النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب الجهاد
تعالى لم يره أحد من البشر في هذه الدار نبيا كان أو غيره وشهد لهذا قوله
عَالَلاء في الصحيح ((اعلموا أنه لا يرى الله أحد ربه حتى يموت)) ويقوم
الخلاف في رؤية نبينا وَّ لربه والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك والأصل
بقاء ما ذكرناه على أصلنا (١) أ. هـ.
٢١١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَ لََّا قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ رَأَيْت جَعْفَر بن أبي
طَالبِ رََّهُ ملكا يطير فِي الْجَنَّةِ ذَا جناحين يطير مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ مقصوصة
قوادمه بالدماء رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن(٢).
قوله: وعن ابن عباس رَّاًّا، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّ: ((رأيت جعفر بن أبي طالب نَّالَهُ ملكا يطير في الجنة ذا جناحين
يطير منها حيث شاء)) الحديث، هو: أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب الطيار
الهاشمي(٣) ذو الجناحين وذو الهجرتين الجواد أبو الجواد وكان من متقدمي
الإسلام وهاجر إلى الحبشة وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي رحمه
الله، وارتفق المسلمون بجعفر هناك واعتضدوا به وكان جعفر أميرهم في
الهجرة وهاجرت معه زوجته أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله بن
(١) المفهم (١١٨/٢٠ -١٢٠).
(٢) الطبراني في الكبير (١٤٦٧)، وفي (١٢١١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٣/٩)،
رواه الطبراني في بإسنادين أحدهما جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٦٥).
(٣) طبقات ابن سعد: ٢٢/١/٤، التاريخ الكبير: ١٨٥/٢، الجرح والتعديل: ٤٨٢/٢،
حلية الأولياء: ١١٤/١-١١٨، الاستيعاب: ١٤٩/٢، أسد الغابة: ٣٤١/١، تهذيب
الأسماء واللغات: ١٤٨/١-١٤٩، تهذيب التهذيب: ٩٨/٢، الإصابة: ٨٥/٢.

٦٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جعفر وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقضية جعفر مع
النجاشي في أول اجتماعه به وقراءته عليه سورة مريم، وقوله إن عيسى عبد
الله تعالى وغير ذلك مما جرى له مشهور معروف، ثم قدم من الحبشة هو
ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك وجاءوا في سفينتين
في البحر فقدموا على رسول الله وَالله في خيبر فأسهم له منها ولم يسهم لمن لم
يحضرها غير أهل السفينة، وحديث قصتهم في الصحيح مشهور، سكن
المدينة ثم أمره النبي ودليلا على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد
هو وزيد فيها فأخبر بوفاته رسول الله وَجية على المنبر في المدينة حال وفاته
واستغفروا له وأمر المسلمين بالاستغفار له ووجدوا به يؤمئذ أربعا وخمسين
ضربة بالسيف في مقدمه وقبر صاحبيه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة
مشهوران بأرض مؤتة من الشام على نحو مرحلتين من بيت المقدس.
قوله: ((مقصوصة قوادمه بالدماء) قوادم الطائر مقاديم ريشه وهي عشر في
كل جناح، الواحدة: قادمة (١)، وفي الحديث: ((إن مدينة لوط حملها جبريل
نَالَلَّم على خوافي جناحه)) وهي الريش الصغار التي في جناح الطائر ضد
القوادم واحدها خافية قاله في النهاية(٢).
٢١١٨- وَعَن سَالم بن أبي الْجَعْدِ رَوَّهُ قَالَ أربهم النَّبِيِّ وََّ فِي النّوم
فَرَأى جعفرا ملکا ذَا جناحين مضرجين بالدماء وَزيد مُقَابِله رَوَاهُ الطَبَرَانِيّ
(١) مشارع الأشواق (ص ٧٢٧).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٧)

