النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ كتاب الجهاد في المنام فكثير لا تحصره الأقلام (١) والله أعلم وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي وليه وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: ((اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها)). فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فو الله لا أصبحك بعدها أبدا، فرجعت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي وَّ وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ودخلو ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟ فقال ◌َله: ((إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك)). قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله وَيل الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم. ذكره في حياة الحيوان(٢). قوله ودية: ((دعوا لي النجدي)) قال الجوهري: ونجد من بلاد العرب، و کل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد(٣)، قال الرافعي: اليمن تشتمل (١) مشارع الأشواق (ص ٧٧٢). (٢) حياة الحيوان (٢٥٨/٢). (٣) الصحاح (٢/ ٥٤٢). ٦٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب على نجد وتهامة. وكذلك الحجاز وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز(١). ٢١٤٤ - وَعَن أنس ◌َّاللَّهُ أَن أم الرّبيع بنت الْبَراء، وَهِي أم حَارِثَة بنت االله ونا رضِى عِنْهُ سراقَةٍ أَتَت النَّبِي ◌َّةٍ فَقَالَت يَا رَسُول الله وَّهِ أَلا تُحَدِّثْنِي عَن حَارِثَة وَكَانَ قتل يَوْم بدر فَإِن كَانَ فِي الْجِنَّة صبرت وَإِن كَانَ غيرِ ذَلِك اجتهدت عَلَيْهِ بالبكاء فَقَالَ يَا أم حَارِثَة إِنَّهَا جنان فِي الْجَنَّة وَإِنِ ابْنك أصَاب الفردوس الأَعْلَى رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢). قوله: وعن أنس زَّالله تقدم الكلام علیه. قوله ((أن أم الربيع بنت البراء زَقْرايتها وهي أم حارثة بنت سراقة الأنصارية)). قوله: فقال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة)) أي إن جنته جنان في الجنة. قوله ((وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)) الفردوس هو البستان الذي يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات وقال الضحاك: الفردوس هو الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد وقال: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف بالأشجار والأغلب عليه العنب وجمعه الفراديس قال وبهذا سمي باب الفراديس بالشام والفردوس الأعلى وجنة الفردوس وهو اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها ومنه (١) فتح العزيز بشرح الوجيز (٨٠/٧). (٢) البخاري (٢٨٠٩)، وأحمد (١٢٢٥٢)، وأبو يعلى (٣٥٠٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٥٩)، والطبراني في الكبير (٣٢٣٤). ٦٦٣ كتاب الجهاد تتفجر الأنهار وفي الحديث (الفردوس ربوة الجنة أي أرفعها)) الربوة بالضم والفتح وهو ما ارتفع من الجنة قاله في النهاية(١). ((قوله أم الربيع)) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء المكسورة مصغر كذا في جميع النسخ وهذا وهم والصحيح أن يقول الربيع بنت النضر وهي أم حارثة بن سراقة عمة البراء لابنته قال الدار قطني: الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك أم حارثة بن سراقة المستشهد ببدر والبراء هذا هو [أخو] أنس بن مالك بن النضر اهـ قاله عياض(٢). وكذا قاله ابن الأثير(٣) في جامع الأصول الذي جاء في كتب النسب وأسماء الصحابة [أن أم حارثة بن سراقة هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك] وكذا الربيع بنت [معوذ] بياء التصغير وأمها أم الربيع ومن عداهما الربيع بالفتح. ٢١٤٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ عجب رَبنَا تبَارك وَتَعَالَى من رجل غزا فِي سَبِيل الله فَانْهَزَمَ يَعْنِي أَصْحَابِهِ فَعلم مَا عَلَيْهِ فَرجع حَتَّى أهريق دَمه فَيَقُول الله عز وَجل لملائكته انْظُرُوا إِلَى عَبدِي رَجَعَ رَغْبَة فِيمَا عِنْدِي وشفقة مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أهريق دَمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مرّة عَنهُ(٤). (١) النهاية (٢/ ١٩٢) (٢) مشارق الأنوار (٣٠٨/١). (٣) جامع الأصول (٣٩٥/١٢ و٣٩٧). (٤) أبو داود (٢٥٣٦). ٦٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ٢١٤٦ - وَرَوَاهُ أَحْمدٍ وَأَبُو يعلى وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَتقدم لَّفظهمْ فِي قيام اللَّيْلِ(١). وَتقدم فِيهِ أَيْضا حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ◌َهُ عَنِ النَّبِ نَّهِ ثَلَاثَة يُحِبُهُمْ الله ويضحك إِلَيْهِم ويستبشر بهم الَّذِي إِذا انكشفت فِئَة قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفْسِهِ لله عز وَجل فإمَّا أَن يقتل وَإِمَّا أَن ينصره الله ويكفيه فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا كَيفَ صَبر لي بِنَفْسِهِ الحَدِيثِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن(٢). قوله: وعن عبد الله بن مسعود نقّات تقدم الكلام عليه. قوله ◌َّله ((عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل غزا في سبيل الله فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه)) الحديث قيل معناه عظم ذلك عنده وكثر وكبر [١٩٠/ ب] لديه وقيل رضي وأثاب فسماه عجبا مجازا والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه أسباب الأشياء، والعجب ما خفى سببه ولم يعلم وقال ابن فورك(٣): العجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم وأن الله يعظم من أخبر عنه فإنه يعجب منه ويرضى عنه وتقدنم أيضا الكلام على ذلك في قيام الليل. (١) أحمد (٣٩٤٩)، وأبو يعلى (٥٢٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠٣٨٣)، وابن حبان (٢٥٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (١٦٧/٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٥/٢)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. (٢) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٢٥٥/٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٩٢). (٣) مشكل الحديث (ص ١٩٢). ٦٦٥ كتاب الجهاد ٢١٤٧ - وَعَن أنس رَّهُ قَالَ جَاءَ أنَاس إِلَى النَّبِيِوَّهِ أَن ابْعَثْ مَعنا رِجَالًا يعلمونا الْقُرْآن وَالسّنة فَبعث إِلَيْهِم سبعين رجلا من الْأَنْصَارِ يُقَال لَهُم الْقُرَّاء فيهم خَالِي حَرَام يقرؤون الْقُرْآن وَيَتَدَارَسُونَهُ بِاللَّيْلِ يتعلمون وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يجيئون بِالْمَاءِ فيضعونه فِي الْمَسْجِد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون بِهِ الطّعَام لاهل الصّفة وللفقراء فبعثهم النَِّي ◌َّةٍ إِلَيْهِم فعرضوا لَهُم فَقَتَلُوهُمْ قبل أَن يبلغُوا الْمَكَان فَقَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنَا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا قَالَ وأتى رجل حَرَامًا خَال أنس من خَلفه فطعنه بِرُمْح حَتَّى أنفذه فَقَالَ حَرَام فزت وَربِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُول الله وَّةٍ إِن إِخْوَانِكُمْ قد قتلوا وَإِنَّهُم قَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ. ٢١٤٨- وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيّ قَالَ أنْس ◌َوُّ أنزل فِي الَّذين قتلوا ببئر مَعُونَة قُرْآن قرأناه ثمَّ نسخ بعد بلغُوا قَومنَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا ورضینا عَنْهُ (١). قوله: وعن أنس زُونَ﴾ تقدم الكلام عليه. قوله ((جاء أناس إلى النبي ◌َّليل أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام بن ملحان يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد)) الحديث معناه يضعونه في المسجد سبيلا لمن (١) البخاري (٢٨١٤)، ومسلم (٦٧٧). ٦٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أراد استعماله لطهارة أو شرب أو غيره وفيه جواز وضعه في المسجد وقد كانوا أيضا يضعون أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد في زمن النبي وَّ ولا خلاف في جواز هذا وفضله. قوله ((ويحتطبون)) أي يجمعون الحطب ((فيبيعونه ويشترون به الطعام لاهل الصفة وللفقراء)) والقراء جمع قارئ وسموا به لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم وكانوا من أورع الناس ومن أوزاع وقصته أن عامر بن مالك قدم على رسول الله وَله قبل إسلامه فقال: لو بعثت إلي أهل نجد بعثً لاستجابوا لك فقال رسول الله وَ ل أخاف عليهم فقال: أنا جار لهم فابعثهم فبعث رسول الله مَّله رجلا من قراء الصحابة وفضلائهم وجعل أميرهم المنذر بن عمرو الساعد فلما نزلوا بئر معونة