النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
كتاب الصدقات
ميزان المتصدق، وقال: بعضهم بعدل تمرة أي قيمة تمرة يقال: هذا عدل
بفتح العين أي مثله في القيمة وبكسرها أي مثله في المنظر (١) نظيره قوله
تعالى: ﴿وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ (٢) أي يثمرها ويكثرها ويبارك فيها في الدنيا
ويضاعف الأجر والثواب في العقبى وإن كانت قليلة كما قال تعالى فيضاعفه
له أضعافًا كثيرة والله أعلم ويحتمل أن تكون التربية تعظيم الثواب والجزاء
على الصدقة(٣).
قوله وثيقة: ((من كسب طيب)) أي مكسوب طيب والكسب الطلب طلب
الرزق فالطيب ضد الخبيث قال أبو العباس القرطبي(٤):
قوله ولية: ((إن الله طيب)) أي منزه عن النقائص فيكون بمعنى القدوس
وقيل طيب الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فطيب من
أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنة ؛ كالجميل
والنظيف؛ على قول من رواه ورآه والكسب الطيب في هذا الحديث الحلال؛
وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾(٥) و﴿أَنفِقُواْ مِن
طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾(٦) وغير ذلك، وأصل الطيب: المستلذ بالطمع، ثم أطلق
(١) شرح المشكاة (١٥٣٩/٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.
(٣) شرح النووي على مسلم (٩٩/٧).
(٤) المفهم (٢٨/٩-٢٩)
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
٣٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أطلق على المتناول بحكم بالشرع وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام
؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به
تصرف فيه، فلو قبلت منه؛ لزم أن يكون مأمورا به، منهيا عنه من وجه واحد،
وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتحرم الرقة والاخلاص، فلا
تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت
المناسبة بينه وبين الطيب بذاته قاله القرطبي(١). والمعنى: لا يقبل الله إلا
الشيء الطيب ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه إذا ليس من صفته قبول
الشيء الخبيث والرضى بالمنكر وهذا الحديث أحد الأحاديث التي هي
قواعد الإسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الانفاق من الحلال والنهي
عن الانفاق من غيره وفيه أن المشروب والمأكول [٧٣/ ب] والملبوس
ونحوها ينبغي أن تكون حلالاً خالصاً لا شبهة فيه وإن من أراد الدعاء كان
أولى بالاعتناء بذلك من غيره(٢) ا. هـ.
قوله وَيقة: ((وإن الله يقبلها بيمينه)) أي يقبل الصدقة وهذا كناية عن القبول
والثواب والرضى بذلك العمل والشكر عليه بالجزاء كما قال: ((تلقاها عرابة
باليمين)) استعير لكثرة العطاء وسعته وسرعة القبول فالمراد من القبول
باليمين هوحسن القبول منه تعالى ووقوع الصدقة منه موقع الرضى (٣) كما
(١) المصدر السابق.
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٠)، وشرح الأربعين (ص ٥٩) لابن دقيق العيد.
(٣) مطالع الأنوار (٢٧٩/٦ -٢٨٠).
=
٣٢٣
كتاب الصدقات
يقال: هو عندي باليمين فأخذه سبحانه وتعالى عبارة عن قبول الصدقة
والإثابة عليها إذا كانت من كسب طيب وقال الشاعر:
وأنزلني ذات اليمين ولم أكن بمنزلة الملقى شمال الأراذل
قال الخطابي (١): وإنما جرى ذكر اليمين ليدل به عَلَى حُسْنِ الْقَبُولِ، لِأَنَّ
فِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ أَيْمَانَهُمْ تَكُونُ مُرْصَدَةً لِمَا عَّ مِنَ الْأُمُورِ، وَشَمَائِلُهُمْ لِمَا
هَانَ مِنْهَا ا.هـ
وعلى هذا قول ابن عباس نَّالَّهَنَا الحجر الأسود يمين الله في الأرض
يصافح بها عباده والمراد من اليمين القوة والقدرة.
قوله وَّ: ((ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل))
وقد قيل في تربية الصدقة وتعظيمها حتى تكون أعظم من الجبل أن المراد
بذلك تعظيم أجرها وتضعيف ثوابها قال: ويصح أن يكون على ظاهره وأن
تعظم ذاتها ويبارك الله تعالى فيها ويزدها من فضله حتى تثقل في الميزان (٢).
