النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الجهاد
الكرابيسي: أبو وهب الجشمي له صحبة من النبي وَّ [حديثه] في أهل
اليمامة، ذكره في الذين عرفهم بكناهم ولم أقف على أسمائهم.
قوله وَيقر: ((عليكم من الخيل بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل
أو أدهم أغر محجل)) والفرق بين الكميت والأشقر بالذنب والعرف فإن كانا
أحمرين فهو أشفر وإن كانا أسودين فهو كميت؛ وفي كتاب شفاء الصدور عن
رسول الله وسلّ أنه ذکر الخيل فقال: «خضرها صلبها و کمتها ديباجها وشقرها
جيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر)) (١).
١٩٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَّوَلَّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلَ يمن الْخَيل فِي
شقرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ (٢).
الْيمن بِضَم الْيَاءَ هُوَ الْبرِكَة وَالْقُوَّة.
قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام علیه.
قوله وَله: ((يمن الخيل في شقرها)) قال المنذري: اليمن بضم الياء هو
البركة والقوة، أ.هـ، وقال غيره: هو الخير والبركة والقوة والله أعلم.
(١) مشارع الأشواق (ص ٣٥٤ -٣٥٥).
(٢) أبو داود (٢٥٤٥)، والترمذي (١٦٩٥)، وأحمد (٢٤٥٤)، والطبراني في الكبير
(١٠٦٧٦)، والبيهقي (٣٣٠/٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٦٢).

٣٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ترغيب الغازي والمرابط في الإكثار من العمل الصالح
من الصوم والصلاة والذكر ونحو ذلك
١٩٧١ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َّهُ أَن رَسُول الله وَطِّ لَيْلَة أُسرِي بِهِ أَتَّى على قوم
يزرعون فِي يَوْم ويحصدون فِي يَوْم كلما حصدوا عَاد كَمَا كَانَ فَقَالَ يَا
جِبْرَائِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلاءِ المجاهدون فِي سَبِيل الله تضاعف لَهُم الْحَسَنَة
بسبعمائة ضعف وَمَا أَنْفقُوا من شَيْءٍ فَهُوَ يخلفه رَوَاهُ الْبَزَّار(١).
تقدم في باب النفقة في سبيل الله حديث أبي هريرة أن رسول الله مح ليه ليلة
أسرى به أتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم إلى قوله ((قال:
هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا
من شيء فهو یخلفه)).
١٩٧٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َّالَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ مَا من عبد
يَصُومِ يَوْمًا فِي سَبِيل الله إِلَّ باعد الله بذلك الْيَوْمِ وَجهه عَنِ النَّار سبعين خَرِيفًا
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٢).
قوله: وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه.
قوله وَّ: ((ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه
عن النار سبعين خريفا)) المباعدة: المعافاة منها تقدم في الصوم المطلق.
(١) البزار (٥٥).
(٢) البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣)، والترمذي (١٦٢٣)، وأحمد (١١٢١٠)، وابن
ماجه (١٧١٧).

٣٨٣
كتاب الجهاد
١٩٧٣ - وَعَنِ معَاذ بن أنس ◌َّوَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ مِن صَامَ يَوْمًا فِي
سَبِيل الله فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْجواد رَوَاهُ أَبُو
يعلى من طَرِيق زبان بن فائد(١).
١٩٧٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ رَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّ مِن صَامَ يَوْمًا فِي
سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَيْنِ النَّارِ خَنْدَقَّا كَمَا بَيْنِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٢).
١٩٧٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ◌َّهُ أَن النَّبِ رَِّ قَالَ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله
جعل الله بَيْنِهِ وَبَيْنِ النَّارِ خَنْدَقًّا كَمَا بَيْنِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن
الْوَلِيد بن جميل عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَقَالَ حَدِيثٍ غَرِيبٍ (٣).
قوله: وعن معاذ بن أنس [معاذ بن أنس الجهني الأنصاري له صحبة
عداده في أهل مصر، وهو والد سهل بن معاذ بن أنس].
قوله وَجّ: ((من صام يوما في سبيل الله في غير رمضان بعد من النار مائة عام
سير الجواد المضمر)) والجواد الفرس الجيد، والإضمار ضد التسمين وهو
تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها التضمير وقال صاحب العلم:
التضمير تقليل علفها مدة وإدخالها بيتا كنينا وتجليلها فيه لتعرق ويجفف
(١) أبو يعلى (١٤٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٤/٣)، وفيه زبان بن فائد وفيه
کلام کثیر، وقد وثق.
(٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٥٧٤)، وفي الصغير (٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٩٤/٣)، وإسناده حسن.
(٣) الترمذي (١٦٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٣٣).

