُواْ
رَبَِّيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ﴾(٣) حق على من تعلم القرآن أن يكون
فقيها فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا وهو الكمال
والماهر الحاذق بالشيء والعالم به (٤) اهـ.
قوله وقية ((والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه)) الحديث، التعتعة في الكلام
التردد في تلاوته لضعف حفظه(٥) ومعناه يقف في قراءته(٦).
(١) تحفة الأبرار (٥١٩/١).
(٢) حدائق الأزهار للأرزنجانى (لوحة ١٦٨ / خ ٨٧٧٨١ كتابخانة).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.
(٤) التذكار (ص ٦٨).
(٥) شرح النووي على مسلم (٨٥/٦).
(٦) تحفة الأبرار (١/ ٥٢٠).

٣٥
كتاب قراءة القرآن
قوله وَّيه ((له أجران)) أي أجر القراءة وأجر ما يعتريه من المشقة في قراءته
ودرجة الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان قرأ القرآن متتعتعا عليه ثم ترقى عن
ذلك إلى أن شبه بالملائكة(١).
قال القاضي عياض (٢) وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له
من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً لأنه مع السفرة،
وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن
بکتاب الله تعالی وحفظه وإتقانه و کثرة تلاوته وروايته کاعتنائه حتی مھر فیه
قاله في الديباجة (٣).
٢١٩٣ - وَعَن أبي ذَر ◌َّ لَهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك
بتقوى الله فَإِنَّهُ رَأْس الأَمر كُله قلت يَا رَسُول الله زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بِتِلَاوَة الْقُرْآن
فَإِنَّهُ نور لَك فِي الأَرْض وَذخر لَك فِي السَّمَاء رَوَاهُ ابن حبان في صحيحه فِي
حَدِيث طَوِيل (٤).
(١) المفهم (٥٨/٧).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٢٣) ونصه: قَوْله وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن يتتعتع فِيهِ
يَعْنِي فِي الْقُرْآن مَعْنَاهُ يَتَرَدَّد فِي تِلَاوَته عيا والتعتعة فِي الْكَلَام العي والتردد فِيهِ وأصل
التعتمة الْحَرَكَة
(٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الاشارة الى هذا.
(٤) ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٦٥١)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٦/٤)، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن
حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٤٦).

٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي ذر زَقَالَهُ تقدم الكلام عليه.
قوله ((قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في
الأرض وذخر لك في السماء)» الذخر بالذال المعجمة.
٢١٩٤ - وَعَنِ جَابِرِ رَّ لَهُ عَنِ النَّبِيِ نَِّ قَالَ الْقُرْآن شَافِعٍ مُشَفع وَمَاحِل
مُصدق من جعله أَمَامِه قَادَهُ إِلَى الْجِنَّة وَمن جعله خلف ظهره سَاقه إِلَى النَّار
رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه(١).
ماحل بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة أي ساع وقيل خصم مجادل.
قوله: وعن جابر نَقْوالله تقدم الكلام عليه.
قوله وَالر: ((القرآن شافع مشفع وماحل مصدق)) المشفع بفتح الحاء
المقبول الشفاعة والمراد بذلك أنه يشفع يوم القيامة في كل من آمن به واتبعه.
قوله ((وماحل مصدق)) الماحل بكسر الهاء المهملة أي ساع وقيل خصم
مجادل اهـ قاله المنذري وقال في النهاية(٢): وقيل: ساع مصدق، من قولهم:
محل بفلان، إذا سعى به إلى السلطان يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه فإنه
شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به.
ومنه حديث الدعاء «لا تجعله ماحلا مصدقا». اهـ
قوله ((مصدق)) يروى بفتح الدال وكسرها ومعنى الفتح أنه سبب إعجازه
(١) ابن حبان (١٢٤)، والبزار (١٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٧/١)، رجاله
ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٤٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٠٣/٤)

٣٧
كتاب قراءة القرآن
شاهد للنبي وا بصحة نبوءته وصحة رسالته والمؤمنون في هذه الشهادة
ومعنى الكسر أنه شاهد على جميع الأمم الماضية مصدق لسائر الكتب
المنزلة قبله كما قال تعالى مصدقا لما [٢٠١/ ب] بین یدیه.
قوله وَلخير ((من جعله أمامه قاده إلى الجنة)) بفتح الهمزة أي قدامه والمراد
بجعله أمامه اتباعه والاقتداء به.
قوله ((ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار)) والمراد بجعله خلف ظهره
الإعراض عنه وترك العمل به قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾(١)
الآية قاله الأصبهاني في شرح الأربعين الودعانية(٢).
وقال في النهاية (٣): وفي حديث الأشعري ((اتبعوا القرآن ولا يتبعنكم)) أي
اجعلوه أمامكم ثم اتلوه، وأراد: لا تدعوا تلاوته والعمل به فتكونوا قد
جعلتموه وراءكم. وقيل معناه لا يطلبنكم لتضييعكم إياه كما يطلب الرجل
صاحبه بالتبعة. اهـ
٢١٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ◌َّ لَهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َ يَقُول
اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمِ الْقِيَامَة شَفِيعًا لاصحابه الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَيَأْتِي
بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (٤).
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٧.
(٢) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢١٢/ الحديث الخامس).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٧٩/١)
(٤) مسلم (٨٠٤).

٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي أمامة الباهلي نظراته تقدم الكلام عليه.
قوله وَلـ ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه)) الحديث،
وفيه إظهار العناية لحامله وتكريمه بنصبه شافعا له بعد تحقق خوفه قاله
صاحب حدائق الأولياء(١).
وعن ابن مسعود رُّ قال: يجيء القرآن يوم القيامة، فيشفع لصاحبه،
فيكون قائدا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقا إلى النار(٢).
قال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالما؛ بل إما أن يربح
أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(٣)(٤) ذكره ابن رجب الحنبلي (٥).
٢١٩٦ - وَعَن سهل بن معَاذْ عَن أَبِيه ◌ََّ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ من قَرَأَ
الْقُرْآن وَعمل بِهِ ألبس والداه تاجا يَوْم الْقِيَامَة ضوؤه أحسن من ضوء الشَّمْس
فِي بُيُوت الذُّنْيَا فَمَا ظنكم بِالَّذِي عملٍ بِهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ وَالْحَاكِمِ وَكِلَاهُمَا
عَن زبان عَن سهل وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَادَ(٦).
(١) حدائق الأولياء (٢/ ٨٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣١ (٣٠٠٥٣)، والدارمي (٣٣٢٥).
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
(٤) أخرجه الدارمى (٣٣٨٧) عن قتادة، والطبرى في التفسير (٤٢٦/١٣) عن الحسن.
(٥) جامع العلوم والحكم (٢٦/٢).
(٦) أبو داود (١٤٥٣)، والحاكم (٥٦٧/١)، وأبو يعلى (١٤٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان
(١٩٤٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٢).

٣٩
كتاب قراءة القرآن
قوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه نظراته تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّية ((من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة)) أي تاج
التوقير والكرامة فالعلماء مجمعون على القول به وأن المطلوب العمل بما
يقرأ ويتلو وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ له قال
((إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه)) وفي
حديث آخر عن النبي ◌َّ أنه قال ((شر الناس: رجل يقرأ كتاب الله عز وجل
لا يرعوي إلى شيء منه)) أي لا ينكف ولا ينزجر [من رعا يرعو] إذا كف عن
الأمور وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواء والاسم الرعياء بالفتح والضم
وقيل الارعواء الندم على الشيء والانصراف عنه والترك (١) اهـ.
وفي حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في
القلب فرسخ فيه نفع معناه أن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على
اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم وليس ذلك هو المطلوب بل
المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب اهـ.
والتراقي جمع ترقوة وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق وهما
ترقوتان من الجنبين والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم
تجاوز حلوقهم وقيل المعنى إنهم لا يعملون بالقرآن فلا [يثابون] على قراءته
فلا يحصل لهم غير القراءة قاله في النهاية (٢).
(١) النهاية (٢/ ٢٣٦).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ / ١٨٧).

٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فبين ◌ّ أن المقصود العمل كما بينا وقال عبد الله بن مسعود نَّ اللّهُ: ليس
حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن بإقامة حدوده(١)، وروى شريك عن ابن
إسحاق عن شداد بن أوس قال قال رسول الله مَ﴾ («ثلاثة غرباء: قرآن في قلب
رجل فاجر، ومصحف في بيت لا يقرأ فيه، وصالح مع الظالمين)) (٢)، وروي
أبو داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد أسلم عن أبيه عن عمر
قال: كنت جالسا عند النبي ◌َّلو فقال: «أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟))
قلنا: الملائكة، قال: وحق لهم بل غيرهم، قلنا: الأنبياء، قال: ((وحق لهم، بل
غيرهم))، ثم قال رسول الله وَّي: ((أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال
يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق
[٢٠٢ / أ] إيمانًا)(٣)، قال القرطبي: قال العلماء رحمة الله عليهم: حملة
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٥٧)،
(٢) أخرجه الدينورى في المجالسة (٢٥٦٨). وفيه نعيم بن مورع قال ابن عدى: يروي عن
الثقات العجائب لا يجوز الاحتجاج به بحال فقد قال البخاري: حديثه غير محفوظ إلا،
عَن أبي معشر. وقال فيه أيضا: عامة ما يرويه غير محفوظ. وذكره العقيلي في الضعفاء
ونقل عن البخاري أنه قال: منكر الحديث.
وقال الحاكم وأبو سعيد النقاش: روى عن هشام أحاديث موضوعة. وقال أبو نعيم: روی
عن هشام مناكير.
(٣) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة ١٠٦/١ (١/٧٣) والمطالب العالية (١/٢٩٢٢)،
وأبو يعلى (١٦٠)، والبغوى في حديث مصعب الزبيرى (١٢٧)، والحاكم في المستدرك
(٨٥/٤- ٨٦). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه محمد بن أبي حميد وقد
ضعفوه. وضعفه الحافظ في الفتح (٦/٧)، واستغربه في الأمالي المطلقة (٣٧/٢). وقال
الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٤٨): ضعيف جدًّا.