بعثوا إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله وَّة فلم ينظر فيه وقتل رسولهم وجاء بطائفة من قبائل عصية ورعل وذكوان على بعث رسول الله وَّيه فقتلوا أكثرهم قاله الكرماني(١)، وقيل: لم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، وأما أهل الصفة ففقراء الغرباء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي وَّةٍ، وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه قاله إبراهيم الحربي والقاضي، وأصله من صفة البيت وهي شيء كالظلة قدامه(٢). (١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٩٤). (٢) إكمال المعلم (٣٢٥/٦)، وشرح النووي على مسلم (١٣ /٤٧). ٦٦٧ كتاب الجهاد قوله: ((فبعثهم النبي ◌َّ إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان)) الحديث، قال: فدعا النبي وَّل على من قتلهم أربعين صباحا، وفي رواية: ((شهرا))، [قاله في أهل بئر معونة]ومعونة بفتح الميم وضم العين في أرض بني سليم فيما بين مكة والمدينة [وبني سليم بين مكة وعسفان بأرض هذيل]، فإما الغين المعجمة فموضع قريب من المدينة قاله في النهاية(١)، وكانت هذه الوقعة بعد الهجرة في أول السنة الرابعة، وفي هذا الحديث فضل الصدقة وفضل الاكتساب من الحلال لها، وفيه: جواز الصفة في المسجد، وفيه: جواز المبيت فيه بلا كراهة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. قوله وسلم: ((إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا)) الحديث؛ قوله ((إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا)) بكسر إن للحال أو للعطف في هذا الحديث أيضاً فضيلة ظاهرة للشهداء وثبوت الرضى منهم ولهم وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿رَّضِىَ اٌللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾(٢) قال العلماء: أي بطاعته ورضوا عنه بما أكرمهم به وأعطاهم إياه من الخيرات والرضي من الله تعالى إفاضة الخير والإحسان والرحمة فيكون من صفات الأفعال وهو أيضاً بمعنى إرادته فيكون من صفات الذات(٣). قال أنس أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ بعد بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، رفع بعد ذلك أي نسخ تلاوته، (١) النهاية (٣٤٤/٤). (٢) سورة المائدة، الآية: ١١٩. (٣) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٤٧-٤٨). ٦٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قال الكرماني(١): قلت القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى والله أعلم. ٢١٤٩ - وَعَن مَسْرُوق زَّوْتَنَ قَالَ سَأَلْنَا عبد الله عَنِ هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾﴾(٢) فَقَالَ أما أنا فقد سَأَلْنَا عَنِ ذَلِك رَسُول الله وَِّ فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطلع عَلَيْهِم رَبهم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئًا قَالُوا أَي شَيْء نشتهي وَنحن نَسْرَح من الْجِنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل ذَلِك بهم ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنْهم لن يتْرِكُوا من أَن يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَزْوَاحَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتلِ فِي سَبِيلك مرّةً أُخْرَى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرِهمَا(٣). قوله: وعن مسروق نَّهُ، مسروق هو ابن [١٩١/ أ] [الأجدع، بالجيم ودال مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد الله الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم. روى عن أبى بكر الصديق، وعثمان، وعلى. وسمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، رضى الله عنهم. روى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وسليم ابن أسود، وابن الضحى، والشعبى، والنخعى، والسبيعى، وعبد الله بن مرة، (١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١١٦/١٢). (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩. (٣) مسلم (١٨٨٧)، والترمذي (٣٠١١)، وابن ماجه (٢٨٠١)، والحميدي (١٢٠)، والدرامي (٢٤٥٤). ٦٦٩ كتاب الجهاد وعبيد الله ابن عبد الله بن عقبة، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته ، قال الشعبى: ما علمت أحدا كان أطلب للعلم من مسروق. وقال مرة: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال على بن المدينى: لا أقدم على مسروق أحدا من أصحاب ابن مسعود، وصلى خلف أبى بكر، ولقى عمر وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا. وقال أبو داود: كان أبو مسروق أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت عمرو بن معدى كرب، وقال عمر بن الخطاب المسروق: ما اسمك؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت النبى وَل يقول: ((الأجدع شيطان))، أنت مسروق بن عبد الرحمن. قال الشعبى: فرأيته فى الديوان مسروق بن عبد الرحمن، وكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان مسروق سرق فى صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث وستين، رحمه الله تعالى(١)]. [قوله:] سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ ﴾﴾(٢) [قال المازري] كذا جاء، عبد الله غير منسوب قال أبو علي الغساني: من الناس من ينسبه فيقول عبد الله بن عمرو، وذكره [أبو مسعود] الدمشقي في مسند ابن مسعود، قال القاضي عياض (٣): ووقع في بعض النسخ من صحيح مسلم عبد الله بن مسعود [قال] (١) تهذيب الأسماء واللغات (٢ /٨٨ ترجمة ٥٦٧). (٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٤. (٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦٩/٦). ٦٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب النووي(١): وكذا وقع في نسخ [بلادنا] المعتمدة ولكن لم يقع منسوبا إلى معظمها، وذكر خلف الواسطي والحميدي وغيرهما في مسند ابن مسعود وهو الصواب، وهذا الحديث مرفوع لقوله إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله وَاليه. قوله: ((فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت)) هذا الحديث في صحيح مسلم، وفي غير مسلم بطير خضر، وفي حديث آخر لحواصل طير، وفي الموطأ ((إنما نسمة المؤمن طير)) والنسمة تطلق على ذات الإنسان جسما وروحا وتطلق على الروح مفردة وهو المراد بها هنا لتفسيرها في الحديث بالروح ولعلمنا بأن الجسم يفنى ويأكله التراب، وفي حديث آخر عن قتادة: ((الروح في صورة طير أبيض)) قال القاضي: كل هذا من المجوزات فإذا أراد الله تعالى أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أجواف طير أو حيث شاء كان ذلك ووقع ولم يبعد لاسيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة (٢). قوله ((تسرح من الجنة حيث شاءت)) أي: الأرواح تتنعم وتردد في ثمار الجنة كما تسرح الإبل في مراعيها (٣) انتهى. قوله وَية: ((فاطلع عليهم ربهم إطلاعة)) فقال: ((هل تشتهون شيئا؟)) ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب (١) شرح النووي على مسلم (٣١/١٢). (٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٢). (٣) مطالع الأنوار (٤٧٦/٥). ٦٧١ كتاب الجهاد نريد أن ترد أرواحنا أي: الأرواح، في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى)) الحديث، هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدا على ما أعطاهم فسألوا حين رأوا أنه لابد من سؤال أن ترجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا نفوسهم في الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله(١) والله أعلم. ٢١٥٠ - (٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَهُ عَنِ النَّبِيِوَِّ أَنْه سَأَلَ جِبْرَائِيل ◌َّهُ عَن هَذِه الْآيَةِ ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾(٣) من الَّذين لم يشا الله أَن يصعقهم قَالَ هم شُهَدَاء الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ (٤). قوله: وعن أبي هريرة ◌ُقَّه، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه سأل جبرائيل ،بَلَّلها عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهٌ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم شهداء الله، الصعق [أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرًا]. ٢١٥٢ - وَعَن عامر بن سعد زَّهُ عَن أَبِيهِ أَن رجلا جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ وَالنَّبِيّ وَلِّ يُصَلِّ فَقَالَ حِين انْتهى الصَّفّ اللَّهُمَّ آتني أفضل مَا تؤتي عِبَادك (١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٣). (٢) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق). (٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨. (٤) الحاكم (٢/ ٢٥٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٦٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الصَّالِحِين فَلَمَّا قضى النَّبِيِنَِّ الصَّلَاة قَالَ من الْمُتَكَلّم آنِفًا فَقَالَ الرجل أَنَا یَا رَسُول الله قَالَ إِذا يعقر جوادك وتستشهد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وعن عامر بن سعد زَّهُ عن أبيه [هو عامر بن سعد بن أبى وقاص القريشى الزهرى المدنى التابعى، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم، رضى الله عنهم. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين. واتفقوا على توثيقه. توفى بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك(٢)]. قوله: أن رجلا جاء إلى الصلاة والنبي وَلا يصلي فقال حين انتهى الصف اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى النبي وَلّ الصلاة قال من المتكلم آنفا فقال الرجل أنا يا رسول الله، آنفا أي قريبا. قوله: ((إذا يعقر جوادك وتستشهد)) تقدم معنى الجواد، وتقدم الكلام على الشهيد وفضائل الشهادة، [١٩١/ ب] ذهب بعض العلماء إلى أن الميت [في سبيل الله والمقتول سواء]. (١) أبو يعلى (٦٩٣)، وابن حبان (٤٦٤٠)، والحاكم (٢٠٧/١)، والنسائي (٩٩٢١)، وابن السني (١٠٧)، وابن خزيمة (٤٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٥/٥)، رواه أبو يعلى والبزار بإسنادين، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح. (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٥٦/١ ترجمة ٢٧٨). ٦٧٣ كتاب الجهاد الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون ٢١٥٣ - عَن أبي عمرَان رَّوَهُ قَالَ كُنَّا بِمَدِينَة الرّوم فأخرجوا إِلَیْنَا صفا عَظِيما من الرّوم فَخرج إِلَيْهِم من الْمُسلمين مثلهم أو أكثر وعَلى أهل مصر عقبة بن عَامِرِ زَّ لَهُ وعَلى الْجَمَاعَة فضَالة بن عبيد رََّهُ فَحمل رجل من الْمُسلمين على صف الرّوم حَتَّى دخل بينهم فصاح النَّاس وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يلِقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة فَقَامَ أَبُو أَيُّوب فَقَالَ أَبِهَا النَّاس ◌ِنَّكُمْ لتأولون هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نزلت هَذِهِ الْآيَة لِبَعض سرا دون رَسُول الله وَّةٍ إِن أَمْوَالنَا قد ضَاعَت وَإِن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَامِ وَكثر ناصروه فَلَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا وأصلحنا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزِل الله تَعَالَى على نبيه وَّهِ مَا يرد علينا مَا قُلْنَا وللفقراء فِي سَبِيل الله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأُيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾(١) وَكَانَت التَّهْلُكَة الْإِقَامَة على الْأَمْوَال وإصلاحها فِينَا معشر الْأَنْصَار لما أعز الله الْإِسْلَامِ وَكثر ناصروه فَقَالَ بَعْضنَا وَتَركنَا الْغَزْوِ فَمَا زَالَ أَبُّو أَيُّوب شاخصًا فِي سَبِيل الله حَتَّى دفن بِأَرْض الرّومِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح(٢). (١) سورة البقرة، الآية: ١٩٥. (٢) الترمذي (٢٩٧٢)، وقال: حديث سن صحيح غريب، والطيالسي (٦٠٠)، وأبو داود (٢٥١٢)، والنسائي (١١٠٢٨)، وابن حبان (٤٧١١)، والطبراني في الكبير (٤٠٦٠). = ٦٧٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: عن أبي عمران زَّلَهُ [هو أسلم بن يزيد التجيبى المصرى: مولى عميرة بن تميم بن جدّ التجيبى، يكنى أبا عمران. يحدث عن أبى أيوب الأنصارى، وعقبة بن عامر، وهبيب بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، ومسلمة بن مخلّد، وأم سلمة، وصفية ((زوجى النبي ◌َّ)) ، حدث عنه يزيد بن أبى حبيب، وسعيد بن أبى هلال، وعبد الله بن عياض، وكان وجيها بمصر فى أيامه، وكانت الأمراء يسألونه فى أمورهم وقال النسائي: ثقة وقال العجلي: ((مصري تابعي ثقة)) وذكره ابن حبان في الثقات(١)]. قوله: كنا بمدينة الروم، المراد بمدينة الروم القسطنطينية، بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم طاء ثانية مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة تحتها ونون مكسورة وبعدها ياء ثانية ثم هاء ساكنة، أعظم مدائن الروم بالقرب من بلاد كسري بناها قسطنطين ملك الروم وهو [أول من تنصرآمن ملوك الروم فنسبت المدينة إليه (٢)، وثم أخرى في بلاد من بلاد إفريقية أ.