٣٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عرقها فتصلب وتقوى على الجرى، أ.هـ، وتقدم الكلام على الحديث في
الصوم المطلق مبسوطا.
١٩٧٦ - وَعَنِ عَمْرو بن عبسة زَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَهِ مِن صَامَ يَوْمًا
فِي سَبِيل الله بَعدت مِنْهُ النَّار مسيرَة مائَة عَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير
والأوسط بِسْنَادِ لَا بَأْس ◌ِهِ (١).
وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَّا أَنْه قَالَ فِيهِ بعد الله وَجهه عَنِ النَّار
مسيرَة مائَة عَام ركض الْفرس الْجواد الْمُضمر(٢).
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عقبة لم يقل فِيهِ ركض الْفرس إِلَى آخِره (٣).
قوله: وعن عمرو بن عبسة [هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن
عبسة، بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن
عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، والأسماء، والتواريخ،
والسير، والمؤتلف، وغيرهم من أهل الفنون، وزاد جماعة ممن صنف فى
ألفاظ المهذب فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وهو عمرو بن
عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرىء القيس
بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن
عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان،
(١) الطبراني في الأوسط (٣٢٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٤/٣)، ورجاله
موثقون، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٣٠).
(٢) الطبراني في الكبير (٧٨٠٦)، وعبد الرزاق (٩٦٨٣).
(٣) النسائي (٤ / ١٧٤).

٣٨٥
كتاب الجهاد
بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح، أسلم قديما،
وثبت فى صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة فى الإسلام، وأنه قدم على رسول
الله ◌َّيه مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبى وَلّل الإقامة معه بمكة، فقال:
((إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعت بخروجى
فأتنى))، وأنه أتى النبى ◌َله بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبى ذر
لأمه، وقد م المدينة بعد الخندق فسکنها ثم نزل الشام، روي له عن رسول
الله ◌َّ ثمانية وثلاثون حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه
جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة
من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها].
قوله وَلّ: ((ومن صام في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام ركض
الفرس الجواد المضمر)) تقدم معنى المباعدة وركض الجواد المضمر في
الصوم، قال ابن النحاس عفا الله عنه (١): وقد كان كثير من السلف يصومون في
الجهاد ويقاتلون ولا يفطرون احتسابا لذلك عند الله تعالى وطلبا لمرضاته
ورغبة في جزيل ثوابه وحكايات الصالحين في سبيل الله مشهورة، وروى أبو
داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله وَ له قال: ((ثلاث دعوات مستجابات
لا شك فيهن دعوة الوالد على ولده ودعوة المظلوم ودعوة المسافر))(٢) فإذا
كان الله يستجيب دعاء المسافر من حيث هو فلم لا يستجيب دعاء المجاهد
(١) مشارع الأشواق (ص ٣٦٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٢)، وأبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (٣٤٤٨). وحسنه الألباني في
صحيح أبي داود (١٣٧٤) الصحيحة (٥٩٦)، الروض النضير (٥١٠).

