النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كتاب الصدقات
قَالَ الْحَافِظِ رُوِيَ هَذَا الحَدِيث بِرَفْع الله ويرفع النَّاس وَرُوِيَ أَيْضا بنصبهما
وبرفع الله وَنصب النَّاس وَعَكسه أَربع رِوَايَات.
قوله: وعن أبي هريرة زَقَّاته، تقدم الكلام على أبي هريرة وعلى معنى
الحديث في الأحاديث قبله وقد ضبطه الحافظ(١).
قوله وَلايلي: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) فقال: برفع الله ورفع الناس
وروي أيضا بنصبهما وبرفع الله وبنصب الناس وبعكسه أربع روايات أ.هـ.
فائدة: قوله ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) قال الحافظ (٢): في هذا
الحديث نكتة حسنة وهي التنبيه بالأدنى على الأعلى وذلك أن الذي يفعل
الإحسان من الخلق يحتاج إلى المكافأة والله تعالى غني عنها فإذا كان
المنعم عليه لا يكافئ بالشكر من هو محتاج إليه فلأن لا يشكر غير المحتاج
أولى(٣) والله أعلم قاله ابن العماد في شرح العمدة.
١٤٣٨ - وَرُوِيَ عَن طَلْحَة يَعْنِي ابْن عبيد الله رَوَ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَه
من أولي مَعْرُوفا فليذكره فَمن ذكره فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ(٤). وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مِن حَدِيث عَائِشَة ◌َّهَا (٥).
(١) أى المنذرى.
(٢) كذا هو في المخطوط ومحله الفقرة السابقة.
(٣) انظر معالم السنن (١١٣/٤)، والنهاية (٤٩٣/٢-٤٩٤).
(٤) الطبراني في المعجم الكبير (٢١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨١/٨)، وفيه من
لم أعرفهم، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٤).
(٥) ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (٧٩).

٦٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وروي عن طلحة يعني ابن عبيد الله نَّهُ، هو: أبو محمد طلحة بن
عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن
لؤي بن غالب القرشي التيمي المكي المدني وأمه الصعبة بنت الحضرمي
أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت وأسلم الحضرمي عبد الله بن
عماد بن البرء وعماد بالميم وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد
الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق وأحد الستة أصحاب
الشورى الذين توفي رسول الله وَّ وهو عنهم راض سماه رسول الله وَلخلقه
طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا
ولكن ضرب له رسول الله وَل بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما
بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال ذلك يوم كله كان لطلحة،
روي له عن رسول الله و ◌َلاه ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد
البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي
الآخر سنة ست وثلاثين وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعا وستين سنة،
وقيل: ثمانيا وخمسين، وقيل: ثنتين وستين، وقيل: غير ذلك، وقبره بالبصره
مشهور يزار ويتبرك به(١) وكان طلحة ثبت مع رسول الله وَّه ووقاه بيده
ضربة قصد بها فشكت يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أوجب
طلحة)) وآخِي رسول الله وَّ بينه وبين سعد بن أبي وقاص، وذكر ابن قتيبة في
(١) سبق الكلام عن النهي بتبرك القبور وأنها بدعة وقد يكون شركا.

٦٢٣
كتاب الصدقات
المعارف(١): أن طلحة دفن بقنطرة قرة فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة
في المنام فشكى إليها النز فأمرت به فأخرج طريا فدفن في داره في الهجرتين في
البصرة وذكر غيره أنهم حين حولوه قال الراوي كأني أنظر إلى الكافور في
عينيه لم يتغير إلا عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي
الأرض من نز الماء فاشتروا له دارا من دور أبي بكرة بعشرة آلاف درهم قال:
ولطلحة عشر بنين وأربع بنات وهم: محمد وموسى وعيسى وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة
ومريم والصعبة(٢).
قوله {وَالَ: ((من [١٠٩/ أ] أوليَ معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره))
تقدم ذكره.
١٤٣٩ - وَعَنِ النُّعْمَان بن بشير رَّ الَّا قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ نَّهِ من لم يشْكر
الْقَلِيل لم يشْكر الْكثير وَمن لم يشْكر النَّاس لم يشكر الله والتحدث بِنِعْمَة الله شکر
وَتركها كفر وَالْجَمَاعَة رَحْمَة والفرقة عَذَاب رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده
بِإِسْنَادِ لَا بَأس بِهِ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناعِ الْمَعْرُوف بِاخْتِصَار (٣).
(١) المعارف (ص: ٢٢٩)،
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٥١/١-٢٥٣ ترجمة ٢٧٠).
(٣) عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٩٣٥١)، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (٧٨)،
والبزار (١٦٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢١٧/٥)، رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني، ورجالهم ثقات، وحسنه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٦).

