النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
كتاب الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين(١)
كتاب الجهاد
[١٤٤ / أ] الجهاد: محاربة الكفار وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع
والطاقة من قول أو فعل، يقال: جهد الرجل في الشيء أي جد فيه وبالغ
وجاهد في الحرب مجاهدة وجهادا(٢) [عن] أنس بن مالك أن النبي وَليل
[قال:] ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم [وألسنتكم])) رواه أبو داود
وفي لفظ (وأيديكم] ورواه أحمد والدارمي والنسائي، فيه وجوب الجهاد
للأمر به، واختلف في ذلك فقيل: هو فرض [على الأعيان]، وقيل: كان على
الأعيان في أول الإسلام ثم صار على الكفاية فإن [دهمهم] العدو أو كان
[قريبا منهم] تعين [الدفع على] حرهم وعبدهم [وقيل كان فرض عين] في
زمنه عَ لَامة، وقال [الماوردى](٣): كان فرض عين على المهاجرين وكفاية
على غيرهم [وقال السهيلي: كان فرض عين] على الأنصار دون غيرهم(4)،
وقالت جماعة: هو سنة، وقيل: بالتخيير [وقوله] ((جاهدوا المشركين)) عام
ولكنه [مخصوص بما] سوى الرهبان والنساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن
(١) [كذا بخط المؤلف بإثبات الحمد بعد البسملة لا غير]
(٢) النهاية (٣١٩/١).
(٣) الحاوى (١٤ / ١١٢).
(٤) الروض الأنف (٣٩٦/٧).
٢٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قاتلوا قتلوا عند جماهير العلماء وأما الشيوخ [من الكفار] فإن كان فيهم أهل
رأي قتلوا وإلا [ففيهم] والرهبان خلاف، وقال [مالك] أبو حنيفة: لا يقتلون
والأصح [فى مذهب] الشافعي: قتلهم(١).
واعلم [أن الجهاد شرع] لإعلاء كلمة الإسلام [فيقاتلوا حتى يجيبوا على
الاسلام] أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل كتاب [لأن
اسم المشرك] يطلق على أهل الكتاب [وغيرهم وكان تخصيصهم معلوما
عند الصحابة واختلفوا في قدر الجزية فقال الشافعي أقلها دينار على الغني
ودينار على الفقير أيضا في كل سنة وأكثرها ما يقع به التراضي وقال مالك
هي أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وقال أبو
حنيقة رضي الله تعالى عنه وغيره من الكوفيين وأحمد رضي الله تعالى عنه
على الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا
عشر (٢)].
واعلم أن الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع، وجاء
الجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه، أحدها: القتال لقوله تعالى في سورة النساء
لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِىِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمَّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى
اٌلْفَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى اُلْقَعِدِينَ
(١) شرح النووي على مسلم (١٢ /٤٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣٩/١٢).
٢٨٣
كتاب الجهاد
أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾(١)، الثاني: الجهاد [بالقول] لقوله تعالى في سورة التوبة
﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾(٢) الآية، ونظيرها
في التحريم والفرقان ﴿وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادَا كَبِيرًا﴾(٣)، الثالث: العمل
لقوله في الحج: ﴿وَجَهِدُواْ فِى اُللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٤) وفي العنكبوت ﴿وَمَن
جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَّفْسِهِ﴾(٥) ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَتَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(٦).
قوله: ﴿فِينَا﴾ أي في مرضاتنا وهذه الآية نزلت قبل الجهاد [١٤٤/ ب]
العرفي وهو جهاد [وإنما هو جهاد عام] في دين الله وطلب مرضاته بذلك،
قال الحسن: الآية في العبادة، قال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما
يعلمون، وقال ◌َّمن: ((من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم)) رواه أبو نعيم
في الحلية من حديث أنس وضعفه، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد
في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين والقمع
للظالمين وعظمه الأمر [بالمعروف] والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفس
في طاعة الله [وهو] الجهاد الأكبر (٧) أ.هـ قاله في الديباجة.
(١) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٧٣.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٥٢.
(٤) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٦.
