النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب الصدقات فيمسك الله فضله وثوابه عنك(١) وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كمال قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾(٢) ومعناه: يمنعك الله كما منعت ويقتر عليك كما قترت ويمسك فضله عنك كما أمسكت، وقيل: معنى ولا تحصي أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع انفاقك(٣) والإحصاء للشيء معرفته قدرا أو وزنا أو عدا(٤) ومعنى ما ذكر أنك إذا فعلت ذلك جوزيت عليه بنسبة ما فعلت(٥)، والله أعلم. ١٣٦٥ - وَعَنْ بِلَال ◌ََّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ◌َهِ يَا بِلَال مت فَقِيراً وَلَا تمت غَنِيا قلت وَكَيف لي بذلك قَالَ مَا رزقت فَلَا تخبأ وَمَا سُئِلت فَلَا تمنع فَقلت يَا رَسُول الله وَكَيف لي بذلك قَالَ هُوَ ذَاك أَو النَّارِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَأَبُو الشَّيْخِ ابْن حَيّانِ فِي كتاب الثَّوَابِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَاد وَعِنْدِه قَالَ لي الق الله فَقِيرًا وَلَا تَلقه غَنِيًا وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ(٦). قوله: وعن بلال نَظْمَهُ، تقدم الكلام على بلال. قوله ◌َّيّة لبلال: ((يا بلال مت فقيرا ولا تمت غنيا)) والفقير هو الذي لا (١) المفهم (٩/ ٤٢). (٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٤. (٣) شرح النووي على مسلم (١١٩/٧). (٤) مطالع اأنوار (٣٢٦/٢). (٥) المفهم (٩/ ٤٣). (٦) الطبراني في الكبير (١٠٢١)، والحاكم (٣١٦/٤)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: واه. ٥٠٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يملك شيئا وهو ضد الغني. ١٣٦٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌ََّّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ لَا حسد إِلَّ فِي اثْنَيْنِ رجل آتاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحِق وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَةٍ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيعلمِهَا. وَفِي رِوَايَة لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ أَنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْلِ وآناء النَّهَارِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ(١). وَالْمَرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا للمغبط وَهَذَا لَا بَأْس ◌ِهِ وَله نِيَّتَه فَإِن تمنى زَوَالَهَا عَنْهُ فَذَلِك حرَام وَهُوَ الْحَسَد المذموم. قوله: وعن ابن مسعود زَقُّهُ، تقدم الكلام عليه. قوله وَ له: ((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها))، وفي الرواية الأخرى: ((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار)) الحديث وقد فسر الحافظ: الحسد، فقال: والمراد بالحسد هنا الغبطة والإناء الساعات وتقدم الكلام على الحكمة وعلى ألفاظ الحديث في أوائل هذا التعليق. ١٣٦٧ - وَعَن طَلْحَة بن يحيى عَن جدته سعدى قَالَت دخلت يَوْمًا على طَلْحَة تَغْنِي ابْن عبيد الله فَرَأَيْت مِنْهُ ثقلا فَقلت لَهُ مَا لَك لَعَلَّه رَابَك منا شَيْءٍ فنعتبك قَالَ لا ولنعم حَلِلَة الْمَرْءِ الْمُسلم أَنَّت وَلَكِنِ اجْتمع عِنْدِي مَال وَلَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهِ قَالَت وَمَا يغمك مِنْهُ ادْعِ قَوْمك فاقسمه بينهم فَقَالَ بَا غُلَام عَليّ بقومي فَسَأَلت (١) البخاري (١٤٠٩)، ومسلم (٨١٦). ٥٠٣ كتاب الصدقات الخازن كم قسم قَالَ أَرْبَعمِاتَة ألف رَوَاهُ الطََّانِيّ بِإِسْنَاد حسن(١). قوله: وعن طلحة بن يحيى عن جدته سعدى قالت دخلت يوما على طلحة تعني ابن عبيد الله فرأيت منه ثقلا، كنيته: أبو محمد القرشي التيمي المكي المدني(٢) هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه: الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت، سماه رسول الله وَاله طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا لأنه كان حينئذ بالشام لكن ضرب له رسول الله وَل بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال: ذاك يوم كله كان لطلحة. وري له عن رسول الله وَ لاه ثمانية وثلاثون حديثا، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الأولى سنة ست وثلاثين وعمره أربع وستون سنة على الصحيح وقبره مشهور بالبصرة يزار ويتبرك به (٣)، ثبت مع النبي وَلاليوم أحد (١) الطبراني في الكبير (١٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨٨/١)، وفي معرفة الصحابة (٣٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٤٨/٩)، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٦) .. (٢) الاستيعاب: ٢٣٥/٥ - ٢٤٩، أسد الغابة: ٨٥/٣-٨٩، الإصابة: ٢٣٢/٥-٢٣٥ طبقات ابن سعد: ١٥٢/١/٣-١٦١، تهذيب الأسماء واللغات: ٢٥١/١، تهذيب الكمال: ٦٢٨، تاريخ الإسلام: ١٦٣/٢، العبر: ٣٧/١، تهذيب التهذيب: ٢٠/٥،، خلاصة تذهيب الكمال: ١٨٠. (٣) التبرك بالقبوربدعة ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيراً أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك == ٥٠٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ووقاه بيده وجاءته ضربة فاشلتها يومئذ(١) فقال وَليلةٍ: ((أوجب [طلحة]))(٢) أي وجبت له الجنة، قال ابن قتيبة: رأته ابنته عائشة بعد موته بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها أن ماء قرب منه فآذاه فامرت به فاستخرج طريًا ودفن في دار له بالبصره لم يتغير منه سوى عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من أثر الماء، وقيل: اشتروا له دارا بعشرة آلاف درهم ودفنوه بها وكان له عشر بنين سماهم بأسماء الأنبياء وكان له أربع بنات وهم محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سماني رسول الله صل يوم أحد طلحة الخير [ويوم العشير طلحة الفياض ويوم خيبر]طلحة الجود، وفي المستدرك عن سعدى المرية = حراما وشركاً أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُو بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبَِّةٌ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾ [المؤمنون: ١١٧]. (١) أخرج هذه الأخبار: البخاري (٣٧٢٢) و(٤٠٦٠) ومسلم (٤٧-٢٤١٤) عن أبي عثمان قال: (لم يبق مع النبي ◌َّ، في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله (وَّ) غير طلحة، وسعد عن حدیثهما. وأخرجه البخاري (٣٧٢٤) و(٤٠٦٣) وابن ماجه (١٢٨) عن قيس، قال: ((رأيت يد طلحة شلاء وقی بها النبي (ێ يوم أحد)). (٢) أخرجه الترمذي (١٦٩٢) و(٣٧٣٨)، وابن حبان (٦٩٧٩). وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٤٥). ٥٠٥ كتاب الصدقات أنها دخلت على طلحة فوجدته مغموما فقالت: ما لك؟ قال: مال اجتمع عندي قلت:فأقسمه في أهلك وقومك ففعل فسألت الخازن كم قسم، قال: أربعمائة ألف درهم، وقال الواقدي(١): قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل قتله مروان وقيل [غيره وقتل] ابنه محمد السجاد [يوم الجمل أيضا] وكان الصحابة [٩٥/ ب] يتبركون به وبدعائه فذكر بسنده أنه قتل وفي يد خازنه ألف ألف ومائتا ألف وقومت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم، قال في [النهاية(٢)] ومنه الحديث أنه قال لطلحة: أنت الفياض سمي به لسعة عطائه وكثرته وكان قسم في قومه أربعمائة ألف وكان جوادا كما ذكر في ترجمته، قال ابن بطال (٣) يقال: فاض الإناء إذا امتلأ وأفاضه ملأه مشتق من الفيض بالفاء، ومنه الحديث في آخر الزمان يفيض المال فلا يجد الرجل من يقبل صدقته والظاهر أن فيضان المال كثرته بسبب نزول البركات وظهور الخيرات وقلة الرغبات لقصر الآمال ولعلمهم بقرب القيامة (٤). قولها: فقلت له ما لك لعلك رابك منا شيء فنعتبك، الحديث، يقال: رابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه، وهذيل تقول أرابني فلان(6) ومعناه أي شيء رابك من الريبة أي ما الذي کرهته. (١) الطبقات (٢١٤/٣-٢٢٥). (٢) النهاية (٣/ ٤٨٤). (٣) الكواكب الدراري (١٨٣/٧). (٤) الكواكب الدراري (٤٤/١١). (٥) جامع الأصول (١١ / ٥٠٢). ٥٠٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((ولنعم حليلة المرء المسلم أنت)) نعم تقال للمدح ويئس تقال للذم، والحليلة بالحاء المهملة هي الزوجة. ١٣٦٨ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّ نشر الله عَبْدَيْنِ من عباده أَكثر لَهما من المَالِ وَالْولد فَقَالَ لأَحَدهمَا أَي فلان ابْن فلان قَالَ لبيْك رب وَسَعْديك قَالَ ألم أَكثر لَك من المَالِ وَالْولد قَالَ بلَی أَي رب قَالَ وَكَيف صنعت فِيمَا آتَيتك قَالَ تركته لوَلَدِي مَخَافَة الْعِيلَة قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم الْعلم لضحكت قَلِيلا ولبكيت كثيرا أما إِن الَّذِي تخوفت عَلَيْهِم قد أنزلت بهم وَيَقُول للْآخر أَي فَلَان ابْن فَلَان فَيَقُول لبيْك أَي رب وَسَعْديك قَالَ لَهُ ألم أَكثر لَك من المَالِ وَالْولد قَالَ بِلَى أَي رب قَالَ فَكيف صنعت فِيمَا آتّيتك فَقَالَ أنفقت فِي طَاعَتك ووثقت لوَلَدي من بعدِي بِحسن طولك قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم العلم لضحكت كثيرا ولبكيت قَلِيلا أما إِن الَّذِي قد وثقت بِهِ أنزلت بهم رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الصَّغِيرِ والأوسط(١). الْعِيلَة بِفَتْحِ الْعين الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْيَاءَ هُوَ الْفقر. والطول بِفَتْحِ الطَّاء هُوَ الْفضل وَالْقُدْرَة والغنى. قوله: وروي عن ابن مسعود رقَّهُ، تقدم الكلام على ابن مسعود. قوله صلى الله عليه وسلم: ((نشر الله عبدين من عباده أكثر لهما من المال (١) الطبراني في الصغير (٥٩١)، والأوسط (٤٣٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٣/٣)، وفيه يوسف بن العز-وهو ضعيف -. ٥٠٧ كتاب الصدقات والولد)) الحديث، معناه أحياهما يقال أنشر الله الميت إنشارا فنشر نشورا، قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَا﴾(١) وقال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ ﴾﴾(٢) وقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾(٣): ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾(٤) والنشور الإحياء بعد الموت للبعث يوم القيامة. قوله: فقال لأحدهما أي فلان ابن فلان قال لبيك رب وسعديك، تقدم الكلام على التلبية. قوله: قال ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال وكيف صنعت فيما آتيتك قال تركته لولدي مخافة العيلة، الحديث، العيلة قد فسرها الحافظ (٥) وضبطها فقال هو الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (٦) وقد اتفق مثل هذا لعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين رئَّهُ فإنه لما حضرته الوفاة أحضر بنيه وهم أحد عشر ذكرا وأمر أن يجهز مما يخلف ثم تعطي زوجته ما يخصها وما بقي يفرق على بنيه فناب كل ابن دينار فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين لو وكلت أمرهم إلي فقال إن بنيى أحد (١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩. (٢) سورة عبس، الآية: ٢٢. (٣) سورة فاطر، الآية: ٩. (٤) سورة الملك، الآية: ١٥. (٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣). (٦) سورة التوبة، الآية: ٢٨. ٥٠٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب رجلين أن يكونوا صالحين الله يتولى الصالحين أو غير ذلك فلا أعينهم على معصية الله تعالى ولقد جهز بعد موته أحد بنيه مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله وأما مسلمة فإنه لما مات ناب كل واحد أحد عشر ألف دينار ولقد رُؤِيَ أحد بنيه يوقد في أتون الحمام، ذكر هذه الحكاية جماعة منهم القرطبي في تاريخه وذكره ابن النحاس في تاريخه(١) وغيره.