٦٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن النعمان بن بشير رَّاًّا، تقدم ذكره في وصل الصفوف.
قوله وَّة: ((من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم
يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر)) الحديث تقدم معنى الشكر.
١٤٤٠ - وَعَن أنس ◌َِّيَّ قَالَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُول الله ذهب الْأَنْصَار
بِالْأَجْرِ كُله مَا رَأينَا قوما أحسن بذلا لكثير وَلَا أحسن مواساة فِي قَلِيل مِنْهُم
وَلَقَدِ كَفونا الْمُؤْنَة قَالَ أَلَيْسَ تثنون عَلَيْهِم بِهِ وتدعون لَهُم قَالُوا بِلَى قَالَ فَذَاك
بِذَاكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ (١).
قوله: وعن أنس بن مالك زقاق تقدم الكلام علیه.
قوله: قالت المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله،
المهاجرون الأولون الذي هاجروا قبل قدوم النبي ◌َّ المدينة والأنصارهم
الذين آووا رسول الله وَّله [ونصروه وبذلوا له أنفسهم وأموالهم أوان
الضعف والعسرة (٢)].
(١) أبو داود (٤٨١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٧).
(٢) تحفة الأبرار (٥٧٥/٣)

٦٢٥
كتاب الصيام
كتاب الصيام
تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في أوائل هذا التعليق.
الصوم الترغيب في الصوم مطلقا
وما جاء في فضله وفضل دعاء الصائم
فالصيام لاسمه معنيان، أحدهما لغوي، والآخر شرعي تعبد الله به عباده،
فأما معنى الصيام في اللغة فالإمساك مطلقا عما يصنعه الإنسان وغيره من
حركة أو كلام أو أكل أو شرب أو مشي ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا
أمسك عما يصنعه سمي صائما في اللغة، ودليل ذلك قوله تعالى حاكيا عن
مريم عليها السلام: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾(١) أي إمساكا عن الكلام،
وقال المفسرون (٢): أى صمتا، وتقول العرب: خيل صائمة إذا كانت قائمة
دون أكل ولا رعي، يقال صام الفرس إذا ثبت قائماً (٣). قاله في العلم
(٤)
المشهور
٠
والصيام في الشريعة: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع
(١) سورة مريم، الآية: ٢٦.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣٢٦/٣).
(٣) التمهيد (٣٧/٢).
(٤) العلم المشهور (لوحة ١١٥).

٦٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفجر إلى غروب الشمس (١) فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيا فلا
فطر ولا قضاء(٢) للحديث وهو قوله ◌َّة: ((من نسي وهو صائم فأكل أو
شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه))(٣)، وقال أهل المعرفة: الصوم
ثلاثة، صوم العام وصوم الخاص وصوم الأخص، فصوم العام ترك الأكل
والشرب والوقاع وصوم الخاص مخالفة الجوارح والأعضاء وأن يعفو عمن
ظلمه ويكف لسانه عن أهل القبلة (٤).
١٤٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ قَالَ الله عز وجل كل
عمل ابن آدم لَهُ إِلَّ الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنَا أجزي بِهِ وَالصِّيَام جنَّة فَإِذا كَانَ يَوْم
صَوْم أحدكُمْ فَلَا يُرْفث وَلَا يصخب فَإِن سابه أحد أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم
إِنِّي صَائِم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح
الْمسك للصَّائِمِ فرحتان يفرحهما إِذا أفطر فَرح بفطره وَإِذا لَقِي ربه فَرح
بصومه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَمُسلم (٥).
(١) التمهيد (٣٨/٢) والعلم المشهور (لوحة ١١٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣٥/٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٣٣) و(٦٦٦٩)، ومسلم (١٧١ - ١١٥٥) عن أبي هريرة.
(٤) انظر إحياء علوم الدين (٢٣٤/١)، ومنهاج القاصدين (١٨٩/١). وزادا: وأما صوم
خصوص الخصوص: صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى،
و کفه عما سوى الله تعالی بالكلية.
(٥) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، وأحمد (٧٦٩٣).