قوله ج: ((كما يربي أحدكم فلوة)) الفلو ضبطه الحافظ (٣) وفسره في
حديث عائشة بعد هذا الحديث فقال: بفتح الفاء وضم اللام وتشيديد الواو
وهو المهر أول ما یولد ا.هـ.
وسبق واشرنا الى أن المؤلف لا يثبت صفة اليد وقلنا أن مذهب أهل السنة على الإثبات
من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
(١) ينظر: أعلام الحديث (١ / ٧٥٤-٧٥٥)، ومعالم السنن (١٦/٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩٩/٧).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣).
٣٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفيه لغة أخرى كسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو المفتوحة (١)
وقال: أبو زيد إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرت خففت فقلت فلو
مثل جرو (٢) ا. هـ
والجمع أفلاء مثل عدو وأعداء وفلاوى، مثل خطايا، وأصله فعائل (٣)
وقال: الجوهري (٤) الْفَلُوُّ الْمُهْرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يفتلى عن أمه أي يفطم
وقال غيره: لأنه يفلي أي يعزل(٥)، وقيل هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر
والأنثى فلوة كما قالوا عدو وعدوة (٦) وإنما ضرب المثل بالفلو لأنه يزيد
زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده
ويتولى تربيته ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم فإذا أحسن
القيام به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة التي
يجاذبها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد
تخلص إلى الله تعالى إلا موسومة بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن تعالى
فإذا تصدق العبد من كسب طيب فتح دونها باب الرحمة فلا يزال نظر الله
تعالى إليها يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى تنتهي بالتضعيف
(١) رياض الصالحين (ص ١٨٩)، وشرح النووي على مسلم (٩٩/٧).
(٢) الصحاح (٢٤٥٦/٦)، والميسر (٤٤١/٢)، وحياة الحيوان (٣٠٥/٢).
(٣) حياة الحيوان (٣٠٥/٢).
(٤) الصحاح (٢٤٥٦/٦).
(٥) مشارق الأنوار (١٥٨/٢).
(٦) الصحاح (٢٤٥٦/٦)، والميسر (٤٤١/٢)، وحياة الحيوان (٣٠٥/٢).
٣٢٥
كتاب الصدقات
إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل وقوع المناسبة بين التمرة
والجبل كذا قاله في الميسر (١) وجمل الغرائب في شرح مشارق الأنوار.
قوله: وَّ في رواية مسلم ((إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله تعالى
منه)) وأخذها بيمينه: أي قبلها مشرفة مكرمة مرضياً بها بالغة محلها وهذا كما
قال الشاعر:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
أي هو مؤهل للمجد والشرف ولم يرد به يمين الجارحة لأن المجد معنى
باليمين التي تتلقى بها رأيته معنى وكذا اليمين في حق الله تعالى(٢).
قوله: وَّةٍ ((وإن الرجل ليتصدق باللقمة)) اللوحة [٧٤/ أ].
(فتربو في يد الله)) أو قال: ((في كف الله فتربو)) أي يزيد ثوابها كما تقدم وكف
الرحمن سبحانه وتعالى عبارة عن محل قبول الصدقة فكأن المتصدق قد
وضع صدقته في محل القبول والإثابة وإلا فلا كف لله ولا جارحة تعالى الله
تعالى عما يقول المشبهون علواً كبيراً(٣) ومنه حديث عمر ((أن الله تعالى إن شاء
أدخل خلقه الجنة بكف واحدة)) فقال النبي وَطّ: صدق عمر (٤) ويجوز أن يكون
(١) الميسر (٢/ ٤٤١).
(٢) المفهم (٢٩/٩).
(٣) النهاية (١٨٩/٤ -١٩٠)، وجامع الأصول (٥١٧/٩).
(٤) جامع معمر بن راشد (٢٠٥٥٦)، المعجم الصغير للطبراني (٣٤٢) الأسماء والصفات
للبيهقي (١٥٣/٢) الأحاديث المختارة (٢٧٠٣) وفي أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح
الباري) (٢/ ١٦٧٣) قال الحافظسنده جيد لكن اختلف على قتادة في سنده اختلافا كثيرا.
٣٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يكون مصدر كف يكف كفاً ويكون معناه الحفظ والصيانة فكأنه قال: تلك
الصدقة في حفظ الله وكلاءته فلا ينقص ثوابها ولا يبطل جزاؤها ويحتمل أن
يكون الكف عبارة عن كفة الميزان التي يوزن فيها الأعمال فتكون من باب
حذف المضاف فكأنه قال: فتربو في كفة ميزان الرحمن (١) ا.هـ.