(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.
(٧) تفسير ابن عطية (٣٢٦/٤)، وعنه نقله القرطبى في التفسير (٣٦٤/١٣-٣٦٥).
٢٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الرباط في سبيل الله عز وجل
١٨٩٦ - عَن سهل بن سعد رََّا أَن رَسُول الله وَّهِ قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل
الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجِنَّة خير من الدُّنْيَا
وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا
عَلَيْهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (١).
الغدوة بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب.
والروحة بِفَتْحِ الرَّاء الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء.
قوله: عن سهل بن سعد الساعدي ◌َّاًّا، تقدم الكلام علیه.
قوله وَلّى: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها)) سبيل الله عام
يقع على كل عمل خالص لله تعالى سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء
الفرائض والنوافل وأنواع الطاعات وإذا أطلق السبيل فهو في الغالب واقع
على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه كذا في التحفة(٢).
وقال في الديباجة: السبيل هاهنا يحتمل ان يكون طرق الجنة ومسالكها
ويحتمل أن يكون سبيل الأعمال المؤدية إلى الجنة، وقال ابن أسباط: هي
إصلاح النية في الأعمال فيزداد بها العالم فهما في الدين(٢)، انتهى.
(١) البخاري (٢٨٩٢)، ومسلم (١٨٨١).
(٢) النهاية (٣٣٨/٢).
(٣) تفسير ابن عطية (٣٢٦/٤) وعبارته قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال
=
٢٨٥
كتاب الجهاد
قوله ◌َّية: ((خير من الدنيا وما عليها)) اختلف العلماء في هذا الحديث وفي
أمثاله فقيل إنه على ظاهره، وقيل: معناه أن هذه الطاعة خير من الدنيا وما
عليها لو قدر أن يملكها إنسان وينفقها في طاعة الله تعالى، قاله القاضي
عياض(١) والشيخ محب الدين الطبري في فضائل العشرة وغيرهما ورجحه
جماعة لأن الدنيا وما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة فكيف تقاس بشيء
من الأجر الموجب للجنة التي لا قيمة لأقل جزء منها ولو قدر استواؤهما في
القيامة وهو محال لكان العقل بالضرورة يقطع أن ذرة مما يبقى أبدا خير من
ملئ الأرض مما يفني، فالتفاضل بينهما إذًا عارٍ عن الفائدة إلا أن يراد مقابلة
الأجر الباقي بالأجر الفانى [وهو ما قاله القاضي عياض(٢) ومحب الدين
الطبري وما ذكره كان ترجيح له وإيضاح]، وقال بعضهم هو من باب تنزيل
المغيب منزلة المحسوس المحقق تحقيقا له وتثبيتا في النفوس فإن ملك
الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس محقق عندها أن
ثواب اليوم الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي
عهدتموها من لذات الدنيا (٣)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد(٤): وهذا
=
وحب التزيد والتفهيم، وهذا هو أن يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح
من علم متقدم.
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٠٠).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦ / ٣٠٠) وشرح النووي على مسلم (١٣ / ٢٧).
(٣) إحكام الأحكام (٢/ ٣٠١).
(٤) إحكام الأحكام (٢/ ٣٠٢).
٢٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عندي أوجه وأظهر يعني مما ذكره القاضي عياض(١) والله أعلم.
فإن قيل: لا خصوصية للجهاد بذلك لأن أدنى عمل من عمل البر يكون
ثوابه خيرا من الدنيا وما فيها لأن الدنيا تفنى والعمل يبقى وقد ورد مثل ذلك
في قوله {وَلّ: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)).
قوله وَيقة: ((وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها))
ومعنى الحديث: ولقدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما
فيها (٢)، وقد رواه البزار مختصرا ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما
فيها))(٣) ويحتمل أن يكون المراد ثواب موضع السوط خير من الدنيا وما
عليها موضع السوط هو الموضع الذي يعلق فيه على الدابة وإذا كان هذا
ثواب موضع السوط الذي هو أدنى أمتعة المجاهد فغيره أولى، أ.هـ
قوله وَّة: ((والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما
عليها)) قال الحافظ المنذري: الروحة المرة الواحدة من المجيء، والغدوة
المرة الواحدة من الذهاب، انتهى. [١٤٥ / أ] وقال ابن النحاس(٤): الروحة
(١) مشارع الأشواق (ص ٣٦٨ -٣٦٩).