٦٠٣
كتاب الجهاد
ـيجـ
وَهُوَ مُرْسل جيد الْإِسْنَادُ(١).
قَالَ الْحَافِظِ كَانَ جَعْفَر ◌ََّّهُ قد ذهبت يَدَاهُ فِي سَبِيل الله يَوْم مُؤْتَة فأبدله
بهما جناحين فَمن أجل ذَلِك سمي جعفرا الطيار
قوله: وعن سالم بن أبي الجعد زَّهُ، واسم أبي الجعد [رافع الأشجعي
مولاهم الكوفي، أخو زياد بن أبي الجعد، وعبد الله بن أبي الجعد، وعبيد بن
أبي الجعد، قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة وقال منصور:
قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي
الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم
بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير، وقال مطين: مات سنة مئة،
وقيل: سنة إحدى ومئة ، وقال أبو نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٢)].
قوله: أريهم النبي ◌َّر في النوم فرأى جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين
بالدماء وزيد مقابله، أي: على السرير، وابن رواحة جالس معهما كأنهما
معرضان عنه، رواه الطبراني وهو مرسل جيد الإسناد، قال الحافظ(٣): كان
جعفر نَظّ ◌َّهُ قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله بهما جناحين فمن
(١) الطبراني في الكبير (١٤٦٨)، وفي (١٤٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٣)،
رواه الطبراني مرسلا بإسنادين، ورجال أحدهما، رجال الصحيح.
(٢) تهذيب الكمال (١٠ / ترجمة ٢١٤٢).
(٣) أى المنذرى .

٦٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أجل ذلك سمي جعفراً [١٨٣ / أ] الطيار، أ.هـ.
قوله: ((مضرجين بالدماء)) أي: ملطخين به، وتضرج الثوب بالدم إذا تلطخ
بدم أو غيره، قاله صاحب المغيث(١) فالتضريج التدمية والتلطيخ وتقدم
الكلام على جعفر.
وقوله: ((وزيد مقابله)) الكلام الآن على زيد بن حارثة، هو: [والد] أسامة
بن زيد بن حارثة بالحاء المهملة بن شراحيل بفتح الشين بن كعب بن عبد
العزى بن امرئ القيس [بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف
بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة
بن الحاف] بن قضاعة الكلبي نسبا القرشي الهاشمي بالولاء الحجازي وهو
مولى رسول الله وَ﴾ أشهر مواليه، ويقال له حب رسول الله وَل وأبو حبه،
كان أصابه سبي في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها فأغارت عليهم
بنو القين فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته
خديجة بنت خويلد فوهبته للنبي وسلا قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، قيل:
رآه النبي ◌َّ ينادى عليه بالبطحاء فذكره لخديجة فقال له يشتريه من مالها ثم
وهبته للنبي وَجُل فأعتقه وتبناه، قال ابن عمر: كنا ندعوه زيد بن محمد حتى
نزل قول الله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآبِهِمْ﴾(٢) وآخى رسول الله وَخلال بنيه وبين
جعفر بن أبي طالب وكان من أول من أسلم حتى أن الزهري قال في رواية
عنه أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلاماً خديجة ثم أبو بكر ثم زيد،
(١) المجموع المغيث (٣١٨/٢-٣١٩).
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥.

٦٠٥
كتاب الجهاد
وفي المسألة خلاف مشهور ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف وهاجر مع
رسول الله وَّه إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر
وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المسلمين يوم بدر، وكان زَّوَّهُ من الرماة
المذكورين وزوجه النبي سل﴾ مولاته أم أيمن فولدت له أسامة وتزوج زينب
بنت جحش أم المؤمنين ثم طلقها ثم تزوجها رسول الله وسطله وقصته في القرآن
العظيم في سورة الأحزاب، قال العلماء: ولم يذكر الله عز وجل في القرآن
باسم العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
إلا زيداً في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَىُ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا﴾(١)، ولما
جهز رسول الله وَل الجيش إلى غزاة مؤتة جعل أميرهم زيد بن حارثة، وقال:
((إن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة)) فاستشهدوا
ثلاثتهم بها رَِّن ◌َّه وحزن عليهم رسول الله وَيخل والمسلمون، روي لزيد عن
النبي # حديثا وروي عنه ابنه أسامة بن زيد رَويّ، قال النووي(٢): روينا في
صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله وَ لّه قال حين أمر أسامة
بن زيد فطعن بعض المنافقين في إمارته فقال رسول الله وَالله: ((إن تطعنوا في
إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة
وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ من بعده))(٣)،
وقد ذكر تمام الرازي في فوائده أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.
(٢) شرح النووي على مسلم (٣٥/١٣).
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٥٠).