هـ. وتقدم الكلام عليها في أوائل هذا التعليق في دخول الحمام مبسوطًا. = وقال الألباني صحيح، أخرجه الترمذي (٢٩٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي. (١) تاريخ ابن يونس (٤١/١ ترجمة ١٢١)، وتهذيب الكمال (٥٢٨/٢-٥٢٩ ترجمة ٤٠٥)، وتهذيب التهذيب (١ /٢٦٥ ترجمة ٤٩٩). (٢) الأنساب للسمعانى (٤١٩/١٠) واللباب (٣٦/٣ -٣٧)، وفيات الأعيان (٧/ ٨٠). ٦٧٥ كتاب الجهاد قوله: فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، والروم هم بنو الأصفر وهو الروم بن عيصو (١) بن إسحاق بن إبراهيم كذا قال بعضهم، وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ◌َّيم(٢)، وقيل: إنما سموا بني الأصفر لكثرة أموالهم وإنما يقال ذلك لملوكهم، وقيل: لأن أباهم كان أصفر في بياض فسموا به، وقيل: اسم رجل أسود ملكهم فنكح من نسائهم فولد له ولد في غاية الحسن فنسب إليه الروم(٣)، وقال ابن الأنباري: سموا بني الأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادا أصفر من سواد الحبشة وبياض الروم(٤)، قال القاضي عياض(٥): قول الحربي أشبه. قوله: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر رقَّتَهُ، تقدم الكلام عليه، وعلى الجماعة. فضالة زَّوَّه [هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قیس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء (١) في الأصل غيصوم وهكذا وقع في كشف المناهج (٤٧٤/٤)، والتصويب من المعارف (ص ٣٨) (٢) إكمال المعلم (٦/ ١٢٢ -١٢٣)، ومطالع الأنوار (٣٠٢/٤). (٣) كشف المناهج (٤/ ٤٧٤-٤٧٥) (٤) شرح الصحيح (٥٤/١) لابن بطال، وإكمال المعلم (١٢٢/٦ -١٢٣) ومطالع الأنوار (٤/ ٣٠٢) وشرح النووي على مسلم (١٢ / ١١١). (٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١٢٣/٦). ٦٧٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب موحدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى العمرى. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم فى البحر، روى له عن رسول الله ﴾﴾ خمسون حديثا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلى بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعانى، وسلمة ابن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعنى يا بنى، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق(١)]. قوله: فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، قال في شرح الإلمام: لم أقف على اسم هذا الرجل، وفيه جواز ذلك لمن علم من نفسه غناء ونكاية في العدو وبخلافه عكسه فإنه مخاطرة بالنفس فلو فعل وظن الهلاك فله الفرار ليقوي بالمسلمين وينحاز إلى فئة (٢)، قال ابن عباس: (١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ ترجمة ٢٥٠). (٢) انظر تفسير القرطبى (٢٦٣/٢) قال: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان الله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ = كتاب الجهاد ٦٧٧ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا. قال الشافعى في الأم (١٧٨/٤): لا أرى ضيقا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرا، أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله وقليل وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ◌َّار بما في ذلك من الخیر فقتل. وقال أحمد في ((مسائل صالح)) (٤٦٩/٢): ((قلت: الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو، أعانَ على نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: ((ذلك اشترى الآخرة بالدنيا)). وقال أبو داود في مسائله (٢٤٧): ((سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ)). وقال: ((لا يستأسر، الأسر شديد)). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: ((إذا علم أنه يقوى بهم)). وقال ابن العربى في أحكام القرآن (١٦٥/١): قال القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد، وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة؛ فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه: الأول: طلب الشهادة. الثاني: وجود النكاية. الثالث: تجرية المسلمين عليهم. الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع، والفرض لقاء واحد اثنین، وغير ذلك جائز. = ٦٧٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ((من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر))(١)، وقال البغوي (٢): يريد إذا فر مسلم من كافرين غير منحرف لقتال أو متحيزاً إلى فئة يستحق الوعيد من الله تعالى وإن كانوا أكثر من اثنين بإزاء المسلم فلا عيب على من فر، ومن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء لأنه عاص كقاطع الطريق وهو من الكبائر، أ.