النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
كتاب الجهاد
جاهلا بالحال فالمذهب القطع بأن القرار على المتلف لأن الفعل حرام،
وقيل: على القولين، ولو لم يطعمه الغاصب المغصوب بل أكله المالك ظانا
أنه طعام الغاصب برئ وجها واحدا، ولو صال العبد المغصوب فقتله بالدفع
لم يبرأ الغاصب سواء علم أنه عبده أم لا لأن الإتلاف [بهذه الجهة كإتلاف
العبد نفسه ولهذا لو] كان العبد [لغيره] لم [يضمنه] وقيل: لا يبرأ عند
[١٨٠/ أ] [العلم] وهو ضعيف، وإذا قال الغاصب للمالك أعتق هذا العبد
فأعتقه جاهلا نفذ العتق وبرئ الغاصب (ولو زوج الغاصب الجارية
المغصوبة من مالكها] فتزوجها جاهلاً بالحال فتلفت [عنده] لم يبرأ كما لو
[أودعها] فتلفت، ولو استولدها .. نفذ الاستيلاد قطعً وبرئ الغاصب(١)
والله أعلم.
(١) النجم الوهاج (١٧٦/٥-١٧٧).
٥٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء
وَلِّ قَالَ مَا أحد يدْخل الْجَنَّة يحب أَن
٢١٠٧ - عَن أنس رَّهُ أَن النَّبِي
يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَإِن لَهُ مَا على الأَرْض من شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيد فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَن
يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيَقْتل عشر مَرَّات لما يرى من الْكَرَامَة وَفِي رِوَايَة لما يرى من
فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (١).
قوله: وعن أنس رقم تقدم .
قوله وَّ: ((ما أحدٌ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ما على
الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات
لما يرى من الكرامة)) الحديث، سيأتي الكلام على معنى هذا الحديث في
الحدیث بعده.
قوله: ((وإن له ما على الأرض)) الحديث، بفتح الهمزة عطف على أن
يرجع وبالكسر على أنها جملة حالية.
٢١٠٨ - وَعنْهُ زَّ لَ قَالَ قَالَ رَسُول الله يُؤْتى بالرجل من أهل الجنّة فَيَقُول
الله لَهُ يَا بن آدم كَيفَ وجدت مَنْزِلك فَيَقُول أَي رب خير منزل فَيَقُول سل
وتمنه فَيَقُول وَمَا أَسأَلك وأتمنى أَسأَلك أَن تردني إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فِي سَبِيلك
(١) البخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، والترمذي (١٦٦١)، وقال: حديث حسن صحيح،
وأحمد (١٢٢٧٣)، وابن حبان (٤٦٦٢).
٥٨٣
كتاب الجهاد
عشر مَرَّات لما يرى من فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح
على شَرط مُسلم (١).
قوله: و عنه، تقدم الكلام علیه.
قوله وَله: (يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له يا ابن آدم كيف
وجدت منزلك؟ فيقول أي رب خير منزل فيقول سل وتمنَّه فيقول وما
أسألك وأتمنى أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما
يرى من فضل الشهادة)) رواه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط
مسلم، أ.هـ. قال ابن النحاس، ورواه أبو عوانة في صحيحة(٢)، قال عفا الله
عنه: فإذا كان أهل الجنة يتمنون الشهادة يسألونها وقد حصلوا على ما
حصلوا عليه من الفوز العظيم ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من النعيم المقيم
فكيف لا يتمناها ويسألها من هو الآن في دار المحي والغرور واللعن
والشرور، ولا يدري إلى الجنة يصير أو إلى النار وبئس المصير، وقد ثبت
من غير ما حديث عن النبي ولو أن الشهداء يتمنون الخروج من الجنة
ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرجوع إلى الدنيا ليقتلوا في سبيل الله لما
وجدوا من لذة القتل في سبيل الله وفضل الشهادة عند الله(٣).
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٣٨٧/٥ (٣١٨٤)، والحاكم (٧٥/٢)، وصححه الألباني في
صحيح الجامع (٧٩٩٦).