(٢) قاله المنذرى كما سأتى في فصل في أن أعلى ما يخطر على البال أو يجوزه العقل من حسن
الصفات المتقدمة فالجنة وأهلها فوق ذلك.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٥٠) و(٦٤١٥) وابن ماجه (٤٣٣٠) عن سهل بن سعد. وأخرجه
البزار (٦٢٥٤)، وابن عدي في الكامل (٤ /٥٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٥٦) عن أنس
بن مالك قال الهيثمي في المجمع ٤١٥/١٠: رواه البزار، وإسناده حسن. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٦٨).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٢٢٣-٢٢٤).
٢٨٧
كتاب الجهاد
السير من الزوال إلى آخر النهار والغدوة السير من أول النهار إلى وقت
الزوال وهو وقت الغداء، ولو حلف إنسان لا يتغدي حنث بالأكل قبل
الزوال، وأوهنا للتقسيم لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب
وكذا الغدوة والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو أو الرواح من بلدته بل
يحصل هذا الثواب بل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه
ورواحه في موضع القتال لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله
وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان وتصور تنعمه بها كلها لأنه
زائل ونعيم الآخرة باق، قال القاضي عياض(١) رحمه الله تعالى: وقيل في
معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من
الدنيا وما فيها لو ملكها إنسان وملك جميع ما فيها وأنفقه في أمور الآخرة.
١٨٩٧ - وَعَن سلمَان رَّوَُّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَهُ يَقُول رِبَاط يَوْم
وَلَيْلَة خير من صِيَامِ شهر وقيامه وَإِن مَاتَ فِيهِ جرى عَلَيْهِ عمله الَّذِي كَانَ
يعْمل وَأَجْرِي عَلَيْهِ رزقه وَأمن من الفتان رَوَاهُ مُسلمٍ وَاللَّفْظِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ
وَالنَّسَائِيّ وَالطََّرَانِيّ وَزَادٍ وَبعث يَوْمِ الْقِيَامَة شَهِيدًا(٢).
قوله: وعن سلمان نظّ، هو الفارسي تقدم الكلام عليه.
قوله {وَل: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه)) الحديث، وهذه
فضيلة ظاهرة للمرابط، وقد تقدم الكلام على الرباط ومعناه.
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).
(٢) مسلم (١٩١٣)، والترمذي (١٦٦٥)، وابن حبان (٤٦٢٣)، وأحمد (٢٣٧٢٨)،
والطبراني في الكبير (٦١٧٩).
٢٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله: ((وإن مات فيه)) أي في الرباط ((جرى عليه عمله الذي كان يعمل))
وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء
صريحا في غير مسلم: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له
عمله إلى يوم القيامة)) أي يزاد ويرفع ولا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير
موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه بل هي فضل دائم من الله تعالى وهذا
العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة أخرجه
ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((من مات مرابطا أجري عليه أجر
عمله الصالح)» (١) قاله القرطبي(٣).
قوله: ((وأجري عليه رزقه)) موافق لقوله تعالى في الشهداء ﴿أَحْيَاءُ عِندَ
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(٣) وفي الصحيح ان أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة (٤).
قوله وَّه: ((وأمن من الفتان)) قال النووي(٥): ضبطوا ((أمن)) بوجهين
أحدهما: أمن بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: أومن بضم
الهمزة وبواو، وأما الفتان: فقال القاضي عياض (٦) رواية الأكثرين بضم الفاء
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٧).
وقال الألباني: صحيح، الروض النضير (١٠١٣).
(٢) تفسير القرطبى (٣٢٥/٤) والتذكرة (ص ٤١٥-٤١٦).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٦١).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦١).
(٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣٤٢/٦).