٦٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
زيد ثم ذهب إلى قومه مسلمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة(١).
فائدة: وغزوة مؤتة كانت في جمادي الأولي في السنة الثامنة من الهجرة
قبل الفتح، ومؤتة بضم الميم ثم همزة ساكنة ويجوز ترك الهمزة كما في
نظائره وهي قرية معروفة من قرى البلقاء في طرف الشام عند الكرك، التقت
جيوش المسلمين وهرقل وقتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله
بن رواحة فيها وأخذ الراية بعد ابن رواحة خالد بن الوليد ففتح الله عليه،
وكان المسلمون ثلاثة آلاف والروم مع هرقل في مائة ألف كذا في التحفة
فبعث رسول الله صلى الله عليه [١٨٣/ ب] وسلم زيد بن حارثة في ثلاثة
آلاف من المسلمين إلى أرض البلقاء من أطراف الشام، وقال: إن أصیب زید
فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على
الناس فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج(٢) وقد اختلف العلماء في عسكر
المسلمين بمؤتة هل كانت الهزيمة عليهم أو على المسلمين فحكى ابن سعد أن
الهزيمة كانت على المسلمين وحكي أيضا أنها كانت على الروم وذهبت جماعة
إلى أن الهزيمة كانت على المشركين والنصرة للمسلمين وهو الأقرب وإليه مال
البيهقي ورجحه في دلائل النبوة واستدل بقوله ◌َّيّة في الحديث الصحيح ثم أخذ
الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم(٣)، أ.هـ.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٢ -٢٠٣ ترجمة ١٨٧).
(٢) عيون الأثر (١٩٦/٢) ومشارع الأشواق (ص ٨٨٣ - ٨٨٤).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٨٩١).

٦٠٧
كتاب الجهاد
٢١١٩ - وَعَن عبد الله بن جَعْفَر ◌َّ ◌َِّا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ هَنِيئًا لَك يَا
عبد الله أَبوك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاءِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (١).
قوله: وعن عبد الله؛ عبد الله هذا هو ابن جعفر رَالَّهَا الطيار، وهو والد
والد علي بن المديني (٢).
قوله: ((هنيئا لك يا عبد الله، جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء))،
وتقدم أن جعفر قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله الله بهما جناحين،
أ.هـ، فجزاه الله أن جعله من الأحياء المذكورين عنده وزاده أن أبدله بيديه
جناحين يطير بهما حيث شاء، ويأكل من ثمار الجنة ما شاء فمن أجل ذلك
سمي الطيار وكان عبد الله بن عمر إذا حيي عبد الله بن جعفر قال: السلام
عليك يا ابن ذي الجناحين(٣).
فائدة: قال السهيلي(٤): ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما
ليسا كما سبق الوهم على مثل جناحي الطائر وريشة لأن الصورة الآدمية
(١) الطبراني في الكبير (١٤٧٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد وإسناده حسن، وكذا قال
الحافظ في الفتح.
(٢) هذا غلط فاحش ووهم عجيب فلا رابطة نسب ولا ولاء من قريب أو بعيد بين عبد الله بن
جعفر وعلى بن عبد الله المدينى من جهتين من جهة أن ابن المدينى من مواليد الموالى
فهو على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدى، أبو الحسن ابن المدينى البصرى، مولى
عروة بن عطية السعدى. والثانى أن ولاء ابن المدينى لغير الهاشميين.
(٣) أخرجه البخاري (٣٧٠٩) و(٤٢٦٤).
(٤) الروض الأنف (٣٨/٧-٣٩).

٦٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أشرف الصورة وأكملها وفي قوله وَالحلقة: ((إن الله خلق آدم على صورته)) تشريف
لها عظيم وحاشى الله من التشبيه والتمثيل، ولكنها عبارة عن صورة ملائكته
وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة وقد قال الله تعالى لموسى
عَ لَهُ: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾(١) فعبر عن العضد بالجناح توسعا
وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخلق به
إذن بوصف الجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، وقد
قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها
٩٠
صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَوْلِىّ أَجْنِحَةٍ
مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾(٢) فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له
ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل عليه
الصلاة والسلام، فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد أيضا
في بيانها خبر فيجب علينا الإيمان بها ولا يفيدنا إعمال الفكر في كيفيتها علما،
وكل أمريء قريب من معاينة ذلك فإما أن يكون من الذين تتنزل عليهم
الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وإما أن
يكون من الذين تقول لهم الملائكة وهم باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم
اليوم تجزون عذاب الهون، أ.هـ، قاله في الديباجة.
(١) سورة طه، الآية: ٢٢.
(٢) سورة فاطر، الآية: ١.