(٢) أخرجه أبو عوانة (٧٧٧٥).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٦٧٤).
٥٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢١٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد
بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث تقدم (١).
قوله: وعن أبي هريرة زَقْلَهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله: أن رسول الله وَلو قال: ((والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في
سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل)) قال النووي(٢): في هذا
الحديث جواز قول الإنسان وددت حضور كذا من الخير الذي يعلم [أنه لا]
يحصل، وفيه فضل الجهاد [والشهادة] في سبيل الله والحث على حسن النية،
قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من خرج في
سبيل الله في قتال البغاة، وفيه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ونحوه، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وفيه: تمني الشهادة
وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات والله أعلم، وتقدم الكلام على هذا
الحديث مطولا في الجهاد.
رَ لَا أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ
يغْفر للشهيد كل ذَنْبٍ إِلَّا الدّين رَوَاهُ مُسلم (٣).
٢١١٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي
قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رُالّا، تقدم الكلام عليه.
(١) البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك في الموطأ (١٢٨٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٢/١٣) وانظر الكواكب الدراري (١٥٧/١).
(٣) مسلم (١٨٨٦).
٥٨٥
كتاب الجهاد
قوله وَالله: ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) رواه مسلم، وفي رواية قال:
(القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)) قال أبو الوليد بن رشد في
مقدماته، وقد قيل: إن ذلك كان في أول الإسلام ولما روي أن الله تعالى
يقضي عنه دینه(١)، أ.هـ.
وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره(٢): الدين الذي يحبس صاحبه
عن الجنة والله أعلم هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأداء
فلم يؤده أو أدانه في سفر أو سرف ومات ولم يوفه فهذا هو الذي يحبس
صاحبه عن الجنة [حتى يقع] القصاص بالحسنات والسيئات لا [إتلاف
المال على صاحبه، فيحتمل] أن يكون قوله في شهيد البحر عام في الجميع
وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، وأما من أدان في حق واجب كفاقة
أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيداً
[١٨٠/ ب] كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من
جملة الصدقات أو من سهم الغارمين، او من الفيء الراجع على
المسلمين (٣)، قال وَالّ: ((من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك
مالا فلورثته))(٤) أ.هـ.
(١) المقدمات الممهدات (٣٥١/١).
(٢) تفسير القرطبى (٤/ ٢٧٤)
(٣) تفسير القرطبى (٢٧٤/٤) والتذكرة (ص ٤٣٢).
(٤) أخرجه مسلم (٤٣ - ٨٦٧) عن جابر.
٥٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ثم قال(١): فإن لم يقض عنه السلطان فإن الله يقضي عنه ويرضي خصمه
ثم ذكر الدليل على ذلك ومن جملته قوله وَله: «من أخذ أموال الناس يريد
أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) رواه البخاري(٢)، قال
ابن النحاس عفا الله عنه: ومما يؤيد ما ذكره القرطبي قصة عبد الله والد جابر
فإنه خرج في غزاة أحد وعليه دين فاستشهد فرأى النبي ◌َّ ولده جابرا بعد
أيام وهو مهتم [لما] على أبيه من الدين فأخبره أن الله تعالى كلم أباه
كفاحً(٣) فلو كان أبوه محبوسا عن الجنة بسبب دينه لما حصلت له هذه
الدرجة العظيمة في تخصيص الله تعالى له بالتكليم كفاحا وكذلك الزبير
استشهد وعليه ألف ألف ومائتا ألف (٤) والله أعلم.