٢٨٩
كتاب الجهاد
جمع فاتن قال: ورواية الطبري(١) بالفتح، وفي رواية أبي داود في سننه (٢)
((وأومن من فتاني القبر)) الحديث، ويريد مسائلة منكر ونكير عليهما السلام(٣)
وهو من الفتنة التي هي الاختبار والامتحان (٤) ذكره المنذري في حواشي
مختصر أبي داود، وهذا الحديث هو أحد الأحاديث الخمس التي تنجي من
أهوال القبر وفتنته وعذابه وهي: رباط ، قتل ، قول ، بطن ، زمان . فأولها
الرباط وذكر هذا الحديث وسيأتي الكلام على البواقي ذكر ذلك القرطبي (٥).
(٥)
القرطبي(٥).
فائدة: إنما سميا فتاني القبر منكر ونكير لأن في سؤالهما انتهارا وفي
خلقهما صعوبة لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة
ولاخلق الطير ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل هما خلق بديع وليس في
خلقتهما أنس للناظرين إليهما بل جعلهما الله تعالى مكرمة للمؤمن لتثبته
وتبصره وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه
العذاب قاله أبو عبد الله الترمذي (٦).
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) جامع الأصول (٤٦٩/٩) ومشارع الأشواق (ص ٣٧٤).
(٤) شرح المصابيح (٤ /٣٠٨).
(٥) التذكرة (ص ٤١٥).
(٦) نوادر الأصول (٢٤/٦) وعنه القرطبى في التذكرة (ص ٣٨٤ - ٣٨٥) وزاد الترمذي: وإنما
وإنما صارت مكرمة للمؤمن؛ لأن العدو لم ينقطع طمعه بعد، فهو يتخلل السبيل إلى أن
=
٢٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٨٩٨ - وَعَن فضَالة بن عبيد رَّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ كل ميت يخْتم
على عمله إِلَّ المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ويؤمن
من فتْنَة الْقَبْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحِ وَالْحَاكِم
وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم.
وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَزَادٍ فِي آخِرِه قَالَ وَسمعت رَسُول اللهِوَهِ يَقُول
الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه لله عز وجل(١)، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي بعض نسخ
الترمِذِيّ.
قوله: وعن فضالة بن عبيد (٢) أَقُولَهُ، بضم العين المهملة وفتح الباء
الموحدة بعدها ياء مثناة تحت بن ناقد بن قيس كنيته أبو محمد الأنصاري
من الطبقة الثانية من الأنصار من الأوس وأمه عفرة بنت محمد بن عقبة،
وقال ابن سعد(٣) [١٤٥/ ب] عن الواقدي، وفضالة هو الذي بشر الأنصار
بقدوم رسول الله له إلى المدينة وكان ابن ست سنين وكان فضالة شاعراً
=
يجده في البرزخ.
(١) أبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٩٢١)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم
(١٤٤/٢)، وابن حبان (٤٦٢٤)، وأحمد (٢٣٩٥١)،، وصححه الألباني في صحيح
الجامع (٦٦٧٩).
(٢) التاريخ الكبير: ١٢٤/٧، الجرح والتعديل ٧٧/٧، الحلية ١٧/٢، الإصابة ٢٠٦/٣،
الاستيعاب: ١٢٦٢، أسد الغابة ٤ /١٨٢، تهذيب الأسماء واللغات ٥٠/٢/١، تهذيب
الكمال: ١٠٩٦، تهذيب التهذيب ٢٦٧/٨
(٣) طبقات ابن سعد ٤٠١/٧.
٢٩١
كتاب الجهاد
فاضلاً وهو أحد الذين بايعوا رسول الله وَال تحت الشجرة وشهد مع رسول
الله ◌َّ أحدا والخندق والمشاهد كلها ثم نزل الشام وكان له شرف وولاه
عمر بن الخطاب وولاه معاوية قضاء دمشق، قال ابن سعد عن الواقدي: كان
فضالة قاضیا بالشام ونزل دمشق وبنى بها دارا.
ذكر وفاته: حكى ابن عساكر عن ابن معين قال: مات فضالة في دمشق سنة
ثلاث وخمسين، وقال ابن يونس: فتح مصر وولي البحر بها، قاله النووي في
تهذيب الأسماء واللغات(١).