٣٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وهو أكرم الناس سفرا وأعظمهم في سفره أجراً لهذا جاء في الحديث: ((أن الله
يستجيب لهم [١٥٦/ ب] كما يستجيب للرسل)) وما ذاك إلا لكرامتهم عليه
ورفعة منزلتهم لديه، والله أعلم.
١٩٧٧ - وَعَن سهل بن معَاذْ عَن أَبِيهِ زَّوَلَّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلَه إِن
الصَّلَاة وَالصِّيَامِ وَالذكر يُضَاعف على النَّفَقَة فِي سَبِيل الله بسبعمائة ضعف
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق زبان عَنْهُ(١).
قوله: وعن سهل بن معاذ، وأبوه هو: معاذ بن أنس الجهني له صحبة وكان
بمصر وبالشام، وله ذكر في أهل مصر وأهل الشام.
قوله ◌َله: ((إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله
بسبعمائة ضعف)) الحديث، ورواه ابن المنذر أيضا وابن عساكر عن أبي
عقيل أنه سمع ابن المسيب يقول: إن الأعمال في سبيل الله تضاعف على
النفقات بسبعمائة ضعف، والأعمال الصلاة والتسبيح والذكر والصدقة،
فسأل رجل أباعقيل: عمن يذكر هذا، قال أبو عقيل عن رسول الله وَالقول، قال
عفا الله عنه: وهذا [مرسل] وعلى هذا تكون صلاة المجاهد في سبيل الله
بأربعة ألاف صلاة وتسعمائة صلاة، وكذا الصيام والذكر (٢) والله أعلم.
ومما يدل على أن نفقة المرابط مضاعفة كنفقة المجاهد (٣) ما فى حديث
(١) أبو داود (٢٤٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٩٣).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٣٦٣).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٣٨٦-٣٨٧).

٣٨٧
كتاب الجهاد
أبي أمامة المذكور في آخر الباب أن رسول الله وَخيه قال: ((ونفقة الدينار
والدرهم منه أي: من المرابط أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره)(١).
١٩٧٨ - وَعَن معَاذ بن جبلِ رََِّّا أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ طُوبَى لمن أكثر
فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيل الله من ذكر الله فَإِن لَهُ بِكُل كلمة سبعين ألف حَسَنَة كل
حَسَنَةٌ مِنْهَا عشرَة أَضْعَاف مَعَ الَّذِي لَهُ عِنْد الله من الْمَزِيد الحَدِيث رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه رجل لم يسم(٢).
١٩٧٩ - وَرُوِيَ عَن مِعَاذْ رَّ ◌َّهُ عَن رَسُولِ اللهِوَ أَن رجلا سَأَلَهُ فَقَالَ أَي
الْمُجَاهدين أعظم أجرا قَالَ أَكْثَرهم لله تبارك وَتَعَالَى ذكرا الحَدِيثِ رَوَاهُ
أَحْمِد وَالطََّرَانِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله(٣).
قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام علیه.
قوله: أن رجلا سأل رسول الله وَّي: أي المجاهدين أعظم أجراً؟ قال:
((أكثرهم لله ذكراً)).
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٥/٦ رقم ٣٩٨٧) ووقع عنده: ونفقة الدينار والدرهم منه
أفضل من تسعمائة دینار ینفقه في غيره.
(٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٢/٥)، وفيه رجل
لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٣٩).
(٣) أحمد (١٥٦١٤)، والطبراني في الكبير (٤٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٧٤/١٠)، وفيه زبان بن فائد، وهو ضعيف، وقد وثق، وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجال
أحمد ثقات.