٢١١١ - وَعَن أبي قَتَادَة رَهُ أَن رَسُول الله وَّةِ قَامَ فيهم فَذكرِ أَن الْجِهَاد
فِي سَبِيلِ الله وَالْإِيمَانِ بِالله أفضل الْأَعْمَالِ فَقَامَ رجلٍ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت
إِن قتلت فِي سَبِيل الله تكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول اللّه ◌َديّة نعم إِن قتلت فِي
سَبِيل الله وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر ثمَّ قَالَ رَسُول الله وَّلِ كَيفَ
قلت قَالَ أَرَأَيْتِ إِن قتلت فِي سَبِيل الله أتكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول الله
(١) التذكرة (ص ٤٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٨٧) عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٩٠ و٢٨٠٠)، والترمذي (٣٠١٠)، وابن حبان (٧٠٢٢). وحسنه
الألباني في الظلال (٦٠٢)، وصحيح الترغيب (١٣٦١).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٧٢١ - ٧٢٢).
٥٨٧
كتاب الجهاد
وَلّم نعم إِن قتلت وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر إِلَّ الدّين فَإِن جِبْرَائِيل
قَالَ لِي ذَلِك رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيره (١).
قوله: وعن أبى قتادة، تقدم.
قوله: أن رسول الله وَله قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله
أفضل الأعمال، الحديث، وإنما جعل الجهاد أفضل من غيره لأنه بذل النفس
في سبيل الله والجود بالنفس أفضل غاية الجود والأفضل بعده هو الحج لأنه
عبادة مركبة من العبادة البدنية والمالية، وأسقط في الحديث ذكر الصلاة
والزكاة والصيام ولاشك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد مرتبة؛ فإن
قيل: لم قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام والجهاد فرض
كفاية، فالجواب: أن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفايات وإذا لم يتعين
لم يقع إلا فرض كفاية وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة وما زاد فنفل (٢)
قال النووي (٣): الأفضل في هذا الحديث بعد الإيمان الجهاد، وفي حديث ابن
مسعود، وفي بالصلاة لوقتها، وفي حديث أبي ذر ولم يذكر الحج، وفي الحديث
الآخر أي الإسلام أفضل قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وفي
حديث آخر: أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام)) (٤) قال العلماء: اختلاف
الأجوبة في هذا الحديث لاختلاف الأحوال فأعلم كل قوم بما بهم الحاجة إليه
(١) مسلم (١٨٨٥)، والترمذي (١٧١٢).
(٢) الكواكب الدراري (١/ ١٢٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣٥/١٣).
(٤) سبق تخريجهم.
٥٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
دون ما لم تدع حاجتهم إليه، وذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك
ما علموه والله أعلم، قاله الكرماني في شرح البخاري(١).
قوله: فقام رجل: فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني
خطاياي فقال رسول الله وَالر: ((نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر
محتسب مقبل غير مدبر)) وفي آخره ((إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك))، في
هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد وهي تكفير خطاياه كلها إلا
حقوق الآدميين وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة وهو أن يقاتل
صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر، ومنه أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية
والإخلاص لله تعالى؛ وقوله ((مقبل غير مدبر)) لعله احتراز ممن يقبل في وقت
ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى، فإن قاتل لعصبية أو
الغنيمة أو لصيت أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره، وأما قوله: ((إلا
الدين)) ففيه تنبيه على حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من
أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى، وأما قوله
وَّ﴾ (نعم)) ثم قال بعد ذلك ((إلا الدين)) فمحمول على أنه أوحى إليه به في
الحال، ولهذا قال ◌َّ ((إلا الدين)) فإن جبريل قال لي ذلك(٢).
تنبيه: والمراد بالدين هاهنا ما يتعلق بذمته [١٨١ / أ] من كل ما كان من
حقوق الآدميين كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحة وغير
ذلك من التبعات وكذلك الغيبة والنميمة والسخرية وما أشبه ذلك فإن هذه
(١) الكواكب الدراري (١/ ١٢٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/١٣).
٥٨٩
كتاب الجهاد
الحقوق کلها لابد من استيعابها لمستحقها وقد نبه على ذلك النووي في شرح
مسلم (١) وغيره(٢) والله أعلم.
فائدة: روى الطبراني (٣) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن
رسول الله وَل قال: ((يسبق المقتول في سبيل الله تعالى مقبلا غير مدبر
المقتول المدبر بسبعين خريفاً».