٦٠٩
كتاب الجهاد
٢١٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌َّ ◌ََّا أَنْه كَانَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة قَالَ فالتمسنا جَعْفَر بن
أبي طَالب ◌َوَهُ فوجدناه فِي الْقَتْلَى فَوَجَدنَا بِمَا أقبل من جسده بضعا
وَتِسْعين بَيْنِ ضَرْبَة ورمية وطعنة .
وَفِي رِوَايَة فعددنا بِهِ خمسين طعنة وضربة لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٍ فِي دبره رَوَاهُ
البُخَارِيّ (١).
قوله: وعن ابن عمر أًَّا، تقدم الكلام عليه.
قوله: أنه كان في غزوة مؤتة. ومؤتة: موضع على مرحلتين من بيت
المقدس (٢)، وتقدم الكلام على مؤتة في حديث سالم بن أبي الجعد.
قوله: فوجدنا بما أقبل من جسده بضعا وتسعين بين ضربة ورمية وطعنة،
وفي رواية: فعددنا به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، الحديث،
والدبر: بضم الباء الموحدة وسكونها الظهر يعني لم يكن شيء منها في حال
الإدبار بل كلها في حال الإقبال وغرضه بيان شجاعته رَقُونَ﴾(٣).
تنبيه: فإن قلت: الرواية السابقة خمسون، قلت: كان ذلك في قبله خاصة
وهذا في جميع جسده، أو ذلك من الطعنات والضربات وهذا من الطعنات
والرميات، والفرق بينهما أن الطعنة بالرمح والضربة بالسيف والرمية بالسهم
مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد والله أعلم [١٨٤ / أ].
(١) البخاري (٤٢٦١).
(٢) الكواكب الدراري (٥٦/٧) ونهاية الأرب (ص ٤٦١).
(٣) الكواكب الدراري (١٢١/١٦).

٦١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قاله الكرماني (١)، وهذا يدل على أن الحرب لما انكشفت وانهزم
المشركون رجع المسلمون إلى القتلى ينظرون من فقد منهم كما جرت به
العادة وكان ممن وقف على القتلى عبد الله بن عمر فلا طريق إلى الجمع بين
الحديثين إلا أن يقال إن ابن عمر انهزم في أول الحرب مع طائفة ثم تشجعوا
ورجعوا وقاتلوا إلى أن فتح الله على المسلمين وانهزم المشركون وكان
اختفاؤهم في المدينة لما رجع العسكر، أ.هـ، ذكره ابن النحاس (٢).
٢١٢١ - وَعَن أنس ◌َّ ◌ِلَّهُ قَالَ بعث رَسُول الله وَل زيدا وجعفرا وَعبد الله
بن رَوَاحَة وَدفع الرَّايَةِ إِلَى زيد فأصيبوا جَمِيعًا قَالَ أنس فنعاهم رَسُول الله وَّ
قبل أَن يَجِيء الْخَبَرِ فَقَالَ أَخذ الرَّايَة زيد فأصيب ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فأصيب ثمَّ
أخذها عبد الله بن رَوَاحَة فأصیب ثمَّ أخذ الرَّایة سیف من سیوف الله خَالِد بن
الْوَلِيدِ قَالَ فَجعل يحدث النَّاسِ وَعَيناهُ تَذْرِفَانٍ.
وَفِي رِوَايَة قَالَ وَمَا يسرهم أَنْهم عندنَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَغَيرِه(٣).
قوله: وعن أنس، تقدم الكلام علیه.
قوله: بعث رسول الله وَ اله زيداً وجعفراً وعبد الله بن رواحة،
وتقدم الكلام على زيد وجعفر والكلام الآن على عبد الله بن رواحة،
وقيل: أبو عمرو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن
(١) الكواكب الدراري (١٢٢/١٦).
(٢) مشارع الأشواق (٨٩٥).
(٣) البخاري (١٢٤٦).