(٢) قوله: للآخر أي فلان ابن فلان فیقول لبيك أي رب وسعديك قال له ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال فكيف صنعت فيما آتيتك فقال أنفقته في طاعتك ووثقت لولدي من بعدي بحسن طولك، قال الحافظ: الطول هو الفضل والقدرة والغنا. ١٣٦٩ - وَعَن مَالك الدَّار أَن عمر بن الخطاب رَ أَخذ أَرْبَعمِائَة دِينَار فَجَعلهَا فِي صرة فَقَالَ للغلام اذْهَبْ بهَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الجراح ثمَّ تله فِي الْبَيْتِ سَاعَة حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب بهَا الْغُلَامِ إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمِنِينَ اجْعَل هَذِهِ فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ وَصله الله ورحمه ثمَّ قَالَ تعالي يا جَارِيَة اذهبي بِهَذِهِ السَّبْعَةِ إِلَى فلان وبهذه الْخَمْسَةِ إِلَى فَلَان وبهذه الْخَمْسَةِ إِلَى فلان حَتَّى أنفذها وَرجع الْغُلَامِ إِلَى عمر فَأَخْبرُهُ فَوَجَدَهُ قد أعد مثلهَا لِمعَاذ بن جبل فَقَالَ اذْهَبْ بِهَا إِلَى معَاذ بن جبل وتله فِي الْبَيْت حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب (١) مصارع العشاق (ص ٣٠٠). (٢) مصارع العشاق (ص ٣٠٠)، وينظر: تاريخ الإسلام: ١٦٣/٢، العبر: ٣٧/١، العقد الثمين: ٦٨/٥ - ٦٩. ٥٠٩ كتاب الصدقات بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ رَحمَه الله وَوَصله تعالي يَا جَارِيَة اذهبي إِلَى بَيت فلان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيت فلان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيَت فلان بِكَذَا فاطلعت امْرَأَةً معَاذْ وَقَالَت نَحن وَالله مَسَاكِين فَأَعْطِنَا فَلم يبْقِ فِي الْخِرْقَة إِلَّا دِينَارَانِ فدحى بهما إِلَيْهَا وَرجع الْغُلَامِ إِلَى عمر فَأخبرهُ فسر بذلك فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَة بعضهم من بعض رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاتَه إِلَى مَالك الدَّارِ ثِقَات مَشْهُورُونَ وَمَالك الدَّار لَا أعرفهُ (١). تله: هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّةِ فَوق وَاللََّم أَيْضا وَتَشْديد الْهَاء أَي تشاغل. فدحی بهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي رمی بهما. قوله: وعن مالك الدار[هو مالك بن عياض المعروف بمالك الدار المدني مولى عمر بن الخطاب ويقال الجبلاني سمع أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وروى عنه أبو صالح السمان وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع وابناه عون بن مالك وعبد الله بن مالك وقدم مع عمر بن الخطاب الشام وشهد معه فتح بيت المقدس وخطبته بالجابية وقال أبو عبيدة: ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمى مالك الدار، وقال إسماعيل القاضي، عن علي بن المديني: كان مالك الدار خازنا لعمر (٢)]. (١) الطبراني في الكبير (٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢٣٧/١)، وابن المبارك في الزهد (٥١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٥/٣)، ومالك الدار لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. (٢) تاريخ دمشق (٥٦/ الترجمة ٧١٨٠)، والإصابة (٢١٦/٦). ٥١٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: أن عمر بن الخطاب رَّ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. قوله: تله، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال أي تشاغل. قوله: فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال للغلام: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلّه في البيت حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه [٩٧/ أ] في بعض حاجتك فقال رحمه الله ووصله تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ وقالت نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحى بهما إليها. قوله: ((دحى)) قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي رمي بهما إليها والله أعلم. ١٣٧٠ - وَعَن سهل بن سعد زَّ لَ قَالَ كَانَت عِنْدِ رَسُول الله ◌َّهِ سَبْعَة دَنَّانِير وَضعهَا عِنْد عَائِشَةٍ فَلَمَّا كَانَ عِنْد مَرضه قَالَ يَا عَائِشَة ابعثي بِالذَّهَبِ إِلَى عَليّ ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ وشغل عَائِشَة مَا بِهِ حَتَّى قَالَ ذَلِك مَرَارًا كل ذَلِك يغمى على