٢١١٢ - وَعَنِ ابْن أبي عميرَة ◌ََّّهُ أَن رَسُول اللهِ وَّةِ قَالَ مَا من نفس
مسلمة يقبضهَا رَبِهَا تحب أَن ترجع إِلَيْكُمْ وَإِن لَهَا الذُّنْيَا وَمَا فِيهَا غير الشَّهِيد
قَالَ ابْن أبي عميرَة ◌َّهُ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ لِأَن أقتل فِي سَبِيل الله أحب إِلَيّ
من أَن يكون لي أهل الْوَبر والمدر رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ
لَهُ (٤).
أهل الْوَبر هم الَّذين لَا يأوون إِلَى جِدَار من الأَغْرَابِ وَغَيرهم.
وَأهل الْمدر أهل القرى والأمصار والمدر محركا هُوَ الطين الصلب
المستحجر.
قوله: وعن ابن أبي عمرة: صوابه ابن أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم
بعدها یاء هكذا ذكره بعض المحدثين.
(١) إكمال المعلم (٦/ ٣٠٣)، والمفهم (١٢ / ٢٠)، وشرح النووي على مسلم (٢٩/١٣).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٧٢٠) وانظر تفسير القرطبى (٢٧٢/٤) والميسر (٨٧٦/٣).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١٢١/١٢) (١٢٦٥١).
(٤) أحمد (١٨٩٤)، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن النسائي.
٥٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَّ: لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر
والمدر)) قال الحافظ (١): أهل الوبر هم الذين لا يأوون إلى جدار من
الأعراب وغيرهم اهـ، وقال في النهاية: أهل البوادي الذين يسكنون مواضع
الأحجار والجبال سموا بذلك لأنهم يتخذون بيوتهم من وبر الإبل (٢) اهـ.
قيل يريد ربيعة ومضر وقال في النهاية (٣) يريد بأهل المدر أهل القرى
والأمصار المدن، والمدر جمع مدرة وهي البنية اهـ وأهل المدر هم أهل
القرى والأمصار والمدر محركا هو الطين الصلب المستحجر اهـ.
٢١١٣ - وَعَن أنس رََّهُ قَالَ غَابَ عمي أنس بن النَّضر عَن قتال بدر فَقَالَ
يَا رَسُول الله غبت عَن أول قتال قَاتَلت الْمُشْركين لَئِن أشهدني الله قتال
الْمُشْركين ليرين الله مَا أصنع فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد وانكشف الْمُسلمُونَ فَقَالَ
اللَّهُمَّ إِّي أعْتَذْر إِلَيْك مِمَّ صنع هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابِه وَأَبْرَأْ إِلَيْك مِمَّا صنع
هَؤُلاءِ يَعْنِي الْمُشْركين ثمَّ تقدم فَاسْتَقْبلهُ سعد بن معَاذْ زَّو ◌َّهُ فَقَالَ یَا سعد بن
معَاذ الْجنَّة وَرب النَّصْرِ إِنِّي أجد رِيحهَا دون أحد قَالَ سعد فَمَا اسْتَطَعْت يَا
رَسُول الله أصنعِ مَا صنع قَالَ أنس فَوَجَدنَا بِهِ بضعا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَو
طعنة بِرُمْحِ أَو رمية بِسَهْم ووجدناه قد قتل وَقد مثل بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عرفه
أحد إِلَّا أَخْته ببنانه فَقَالَ أنس كُنَّا نرى أَو نظن أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِیهِ وَفِي
(١) فتح الباري لابن حجر (٣٧/٦).
(٢) النهاية (٣٤٣/١ و١٤٥/٥).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٠٩/٤ و١٤٥/٥).
٥٩١
كتاب الجهاد
أشباهه: ﴿مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) إِلَى آخر
الْآيَة رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ(٢).