٦١١
كتاب الجهاد
امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن
الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة وشهد بدرا
وأحدا والحندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء والمشاهد كلها مع رسول
الله إلا الفتح وما بعدها فإنه كان توفي قبلها يوم مؤتة وهو أحد الأمراء في
غزوة مؤتة وهو خال النعمان بن بشير وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر
قادم وكان أحد الشعراء المحسنين الذي يردون الأذى عن رسول الله وَاه
والإسلام والمسلمين، وعن الزبير بن العوام ◌َّالَّ﴾ قال: ما رأيت أحدا أجرأ ولا
أسرع شعرا من ابن رواحة، وعن أبى الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يومٌ لا أذكر
فيه عبد الله بن رواحة كان إذا لقيني يقول: يا عويمر اجلس فلنؤمن ساعة
فنجلس فنذكر الله تعالى ما شاء الله ثم يقول يا عويمر هذه الإيمان، وهو الذي
شجع المسلمين في غزوة مؤتة على لقاء الكفار وكان المسلمون ثلاثة آلاف
والكفار مائتي ألف، وقيل: غير ذلك، استشهد عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة
في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ولم يعقب ومناقبه كثيرة مشهورة (١).
قال ابن هشام في السيرة: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفرا أخذ
اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو
ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله جناحين يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن
رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين(٢)، وقال موسى بن عقبة
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٥/١ ترجمة ٢٩٥).
(٢) سيرة ابن هشام (٣٧٨/٢).

٦١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
زعموا والله أعلم أن يعلى بن منبه قدم على رسول الله وَله بخبر أهل مؤتة
فقال له رسول الله وَ له: ((إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرتك)) قال: فأخبرني
يا رسول الله، فأخبره رسول الله خبره كله ووصفه لهم فقال: والذي بعثك
بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت،
فقال رسول الله وَيّ: ((إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم))(١)أ.هـ.
قوله: ودفع الراية إلى زيد فأصيبوا جميعاً، الراية: العلم الكبير، واللواء
دونه(٢)، واللواء بكسر اللام وبالمد هو بمعنى الراية والمراد بهما العلم الذي
يحمل في الحروب وهو من العلامة لأنه يعرف به موضع مقدم الجيش
واللواء والراية مترادفان صرح به أهل اللغة والغريب، ومنهم صاحب
المشارق والنهاية(٣)، انتهى.
وقال بعض العلماء: كانت راية النبي وَّه سوداء ولواءه أبيض(٤)، والراية
قال الجوهري: العلم(٥)، وكان اسم راية النبي وَّ العقاب (٦)، قال الجوهري
(١) عيون الأثر (١٥٦/٢ -٥-١٥٦) ومشارع الأشواق (ص ٨٨٨-٨٨٩).
(٢) الميسر (٨٩٠/٣) وتحفة الأبرار (٦١٠/٢)، والمفاتيح (٣٧٦/٤)، وشرح المصابيح
(٣٥٦/٤).
(٣) طرح التثريب (٢٢٠/٧)، وانظر مشارق الأنوار (١ /٣٠٤)، والنهاية (٢٧٩/٤).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٨١٨)، والترمذي (١٦٨١) عن ابن عباس. وحسنه الألباني في
الصحيحة (٢٣٣٣).
(٥) الصحاح (٢٣٦٤/٦).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٦٠٤) وأبو الشيخ في أخلاق النبى (٤٢٧) عن الحسن البصرى
مرسلا، والبيهقي في دلائل النبوة (٦٨/٥) عن عائشة.