٣٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٩٨٠ - وَعَن سهل بن معَاذْ عَنْ أَبِهِ رََّ أَنْ رَسُول الله ◌ٌِّ قَالَ مِن قَرَأَ
ألف آيَة فِي سَبِيل الله كتبه الله مَعَ النَّبِين وَالصديقين وَالشَّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق زبان عَنْهُ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاهُ(١).
قَالَ المملي رَوَ وَالظَّاهِرِ أَن المرابط أَيْضا هُوَ فِي سَبِيل الله فيضاعف
عمله الصَّالحِ كَمَا يُضَاعف عمل الْمُجَاهِد.
١٩٨١ - وَقد رُوِيَ عَن أنس رَقُوالَّهُ يرفعهُ قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي تعدل
بعشْرَة آلاف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام تعدل بِمِائَة ألف صَلَاة
وَالصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط بألفي ألف صَلَاة الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو الشَّهْخِ ابْن حیّان فِي
كتاب الثَّوَاب(٢).
١٩٨٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي أُمَامَةِ رَّ لَهُ أَن رَسُول الله ◌َيِّ قَالَ إِن صَلَاة
المرابط تعدل خَمْسمِائَة صَلَاة وَنَفَقَة الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم مِنْهُ أفضل من سَبْعمِائة
دِينَار يُنْفِقْهُ فِي غَيرِه وَالله أعلم (٣).
قوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه تقدم الكلام علیه.
قوله وقوله: ((من قرأ ألف آية في سبيل الله كتبه الله مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين)) قال عفا الله عنه من سورة تبارك الذي بيده الملك إلى
آخر القرآن ألف آية، قال الحافظ المنذري: والظاهر أن المرابط أيضا في
(١) الحاكم (٢/ ٨٧، ٨٨)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) أبو نعيم في الحلية (٤٦/٨)، وكنز العمال (٣٤٦٣٣).
(٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٢٩٥).

٣٨٩
كتاب الجهاد
سبيل الله فيضاعف عمله الصالح كما يضاعف عمل المجاهد فقد روى عن
أنس رَو ◌َّهُ يرفعه قال: «صلاة في مسجدي تعدل بعشرة ألاف صلاة وصلاة في
المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة والصلاة بأرض الرباط بألفي ألف
صلاة)) وسبيل الله يحتمل الغزو وأن يراد به الغزو ويحتمل أن المراد بسبيل
الله طاعته وقد يستعمل السبيل في الطاعة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلٍ﴾(١) وقوله [تعالى: ﴿وَ]فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾(٢)، وتقدم معناه أبين من هذا.
فائدة فيها بشرى المرابط: قال في شفاء الصدور ذكر عبد المؤمن قال: إذا
كان يوم القيامة خلق الله تعالى أرضا بيضاء يغشاها سحاب الرحمة ثم ينادي
مناد من عند الله تعالى: أين المرابطون اصعدوا على أعلا هذه الأرض فإذا
صعدوا نصب لهم كراسي من نور ثم ينادي بهم جبريل ،علىالنّلاما قولوا: مثل
الذي كنتم تقولون على ساحل البحر يطلب منهم التهليل والتكبير فتمر بهم
الأرض مر السحاب حتى يقفوا بين يدي الله تبارك وتعالى فيقول لهم مرحبا
وأهلا بأوليائي المرابطين في دار الدنيا يا جبريل شق بهم الأرض شقا إلى
الجنة(٣).
(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٣) مشارع الأشواق (ص ٢٦٣- ٢٦٤).

٣٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة
وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه
١٩٨٣ - عَن أنس بن مالك زَّوَ أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ لغدوة فِي سَبِيل الله
أَوَ رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَابِ قَوس أحدكُم من الْجَنَّة أَو مَوضِع قيد
يَعْنِي سَوْطه خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَةٌ من أهلِ الْجِنَّة اطََّعت إِلَى
أهل الأَرْض ◌َأَضَاءَتْ مَا بَيْنِهِمَا وَلَمَلَأَتْهُ ريحًا وَلَنَصِيفِهَا على رَأْسهَا خير من
الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَغَيرِ همَا(١).
الغدوة بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب. والروحة بِفَتْح
الرَّاء هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء.
قوله: عن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.
قوله: أن رسول الله وَل قال: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة)) الغدوة هي
المرة الواحدة الذهاب والروحة هي المرة الواحدة من المجيء، قاله الحافظ
المنذري: وتقدم الكلام على الغدوة والروحة هي المرة مبسوطا في أول
الرباط.
قوله ◌َلة: ((ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قید یعني سوطه خير
من الدنيا وما فيها)) القاب والقيد هنا قيل هو القدر يقال بيني وبينه قاب رمح
(١) البخاري (٢٧٩٦)، ومسلم (١٨٨٠)، والترمذي (١٦٥١)، وابن ماجه (٢٧٥٧)، وابن
حبان (٧٣٩٨)، وأحمد (١٣٧٨٠).