وقال الماوردي(٢): وغيره هذا الحديث وشبهه إنما عبر به النبي بَّ على
ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا فكنى هنا عن قبول الصدقة بأخذهها بالكف
وعن تضعيف أجرها بالتربية قال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: لما كان
الشيء الذي يرتضي ويعز يلتقي باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا
واستعير القبول والرضى إذا الشمال بضده في هذا وتقدم مثله عن
الخطابي(٤) قال: وقيل المراد بكف الرحمن هنا وبيمينه كف الذى تدفع إليه
الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة
فيها لله عز وجل ا.هـ.
(١) المفهم (٢٩/٩). إن الله تعالى يدين كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
[المائدة: ٦٤] والأحاديث الواردة في إثبات اليد لله تعالى كثيرة، حتى إن النصوص تزيد على
مائة فیھا إثبات صفة الید لله تعالى، فنشبتھا إثباتا حقیقیاً يليق بجلاله وعظمته، دون أن
نشبهها بالأيدي المعروفة من أيدي المخلوقات، ودون أن نؤولها كما أولها هنا المؤلف.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٢٦٣): «إنَّ لله تعالى يدين مختصتان
به ذاتيتان له كما يليق بجلاله)). وانظر كذلك: أصول الاعتقاد للالكائي (٤١٢/٣).
(٢) الحاوي الكبير (١٠٦/٣)، وكذا قال المازري كما في المعلم (٢٥/٢).
(٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٦/٣).
(٤) ينظر: معالم السنن (٢/ ٤٣)، وشرح النووي على مسلم (٩٨/٧)، وحياة الحيوان (٣٠٥/٢).
٣٢٧
كتاب الصدقات
وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث وكلها تمثيل من غير
تشبيه والله أعلم.
قوله: وَلخير في رواية ابن خزيمة(١) ((كما يربي أحدكم مهره أو فصيله))
الحديث المهر ولد الفرس والجمع أمهار والأنثى مهرة وما أحسن قول
مهيار (الديلمي) في وصف المهرة:
قال لي العاذل: تسلو قلت: مه، .. إنّ أسباب هواها محكمه
مهرة تسمع في السرج لها، .. تحت من يعلو عليها حمحمه. (٢)
لطيفة: لها تعلق بالمعنى كان أبو عبد الله محمد بن حسان البسري، من
الأولياء ذوي الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، وأنه خرج للغزاة مرة،
فبينما هو في فلاة من الأرض إذا مات مهره الذي كان يركبه، فقال: اللهم أعرنا
إياه فقام المهر حيا بإذن الله تعالى، فلما وصل إلى بسر، أخذ السرج عنه
فسقط ميتا، وكان رحمه الله، إذا كان شهر رمضان دخل بيتا وقال لامرأته:
طيني علي الباب وألقي إلي كل ليلة رغيفا من الكوة، فإذا كان يوم العيد
فتحت الباب ودخلت فوجدت الثلاثين رغيفا في زاوية البيت فلا يأكل ولا
يشرب ولا ينام رضي الله تعالى عنه(٣)، وفي الأنساب لابن السمعاني، أن أبا
(١) سبق تخريجه.
(٢) حياة الحيوان (٤٥٠/٢).
(٣) هذه القصص لا تسمن ولا تغني من جوع وتذكر للتسلية وإثباتها غير ممكن فهي مخالفة
للشريعة ظاهراً وباطناً وهي من شطحات الصوفية،
٣٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عبد الله المذكور منسوب إلى بصرى، قرية من قرى الشأم فأبدلت الصاد سينا
على قياس قولهم في السويق الصويق والسراط الصراط انتهى، وقال ابن
الأثير(١): هذا كله خطأ في النقل والنحو، أما النقل فإنه منسوب إلى بسر،
وبسر: قرية معروفة، وأما النحو فإبدال الصاد سينا ليس على إطلاقه إنما ذلك
مع حروف معلومة، وقد ذكره الحافظ أبو القاسم بن عطاء الدمشقي، في تاريخ
دمشق(٢)، وقال: إنه من قرية بسر وهذا هو الصواب والله تعالى أعلم(٣).
وقوله: ((كما يربي أحدكم فصيله)) الحديث والفصيل ولد الناقة إذا فصل
عن الرضاع أمه والجمع فصلان بضم الفاء وفصال بكسرها(٤).
فرع: دخل فَصِيلُ (ولد الناقة) رَجُل فِي بَيْتِ رَجُل، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلَّا
بِنَقْضِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، بِأَنْ غَصَبَهُ وَأَدْخَلَهُ، نُقِضَ وَلَمْ
يَغْرَمْ صَاحِبُ الْفَصِيلِ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ بِتَغْرِيطِ صَاحِبِ الْفَصِيلِ، نُقِضَ الْبِنَاءُ،
وَلَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْضِ. وَإِنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ نُفِضَ أَيْضًا، وَلَزِمَ صَاحِبَ الْفَصِيلِ
أَرْشُ النَّقْصِ عَلَى الْمَذْهَبِ، [٧٤ / ب]، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
ثَانِيهِمَا: لَا أَرْشَ عَلَيْهِ. قاله في حياة الحيوان(٥).
(١) اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ١٥٢).
(٢) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٨٥/٥٢).
(٣) حياة الحيوان (٢/ ٤٥١).
(٤) حياة الحيوان (٣٠٤/٢).
(٥) حياة الحيوان (٣٠٤/٢). وانظر كذلك: روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (٥٧/٥).
٣٢٩
كتاب الصدقات
قوله: في آخر الحديث عن سعيد بن يسار مرسلا تقدم الكلام على
الحديث المرسل. قوله: وعن أبي برزة الأسلمي أبو برزة اسمه نضلة بن عبد
الحارث وقيل نضلة بن عبد الله وقيل عبد الله بن نضلة من بني سلامي بفتح
السين بن أسلم الأسلمي وفي نسبه خلاف أسلم قديماً ومات بمرو وقيل
بالبصرة وقيل بالمفازة بين سجستان وهراة سنة ستين أو أربع وستين (١).
قوله مَّة: ((إن العبد ليتصدق بالكسوة تربوا عند الله حتى تكون مثل أحد))
تقدم تفسيره وأحد اسم جبل بالمدينة معروف(٢).
١٢٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َلَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن الله عز
وَجل ليدْخل باللقمة الْخبز وقبضة التَّمْر وَمثله مِمَّا ينْتَفع بِهِ الْمِسْكِين ثَلَاثَة
الْجِنَّة رب الْبَيْتِ الْآمِر بِهِ وَالزَّوْجَة تصلحه وَالْخَادِمِ الَّذِي يناول الْمِسْكِين
فَقَالَ رَسُول الله وَِّ الْحَمد لله الَّذِي لم ينس خدمنا، رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَالطَّبَرَانِيّ
13
٥
فِي الْأَوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله.
القبضة بِفَتْحِ الْقَاف وَضمّهَا وَإِسْكَان الْبَاء وبالصادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ مَا يَتَنَاوَلهُ
الآخِذ برؤوس أنامله الثَّلاث.
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله: وَّه ((إن الله ليدخل باللقمة الخبز وقبضة التمر ومثله مما ينتفع به
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨٠ ترجمة ٧٢٥).
(٢) جاء في الأصل بمكة وفي الهامش: قوله بمكة سبق قلم وإنما هو بالمدينة على ساكنها
أفضل الصلاة والسلام،
٣٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المسكين ثلاثة الجنة رب البيت الأمر به)) الحديث رب البيت يعني المالك
والقبضة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال: هو ما يتناوله الأخذ يداً ويراد
أنامله الثلاث.
١٢٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ أَن رَسُول الله ◌َّةِ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من
مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَّ رَفعه الله عز وجل.
رَوَاهُ مُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ مَالك مُرْسلا.
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على ابي هريرة أيضاً.
قوله: {وَالخل﴾ ((ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا)).
ولبعض الفضلاء في ذلك(١):
لا تقطعن عادة برّولا تجعل عقاب المرء في رزقه
نرجوه عفو الله عن خلقه
واعف عن الذنب فإن الذي
فلا تعاتبه في ذاك واستبقه
وإن بدا من صاحب زلة
يحط قدر النجم من أفقه
فإن قدر الذنب من مسطح
وقد بدا منه الذي قدبدا وعوتب الصديق في حقه ا.هـ
قوله: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) الحديث سيأتي الكلام على
التواضع في بابه.
١٢٧٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس ◌َوِّهَا يرفعهُ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال
وَمَا مد عبد يَده بِصَدقَة إِلَّا ألقيت فِي يَد الله قبل أن تقع فِي يَد السَّائِل وَلَا فتح
(١) هو شهاب الدين الغزي الشافعي انظر: الكواكب السائرة (٩٤/٣).
٣٣١
كتاب الصدقات
عبد بَاب مَسْأَلَةٍ لَهُ عَنْهَا غنى إِلَّا فتح الله لَهُ بَاب فقر رَوَاهُ الطََّرَانِيّ(١).
وروي عن ابن عباس تقدم الكلام علیه.
قوله: وَيه ((ما نقصت صدقة من مال وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في
يد الله قبل أن تقع في يد السائل)) تقدم الكلام على يد الله في أول الباب
مبسوطًا.
قوله: ((ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر)) المراد
بذلك سؤال الناس إذا كان له غنى عن السؤال.
١٢٧١ - وَرُوِيَ عَنِ جَابر بن عبد الله ◌َّ ◌ُّهَا قَالَ خَطَبَنَا رَسُول الله ◌َ فَقَالَ
يَا أَيَهَا النَّاسِ تُوبُوا إِلَى الله قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن
تَشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُمْ وَبَيْن ربِكُم بِكَثْرَةٍ ذكرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَة فِي
السّرّ وَالْعَلَانِيَة تُرْزَقُوا وَتنصرُوا وَتجبرُوا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي حَدِيث تقدم فِي
الْجُمُعَةِ(٢).
أَنْهم ذَبَحُوا شَاة فَقَّالَ النَّبِيِ وَِّ مَا بَقِي
١٢٧٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ◌َلَّهَا
مِنْهَا قَالَت مَا بَقِي مِنْهَا إِلَّا كتفها قَالَ بَقِي كلها غير كتفها)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٠٥ رقم ١٢١٥٠) والبيهقي في الشعب (١٦٨/٥ رقم
٣٢٤٩)، قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه.
وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٧٤) وضعيف الترغيب (٥١٠).
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١١٣٦)، وابن ماجه (١٠٨١)، وابن عدى في الكامل (٢٩٨/٥)،
واللالكائى في أصول السنة (١٩٣٣).
وضعفه الألباني في الإرواء (٥٩١)، وضعيف الترغيب (٤٤٤) و(٥١١) و(١٩٥٨).
٣٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حَدِيث حسن صَحِيحِ وَمَعْنَاهُ أَنهم تصدقوا بهَا إِلَّا كتفها(١).
قوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة.
قوله: ((إنهم ذبحوا شاة)) فقال النبي ◌َّيّة: ((ما بقي منها)) قالت ما بقي منها
إلا كتفها قال: ((بقي كلها)) الحديث هذا استفهام بمعنى ما تصدقت فهو باق
عندك فهو غير فان كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ
بَاقٌ﴾(٢)).هـ قال الحافظ:(٣) معناه أنهم تصدقوا بها إلا كتفها ا.هـ، وقال: غيره
معناه أي بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها.
١٢٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ يَقُولِ العَبْد مَالِي
مَالِي وَإِنَّمَا لَهُ من مَاله ثَلَاث مَا أكل فأفنى أَو لبس فأبلى أَو أعْطى فاقتنى مَا
سوى ذَلِك فَهُوَ ذَاهِب وتاركه للنَّاسِ رَوَاهُ مُسلم (٤).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه أيضاً.
قوله: وَّ﴾ ((يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس
فأبلى أو أعطى فأبقى ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)»، قوله: أو أعطى
فاقتنى (اقتنى) بمعنى: ادخر؛ يعني: ما تصدق به يكون له ذخيرة يوم القيامة(٥).
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٥٠ (٢٤٢٤٠)، والترمذي (٢٤٧٠).
قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وأبو ميسرة هو الهمداني اسمه: عمرو بن شرحبيل.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٥٩).
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣١٨/٣).
(٤) أخرجه مسلم (٤-٢٩٥٩).
(٥) المفاتيح (٢٧٩/٥).
٣٣٣
كتاب الصدقات
١٢٧٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودِ رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةِ أَتَّكُم مَال وَارثه
أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحدٍ إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ قَالَ فَإِن مَاله
مَا قدم وَمَال وارثه مَا أخرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: عن ابن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود.
قوله: وَق ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد
إلا ماله أحب إليه قال فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر)).
قوله: ((فإن ماله ما قدم)) أي على موته بأن صرفه في حياته في مصارف
الخير (٢) ((ومال وارثه ما أخر))، أي: ما أخره من المال الذي يتركه ولا
يتصدق منه حتى يموت(٣). [٧٥/ أ]
١٢٧٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ بَينا رجل فِي فلاة
من الأَرْض فَسمع صوتا فِي سَحَابَة اسْقِ حديقة فلان فَتنحّى ذَلِك السَّحَاب
فأفرغ مَاءَهُ فِي حَرَّة فَإِذا شرجة من تِلْكَ الشراج قد استوعبت ذَلِك المَاء كُله
فتتبع المَاء فَإِذا رجل قَائِم فِي حديقة يحول المَاء بمسحاته فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله
مَا اسْمك قَالَ فلان للاسم الَّذِي سمع فِي السحابة فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله لم
سَأَلْتِنِي عَنِ اسْمِي قَالَ سَمِعت فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُول اسْقِ حديقة
فلان لاسمك فَمَا تصنع فِيهَا قَالَ أما إِذْ قلت هَذَا فَإِنِّي أنظر إِلَى مَا يخرجِمِنْهَا
(١) أخرجه البخاري (٦٤٤٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٩١ (٣٦٣٨).
(٢) الكواكب الدراري (٢٠٩/٢٢).
(٣) عمدة القارى (٤٩/٢٣).
٣٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأنصدق بِثُلثِهِ وآكل أَنا وعيالي ثلثه وأرد ثلثه رَوَاهُ مُسلم.(١)
الحديقة الْبُسْتَانِ إِذا كَانَ عَلَيْهِ خَائِط. الْحَرَّة بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد
الرَّاءِ الأَرْض الَّتِي بِهَا حِجَارَة سود. والشرجة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان
الرَّاء بعْدهَا جِيم وتاء تَأْنِيث مسيل المَاء إِلَى الأَرْض السهلة. والمسحاة
بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ المجرفة من الْحَدِید.
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله ج: ((بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة
فلان)) الفلاة: الأرض المنقطعة عن الماء والحديقة البستان إذا كان عليه
حائطا . هـ
ويقال: للقطعة من النخيل حديقة وإن لم يكن محاطا بها، والجمع
(٢)
الحدائق(٢).
قوله فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه فى حرة معنى تنحى قصد يقال:
تنحيت الشيء وانتحيته ونحوته إذا قصدته ومنه سمي علم النحو لأنه قصد
لكلام العرب (٣) والحرة قد ضبطها الحافظ (٤) وفسرها وهي الأرض التي بها
حجارة سودا.هـ
(١) أخرجه مسلم (٤٥-٢٩٨٤).
(٢) النهاية (٣٥٤/١).
(٣) إكمال المعلم (٥٣٤/٨)، وشرح النووي على مسلم (١٨ /١١٥).
(٤) هو المنذرى.
٣٣٥
كتاب الصدقات
قوله: ((فإذا شرجة من تلك الشراح قد استوعبت ذلك الماء كله)) الشرجة
مسيل الماء إلى الأرض وقد ضبطها الحافظ وفسرها(١) قوله: ((يحول الماء
بمسحاته)) قد ضبط الحافظ المسحاة وفسرها هي المجرفة من الحديد ا. هـ.
قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي قال: علماؤنا لما لم يكن من هذه الدنيا بد
كان المأخوذ منها القوت كما قال: المقدام بن معد كرب قال: رسول الله وَله
((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن عادم لقيمات يقمن صلبه فإن كان
لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه))(٢) كما حكى عن بعض
السلف وقد سئل عن سبب توبته فقال: كنت رجلا دهقانا واجتمع علي في
ليلة ثلاثة أشغال كان لي زرع وكانت ليلتي في الماء وكان لي حمار فضاع
مني وكان لي فقة في الطاحون ومتى اشتغلت بواحدة منها فأتني ما سواها
وكانت ليلة الجمعة وكان بيني وبينها مسافة متى توجهت إليها فأتني الجميع
فرجحت رواحي إلى الجمعة وتركت الجميع فلما رجعت من الجمعة
وجدت الزرع قد سقي والحمار على المعلف والمرأة تغربل الدقيق فقلت ما
أصدق من قال: من أصلح أمره مع الله أصلح الله له جميع أموره(٣) ا. هـ.
(١) أى المنذری.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٠) والنسائي في الكبرى (٦٧٦٩) وأحمد (١٧١٨٦) وابن المبارك
في الزهد (٦٠٣)، و، والقضاعي في مسنده (١٣٤٠) و (١٣٤١)، والبيهقي في الشعب
(٥٦٤٨) و (٥٦٥٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٨)، والبغوي (٤٠٤٨) وصححه
الالباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٧٤).
(٣) قمع الحرص (١٤٩ و١٥٠).
٣٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٧٦ - وَعَن عدي بن حَاتِمِ رَََّّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَ يَقُول مَا
مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه الله لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان فَينْظر أيمن مِنْهُ فَلَا يرى
إِلَّا مَا قدم فَيَنْظر أشأم مِنْهُ فَلا يرى إِلَّ مَا قدم فَيَنْظر بَيْن يَدَيْهِ فَلا يرى إِلَّا النَّار
تِلْقَاء وَجهه فَاتَّقُوا النَّارِ وَلَو بشق تَمْرَة)) وَفِي رِوَايَة من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أن يسْتَتَر
من النَّارِ وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيُفْعَل، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم(١).
قوله: وعن عدي بن حاتم الصحابي هو أبو طريف وقيل أبو وهب عدي
بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرىء القيس بن عدي بن ربيعة
بن جرول بفتح الجيم وإسكان الراء بن ثعل بضم المثلثة وفتح العين المهلمة
بن يعرب بن قحطان الطائي الكوفي الصحابي وأبوه حاتم هو المشهور
بالكرم قال: ابن الأعرابي (٢) كان حاتم من شعراء الجاهلية وكان جواداً يشبه
جوده شعره يصدق قوله فعله وكان حيثما نزل عرف منزله بحومان الطير
على منازله لكثرة خيره وذبائحه قدم عدي على رسول الله وَ له في شعبان سنة
تسع من الهجرة فأسلم وكان نصرانياً روي له عن رسول الله وص له ستة وستون
حديثاً اتفقا منها على ثلاثة وانفرد مسلم بحدثين نزل الكوفة وتوفي بها سنة
تسع وستين وقيل ثمان وهو ابن مائة وعشرين سنة قال: ابن قتيبة وكان عدي
طويلا إذا ركب الفرس كادت دجله تخط الأرض وشهد مع علي الجمل ثم
(١) أخرجه البخاري (١٤١٣) و(١٤١٧) و(٦٠٢٣) و(٦٥٣٩ و٦٥٤٠) و(٦٥٦٣)
و (٧٤٤٣) و(٧٥١٢)، ومسلم (٦٦ و٦٧ و٦٨-١٠١٦).
(٢) انظر: الأغانى (٣٦٦/١٧)، والمستطرف (١٧٩/١).
٣٣٧
كتاب الصدقات
صفين ولما توفي رسول الله وسلّم قدم على أبي بكر في وقت الردة بصدقة قومه
وثبت على الإسلام وثبت معه قومه فلم يرتدوا فيمن ارتد من العرب وكان
جوادا شريفا في قومه معظما عندهم وعند غيرهم حاضر الجواب وكان
رسول الله وَّه يكرمه إذا دخل عليه وشهد فتوح العراق زمن عمر فحضر
وقعة القادسية ووقعة مهران وحضر أبو عبيدة وغير [٧٥/ ب] ذلك وكان مع
خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وشهد معه بعض فتوحه وكان عدي يفت
الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن حق ومناقبه كثيرة (١).
لطيفة غريبة: أدرك عدي وسفانة الإسلام فأسلما وروى أن سفانه ابنت
حاتم(٢) حضرت بين يدي رسول الله وَ له فقالت: يا محمد هلك الوالد وغاب
الواجد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي الأعداء من أحياء العرب فإن أبي
كان سيد قومه كان يفك العاني ويحمي الدمار ويفرج عن المكروب ويطعم
الطعام ويفشي السلام ولم يطلب إليه أحد قط حاجة إلا قضاها أن ابنة حاتم
الطائي فقال: سيدنا رسول الله و الخيم يا جارية هذه صفة المؤمن لوكان أبوك مسلمًا
لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ا. هـ
قوله: (وَية ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان))
الترجمان: بفتح التاء وضمها وهو المعبر عن لسان بلسان وقال: ابن الأثير (٣)
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٢٧/١-٣٢٨ ترجمة ٣٩٨).
(٢) غرر الخصائص (٢٧/١)، والمستطرف (١٧٩/١).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٨٦/١).
٣٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى والجمع والتاء والنون
زائدتان ا.هـ کزعفران جمعه زعافر.