رَسُول الله ◌َّه ويشغل عَائِشَة مَا بِهِ فَبعث إِلَى عَليّ فَتصدق بهَا وَأمسى رَسُول الله ێ فِي حَدِيد الْمَوْتِ لَيْلَة الِثْنَيّنِ فَأَرْسلت عَائِشَة بمصباح لَهَا إِلَى امْرَأَةً من نسائها فَقَالَت أهدي لنا فِي مصباحنا من عكتك السّمن فَإِن رَسُول الله ◌َّ أَمْسَى فِي حَدِيد الْمَوْتِ رَوَاهُ الطّبْرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ(١). (١) الطبراني في المعجم الكبير (٥٩٩٠)، وابن سعد في الطبقات (١٨٤/٢)، وقال الهيثمي في بـ ٥١١ كتاب الصدقات وَرَوَاهُ ابْن حَبَانِ فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَةٍ بِمَعْنَاهُ(١). قوله: وعن سهل بن سعد الساعدي رقََّه، تقدم الكلام على مناقبه في قيام الليل مبسوطا. قوله: وأمسى رسول الله وَله في حديد الموت ليلة الاثنين، حديد الموت هو [شدة الموت وكرباته وسكراته]. قوله: فأرسلت عائشة بمصباح لها إلى امرأة من نسائه فقالت أهدي لنا في مصباحنا من عكتك السمن فإن رسول الله وَر أمسى في حديد الموت، والمصباح السراج، سمي بذلك لأنه مطلب به الضياء وهو الصبح والصباح، والعكة: بضم العين وتشديد الكاف وهي وعاء من جلود مستدير يخص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص وقد تكرر في الحديث(٢) فإذا كان للخَلّ فهي زُكْرَة، فإذا استَطَالِ كَهَيْئَة الزِّقِّ، فإن كان لِلَّبَن فهي وَطْبٌّ، وللسَّمْن نِحْىٌّ، ولِلُّبِّ حَمِيثٌ (٣). ١٣٧١ - وَعَن عبد الله بن الصَّامِت قَالَ كنت مَعَ أبي ذَرِ نَّ الَ فَخرِج = مجمع الزوائد (١٢٣/٣)، رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٧). (١) ابن حبان (٣٢١٢)، وأحمد (٢٤٢٢٢)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٤٣٨)، وابن سعد في الطبقات (١٨٢/٢)، والحميدي (٢٨٣)، والبغوي في شرح السنة (١٦٥٢). (٢) النهاية (٣/ ٢٨٤) (٣) المجموع المغيث (٢/ ٤٨٧). ٥١٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب عطاؤه وَمَعَهُ جَارِيَة لَهُ قَالَ فَجعلت تقضي حَوَائِجه ففضل مَعهَا سَبْعَة فَأمرها أَن تشتري بِهِ فُلُوسًا قَالَ قلت لَو أَخَّرته للْحَاجة تنوبك أَو للضيف ينزل بك قَالَ إِن خليلي عهد إِلَيّ أَنْ أَتَّمَا ذهب أَو فضَّة أوكىء عَلَيْهِ فَهُوَ جمر على صَاحبه حَتَّى يفرغه فِي سَبِيل الله عز وَجل رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِیح(١). وَرَوَاهُ أَحْمَد أَيْضا وَالطَّبَرَانِيّ بِاخْتِصَارِ الْقِصَّة قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَهُ يَقُول من أوكى على ذهب أَو فضَّة وَلم يُنْفِقْهُ فِي سَبِيل الله كَانَ جمرا يَوْم الْقِيَامَة يكوى بِهِ هَذَا لفظ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله أَيْضا رجال الصَّحِيح (٢). [قوله]: وعن عبد الله بن الصامت [عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، روى عن: حذيفة بن اليمان، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمه أبي ذر الغفاري وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم، روى عنه: حميد بن هلال العدوي، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وسوادة بن عاصم، وعمرو بن مرة، وجماعة وثقه النسائى وابن سعد والعجلى وقال أبو حاتم: يكتب حديثه(٣). وأما عمه فهو أبو ذر اسمه جندب، بضم الجيم، (١) أحمد (٢١٣٨٤)، والطبراني في الكبير (١٦٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٦٢/١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٩). (٢) أحمد (٢١٤٦١)، والطبراني في الكبير (١٦٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٥/٣)، رواه الطبراني في الكبير وأحمد بنحوه ورجاله ثقات، وله طريق رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٩). (٣) تهذيب الكمال (١٥ / الترجمة ٣٣٣٩). ٥١٣ كتاب الصدقات وبضم الدال وبفتحها، ابن جنادة، بضم الجيم، وقيل: اسمه برير، بموحدة مضمومة، وراء مكررة، ابن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الرفيقة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الغفارى