قوله وَيقول: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له
عمله إلى يوم القيامة)) وتقدم أن النماء الزيادة، ومعناه يزاد ويرفع.
قوله: ((ويؤمن من فتنة القبر)) أي من مسائلة منكر ونكير، وفي الحديث،
وأمن من الفتان جمع فاتن وهو الذي يضل الناس عن الحق، وروي بفتح
الفاء وهو الشيطان يفتن الناس بخدعه وغروره وتزيينه للمعاصي (٢) والله
أعلم.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في حديث فضالة هذا دليل على أن الرباط
أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما في حديث أبي هريرة عن
النبي وَيّ: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ ترجمة ٤٩٠).
(٢) الميسر (٨٧٣/٣).
٢٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له)) رواه مسلم(١) من طرق عدة فإن الصدقة
الجارية والعلم المنتفع به والوالد الصالح الذي يدعو لأبويه قد ينقطع ذلك
بنفاد الصدقة وذهاب العلم وموت الولد والرباط يضاعف أجره إلى يوم
القيامة لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع
بانقطاعه وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو
والتحرز منهم بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام (٢)، أ.هـ، كلامه
وهو مليح جدا فتأمله(٣) والله أعلم.
تنبيه: قال ابن النحاس عفا الله عنه: جرت السنة في معاملة الله عبيده بفضله
وكرمه أن من توجه بصدق إلى شىء من القربات فمنعه منه القدر الإلهى مع
شدة حرصه عليه وتصميم قصده في طلبه إن الله يعطيه يوم القيامة أجر تلك
القربة تفضلا منه وإحسانا لحسن قصده وإخلاص نيته وصدق طويته،
والدليل على ذلك أن من خرج مجاهدا فمات كان شهيدا وكذلك من حج
فمات كتب حاجا وقد قال النبي وَّ في المحرم الذي سقط عن بعيره فمات
((إنه يبعث يوم القيامة ملبيا)) (٤)، وكذلك قوله ◌َّالية: ((من أتى فراشه وهو ينوي
أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه
(١) مسلم (٢٦٨٢).
(٢) تفسير القرطبى (٣٢٥/٤)، والتذكرة (ص ٤١٦).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٢).
(٤) البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦).
٢٩٣
كتاب الجهاد
صدقة عليه من ربه))(١) وكذلك قال النبي وَله: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم
راح فوجد الناس قد صلوا أعطاله الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص
ذلك من أجورهم شيئا)) (٢) وأشباه هذا الحديث كثيرة والمرابط إنما يرابط
توقعا للشهادة وتعرضا من بذل نفسه في نيلها فلا [جرم] أنه إذا مات يبعث
شهيدا، ويؤيد هذا ما وهبه الله من خصائص الشهداء وهو إجراء الرزق عليه
والأمان من فتنة القبر ومن الفزع الأكبر ونحو ذلك فلو لم يرد حديث مصرح
بأنه يبعث شهيدا لكان مما يستنبط من هذه القاعدة فكيف وقد روي في ذلك
عدة أحاديث وإن كانت
[١٤٦/ أ] لا تسلم من مقال فهي تتعاضد وتقوي بكثرة الطرق ويؤيدها
القاعدة المذكورة (٣) والله أعلم، أ.هـ.
١٨٩٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ◌َو ◌َّهُ عَن رَسُول الله وَّهِ قَالَ رِبَاط شهر خير من
صِيَام دهر وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أَمن من الْفَرْعِ الْأَكْبَرِ وغدي عَلَيْهِ
برزقه وريح من الجنَّة وَيَجْرِي عَلَيْهِ أجر المرابط حَتَّى يَبْعَثَهُ الله عز وجل رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاتِهِ ثِقَات (٤).
(١) سنن ابن ماجه (١٣٤٤) سنن النسائي (١٧٨٧)، وابن خزيمة (١١٧٥).
(٢) شرح السنة للبغوي (٧٨٩) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٦٣-٢٠٥٢).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٧ -٣٧٩).