هـ، وحمل الحس تحريم الفرار على يوم بدر خاصة وخالفه الجمهور(٣)، وفي الحديث الحث على الغزو والمداومة عليه والله أعلم. قاله في شرح الإلمام. وقال النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤٦): فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. وقال ابن تيمية في قاعدة في الانغماس (ص ٢٧-٢٨): والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية ٢ في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة، وليس في ذلك إلا خلافا شاذ نص الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك على الجواز. (١) الأم (٢٥٦/٤) ومسند الشافعى (١٧٣٠). قال الطبرى في تهذيب الآثار (١ / ٥٦٧ - الجزء المفقود): الحق على من لقي مشركا من أهل الحرب عند التقاء الزحفين ألا يفر منه، وأن الذي له- إن أتاه أمر لا طاقة له به -الاستطراد للكرة أو التحيز إلى فئة، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ وَمَنٍ يُوَلّهِمْ يَوْمَبِذٍ دُبْرَهُوَ إِلَّا مُتَحَرِّفَا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ [الأنفال: ١٥-١٦]. (٢) شرح السنة للبغوي (١١ / ٧٠). (٣) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧١). ٦٧٩ كتاب الجهاد قوله: فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، الحديث، سبحان الله للتعجب، وقد جاء ذكر ذلك كثيراً وتقدم ذلك في قوله ((سبحان الله إن المؤمن لا ينجس)) (١) فيجوز أن يراد الذكر والتعجب ولا يضر ذلك وإن وردت على سبب خاص كما ذكره أبو أيوب، ولا يمنع أن يشار بها إلى ما في معناه فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح لكن لعل أبا أيوب يقصره على سببه كما يقوله آخرون أ.هـ. قوله: يلقي بيده إلى التهلكة، التهلكة: الهلكة والخصلة التي تؤدي إلى الهلاك، وأصل الهلاك السقوط والبطلان بأي شيء كان(٢)، والتهلكة أيضاً لمن ترك الجهاد (٣)، وقال غيره: التقحم فيه بلا نكاية للعدو (٤)، وقيل: العقوبة على ترك الجهاد (٥)، وقيل: ترك التوبة من الناس(٦)، والصحيح الأول(٧). (١) سبق تخريجه. (٢) المجموع المغيث (٥٠٧/٣). (٣) تفسير البغوى (٢١٦/١) وتفسير القرطبى (٢٦١/٣). (٤) تفسير البغوى (٢١٦/١)، وشرح الإلمام (٢٠٦/٢-٢٠٨) (٥) تفسير الثعلبى (٢/ ٩٢). (٦) تفسير البغوى (١/ ٢١٧) وتفسير القرطبى (٢٦١/٣). (٧) تفسير الطبرى (٣١٢/٣- ٣٢٦) قال بعد أن ساق الأقوال السابقة: فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك. ٦٨٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: فقام أبو أيوب فقال أيها الناس، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله وَ له إن أموالنا قد ضاعت، أراد بالأموال الزرع [والصرف] ضاعت أي بقلة المتعهد. قوله: فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص بصره كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه، ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله، ومنه حديث عثمان ((إنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو أو مسافر)) قاله في النهاية (١)، وأبو أيوب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي الجليل، شهد العقبة وبدراً وأحد والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله وَّ ونزل عليه رسول الله وَل حين قدم المدينة مهاجراً وأقام عنده شهراً حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول اله ونَ ﴾ مائة حديث وخمسون حديثاً اتفق البخاري ومسلم على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، توفي رقم ټ بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: غير ذلك، وقبره رَّالَّهُ بالقسطنطينية(٢). ٢١٥٤ - وَعَنِ ابْن عمر ◌َّ ◌ََّا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ إِذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أَذْنَابِ الْبَقْر ورضيتم بالزرع وتركتم الْجِهَادِ سلط الله عَلَيْكُمْ ذلا لا (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٥٠/٢-٤٥١). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٧٧/٢ ترجمة ٧٢٢).