٦١٣
كتاب الجهاد
في باب المعتل: والألوية المطارف أردية من خز مربعة لها أعلام (١)، وفي هذا
الحديث استحباب الألوية في الحروب وانه ينبغي ان تكون مع أمير الجيش
فجعل آخذ الراية هو الأمير، وقد يقيم الأمير في حملها غيره، ولا أمير كامل
[الإمرة] مع حضوره عليه [١٨٤/ ب] السلام ولكنه يقيم من يشاء فيما
شاء(٢) والله أعلم.
قوله: قال أنس فنعاهم النبي ◌َّ قبل أن يجيء الخبر، الخبر والنعي
بسكون العين وبكسرها خبر الموت (٣).
قوله وَله: ((فقال أخذ الراية زيد فأصيب)) إلى آخره، وأصيب معناه: نيل
بالمصيبة.
قوله: ((ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد)) الحديث/ هو:
أبو سليمان، وقيل: أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة [بن عبد الله بن
عمرو بن] مخزوم [بن يقظة] بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي
المخزوكي، سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم
المؤمنين، ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية في ذي القعدة سنة
ست من الهجرة وشهد غزوة مؤتة وسماه النبي لا يومئذ سيف الله، وشهد
خيبر وفتح مكة وحنينا، روى له عن رسول الله والله ثمانية عشر حديثا، اتفق
(١) الصحاح (٤/ ١٣٩٤) و(٢٤٨٩/٦).
(٢) طرح التثريب (٢٢١/٧).
(٣) الصحاح (٢٥١٢/٦).

٦١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
البخاري ومسلم على حديث، روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن
معدي كرب وأبو أمامة بن سهل الصحابيون وغيرهم من التابعين، وكان
رَو ◌َّهُ من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة، قال الزبير بن بكار
وغيره: وكان خالد هو المقدم على خيول قريش في الجاهلية ولم يزل من
حين أسلم يوليه رسول الله وَّي أعنة الخيل فيكون في مقدمتها، أرسله رسول
الله ◌َّيّةٍ إلى أكيدر صاحب دومة فأسره وأحضره عند رسول الله وَلا فصالحه
على الجزية ورده إلى بلده، وأرسله رسول الله وَّة سنة عشر إلى بني
الحارث بن كعب من مدلج فقدم معه رجال منهم فأسلموا ورجعوا إلى
قومهم، وأمره أبو بكر الصديق على قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين باليمامة
وكان له في قتالهم الأثر العظيم، وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال الروم
بالشام والفرس بالعراق، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته شعر من شعر
رسول الله وَّل يستنصر به وببركته فلا يزال منصوراً، ولما حضرت خالداً
الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف او نحوها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه
ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما
لي عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترس بها [الجبناء جمع جبان والجبن
الخوف وعدم الإقدام على الشيء]، وتوفي رَقَّ هُ في خلافة عمر بن الخطاب
سنة إحدى وعشرين، وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من
حمص، وقيل: توفي بالمدينة، قاله أبو زرعة الدمشقي عن دحيم، والصحيح
الأول، وحزن عليه عمر والمسلمون حزنا شديدا عظيما، ولما حضرته الوفاة

٦١٥
كتاب الجهاد
صلالله
عاكيه
حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله، وثبت في الصحيحين أن رسول الله
وسلم
قال: (إن خالدا احتبس أذراعه وأعتاده في سبيل الله)) وفضائله كثيرة
مشهورة(١)، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه بسر محمد، وتقدم الكلام عليه
أخصر من هذا.
قوله: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان، وتذرفان بفتح التاء المثناة من
فوق وسكون الذال المعجمة وكسر الراء المهملة وبالفاء أي: يسيل دمعهما،
يقال: ذرفت عينه إذا سال دمعها (٢)، وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله عَليه (٣)
والله أعلم.
٢١٢٢ - وَعَنِ جَابِر ◌َّهُ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُولُ الله أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ
أَن يعقر جوادك ويهراق دمك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحِه(٤). وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه
من حَدِيث عَمْرو بن عبسة قَالَ أتيت النَِّي وَلِّ فَقلت فَذكره(٥).
قوله: وعن جابر زقڅ﴾، تقدم الكلام علیه.
قوله: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: ((أن يعقر جوادك
ويهراق دمك)) الحديث.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٧٢/١ -١٧٤ ترجمة ١٤٢).
(٢) كشف المناهج (٢٤٠/٢).
(٣) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٣).
(٤) ابن حبان (٤٦٣٩)، وأحمد (١٤٢١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(٢٢٥٣).
(٥) ابن ماجه (٢٧٩٤)، وأحمد (١٩٤٣٥).