٦٢٧
كتاب الصيام
١٤٤٢- وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيّ يتْرِكِ طَعَامِه وَشَرَابه وشهوته من أجلي
الصّيام لي وَأَنَا أجزي بِهِ والحسنة بِعشر أَمْثَالِهَا(١).
قوله: عن أبي هريرة زَقْطَّهُ، تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وَّر: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم)) الحديث، هذا حديث شريف
رواه رسول الله وَّ عن رب العالمين وأجمع المسلمون على صحته أخرجه
البخاري بهذا النص.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في شرح مسلم (٢): اختلف العلماء في معنى
هذا على أقوال، أحدها: أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها فتكون لهم إلا
الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص لأن حال الممسك شبعا كحال
الممسك تقربا، وارتضاه المازري؛ ثانيها: أن أعمال بني آدم كلها لهم فيه
حظا إلا الصيام فإنه لا حظ لهم فيه قاله الخطابي (٣)، وثالثها: أن أعمالهم هي
أوصافهم ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه استغناء عن الطعام وذلك من
خواص أوصاف الحق سبحانه وتعالى؛ ورابعها: ان أعمالهم مضافة إليهم
إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا كما قال بيتي وعبادي؛
وخامسها: أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة [فيما عليهم] إلا الصيام فإنه
لله تعالى ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن تأخذ منه شيئا قاله ابن
(١) البخاري (١٨٩٤).
(٢) المفهم (١٠/ ١ - ٣).
(٣) أعلام الحديث (٢ / ٩٤٦).

٦٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
العربي (١)، وقد كنت أستحسنه إلى أن فكّرت في حديث المُقاصَّة الذي في
صحيح مسلم فوجدت فيه ذكر الصوم من جملة الأعمال المذكورة للأخذ
منها فإنه قال: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع، فقال: ((المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي
قد شتم هذا وقذف هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته
وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه [١٠٩/ ب] أخذ
من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))(٢) وهذا يدل على أن الصوم
يؤخذ كسائر الأعمال (٣)؛ وسادسها: ان الأعمال كلها ظاهرة للملائكة
فتكتبها إلا الصوم فإنما هو نية وإمساك فالله يعلمه ويتولى جزاؤه قاله أبو
عبيد، وسابعها: أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها وتضعيفها إلا
الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا سياق الراوية الأخرى التي
فيها ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف))
قال الله تعالى ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) يعني والله أعلم أنه يجازي
عليه جزاء كثيرا من غير أن يعين مقداره ولا تضعيفه وهذا كما قال الله تعالى:
(١) ينظر المفهم (٢/١٠)، وشرح الالمام (٣/ ١٦١).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩-٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨) عن أبي هريرة.
(٣) قال الحافظ ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل
له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: كل العمل كفارة
إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به انظر: فتح الباري (١٠٩/٦).

٦٢٩
كتاب الصيام
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(١) وهم الصائمون في أكثر
أقوال المفسرين وهذا قول ظاهر الحسن والله أعلم أ.هـ
قوله وَليلة: ((إلا الصوم فإنه لي)) الحديث، قال النووي (٢): اختلف العلماء
في معنى إضافة الصوم إلى الله تعالى مع كون جميع الطاعات لله تعالى،
فقيل: سبب ذلك أنه لم يعبد أحد غير الله تعالى به فلم تعظم الكفار في عصر
من الأعصار معبودا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة
والسجود والصدقة والذكروغير ذلك، وقيل: لأن الصوم يبعد من الرياء
لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرها من العبادات
الظاهرة وارتضاه المازري وتقدم، وقيل: معناه أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه
وتضعيف حسناته وغيره ذلك من العبادات أظهر الله سبحانه وتعالى بعض
مخلوقاته أ.هـ.
فقد أكثر الناس في [تأويل] هذا الحديث وأنه لم خص الصيام والجزاء
عليه بنفسه عز وجل وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه وذكروا فيه
وجوها مدار كلها على أن الصوم سر بين الله تعالى والعبد لا يطلع عليه سواه
ولا يكون العبد حقيقة صائما إلا وهو مخلص في الطاعة، وأحسن ما سمعت
في تأويل هذا الحديث ان جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله تعالى
من صلاة وحج وصدقة واعتكاف وتبتل ودعاء وقربان وهدي وغير ذلك من
(١) سورة الزمر، الآية: ١٠.
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/٨).