(٤) الطبراني في الكبير، كما في كنز العمال (١٠٥١٢)، ومجمع الزوائد، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٩٠/٥)، رواه الطبراني ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح
الجامع (٣٤٧٩).
٢٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي الدرداء زقالله، تقدم الكلام علیه.
قوله وَّلة: ((رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطا في سبيل الله
أمن من الفزع الأكبر)) الحديث، وقال في الديباجة: والفزع: الذعر وشدة
الخوف وهو في الأصل مصدر وربما جمع على أفزاع(١)، قال الله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ
اللَّهُ﴾ (٢) روى أبو هريرة: ((إن الملك له في الصور ثلاث نفخات نفخة النزع
من حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من
القبور)) (٣) وهي المعبر عنها بقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ
اُلْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (٤) وهو كل هول يكون يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته
هو الفزع الأكبر(٥)، والفزع أيضا الإغاثة والنصر ومنه قوله وسيلة للأنصار:
(إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع)) (٦)أ.هـ.
الفزع الأكبر: قال الواحدي (٧) في وسيطه قال أكثرهم هو إطباق جهنم
على أهلها، وقال الحسن: هو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جرير هو
(١) الصحاح (١٢٥٨/٣).
(٢) سورة النمل، الآية: ٨٧.
(٣) تفسير ابن عطية (٢٧٢/٤).
(٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٣.
(٥) تفسير ابن عطية (١٠٢/٤).
(٦) النهاية (٤٤٣/٣).
(٧) التفسير البسيط (١٦٥/٧).
٢٩٥
كتاب الجهاد
ذبح الموت بين الفريقين.
قوله {َله: ((وغدي عليه برزقه وريح من الجنة ويجري عليه إجراء المرابط
حتى يبعثه الله عز وجل)) تقدم الكلام على ذلك.
تنبيه: قال ابن النحاس في كتاب الجهاد: واعلم أن الرباط أحد شعب
الإيمان وموجبات الغفران وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لم ترد في غيره من
القربات فمن فضائله ان رباط يوم خير من الدنيا وما عليها(١).
ومنها: أن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ورباط شهر خير من
صيام دهر(٢).
ومنها: أن كل ميت إذا مات ينقطع عمله إلا المرابط إذا مات في رباطه فإنه
يجري عليه أجر عمله الصالح من الرباط وغيره إلى يوم القيامة (٣).
ومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه أمنه الله تعالى من فتاني القبر وهما
منكر ونكير عليهما السلام(٤).
ومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه بعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع
(٥)
الأكبر(٥).
(١) مشارع الأشواق (ص ٣٦٨).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٣٦٩).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٠).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٣٧٤).
(٥) مشارع الأشواق (ص ٣٧٥).
٢٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومنها: ما روي أن المرابط إذا مات بعثه الله يوم القيامة شهيدا(١).
ومنها: ما روي أن المرابط إذا مات في رباطه يمر على الصراط كهيئة
الريح بغير حساب ولا عذاب(٢).
ومنها: أن الرباط في سبيل الله أفضل من موافقة ليلة القدر (٣).
ومنها: ما روي ان من رابط يوما جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق(٤).
ومنها: ان المرابط في سبيل الله أجر من خلفه (٥).
ومنها: أن رباط يوم في سبيل الله خيرمن ألف يوم فيما سواه من
المنازل(٦).
ومنها: أن صلاة المرابط بأرض الرباط مضاعفة وكذلك صومه وذكره
وقراءته ونفقته (٧)، والله أعلم. أ.هـ.
١٩٠٠ - وَعَنِ الْعِرْبَاض بن سَارِيَة رَِّنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّ كل عمل
يَنْقَطِعِ عَن صَاحبه إِذا مَاتَ إِلَّ المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله
ويجرى عَلَيْهِ رزقه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاةٌ
(١) مشارع الأشواق (ص ٣٧٦).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٣٧٩).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٣٨٠).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٣٨٢).
(٥) مشارع الأشواق (ص ٣٨٣).
(٦) مشارع الأشواق (ص ٣٨٣).
(٧) مشارع الأشواق (ص ٣٨٦).