٦١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َُّ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ مَا يجد الشَّهِيد من
مس الْقَتْل إِلَّا كَمَا يجد أحدكم من مس القرصة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن
مَاجَهُ وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيحِ (١).
قوله: وعن أبي هريرة رُظْلَهُ، تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وَخاله: ((ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس
القرصة)) إنما كان كذلك لأنه [١٨٥ / أ] ينتقل إلى روح وريحان ورب غير
غضبان ويبشر بالنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول فتقرأ عليهم
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾(٢) فلا يجدون من ألم القتل إلا كما
يجد أحدكم من مس القرصة، وهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل
الشهادة ولا شك أنها كذلك، أ.هـ
واعلم أن الجريح في سبيل الله لا يجد من ألم الجراح ما يجده غيره فإنه قد
صح في الحديث أن القتيل في سبيل الله لا يجد ألم القتل إلا كمس القرصة وإذا
كان هذا حال القتل فكيف بما دونه من الجراح، وهذا أمر مستقر لا يجحده إلا
من لم يجرب، وما تقدم من أخبار الجرحي يؤيد ذلك مع ان العقل لا يستبعد
ذلك فإن سورة الغضب والحمية إذا اشتدت وحكمت وجد الإنسان في نفسه من
الشدة والقوة والصبر والاحتمال وقلة المبالاة بالمكروه وعدم الإحساس بالآلام
ما لم يكن يجده قبل ذلك حتى ربما يقع بيني المتخاصمين الشجاج المؤلمة
(١) الترمذي (١٦٦٨)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه (٢٨٠٢)، وابن حبان
(٤٦٥٥)، وأحمد (٧٩٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٨١٣).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٧١.

٦١٧
كتاب الجهاد
والجراح البالغة ولا يحسون بذلك إلا بعد انفصالهم مما هم فيه، هذا وكل منهم
مجتهد في الدفع عن نفسه کاره للموت أن ينزل به فكيف بمن يشتد غضبه لله
ويخرج عن نفسه إلى الله، ويتمنى الشهادة عند الله ويعد ما أصابه من فضل الله،
ويشهد بقوة نور الإيمان ما أعدّ الله الشهداء والجرحى في سبيله من الفضل
الجزيل شهوداً محققاً لا علماً مجرداً كما قال أنس بن النضر في وقعة أحد: واها
لريه الجنة إني لأجد ريحها دون أحد، ثم انغمس في المشركين حتى قتل رَظْ لَهُ،
(واها) قال العلماء: كلمة تحنن وتلهف(١)، ومن هذا ما قيل: إن امرأة فتح
الموصلي عثرت فطار ظفرها، فضحكت فقيل لها: يذهب ظفرك وتضحكين،
فقال: عن حلاوة الأجر أذهبت عني مرارة الألم أو نحو هذا، وروي أيضا في
الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله وَّل قال: ((إذا التقى الزحفان ونزل الصبر
كان القتل أهون على الشهيد من الماء البارد في اليوم الصائف)»(٢) ذكره صاحب
شفاء الصدور، وفي حديث مرفوع قال: ((عضة نملة أشد على الشهيد من مس
السلاح بل هو أشهى إليه من شراب بارد في يوم صائف)) (٣)، أ.هـ، ذكره ابن
النحاس في كتابه (٤).
(١) شرح النووي على مسلم (٤٨/١٣).
(٢) ذكره صاحب كتاب شفاء الصدور وعنه ابن النحاس في مشارع الأشواق (ص ٧٥٢)
وورد بمعناه في الحدیث التالى.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٢) ومن طريقه الضياء في المختارة (٣٤٤/١٠
(٣٧٢) ومن طريق آخر ٣٤٣/١٠ (٣٧١) عن ابن عباس، عن رسول الله وَ ل أنه قال:
((عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح، بل هو أشهى عنده من شراب بارد في يوم
صائف)). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٨٦٦).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٥١٤-٥١٥).