٦٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنواع العبادات قد عبد المشركون بها آلهتهم وما كانوا يتخذونه من دون الله
أندادا ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان
المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ولا تقربت إليها به ولا عرف الصوم في
العبادات إلا من جهة الشرائع فلذلك قال الله تعالى: ((الصوم لي وأنا أجزي
به)) أي لم يشاركني فيه أحد ولا عبد به غيري فأنا حينئذ أجزي به وأتولي
الجزاء عليه بنفسي ولم آكله إلى أحد من ملك مقرب أو غيره على قدر
اختصاصه بی قاله ابن الأثير(١)، أ.هـ.
وذكر أبو الخير الطالقاني: فيه خمسة وخمسين قولا، قال الشيخ: من
أحسنها قول سفيان بن عيينة ناهيك به أن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع
أعماله [إلا] الصوم [فلا سبيل لهم عليه] فإنه لله تعالى (٢) [وقيل هي إضافة
تشريف] وذلك من قول [الله تعالى ناقة الله مع أن العالم كله لله تعالى] والله
أعلم؛ وفي هذا الحديث: بيان عظيم فضل الصوم والحث عليه (٣).
قوله {وَله: ((وأنا أجزي به)) ففيه بيان لعظيم فضله وكثرة ثوابه لأن الكريم إذا
أخبر أنه يتولى الجزاء بنفسه اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء(٤)[ودليل على
أن جزاءه موكول إلى علم الله تعالى وأنه لا يدخل تحت إحاطة البشر(٥)].
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٧٠/١-٢٧١).
(٢) البدر المنير (٦٩٥/١)، والنجم الوهاج (٣٥٣/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٩/٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢٩/٨).
(٥) طرح التثريب (١٠٢/٤).

٦٣١
كتاب الصيام
قوله وَيّ: ((والصيام جنة)) قد ضبطه الحافظ(١): الجنة وفسرها فقال الجنة
ما يجنك أي يسترك ويقيك مما تخاف، وقال: معنى الحديث أن الصوم
يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي وقال في شرح المشارق: الجنة
الترس مأخوذ من الجن وهو الستر جعل الصيام جنة لأنه يقي صاحبه ما
يؤذيه من الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام
منقصة للإيمان، لهذا قال النبي ◌َّجر [١١٠/أ] ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من
بطنه))(٢) فإن من امتلأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته لما يستولي
على معادن إدراكه من الأبخرة المتصاعدة من معدته إلى دماغة فلا يتأتي له
نظر صحيح ولعله يقع في مداحض فيزيغ عن الحق كما أشار إليه صلوات الله
عليه في قوله وَّله: ((لا تشبعوا فتطفئوا أنوار المعرفة من قلوبكم)) (٣) كذا في
شرح القاضي البيضاوي(٤)، وذكر في جمل الغرائب: الصوم جنة أي من النار
أو من المعاصي لكسر الشهوة أو جنة عن اللغو والغيبة فالصائم يجتن
بصومه عنهما والجنة جمع جنن(٥).
(١) أى المنذری.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٣٨٠) وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦) عن
المقدام بن معدى كرب. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٨٣)، الصحيحة (٢٢٦٥).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩ / ٤٤٧) من طريق عمرو بن عمر عن إسحاق بن
نوح عن مكحول عن أبي هريرة. وإسناده واه جدا.
(٤) تحفة الأبرار (٦٧/١-٦٨).
(٥) جمل الغرائب (ص ٤١٣).

٦٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َ ◌ّ: ((فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث)) الرفث: قال الحافظ(١)
بفتح الفاء والراء ويطلق ويراد به الجماع ويطلق ويراد به الفحش ويطلق
ويراد به [خطاب] الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع وقال كثير من العلماء:
إن المراد به [فى هذا] الحديث الفحش وردئ الكلام أ.هـ.
وقال القاضي عياض(٢): يرفث بضم الفاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات
حكاها في المشارق والمراد به الفحش من القول وقال صاحب العلم
المشهور (٣): الرفث في كلام العرب على وجهين أحدهما: الجماع والآخر
الكلام القبيح والفحش من المقال والتشاتم والخنا والتلاعن ونحو ذلك من
قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام ومنه اللغو كله والباطل والزور(٤) وقال أبو
عبيد: اللغو كل شيء من الكلام ليس بحسن والفحش أشد من اللغو(٥)، أ.هـ.
وقوله وَله: ((ولا يصخب)) هذا هو بالصاد هو هنا بالصاد ويقال أيضا
بالسين والصاد وهو الصياح(٦)، وقال في العلم المشهور(٧): والصخب
ارتفاع الأصوات واختلاطها وصواب كتبه بالصاد وضعف الخليل من كتبها
(١) أى المنذرى كما بعد حديث ١٤٤٧.
(٢) مشارق الأنوار (٢٩٦/١).
(٣) العلم المشهور (لوحة ١٢٢ و١٢٣).
(٤) التمهيد (٥٤/١٩-٥٥).
(٥) الاستذكار (٢٠/٢) والتمهيد (٣٢/١٩).
(٦) مشارق الأنوار (٢٠٩/٢)
(٧) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).

٦٣٣
كتاب الصيام
بالسين(١) والله اعلم، قال القاضي عياض (٢): ورواه الطبري(٣) ((يسخر))
بالراء، قال: ومعناه: صحيح لأن السخرية تكون بالقول والفعل وكله من
الجهل قال بعض العلماء: قلت هذه الرواية تصحيف وإن كان لها معنى (٤).
قوله وَله: ((فإن سابه أحد أو قاتله)) قال القاضي عياض(6): قوله ((أو قاتله))
قاتله)) معنى قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه وقد جاء القتل
بمعنى اللعن وقال ابن عبد البر(٦): المعنى في المقاتلة مقاتلته بلسانه.
قوله وَاللّه: ((فليقل إني صائم إني صائم)) الحديث، ذكر العلماء فيه تأويلين
أحدهما وبه جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة أنه يقول في قلبه لا بلسانه
بل يحدث نفسه بذلك ويذكرها أنه صائم لا يليق به الجهل والمشاتمة
لينزجر بذلك(٧) فنهى الشارع ◌َّة الصائم عن مقاتلة من قاتله بلسانه
ومشاتمة من شاتمه لصونه صومه عن ذلك على ما ورد به هذا الحديث
المجمع على صحته (٨).
(١) مشارق الأنوار (٤٠/٢).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١١٠/٤).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) قاله النووي كما في شرح مسلم (٣١/٨).
(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤ /١٠٩).
(٦) الاستذكار (٣٤٧/٣) التمهيد (٥٥/١٩).
(٧) طرح التثريب (٤ /٩٣).
(٨) التمهيد (٥٥/١٩).

٦٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال في العلم المشهور(١): ولا يظهر قوله ((إني صائم)) لما فيه من الرياء
وإطلاع الناس على عمله لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر ولذلك يجزي الله
جل ثناؤه الصائم أجره بغير حساب (٢)؛ الثاني: أنه يقوله بلسانه ويسمعه صاحبه
ليزجره عن نفسه(٣)، وقال في العلم المشهور: أي صومي يمنعني من مجاوبتك
لأنى أصون صومي عن الخنا والزور من القول فبهذا أمرت، ولولا ذلك
لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي (٤) وهذا رجحه النووي في الأذكار وغيرها(٥)
وغيرها(٥) فقال إنه أظهر الوجهين، وقال في شرح المهذب (٦): التأويلان حسنان
حسنان والقول باللسان أقوى ولو جمعهما كان حسنا انتهى، وحكي الروياني في
البحر (٧) وجها واستحسنه أنه إن کان صوم رمضان فيقوله بلسانه وإن كان نفلا
فبقبله(٨).
واعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس
مختصا به بل كل أحد مثله [١١٠ / ب] في أصل النهي عن ذلك لكن الصائم
(١) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).
(٢) الاستذكار (٣٧٤/٣)، والتمهيد (٥٦/١٩).
(٣) طرح التثريب (٩٣/٤).
(٤) قاله ابن عبد البر في الاستذكار (٣٧٤/٣) والتمهيد (١٩ /٥٥).
(٥) الأذكار (ص ٣٣٠)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٢٧)
(٦) المجموع شرح المهذب (٣٥٦/٦)
(٧) بحر المذهب (٢٩٤/٣).
(٨) طرح التثريب (٤/ ٩٣).