الْبضْعِ بِفَتْحِ الْبَاء وَكسرهَا أَفْصِح وَهُوَ مَا بَيْنِ الثَّلاث إِلَى التسع وَقيل مَا
بَيْن الْوَاحِدٍ إِلَى أَرْبَعَة وَقيل من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة وَقيل هُوَ سَبْعَة قوله: وعن أنس
زۈۈټ تقدم الكلام علیه.
قوله: ((غاب عمي أنس بن النضر)) بن ضمضم بن زيد بن حرام عم أنس
بن مالك استشهد يوم أحد وثبت في الصحيح أن رسول الله وَ خلال قال في حقه
((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)).
[قوله] ((غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر)) هي أول غزوة غزاها
رسول الله وجَّه بنفسه وهي في السنة الثانية من الهجرة النبوية على مهاجرها
أفضل الصلاة والسلام.
قوله ((لئن أشهدني الله قتال المشركين)) أي أحضرني.
قوله ((ليرين الله ما أصنع)) الحديث جواب القسم المقدر هكذا هو في
بعض النسخ بياء بعد الراء ثم نون مشددة وهكذا وقع في صحيح البخاري
ووقع في أكثر النسخ ((ليراني)) بالألف وهو صحيح ويكون معنى ما أصنع بدلا
من الضمير في أراني أي ليرى الله ما أصنع وعلى ليرن الله ضبطوه بوجهين
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(٢) البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩١)، والترمذي
(٣٢٠١)، وأحمد (١٣٠١٥).
٥٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحدهما ليرن بفتح الياء والراء أي يراه الله واقعا بارزا والثاني ليرين بضم الياء
وكسر الراء ومعناه ليرين الله الناس ما أصنع ويبرزه الله تعالى لهم ذكره
(١)
النووي(١).
قوله ((فلما كان يوم أحد)) أي في العام المقبل أي في يوم قتال أحد وأطلقوا
اليوم وأريد الوقعة.
قوله ((وانكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء
يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين)) وفيه حسن
العبارة إذ لم يصرح بلفظ الانهزام على المسلمين (٢).
قوله وانكشف المسلمون أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها(٣).
وقوله (أعتذر إليك مما صنع هؤلاء)) يعني أصحابه أي من فرار المسلمين (٤).
وقوله ((وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء)) يعني المشركين أي أمتنع من هذا
وأنكره(٥) أي القتال مع رسول الله وَل﴾ (٦).
قوله ((ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ زَقُّالَّه فقال يا سعد بن معاذ الجنة
ورب النضر إني أجد ريحها دون أحد)) سعد بن معاذ هو أبو عمرو سعد بن
(١) شرح النووي على مسلم (٤٨/١٣).
(٢) الكواكب الدراري (١٠٨/١٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢٠).
(٤) الكواكب الدراري (١٢ /١٠٨).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٣/٥).
(٦) الكواكب الدراري (١٠٨/١٢).
٥٩٣
كتاب الجهاد
معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي الأشهلي المدني سيد
الأوس وأمه كبشة بنت رافع أسلمت ولها صحبة أسلم سعد على يد مصعب
بن عمير زَّوَّهُ حين بعثه رسول الله ◌َّه قبله مهاجرا إلى المدينة يعلم الناس
أمر دينهم فلما أسلم سعد قال لبني الأشهل كلام رجالكم ونسائكم علي
حرام حتى تسلموا فأسلموا فكان من أعظم الناس [١٨١/ ب] بركة في
الإسلام ومن أنفعهم لقومه وشهد بدرا وأحدا والخندق وقريظة وثبت مع
رسول الله و ◌َه وتوفي شهيدا عام الخندق من جرح أصابه من قتال المشركين
وثبت في صحيح البخاري عن جابر عن النبي وَّ قال ((اهتز عرش الرحمن
لموت سعد بن معاذ رَّه))(١) وقال العلماء: اهتزاز العرش فرح الملائكة
بقدومه لما رأوا منزلته وشهده سبعون ألفا من الملائكة وفيه يقول الشاعر:
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكِ ... سَمِعْنَا بِهِ إِلا لِسَعْدِ أَبِي عَمْرِو
وفي الصحيحين عن البراء ((أهدي للنبي وَّ ثوب حرير، فجعلنا نلمسه
ونتعجب منه، فقال النبي وَّ: ((أتعجبون من هذا)) قلنا: نعم، قال: ((مناديل
سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا وألين)) (٢)، وفي الترمذي عن أنس ((لما
حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه
في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي ◌َّ- فقال: ((إن الملائكة كانت تحمله))(٣)،
(١) أخرجه البخاري (٣٨٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٩) و(٣٨٠٢) و(٥٨٣٦) و(٦٦٤٠)، ومسلم (١٢٦-٢٤٦٨).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٨٤٩) وابن حبان (٧٠٣٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب. وصححه الألباني في المشكاة (٦٢٢٨)، الصحيحة (٣٣٤٧).