٣٩١
كتاب الجهاد
وقاب قوس أي مقدارهما.
قوله وَ له: ((ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت
ما بينهما ولملأته ريحا» [١٥٧ / أ] ((ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما
فيها)) النصيف الخمار والخمار ما يغطى به الرأس ويقال أيضا للعمامة وكل
ما غطى الرأس نصيف وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن، قال: موضع
سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ومعنى الحديث: ولقدر قوس أحدكم
أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها.
١٩٨٤ - وَعَن أبي أَيُّوب رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ غَدْوَة فِي سَبِيل الله
أَوَ رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس أَو غربت رَوَاهُ مُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ(١).
٠
قوله: وعن أبي أيوب تقدم الكلام علیه.
قوله والقر: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس
وغربت)) وتقدم الكلام على ذلك في الحدیث قبله.
١٩٨٥ - وَعَن سهل بن سعد زََّا أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ رِبَاط يَوْم فِي
سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من
الذُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أو الغدوة خير من الدُّنْيَا
وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْ مِذِيّ وَابْن مَاجَه وَتقدم(٢).
(١) مسلم (١٨٨٣).
(٢) البخاري (٢٨٩٢)، ومسلم (١٨٨١)، والترمذي (١٦٤٨، ١٦٦٤)، وأحمد (١٥٥٦٠)،
وابن ماجه (٢٧٥٦).

٣٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن سهل بن سعد [هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد
بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن
كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدی المدنی، كان اسمه حزنا، فسماه النبى
وَلَه سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله وح خله فى المتلاعنين. قال الزهرى:
سمع من النبى وَّه، وكان له يوم وفاة النبى وَل خمس عشرة سنة. وتوفى
بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو
آخر من مات من أصحاب النبى وَالر بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل
فیه خلاف. روی له عن رسول الله ێ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا،
اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهرى،
وأبو حاتم، وغيرهما (١)].
قوله وقال: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط
أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها)) والروحة يروحها العبد في سبيل
الله، والغدوة خير من الدنيا وما عليها، تقدم تفسير ذلك.
١٩٨٦ - وَرُوِيَ عَنْهُ رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ مَا رَاح مُسلم فِي سَبِيل
الله مُجَاهَدًا أَو حَاجا مهلا أَو ملبيا إِلَّا غربت الشَّمْس بذنوبه رَوَاهُ الطَبَرَانِيّ فِي
الْأَوْسَط(٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٨/١ ترجمة ٢٣٧).
(٢) الطبراني في الأوسط (٦١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٩/٣)، وفيه من لم
أعرفه.

٣٩٣
كتاب الجهاد
قوله: وروی عنه، تقدم الكلام علیه.
قوله وَق: «ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا
غربت الشمس بذنوبه)) تقدم الكلام عليه في الحج، والإهلال: رفع الصوت
بالتلبية.
١٩٨٧ - وَعَنِ ابْن عمر رَوََّا أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ الْغَازِي فِي سَبِيل الله
والحاج إِلَى بَيت الله والمعتمر وَفد الله دعاهم فَأَجَابُوهُ رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه وَابْن
حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ كِلَاهُمَا عَن عمرَان بن عُيَيْنَة عَن عَطاء بن
السَّائِب عَن مُجَاهِد عَنْهُ وَالْبَيْهَقِيّ من هَذِهِ الطَّرِيقِ فَوَقفهُ وَلم يرفعهُ(١).
وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ مِن حَدِيث أبي هُرَيْرَة النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي
صَحِيحِه وَقَالَ ابْن مَاجَه فِي آخِرِهِ إِن دَعوه أجابهم وَإِن استغفروه غفر لَهُم (٢).
قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله {وَاللّه: ((الغازي في سبيل الله والحاج إلى بيت الله والمعتمر وفد الله
دعاهم فأجابوا)) الوفد الجماعة، واحدهم وافد وتقدم الكلام على الوفد.
١٩٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَمِنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ تضمن الله لمن
خرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إِلَّا جِهَادٍ فِي سبيلي وإيمان بِي وتصديق برسلي فَهُوَ
ضَامِن أَن أدخلهُ الْجنَّةِ أَو أرجعه إِلَى منزله الَّذِي خرج مِنْهُ نائلا مَا نَالَ من أجر
(١) ابن ماجه (٢٨٩٣)، وابن حبان (٤٦١٣)، والطبراني في الكبير (١٣٥٥٦)، والبيهقي
(٢٦٢/٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١٧١).
(٢) النسائي في الكبرى (٣٦٠٤)، وابن ماجه (٢٨٩٢)، وابن خزيمة (٢٥١١).