٦٣٥
كتاب الصيام
أكد (١) والله أعلم.
واختلف إذا سب الصائم أحدا او اغتابه فالجمهور(٢) أن ذلك ليس
بمفسد الصوم، وذهب الأوزاعي إلى ان ذلك مفطر مفسد وبه قال الحسن
البصري فيما أحسب قاله القرطبي (٣).
قوله وُّية: ((والذي نفس محمد بيده)) تقدم الكلام على ذلك وأن فيها
تأويلين للعلماء ففيه من الفقه معرفة يمين رسول الله وَّي وأنه كان يحلف
على ما يريد بالله تعالى وقد جاء عنه في غير ما حديث وفيه رد على من قال:
لا يحلف أحد بالله صادقا ولا كاذبا وفي رسول الله وَلّة الأسوة الحسنة مع ما
صح عنه أنه قال: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) وإنما يحرم
الاستخفاف والحنث وفيه إشارة إلى التوحيد الخالص وأنه لا حكم عليه إلا
حكم الله تعالى وحده أ.هـ، قاله في العلم المشهور (٤).
قوله وَّل: ((لخلوف [فم] الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))
(١) شرح النووي على مسلم (٢٨/٨-٢٩).
(٢) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢٧٦/٢) شرح مختصر الطحاوي للجصاص
(٣٩٩/٢) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (١٧٢/٣) نهاية
المحتاج إلى شرح المنهاج (١٤٨/٣) مغني المحتاج (٤٢٠/١) المحلى بالآثار
(٤١٥/٣).
(٣) المفهم (١٠ /٤).
(٤) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).

٦٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث، الخلوف ضبطه الحافظ (١) بضم الخاء المعجمة واللام وفسره
فقال هو تغير رائحة الفم من الصوم أ.هـ، وهذا الذي ضبطه المنذري قال
النووي (٢) هو الصواب وهو الذي ذكره الخطابي(٣) وغيره من أهل الغريب
وهو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريح كريهة لخلو المعدة من الطعام فهو
مصدر خلف فمه يخلف خلوفا على وزن قعد يقعد قعودا بضم الخاء ولا
يجوز فتحها هو مأخوذ من قولهم خلف اللبن وأخلف إذا تغيرت رائحته أ.هـ
وكثير من المحدثين يفتحون الخاء وهو غلط والمعنى يفسد به فإن
الخلوف بفتح الخاء هو الشخص الذي يكثر خلفه في موعده قاله الخطابي (1)
وهو خطأ عند أهل العربية وأما صاحبا المشارق والمطالع (٥) فقالا بضم
الخاء. اختلف العلماء في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد
الاتفاق على أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار
الروائح الخبيثة الكريهة فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل
إلى شيء فتستطيبه وتنفر من شيء فتستقذره فالله تعالى مقدس(٦) على أقوال
(١) أى المنذرى.
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/٨ -٣٠).
(٣) أعلام الحديث (٢/ ٩٤٠) وغريب الحديث (٢٣٩/٣).
(٤) إصلاح غلط المحدثين (ص ٤٤) وغريب الحديث (٢٣٩/٣).
(٥) مشارق الأنوار (٢٣٩/١)، ومطالع الأنوار (٢/ ٤٤٨).
(٦) المعلم (٢ / ٦١).

٦٣٧
كتاب الصيام
أقوال أحدها: قال المازري (١) هو مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب
الروائح الطيبة منا فاستعير بذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى، أهـ، فيكون
المعنى: ان خلوف فم الصائم اطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي أنه
يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وذكر ابن عبد البر (٢)، نحوه، الثاني:
أن معناه أن الله تعالى يجازيه به في الآخرة أي ثوابا عظيما فتكون نكهته أطيب
من ريح المسك كما قال ◌َّة في الشهيد: ((اللون لون الدم والريح ريح
المسك)) حكاه القاضي عياض(٣)، الثالث: قال صاحب المفهم(٤): يحتمل
ان يكون ذلك في حق ملائكة الله تعالى يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما
يستطيبون ريح المسك وإن كانت رائحة الخلوف عندنا بخلافه، الرابع: أن
المعنى أن صاحب الخلوف هو تغير رائحة الفم أكثر ثوابا من المسك حيث
ندب في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير قاله
الداودي من المغاربة وابن العربي(٥) وصاحب المفهم وبعض أصحابنا(٦)،
أصحابنا(٦)، قال النووي(٧): إنه الأصح وقال عالم المغرب وقاضيها: قال
(١) المعلم (٢/ ٦١ -٦٢).
(٢) الاستذكار (٣٥٧/٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥٧/١٩).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١١٢).
(٤) المفهم (١٠ / ٥).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١٠٨/١)، وعارضة الأحوذي (١٤٩/١).
(٦) المجموع (١ /٢٧٨)، وطرح التثريب (٤ /٩٦)
(٧) انظر: شرح النووي على مسلم (٣٠/٨).