٥٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ووافق حکمه في قريظة حکم الله من فوق سماواته روی له البخاري حدیثا
من رواية ابن مسعود ومناقبه كثيرة مشهورة(١).
قوله ((فقال يا سعد بن معاذ الجنة)) هو بالنصب أي أريد الجنة وبالرفع أي
هي مطلوبي (٢).
قوله ((ورب النضر إني لأجد ريحها دون أحد)) أي عند هذا محمول على
ظاهره وأن الله تعالى أوجده ريحا من موضع المعركة وقد ثبتت الأحاديث
أن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام وريح الجنة نوعان ريح يوجد
في الدنيا تشمه الأرواح أحيانا لا تدركه العبارة وريح يدرك بحاسة الشم
للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في
الآخرة من قرب ومن بعد وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبياءه
ورسله وهذا الذي وجده أنس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وأن
يكون من الأول قاله في حادي الأرواح (٣).
قوله ((قال سعد فما استطعت يا رسول الله أصنع ما صنع)) أي ما قدرت
على مثل ما يصنع أنس مع أني شجاع كامل القوة(٤).
قوله «قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٤/١- ٢١٥ ترجمة ٢٠٦).
(٢) الكواكب الدراري (١٠٨/١٢).
(٣) حادى الأرواح (ص ١٦١).
(٤) الكواكب الدراري (١٠٨/١٢-١٠٩).
٥٩٥
كتاب الجهاد
رمية بسهم ووجدناه قد قتل)) قال الحافظ(١): البضع بفتح الباء وكسرها
أفصح وهي ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة وقيل
من أربعة إلى تسعة وقيل هو سبعة اهـ.
قوله ((ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون)) قال أهل اللغة يقال مثل
بالقتيل والحيوان يمثل مثلا كقتل يقتل قتلا إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو
مذاكيره ونحو ذلك والاسم المثلة (٢)، وهي تعذيب المقتول بقطع أعضاءه
وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده مثل [أن يجدع](٣) والجدع قطع الأنف أو
الأذن أو الشفة أو اليد وهو بالأنف أخص فإذا [أطلق ]غلب عليه(٤) فأما مثل
بالتشديد فهو للمبالغة [ومنه الحديث ((نهى أن يمثل بالدواب)) أي تنصب
فترمى، أو تقطع أطرافها وهي حية (٥)] وهذا إذا لم يكن الكافر فعل ذلك
بالمقتول المسلم فإن [مثل بالمقتول المسلم] جاز أن يمثل به و[لذلك قطع
رسول الله وَي أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك
برعاء رسول الله وسلّم وكذلك] هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل
قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القطع فإنه يعاقب بمثله وقد قال الله تعالى:
(١) أى المنذرى.
(٢) الكواكب الدراري (١٠٤/٢٠)، ومشارع الأشواق (ص ٧٢٢).
(٣) معالم السنن (٢/ ٢٨٠).
(٤) النهاية (١/ ٢٤٦).
(٥) النهاية (٤/ ٢٩٤).
٥٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ﴾(١) الآية(٢) اهـ.