٣٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أَو غنيمَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا كلم يكلم فِي سَبِيل الله إِلَّ جَاءَ يَوْم
الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِه يَوْم كلم لَونه لون دم وريحه ريح مسك وَالّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ
لَوْلًا أَن أشق على الْمُسلمين مَا قعدت خلاف سَرِيَّة تغزو فِي سَبِيل الله أبدا
وَلَكِن لَا أجد سَعَة فأحملهم وَلَا يَجدونَ سَعَة ويشق عَلَيْهِم أن يتخلفوا عني
وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ
أغزو فأقتل رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ (١).
وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَلَفْظهمْ تكفل الله لمن جَاهد فِي سَبیله لا
يُخرجهُ من بَيته إِلَّا الْجِهَادِ فِي سَبيله وتصديق بكلماته أَن يدْخلهُ الْجنَّة أَو يردهُ
إِلَى مَسْكَنه بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة الحَدِيث(٢).
الْكَلمْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ اللََّم هُوَ الْجِرْحِ.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وَله: «تضمن الله عز وجل لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في
سبيلي وإيمان وتصديق برسلي)) الحديث، معنى تضمن: أي تكفل الله لمن
خرج في سبيله مجاهدا، وفي الرواية الأخرى: ((تكفل الله)) والتكفل من
الكفالة وهي الضمان، قال النووي (٣): ومعناهما أوجب الله له الجنة بفضله
(١) مسلم (١٨٧٦)، وأحمد (٧١٥٧).
(٢) البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك في الموطأ (١٢٨٤)، وابن حبان (٤٦١٠)،
وأحمد (٩١٧٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣٥/١٣).

٣٩٥
كتاب الجهاد
وكرمه سبحانه وتعالى، قال الشيخ تقي الدين: والضمان والكفالة هنا عبارة
عن تحقيق هذا الموعود من الله سبحانه وتعالى، فإن الضمان والكفالة
مذكوران لما تضمن وتكفل به، وتحقيق ذلك من لوازمه، وفي رواية: ((انتدب
الله لمن خرج في سبيله)) المعنى والله أعلم: التزم الله أي أجابه إلى غفرانه يقال
وندبته فانتدب أي بعثه ودعوته فأجاب، قيل: معناه سارع في الثواب وحسن
الجزاء، وقيل: أجاب وقيل: تكفل والندب الحث على الشيء والرغبة فيه
وهذا الضمان والكفالة والانتداب موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجِنَّةُ﴾(١) الآية، فقوله: ((لا يخرجه إلا
جهاد في سبيلي وإيمان بي)) معناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص
لله تعالى.
تنبيه: في قوله ((لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي)) الحديث وقع في
الصحيحين: ((إلا جهاداً)) وكذا ((إيمانًا)) و((تصديقًا)) في جميع النسخ بالنصب
وهو مفعول على أنه مفعول له، وتقديره: ولا يخرجه المخرج ويحركه
المحرك إلا الجهاد والإيمان والتصديق.
وقوله: ((أو تصديق)) وفي بعض النسخ ((وتصديق)) بالواو الواصلة وهو ظاهر.
فإن قلت: إذا كان بأو الفاصلة فمعناه إذ لابد من الأمرين الإيمان بالله و
التصديق برسل الله لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله إذ من جملة
(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.