٦١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢١٢٤ - وَعَن كَعْب بن مَالك ◌َونَ أَن رَسُول اللهِ وَِّ قَالَ إِن أَرْوَاحِ
الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق من ثَمَر الْجَنَّة أَو شجر الْجَنَّة رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحِ (١).
تعلق بِفَتْحِ الْمُثَنَّةِ فَوقَ وَعين مُهْملَة وَضم اللَّام أَي ترعى من أعالي شجر
الْجَنَّة.
٢١٢٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ نَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول الشَّهِيد
يشفع في سبعين من أهل بيته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢).
قوله: وعن كعب بن مالك رَّهُ، كعب بن مالك[هو أبو عبد الله، وقيل:
أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، وقيل: أبو بشير كعب بن مالك بن عمرو
بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على
الأنصارى الخزرجى السلمى، بفتح السين واللام.
شهد العقبة، وأحدا، وسائر المشاهد إلا بدرا، وتبوك، وهو أحد الثلاثة
الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿ وَعَلَى القَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَقٌَّ إِذَا
ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوْاْ أَن لَّا
مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾(٣)، والثلاثة: كعب بن مالك،
(١) الترمذي (١٦٤١)، وأحمد (١٥٧٧٦)، وابن حبان (٤٦٥٧)، وابن ماجه (٤٢٧١)،
وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٥٩).
(٢) أبو داود (٢٥٢٢)، وابن حبان (٤٦٦٠)، والبيهقي (١٦٤/٩)، وصححه الألباني في
صحيح الجامع (٣٧٤٦).
(٣) سورة التبوة، الآية: ١١٨.

٦١٩
كتاب الجهاد
ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وحديث قصتهم طويل مشهور فى
الصحیحین.
روى لكعب عن رسول الله عليه ثمانون حديثا اتفقا على ثلاثة، وللبخارى
حدیث، ولمسلم حديثان. روی عنه بنوه عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد،
وعبيد الله بنو كعب، وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة الباهلى، ومحمد بن
علی بن الحسین، رضی الله عنهم، وآخرون.
جرح كعب يوم أحد أحد عشر جرحا فى سبيل الله، وهو أحد شعراء
رسول الله ◌َّلة، وكانوا ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن
مالك، وكان حسان يقبل على الأنساب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وکعب
يخوفهم الحرب. توفى بالمدينة فى زمن معاوية سنة ثلاث وخمسين، وقيل:
سنة خمسین، رضى الله عنه (١)].
قوله وَّل: ((إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو
شجر الجنة)) الحديث، تعلق بضم اللام أي تتناول، وقيل: [تأكل وتصيب
منها وقيل تشم] وبالفتح أيضاً ومعناه تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها وتقع
عليها، وقيل: هما سواء، وقد روي: ((تسرح)) وهذا يشهد بضم اللام ومن
رواه التاء عني النسمة ويحتمل أن يرجع على الطير على أن يكون جميعا
ويكون ذكر النسمة لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التذكير والتأنيث
جمعا للروح لأن الروح تذكر وتؤنث، أ.هـ، قاله عياض (٢)، وقال المنذري:
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٦٩/٢ ترجمة ٥٣٠).
(٢) مشارق الأنوار (٨٤/٢).

٦٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعلق أي ترعى من أعالى شجر الجنة، وقال في النهاية (١) هو في الأصل في
الإبل إذا أكلت العضاة يقال: علقت تعلق فنقل إلى الطير، قاله في النهاية (٢)،
وفي هذا الحديث: بيان أن الجنة مخلوقة موجودة الآن وهو مذهب أهل
السنة وهي التي أهبط الله منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون يوم القيامة،
هذا إجماع أهل السنة، وقالت المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضا غيرهم:
أنها ليست موجودة وأنها توجد بعد البعث في القيامة قالوا: والجنة التي أخرج
منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق، وفي هذا
الحديث إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة(٣)، قال
القاضي عياض(٤): وفيه [١٨٥ / ب] أن الأرواح باقية لا تفنى فينعم المحسن
ويعذب المسيء، وقد جاء بذلك القرآن والآثار وهو مذهب أهل السنة
خلافا لطائفة من المبتدعة قالت تفنى.
فائدة في أرواح الشهداء: في حديث سئل عبد الله بن مسعود رَ الله عن
أرواح الشهداء عند الله كطير في قناديل تحت العرش، وفيه أحاديث مختلفة
وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح المنعم على جهات مختلفة منها ما
هو طائر يعلق من شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنا ما
يأوى في قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٥٥/٣)
(٢) المصدر السابق.
(٣) شرح النووي على مسلم (٣١/١٣).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦ /٣٠٦).