قوله ◌َّيقول: ((فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم فينظر أشأم منه فلا يرى إلا
ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه)) أيمن منه وأشأم منه
كلاهما منصوب على الظرف ويعني بهما يمينه وشماله مأخوذ من اليد
اليمنى والشؤمى(١) ومنه قولهم لليد الشمال الشؤمى تأنيت الأشأم يعني [إذا
كلم الله سبحانه عبدا من عباده، فقد تحير في ذلك الموطن بحيث لا مهرب له
ولا نصير، فإذا نظر إلى يمينه وشماله، فلا يرى إلا العمل، وإذا نظر إلى بين
يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه(٢)].
قوله وَ يقر: ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) وشق التمرة بكسر الشين نصفها
وجانبها وشق كل شيء نصفه وجانبه(٣) والمعنى لا تستقلوا من الصدقة
ولو كان نصف تمرة(٤) وفيه دليل على أن الصدقة وقاية للمتصدق من النار
قال: في الأحياء(٥) في كتاب ترتيب الأوراد وكانوا يكرهون أن ينقضي اليوم
ولم يتصدقوا ولو بتمرة أو بصلة أو كسرة خبز لقوله ((اتقوا النار ولو بشق
(١) المفهم (٣٠/٩).
(٢) المفاتيح (٤٨٥/٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠١).
(٤) النهاية (٢/ ٤٩١).
(٥) الإحياء (١/ ٣٤٧).
٣٣٩
كتاب الصدقات
تمرة)) والمعنى لا تستقلوا من الصدقة شيئًا ولو كان نصف تمرة والمراد من
قوله: ((ولو بشق تمرة)) يريد أن نصف التمرة يسد رمق الجائع كما يورث
الشبعان كظة على وقاحته (١) وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها
لقلتها وإن قلتها سبب للنجاة من النار (٢) والله أعلم.
١٢٧٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌ََّ قَالَ قَالَ رَسُول الله وََّ ليق أحدكُم
وَجهه النَّارِ وَلَو بشق تَمْرَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيحٍ(٢).
قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَي: ((ليق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة)) تقدم الكلام على
ذلك.
١٢٧٨ - وَعَنِ عَائِشَةِ زَّوِّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُول الله ◌َيُّهِ يَا عَائِشَة استتري من
النَّارِ وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تسد من الجائع مسدها من الشبعان رَوَاهُ أَحْمد
بِإِسْنَاد حسن (٤).
(١) الفائق (٢٥٦/٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠١).
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٨/١ (٣٦٧٩) و٤٤٦/١ (٤٢٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢١٤/٨).
قال الهيثمي في المجمع ١٠٥/٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني
في صحيح الترغيب (٨٦٤).
(٤) أخرجه أحمد ٧٩/٦ (٢٤٥٠١)، وابن عدى (١١٨/٥). قال الهيثمي في المجمع
١٠٥/٣: رواه كله أحمد، وروى البزار بعضه، وفيه أبو هلال، وفيه بعض كلام، وهو ثقة.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٥).
٣٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله وعن عائشة رَقُيتها تقدم الكلام على عائشة.
قوله: وَجّ (استتري من النار ولو بشق تمرة)) أي نصف تمرة يريد أن لا
تستقلوا من الصدقة شيئًا والله أعلم.
قوله: «تسد من الجائع مسدها من الشبعان فإنها تقع من الجائع موقعها من
الشبعان)) قيل أراد أن شق التمرة لا يتبين له كبير موقع من الجائع إذا تناوله
كما لا يتبين على شبع الشبعان إذا أكل فلا تعجزوا أن تتصدقوا به قيل لأنه
يسأل هذا شق تمرة وهذا شق تمرة ثالثا ورابعا فيجتمع له ما يسد به جوعته(١)
والله أعلم.
قال أبو عبد الله الحليمي(٢) رحمه الله تعالى: لصدقة التطوع شرائط منها:
أن تكون من فضل المال فأما من كان ماله مستغرقاً حاجته فلا ينبغي له أن
يتصدق [بماله] على غيره ويحرم نفسه وهكذا إن كان له عيال فلا ينبغي له
أن يتصدق بماله ويذر عياله ولا ينبغي أن يتصدق بجميع ماله ويحوج نفسه
إلى غيره [٧٦/ أ] قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُل اُلْعَفْوَ﴾(٣)
قال ابن عباس(٤): العفو الفضل عن العيال وقال أبو هريرة قال رسول الله
(١) النهاية (٢١٥/٥).
(٢) المنهاج (٢/ ٣٥٣).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٩.
(٤) ينظر: تفسير الطبري (٤ / ٢٩١) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨١) تفسير القرآن العزيز لابن
أبي زمنين (٢١٦/١).