٢٩٧
كتاب الجهاد
أَحدهمَا ثِقَات(١).
قوله: وعن العرباض بن سارية رقم، تقدم الكلام عليه.
قوله وَالر: ((كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله
فإنه ينمى له عمله)) الحديث، أي يزاد ويصل إليه كل لحظة أجر جديد لأنه
فدى نفسه في شيء يعود نفعه إلى المسلمين فيكون داخلا في قوله علي ◌ّلام): ((إذا
مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) الحديث، وتقدم الكلام عليه في
الأحاديث قبله.
١٩٠١ - وَعَن أم الدَّرْدَاء ◌َرَّهَا ترفع الحَدِيث قَالَ من رابط فِي شَيْء من
سواحل الْمُسلمين ثَلَاثَة أَيَّامِ أَجْزَأْت عَنْهُ رِبَاط سنة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة
إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَنِ الْمَدَنِينِ وَبَقِيَّ إِسْنَاده ثِقَات (٢).
قوله: وعن أم الدرداء، اسمها رَّالَّهَا [وهى بالمد، وهى زوجة أبى الدرداء،
وهى صحابية، واعلم أن لأبى الدرداء زوجتين كل واحدة منهما كنيتها أم الدرداء،
وهما كبرى وصغرى، فالكبرى صحابية، والصغرى تابعية، واسم الكبرى خيرة،
(١) الطبراني في المعجم الكبير (٦٤١)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٦)، وأبو نعيم في
الحلية (١٥٧/٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٠/٥)، رواه الطبراني في بإسنادين
رجال أحدهما ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥٣٩).
(٢) أحمد (٢٧٠٤٠)، والطبراني في الكبير (٦٤٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣٩٤/١)،
وابن أبي عاصم في الجهاد (٣٠٧)، وفي الآحاد والمثاني (٣٣٥٥)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٨٩/٥)، رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن
المدنيين، وبقية رجاله ثقات.
٢٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بفتح الخاء المعجمة، واسم الصغرى هجيمة، بضم الهاء، وفتح الجيم، وبعدها
یاء مثناة تحت ساكنة، ثم ميم، ويقال: جهیمة بنت حيى، وقيل: حيى الأصابية،
ويقال: الوصابية، والوصاب بطن من حمير، قال البخارى فى صحيحه فى أبواب
صفة الصلاة: وكانت أم الدرداء، يعنى هذه، فقيهة. واتفقوا على وصفها بالفقه،
والعقل، والفهم، والجلالة. توفى عنها أبو الدرداء بدمشق، فخطبها معاوية فلم
تفعل، وهى أم بلال بن أبى الدرداء، وسمعت أبا الدرداء، وأبا هريرة، وعائشة،
روی عنها خلائق من کبار التابعین. روی لها مسلم فى صحيحه ، قال الحمیدی
فى آخر الجمع بين الصحيحين: قال أبو بكر البرقانى: أم الدرداء الصغرى هى
التى روت فى الصحيح، وأما أم الدرداء الكبرى الصحابية فليس لها فى
الصحيحين حديث، وفى تاريخ دمشق فى ترجمة أم الدرداء الكبرى الصحابية،
قال: اسمها خيرة بنت أبى حدرد، واسم أبى حدرد سلامة بن عمير، وهى أخت
عبد الله بن أبى حدرد، وهى أسلمية، ويقال: كنيتها أم محمد، توفيت أم الدرداء فى
حياة أبى الدرداء، وفى التاريخ فى ترجمة أم الدرداء الصغرى هجيمة أنها روت عن
أبى الدرداء، وأبى هريرة، وعائشة، وكانت زاهدة فقيهة، وفى تاريخ دمشق أن أم
الدرداء الصغرى، قالت لأبى الدرداء عند الموت: إنك خطبتنى إلى أبوى فى
الدنيا فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك فى الآخرة. قال: فلا تنكحى بعدى،
فخطبها معاوية بن أبى سفيان، فأخبرته بالذى كان، فقال: عليك بالصوم ، وفى
رواية: أن معاوية خطبها بعد وفاة أبى الدرداء، فقالت: قال أبو الدرداء: قال رسول
الله وَريّة: ((المرأة لزوجها الأخير))، فلست بمتزوجة بعد أبى الدرداء زوجا حتى
٢٩٩
كتاب الجهاد
أتزوجه فى الجنة. وفى رواية: خطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا فى
الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله تعالى فى الجنة. وفى رواية: لست أريد
بأبى الدرداء بدلا، وروينا فى المستصفى عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كانت أم
الدرداء هجيمة تقيم ببيت المقدس وبدمشق ستة أشهر (١)]. [١٤٦/ ب]
قوله وَّ: ((من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه
رباط سنة)) الحديث، وتقدم معنى الرباط، والسواحل جمع ساحل، والظاهر
من كلام الإمام مالك أن السواحل سواحل البحر وأن الثغور هي المعدة
الإقامة المرابطين القاطنين بها بأهاليهم وأولادهم وغير ذلك كالاسكندرية
ودمياط وعسقلان وصيدا وبيروت وأذنة وطرابلس وأنطاكية وطرسوس
وقزوين والأندلس وغير ذلك من الثغور.