٦٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعض أهل العلم إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان لا ينبغي له أن
يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير أطيب يوم
القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء إن دمائهم في كلومهم فإن الشهيد
يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب بالثاء المثلثة والباء الموحدة أي يسيل اللون
لون دم والریح ريح المسك(١) قاله ابن عقيل، أ.هـ.
لطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى قاله
[١١١ / أ] عالم المغرب وقاضى القضاة بها أبو موسى عيسى بن عمران أن
وجه التمثيل أن المسك أطيب الطيب كما ثبت عن رسول الله (وَ ﴾ فالصيام
أفضل العبادات لأن العبد أطاع فيه ربه وعصى الشيطان بقطع الشهوات التى
هي سبب تسلطه عليه فمعنى قوله وقّ ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من
ريح المسك)) أي أرضي عند الله تعالى وأحب من ريح المسك عند
الخلق(٢)، وهذه الرائحة إنما هي في عرصات القيامة يشمها الخلائق تنويها
من الله جلت قدرته بالصائمين فتبين أن هذه الرائحة المكروهة في الدنيا
تنقلب في القيامة أطيب من ريح المسك، على ما أخبرنا الصادق الأمين
والحق والصدق في ذلك الخبر كما ثبت في جميع المصنفات من رواية
الثقات الأثبات أن الشهيد يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم
والريح ريح مسك؛ يثعب: أي ينفجر والفرق بين الرائحتين فيما نص النبي
(١) انظر: عارضة الأحوذي (١٠٠/١)، وطرح التثريب (٤ /٩٧).
(٢) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).

٦٣٩
كتاب الصيام
وَّ وفهمته العلماء في الإشارة إليه فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
ودم الشهيد ريحه ريح المسك، والأطيبية التي في فم الصائم هي الخصوصية
التي يمتاز بها عن دم الشهيد في اليوم المشهود بين يدي العزيز الحميد
فحصل الفرق بينهما في الرائحة غير بعيد ولم أر أحدا سبقني إلى ذلك أ، هـ
قاله في العلم المشهور(١).
وقال في شرح الإلمام(٢) في قوله: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من
ريح المسك)) أي أفضل في حكم الله وأقرب إلى رضاه وأرجح في الميزان من
ريح المسك الذي يستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله تعالى حيث
[ندب إلى أنبذ الرائحة الكريهة وملابسة الرائحة الطيبة كما في المساجد
والصلوات وغيرها أ.هـ.
فائدة: قال بعض أهل العلم: إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان
لا ينبغي له أن يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير
أطيب يوم القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء: ((زملوهم في كلومهم
ودمائهم فإن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب)) (٣) بالثاء المثلثة والباء
الموحدة أي يسيل واللون لون دم والريح ريح المسك، قاله ابن عقيل، أ.هـ.
لطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى أن
(١) العلم المشهور (لوحة ١٢٣-١٢٤).
(٢) شرح الالمام (٢١٩/٣-٢١٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٥٩)، و الشافعي في المسند ٢٠٤/١-٢٠٥، وسعيد بن منصور في
السنن (٢٥٨٣)، والبيهقي في السنن ١١/٤.

٦٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الصيام لما كان سرا بين العبد وربه في الدنيا أظهره الله تعالى في الآخرة علانية
للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء
لاخفائهم صيامهم في الدنيا(١).
لطيفة أخرى: في المعنى أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا
بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير
مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته
وابتغاء مرضاته فإخباره بذلك العاملين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم لئلا يكره
منهم ما وجد في الدنيا والله أعلم (٢).
تنبيه: هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((لخلوف فم الصائم))
الحديث ... (٣).
تنبيه: احتج أصحابنا بهذا الحديث على كراهة السواك للصائم بعد الزوال
لما فيه من إزالة الخلوف الذي هذه صفته وفضيلته وإن كان السواك فيه فضل
أيضاً إلا أن فضيلة الخلوف أعظم قالوا كما أن دم الشهيد مشهود له بالطيب
ويترك له غسل الشهيد مع أن غسل الميت واجب فإذا ترك الواجب
للمحافظة على بقاء الدم المشهود له بالطيب فترك السواك الذي ليس هو
(١) لطائف المعارف (ص ١٦١).
(٢) لطائف المعارف (ص ١٦٢).
(٣) بياض في الأصل بمقدار سطر.