قوله ((فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه)) واسم أخته الربيع بضم الراء وفتح
الموحدة وتشديد الياء المكسورة وبالمهملة بنت النضر بفتح النون وإسكان
المعجمة الأنصارية أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك والبنان
الأصابع وقيل أطراف الأنامل واحدها بنانه(٣).
قوله ((فقال أنس كنا نرى [١٨٢ / أ] أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي
أشباهه ﴿مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾(٤) إلى آخر
الآية، النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق وقيل النحب الموت كأنه ألزم
نفسه أن يقاتل إلى أن يموت ولذلك قالت عائشة أم المؤمنين طلحة من الذين
صدقوا ما عاهدوا الله عليه (٥) ففي هذا الحديث إلى أنه ينبغي للإنسان الصبر
عند اللقاء ولا يكون سببا للهزيمة وإن فعلت هذه من بعض الناس يثبت
ويقاتل مع من بقي لعلهم ينصرون أو يقتل شهيدا ليكون مع الذين قال الله في
حقهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ ﴾﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾(٦).
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.
(٢) معالم السنن (٢٨٠/٢).
(٣) الكواكب الدراري (١٠٩/١٢).
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(٥) النهاية (٢٦/٥).
(٦) سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩-١٧٤.
٥٩٧
كتاب الجهاد
٢١١٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُبِ رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَ رَأَيْتِ اللَّيْلَة
رجلَيْنِ أتياني فصعدا بِي الشَّجَرَة فأدخلاني دَارا هِيَ أحسن وَأفضل لم أر قطّ
أحسن مِنْهَا قَالًا لي أما هَذِهِ فدار الشُّهَدَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي حَدِيث طَوِيل
تقدم(١).
قوله: وعن سمرة بن جندب زئته تقدم الكلام علیه.
قوله {وَله ((رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي
أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا لي أما هذه فدار الشهداء)) رواه
البخاري في حديث طويل تقدم في ترك الصلاة.
٢١١٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله ◌َّ ◌ُهَا قَالَ جِيءَ بِأبِي إِلَى النَِّي ◌َّ قد مثل
بِهِ فَوضع بَيْن يَدَيْهِ فَذَهَبت أكشف عَن وَجهه فنهاني قومِي فَسمع صَوت
صائحة فَقيل ابنة عَمْرو أَو أُخْت عَمْرو فَقَالَ لم تبْكي أَو لَا تَبْكي مَا زَالَت
الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).
قوله عن جابر بن عبد الله رَّالَّهنا هو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر.
قوله ((جيء بأبي إلى النبي ◌َّر قد مثل به)) مثل بضم الميم وكسر الثاء
المثلثة المخففة والاسم مثلة وقد تقدم وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة
والرواية هنا بالتخفيف(٣).
(١) البخاري (٢٧٩١).
(٢) البخاري (٢٨١٦)، ومسلم (٢٤٧١).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٥/١٦).
٥٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ((فسمع صوت صائحة)) أي امرأة صارخة، فقيل ابنة عمرو أو أخت
عمرو فقال لم تبكي أو لا تبكي قوله: ابنة عمرو وهي عمة جابر أو أخت
عمرو فهي عمة المقتول، لما استشهد عبد الله أبو جابر يوم أحد وكانت
تبكيه، وأصل لم تبكي لم تبكين حذفت النون نخفيفا ومعناه سواء بكت عليه
أم لا فما زالت الملائكة تظله أي بأجنحتها حتى رفع أي فقد حصل له من
الكرامة هذا وغيره فلا ينبغي البكاء على مثل هذا [وفي هذا] تسلية لها(١).
قوله ((ما زالت الملائكة)) يحتمل أن يكون هذا خاصا بعبد الله كرامة له من
الله تعالى كما خصه بكلامه له كفاحا، وقال القاضي عياض(٢): ويحتمل أن
يكون لتزاحمها عليه لبشارته بفضل الله عليه ورضاه وما أعد الله له من
الكرامة، وازدحموا عليه إكراما له وفرحا به عند الله من الكرامة والدرجة
الرفيعة، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه.
٢١١٦ - وَعنْهُ رَُِّّ قَالَ لما قتل عبد الله بن عَمْرو بن حِرَامِ يَوْم أحد قَالَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَا جَابر أَلا أَخْبرك مَا قَالَ الله لابيك قلت بلَى قَالَ مَا كلم الله
أحدا إِلَّا من وَرَاء حجاب وكلم أَبَاك كفاحا فَقَالَ يَا عبد الله تمن عَليّ أعطك
قَالَ يَا رب تحييني فأقتل فِيك ثَانِيَة قَالَ إِنَّه سبق مني أَنْهم إِلَيْهَا لَا يرجعُونَ قَالَ
يَا رب فأبلغ من ورائي فَأنْزل الله هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
(١) شرح النووي على مسلم (٢٥/١٦-٢٦).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٨/٦).
٥٩٩
كتاب الجهاد
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ﴾(١) الْآيَة كلهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه
بِإِسْنَاد حسن أَيْضا وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاد (٢).
قوله: وعنه زَّوَهُ، تقدم الكلام عليه، قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن
حرام يوم أحد، غزوة أحد تقدم الكلام عليها وهي من الغزوات التي قاتل
فيها رسول الله وَخله بنفسه.
قوله ◌َ له: ((يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لابيك قلت بلى قال ما كلم الله
أحدًا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحًا)) بكسر الكاف أي مواجهة، قال
علي بن المديني: الكفاح المواجهة(٣) ومعناه معاينة ليس بينهما حجاب ولا
رسول وأنه رآه قبل الناس في الآخرة وهذا يعضد أن النبي وَ لجيل رآه ليلة
الإسراء إذ لا يتقدمه إلى رؤيته أحد من أمته، قاله ابن العربي(٤).
قال أبو العباس القرطبي في شرح مسلم في باب فضائل أبي دجانة بن
خرشة الأنصاري، أبو جابر هو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري
السلمي أحد النقباء شهد العقبة وبدراً وقتل يوم أحد ومثل به كما تقدم ذكره،
(١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٩.
(٢) الترمذي (٣٠١٠)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه في المقدمة
(١٩٠)، والحاكم (٢٠٤/٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢٩٨/٣)، وأحمد (١٤٨٨١)،
وابن حبان (٧٠٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٠٢)، وصححه الألباني في صحيح
الجامع (٧٩٠٥).
(٣) ذكره ابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٢/ ١٤٣).
(٤) عارضة الأحوذي (١ /١٦٥).
٦٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقد تضمن حديثه هذا فضيلة عظيمة لعبد الله لم يسمع بمثلها لغيره وهو أن
الله كلمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة ولم يفعل
الله تعالى بغيره في هذه الدار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآيٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾(١)، وكما قال ◌َّ في هذا
الحديث: ((وما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب)) ظاهر هذه الآية وهذا
الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدار لحي ولا ميت [١٨٢/ ب]
إلا لعبد الله هذا خاصة فيلزم على هذا العموم أنه قد خص من ذلك بما لم
يخص به أحداً من الأنبياء وهذا مشكل بالعموم من ضرورة الشرع ومن
إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الأولياء
والشهداء فوجه التوفيق أن قوله بَيَّآم): ((وما كلم الله أحداً إلا من وراء
حجاب)) إنما يعني به والله أعلم: أحداً من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته
وقبل يوم القيامة إلا عبد الله ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد
علم أيضً من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة من أن المؤمنين يرون الله
تعالى في الجنة ويكلمهم بغير حجاب ولا واسطة، وأما الآية فإنما مقصودها
حصر أنواع الوحي الحاصل إلى الأنبياء من الله تعالى فمنه ما يقذفه الله تعالى
في النبي وروعه ومنه، ومنه ما يسمعه الله تعالى النبي مع كون ذلك النبي
محجوباً من رؤية الله تعالى ومنه ما يبلغه له الملك حاصلها الإعلام بأن الله
(١) سورة الشورى، الآية: ٥١.