١٩٠٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّهُ عَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ من مَاتَ مرابطا فِي
سَبِيل الله أجري عَلَيْهِ أجر عمله الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يعْمِل وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه
وَأَمن من الفتان وَبَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة آمنا من الْفَرْعِ الْأَكْبَرِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه
بِإِسْنَاد صَحِيح (٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٥٩/٢-٣٦٢).
(٢) ابن ماجه (٢٧٦٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٧)، وأحمد (٩٢٤٤)، وعبد الرزاق
(٩٦٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٩٥)، والبزار (١٦٥٥)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٠٠/٨).
وقال البوصيري في الزوائد (٣٩١/٢)، هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. وصححه
الألباني في صحيح الجامع (٦٥٤٤).
٣٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أطول مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ والمرابط إِذا مَاتَ فِي رباطه
كتب لَهُ أجر عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وغدي عَلَيْهِ وريح برزقه ويزوج سبعين
حوراء وَقيل لَهُ قف اشفع إِلَى أَن يفرغ من الحساب وَإِسْنَاده مقارب(١).
١٩٠٣ - وَعَن وَائِلَة بِن الْأَسْقَعِ رَوَهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ من سنّ سنة حَسَنَة
فَلهُ أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاته وَبعد مماته حَتَّى تَتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ
إثمها حَتَّى تَتْرك وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله جرى عَلَيْهِ عمل المرابط فِي
سَبِيلِ الله ◌َتَّى يَبْعَثِ يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِسْنَاه ◌َا بَأْس بِهِ(٢).
١٩٠٤ - وَعَن أنس ◌َّ الَّهُ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله وَّةِ عَن أجر الرِّبَاطِ فَقَالَ من
رابط لَيْلَة حارسا من وَرَاء الْمُسلمين كَانَ لَهُ أجر من خَلفه مِمَّن صَامَ وَصلى
رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَاد جيد (٣).
١٩٠٥ - وَعَن جَابرِ رَظَهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّلِ يَقُول من رابط يَوْمًا فِي
سَبِيل الله جعل الله بَينِه وَبَين النَّار سبع خنادق كل خَنْدَق كسبع سموات وَسبع
أَرضين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده ◌َا بَأْس ◌ِهِ إِن شَاءَ الله وَمَتنه غَرِيب (٤).
(١) الطبراني في الأوسط (٣٢٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٣/٥)، رواه الطبراني في
الأوسط عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي، قال الذهبي: مقارب الحديث، وضعفه النسائي.
(٢) الطبراني في الكبير (١٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦٨/١)، ورجاله موثقون.
(٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٠٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٩/٥)،
ورجاله ثقات.
(٤) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٨٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٩/٥)، وفيه
عيسى بن سليمان أبو طيبة، وهو ضعيف، وقال الشيخ الألباني في حاشية، ضعيف
الترغيب: فقه عند الطبراني أبو طيبة عيسى بن سلميان، وهو ضعيف كما قال الهيثمي،