الحجازى، وأمه رملة بنت الرفيقة، وكان أبو ذر، رَوَلَهُ، من السابقين إلى الإسلام، ثبت فى صحيح مسلم أنه قدم إلى رسول الله وَّةٍ فى أول الإسلام، فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: ((حر وعبد))، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبى وَّة، ثم هاجر إلى النبى وَّ إلى المدينة، وصحبه حتى توفى رسول الله وَ ل﴾، روى له عن رسول الله وَ له مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على اثنى عشر حديثا، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بسبعة عشر توفى أبو ذر بالربذة سنة اثنين وثلاثين. قال المدائنی: وصلى عليه ابن مسعود، ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفى، وكان أبو ذر طويلا عظيما، رضى الله عنه، وكان زاهدا، متقللا من الدنيا، وكان مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته، وكان قوالا بالحق(١)]. قوله: كنت مع أبي ذر رَّاللّهُ فخرج عطاؤه ومعه جارية له، المراد بقوله (فخرج عطاؤه) هو ما يخصه من بيت الماء في ذلك الزمان. (١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢٩/٢ - ٢٣٠ ترجمة ٧٨١). ٥١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: قال إن خليلي عهد إلي أيما ذهب أو فضة أوكىء عليه فهو جمر على صاحبه، وتقدم الكلام على الوكاء في أحاديث الباب. وَ لّ ثَلاث طوائر ١٣٧٢ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َهُ قَالَ أهديت للنَّبِي فأطعم خادمه طائرا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أَتَتْهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا رَسُول الله وَِّ ألم أَنْهَك أَن ترفعي شَيْئًا لغد فَإِن الله يَأْتِي برزق غَدَ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (١). ورواة أبي يعلى ثِقَات. قوله: وعن أنس بن مالك زَقَّهُ، تقدم الكلام على أنس. قوله: أهدي لرسول الله وَّ ثلاث طوائر، فأطعم خادمه طائراً، فلما كان من الغد أتته بها فقال لها رسول الله وَاليقين: ((ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله یأتي برزق غد)). ١٣٧٣ - وَعَن أنس أَيْضا زَّوَّهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله ◌َوَ لَا يدّخر شَيْئًا لغد رَوَاهُ ابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي عَنْ ثَابت عَنْهُ(٢). (١) أبو يعلى (٤٢٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٤٧)، وأحمد (١٣٠٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢٤٣/١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤١/١٠)، رواه أبو يعلى ورواته ثقات، وقال في (٣٢٢/١٠)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير هلال أبي معلى وهو ثقة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢١٩). (٢) ابن حبان (٦٣٥٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٤٦٤)، والترمذي (٢٣٦٢)، وقال: حديث غريب، وفي الشمائل (٣٥٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٠). ٥١٥ كتاب الصدقات قوله: وعن أنس أيضا ◌َقَّالله، تقدم الكلام على أنس أيضا. قوله: [ورواه البيهقي من رواية جعفر بن سليمان الضبعي]. قوله: كان رسول الله وَالله: ((لا يدخر شيئا لغده)) الحديث. فائدة: جاء في هذا الحديث أن رسول الله ◌َ ﴾ كان لا يدخر شيئا لغد وجاء في حديث آخر أن رسول الله وعليه كان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع (١)، الحديث فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: إن هذا الحديث فيه جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي وَجّ، أما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخر لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري مالا يضيق على المسلمين كقوت أيام وشهور وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة أو أكثر، قال النووي (٢): هكذا نقل القاضي(٣) هذا التفصيل عن أكثر العلماء وعن قوم: إباحته مطلقا. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله: ووجه الجمع بين هذا الحديث والحديث الآخر وهو أنه ◌َّ كان لا يدخر شيئا لغد يعني لا يدخر لنفسه شيئا، وذلك الحديث على الادخار لعياله وهو وَّة وإن كان يأكل (١) البخاري (٢٩٠٤) مسلم (٧٤٦). (٢) شرح النووي على مسلم (١٢ / ٧٠-٧١) (٣) إكمال المعلم (٦/ ٧٦) ٥١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب معهم لكنهم المقصودون بالادخار حتى لو لم يكن عنده أهله لم يدخر لنفسه شيئا (١)، أ.هـ. ويحتمل وجه آخر في الجمع وهو أنه كان لا يدخر لنفسه طعاما يصلح للأكل كالخبز والطعام المطبوخ والفاكهة كما يفعله بعض غالب الناس ولا يمنع أن يدخر لنفسه ما لا يصلح للأكل كالحب والدقيق ونحوهما والله أعلم. وروي عن سلمان الفارسي أنه كان يجتهد في تعجيل ادخار قوته فيخاطب في ذلك فيقول إن النفس إذا ادخرت قوتها اطمأنت (٢) أي تفرغت للعبادة [والتفكر] في كتاب الله تعالى [كما ورد أن] [٩٦/ ب] الله تعالى يقول: ((يا عبدي إذا كان عندك القوت فتعبد)) كذا في طبقات الأولياء، ونقل في الروضة في كتاب السير(٣) عن إمام الحرمين أنه ذكر في كتابه الغيائى (٤) أنه يجب على الإنسان مواساة الفقراء أشباع الجائع وإطعام [المضطر] بما زاد على قوت السنة وهو يوهم أنه يعطيه إياهم من غير رجوع وليس كذلك بل يعطيه إياهم ثم يرجع عليهم عند يسارهم ويكون سبيله سبيل المقرض كما صرح بذلك (١) إحكام الأحكام (٢/ ٣١١). (٢) إصلاح المال (٩٢). (٣) روضة الطالبين (٢٢٢/١٠). (٤) الغيائي غياث الأمم في التياث الظلم (ص ٢٣٦ -٢٣٧). ٥١٧ كتاب الصدقات أبو الفتوح العجلي(١)، ويؤيده ما نقله هبة الله المفسر في كتاب الناسخ والمنسوخ(٢) أن التصدق بما زاد على قوت السنة كان أولا ثم نسخ بآية الزكاة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قوله: أهدى لرسول الله ◌َ ﴾ ثلاث طوائر، الحديث. قال الخطابي (٣): كان النبي وَليل يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة وكان المعنى في ذلك أن الهدية [إنما] يراد بها ثواب الدنيا فكان النبي وَل يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة وأما الصدقة فيراد بها ثواب الآخرة ولأن الصدقة أوساخ الناس فصانه الله عنها وأبدلها بخمس الخمس والفيء وهي ما أخذ من الكفار من غير قتال وتقدم الكلام عليه في السؤال في حديث حكيم بن حزام [ ..... ] وقال بعضهم أيضا: والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة هبة لثواب الآخرة والهدية هبة تنقل إلى المثيب إكراما له. قال ابن بطال(٤): وإنما كان الرسول وَلّ يأكل الهدية لما فيها من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة ويجوز أن يثيب عليها بمثلها وبأفضل منها فلا منة ولا ذلة بخلاف الصدقة، أ.هـ. فرع في الحديث: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد فالمراد به (١) انظر البيان (٤٣/٨)، وكفاية النبيه (١٥٩/٦) و(٥٢٢/١٦-٥٢٣) .. (٢) الناسخ والمنسوخ (ص ٩٠ و١٦٨). (٣) معالم السنن (٧١/٢). (٤) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٤٩/٣). ٥١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الفرض والنفل جميعا بالنسبة إليه علام على المرجح، وأما آله وهم بنوهاشم وبنو المطلب فإنما يحرم عليهم صدقة الفرض على الصحيح وفي النفل خلاف وليس ذلك لغناهم ولكن تشريفا لمنزلتهم واخلتف في مواليهم، وأما السؤال لغير المحتاج فحرام لما فيه من الذلة ومخالفة الأحاديث الصريحة في تسميتها سحتا، أ.هـ قاله في شرح الإلمام(١). فائدة لطيفة: حكى الزمخشري (٢) وغيره في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَكَأْتِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾(٣) الآية، عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنملة والفأر والعقعق وهو طائر على قدر الحمامة على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب وهو لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به بل يهيء وكره في المواضع المشرفة وفي طبعه الزنى والخيانة ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك وفي طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي فكم عقد ثمین اختطفه من یمین. قال الشاعر: فَلَا بَارَكَ اللهُ فِي الْعَفْعَقِ إِذَا بَارَكَ اللهُ فِي طَائِرٍ قَصِيرُ الْجَنَاحِ طَوِيلُ الذِّنَابِ مَتَى مَا يَجِدْ غَفْلَةً يَسْرِقْ (١) سبق وقد أشرنا الى أن الكتاب لم يطبع بكامله. (٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤٦٢/٣). (٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٠. ٥١٩ كتاب الصدقات كَأَنَّهُمَا قَطْرَتَا زِتْبَقِ يُقَلِّبُ عَيْنَيْنِ فِي رَأْسِهِ الحكم في حله، فيه وجهان: أحدهما: يؤكل الغراب الزرع، والثاني: يحرم وهو الأصح تبعا للبغوي قاله في حياة الحيوان(١). ١٣٧٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُبِ رََّّهُ أَن رَسُول الله وَِّ كَانَ يَقُول إِنِّي لألج هَذِه الغرفة مَا ألجها إِلَّ خشية أن يكون فِيهَا مَال فأتوفى وَلم أنفقهُ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٢). لألج أَي لأدخل. والغرفة بِضَم الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْعلية. قوله: وعن سمرة بن جندب زقه، تقدم. قوله وَّل: ((إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه)) قد فسر الحافظ [٩٧/ أ] الولوج بالدخول والغرفة هي العلية. ١٣٧٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَهُ عَن رَسُول الله وٍَّ قَالَ مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا أبقى صبح ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٍ إِلَّا شَيْئًا أعده لدين رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطِيَّة عَن أبي سعيد وَهُوَ إِسْنَاد حسن وَله شَوَاهِد كَثِيرَةٌ(٣). (١) حياة الحيوان (٢٠٢/٢-٢٠٣). (٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧١٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٣/٣)، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢١). (٣) البزار (٣٦٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٩/١٠)، رواه البزار وفي إسناده عطية، وضعفه غير واحد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٢). ٥٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: وعن أبي سعيد الخدري رُّه، تقدم الكلام على أبي سعيد. قوله: ((ما أحب أن لي أحدا ذهبا أبقى صبح ثالثة وعندي منه شيء إلا شيئا أعده لدين)) الحديث، سيأتي الكلام على أحد في الحديث بعده. ١٣٧٦ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاسِ رَّ ◌َِّا قَالَ قَالَ لِي أَبُو ذَر يَا ابْن أخي كنت مَعَ رَسُول الله ◌َّامٍ آخِذا بِيَدِهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا ذَر مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبًا وَفِضة أنفقهُ فِي سَبِيل الله أَمُوت يَوْم أَمُوت أدع مِنْهُ قيراطا قلت يَا رَسُول الله ◌ِنْطَارًا قَالَ يَا أَبَا ذَر أذهب إِلَى الْأَقَل وَتذهب إِلَى الْأَكْثَرِ أُرِيد الْآخِرَة وتريد الدُّنْيَا قيراطا فَأَعَادَهَا عَليّ ثَلَاث مَرَّت رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد حسن(١). قوله: وعن عبد الله بن عباس ◌َّالشّا، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله: كنت مع رسول الله ولو آخذا بيده فقال لي يا أبا ذر: ((ما أحب أن لي أحدا ذهبا وفضة أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت أدع منه قيراطا)) الحديث، أحد: جبل، قيل: أكبر جبل في الدنيا أحد لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي ◌ّ ولأنه أكبر جبل عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد، ويقال: إن في وادي من الأودية جبلان شامخان ملتقيان من فوق وبين هذا وهذا من الأرض مسيرة ثلاثة أيام (٢). (١) البزار (٣٦٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٩/١٠)، رواه البزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وإسناده البزار حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٣). (٢) كشف الأسرار (لوحة ٦٧).