٣٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله وكذا التصديق بالرسل، يستلزم الإيمان
بالله وهو ظاهر، وتقديره: لا يخرج المخرج إلا الإيمان والتصديق انتهى.
قوله: ((فهو ضامن إن أدخله الجنة)) ذكروا في قوله ((ضامن)) هنا وجهين
أحدهما أنه [١٥٧/ ب] بمعنى مضمون ك﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾(١) بمعنى مدفوق،
و﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾(٢) بمعنى مرضية، و﴿لَا عَاصِمَ﴾ (٢) بمعنى معصوم،
وفسر کاتم بمعنی مکتوم، والثاني: انه بمعنی ذو ضمان.
قوله: ((إن أدخله الجنة)) فإن قلت: جميع المؤمنين يدخلهم الله الجنة، فما
وجه اختصاصهم بذلك؟ قلت: قال القاضي: يحتمل أنه يدخله الجنة عند
موته، قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(٤) وفي الحديث:
((أرواح الشهداء في الجنة)) قال: ويحتمل أن يكون المراد دخوله الجنة عند
دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون
الشهادة مكفرة لذنوبه كما صرح به في الحديث الصحيح.
قوله: ((أو أراجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة))
ومعنى الحديث أن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال
فأما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر وغنيمة فهو
(١) سورة الطارق، الآية: ٦.
(٢) سورة القارعة، الآية: ٧.
(٣) سورة هود، الآية: ٤٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.

٣٩٧
كتاب الجهاد
مضمون إحدى الحسنيين وضمانه على الله إما الجنة إن قتل وإما الرجوع
إلى أهله بالأجر والغنيمة وإنما عطف الغنيمة على الأجر لأن المجاهد لا
يأخذها أجرة على قتاله وإنما هي نحلة من الله تعالى أباحها لهذه الأمة ولم
تكن لغيرهم من الأمم كما قال النبي ◌َّة: ((وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد
قبلي)) وهذا بظاهره يقتضي أن المجاهد لا ينقص أجره بالغنيمة لأنه لم يقاتل
ليأخذ الغنيمة وإنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فلا يجوز أن يكون ما منحه الله
سببا للنقص في ثوابه، وفي هذا الحديث الحث المؤكد على الجهاد، فإن كفالة الله
تعالى باعث عظيم، فقوله وَيّ: ((بما نال من أجر وغنيمة)) قد يتوهم متوهم أن
الأجر لا يجتمع مع الغنيمة وليس كذلك بل المعنى أن الله تعالى يرده بأجر كامل
إن لم تحصل غنيمة أو بأجر ما وغنيمة، ومما يدل على أن الأجر يحصل مع
الغنيمة قوله وَله: (ما من غازية أو سرية يسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي
أجرهم)) و(أو) في قوله ((بأجر أو غنيمة)) قال أبو الوليد بن رشد في مقدماته:
(أو) هنا بمعنى الواو إذ لا تنفي الغنيمة الأجر، وقد تكون (أو) على بابها
فيكون معنى الكلام: مع ما نال من أجر دون غنيمة أو غنيمة مع أجر، قال
الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: وهذا التقدیر لا بأس به.
قوله وَخلّ: ((والذي نفس محمد بيده ما كلمٌ يكلم في سبيل الله)) الكلم
الجرح، والجرح بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري، فأما الجرح
بالضم فهو الاسم، قاله في النهاية(١).
(١) يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (١٩٨/٤).

٣٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم يكلم لونه لون دم وريحه ربح
المسك)) فيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، الحكمة
في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في
طاعة الله تعالى، وفيه دليل على جواز اليمين وانعقادها بقوله وَالر: ((والذي
نفس محمد بيده)) ونحو هذه الصيغة من الحلف بما دل على الذات ولا
خلاف في هذا، قال النووي(١): قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى
أو صفاته وما دل على ذاته قال القاضي عياض (٢): واليد هنا بمعنى القدرة
والملك والله أعلم (٣).
قوله وَله: ((لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزوا في
سبيل الله أبداً)) الحديث، يعني: خلفها وبعدها، وفيه ما كان عليه وَلِ من
الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان ◌َ له يترك بعض ما يختاره للرفق
بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها [١٥٨ / أ].
وفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم.
قوله وَديق: ((والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم
أغزوا فأقتل، ثم أغزوا فأقتل)) الحديث، وفيه الحث على حسن النية، وفيه:
(١) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٣).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦٩/٦).
(٣) سبق الكلام على صفة اليد وقلنا أن مذهب أهل السنة هو إثبات اليد بلا تكييف ولا تشبيه
ولا تعطیل.

٣٩٩
كتاب الجهاد
استحباب القتل في سبيل الله وجواز قول الإنسان: وددت حصول كذا من
الخير الذي يعلم أنه يحصل، قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال
الكفار يدخل فيه من [خرج في سبيل الله في] قتال البغاة [و] الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ونحوه، أ.هـ، قاله الكرماني(١)، قال النووي(٢): فيه فضيلة
الغزو والشهادة وفيه تمني الشهادة والخير وتمني ما لا يمكن في العادة من
الخيرات، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين [وقوله و] السرية
بتخفيف الراء وتشديد الياء، أي: ما تخلفت عنها بل خرجت في جميعها
[بنفسي] لعظم الأجر فيه بارتفاع الدرجات ونيل السعادات بسببه، قال
إبراهيم الحربي: السرية هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها قالوا: سميت سرية
لأنها تسري في الليل ويخفي ذهابها وهي فعيلة بمعنى فاعلة يقال: أسرى
وأسری إذا ذهب ليلا.
فائدة أخرى ثانية: وكانت سراياه وَّ التي بعث بها على ما ذكره ابن سعد
والحافظ شرف الدين الدمياطي ستا وخمسين سرية، وقال موسى بن عقبة
سبعا وأربعين سرية، وقيل: ثمانيا وأربعين، وقيل: ستا وثلاثين، وقيل: غير
ذلك، قالوا: ولم يقاتل ◌َّ إلا في تسع بدر وكانت غزوة بدر في السنة الثانية
من الهجرة، وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، والخندق وبني
قريظة، وقريظة قبيلة من اليهود كانوا في قلعة، وبني المصطلق بضم الميم
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ٩٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣٥/١٣).

٤٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية وكسر اللام وقاف، عرب من خزاعة،
وكانت هذه الغزوة في سنة ست من الهجرة، وخيبر: وهي بلدة معروفة نحو
أربع مراحل من المدينة إلى نحو الشام فتحت سنة سبع، وفتح مكة، وحنين
وهو واد بين مكة والطائف وراء عرفات، وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة
من الهجرة، والطائف: وهي بلدة معروفة على مرحلتين من مكة من جهة
الشرق، وقيل: قاتل بوادي القرى وفي الغابة، وبني النضير، والنضير بفتح
النون وكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وهما قبیلتان عظيمتان من يهود خيبر وقد
دخلوا في العرب فقريظة والنضير إشارة إلى قبيلتين عظيمتين من يهود خيبر.
فائدة ثالثة أخرى: وكانت عدة غزوات النبي وَّ التي غزاها بنفسه
الكريمة على ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة سبعا وعشرين غزوة،
ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد في الطبقات الاتفاق على أن غزواته وَالاله
بنفسه ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة، قال غيرهما: خمسا وعشرين
وهذا هو المشهور، وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله وَ ل غزى تسع
عشرة غزوة.
فائدة رابعة: وهذه الغزوات التي تقدمت هي التي غزاها بنفسه الشريفة
وَخلة، ومنها: ما قاتل فيه، ومنها: ما لم يتفق فيها قتال، وأعظم سراياه سرية
زيد بن حارثة وهي غزوة مؤتة وكانت في جمادي الأولى من سنة ثمان، بعث
رسول الله وَل# زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف من المسلمين إلى أرض البلقا من
أطراف الشام، وقال: ((إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن