النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
كتاب الصدقات
١٢٣٥ - وَعَن أنس ◌َّالَّهُ أَن رجلا من الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِي ◌َِّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ
أما فِي بَيْتك شَيْءٍ قَالَ بلَی حلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه وَقَعْب نشرب فِیهِ
من المَاء قَالَ اثْتِنِي بهما فَأَتَاهُ بهما فَأَخذهُمَا رَسُول اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ وَقَالَ من
يَشْتَرِي هذَيْن قَالَ رجل أَنَا آخذهما بدرهم قَالَ رَسُول الله وَطِّ من يزيد على
دِرْهَم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ رجل أَنَا آخذهما بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّه وَأخذ
الدرهمين فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيّ وَقَالَ اشْتَرٍ بِأَحَدِهِمَا طَعَاما فانبذه إِلَى أهلك
واشتر بِالآخرِ قدومًا فائتني بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشد فِيهِ رَسُول اللهَوَّهِ عودا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ
اذْهَبْ فاحتطب وبع وَلَا أرينك خَمْسَة عشر يَوْمًا فَفعل فجَاء وَقد أصَاب
عشرَة دَرَاهِم فَاشْترِى بِبَعْضِهَا ثوبا وببعضها طَعَامًا فَقَالَ رَسُول اللهِ وَ: هَذَا
خير لَك من أَن تَجِيءُ الْمَسْأَلَة نُكْنَة فِي وَجهك يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنِ الْمَسْأَلَةُ لَا
تصلح إِلَّا لثلاث لِذِي فقر مدقع أَو لِذِي غرم مفظع أَو لذِي دم موجع رَوَاهُ أَبُّو
دَاوُدْ وَالْبَيْهَقِيّ بِطُولِهِ وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْهُ قِصَّة
بيع الْقدح فَقَطْ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن(١).
الحلس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْمِلَة وَسُكُون اللَّام وبالسين الْمُهْمِلَة هُوَ كَسَاء
غليظ يكون على ظهر الْبَعِير وَسمي بِهِ غَيره مِمَّا يداس ويمتهن من الأكسية
وَنَحْوِهَا. الْفقر المدقع بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّالِ الْمُهْمِلَة وَكسر الْقَافِ هُوَ
(١) أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٢٥٩/٧)، وابن ماجه (٢١٩٨)،
وأحمد (١٢١٣٤)، وقال الألباني ضعيف دون قوله: ((إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث ... ))
إلخ)) فصحيح، في ضعيف الجامع (٨٢٧).
٢٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشَّديد الملصق صَاحبه بالدقعة وَهِي الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات بهَا. وَالْغُرْم بِضَم
الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء هُوَ مَا يَلْزِمِ أَدَاؤُهُ تكلفا لَا فِي مُقَابِلَة عوض.
والمفظع بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة هُوَ الشَّديد الشنيع.
وَذُو الدَّم الموجع هُوَ الَّذِي يَتَحَمَّل ◌ِيَة عَن قَرِيبه أَو حميمه أَو نسيبه الْقَاتِل
يَدْفَعَهَا إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول وَلَو لم يفعل قتل قَرِيبه أَو حميمه الَّذِي يتوجع
لقتله.
قوله: وعن أنس تقدم الكلام على أنس.
قوله: أن رجلا من الأنصار أتى النبي وَّ فسأله فقال: ((أما في بيتك شيء))
قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، الحديث، الحلس قد ضبطه
الحافظ (١)، وفسره.
قوله: وقعب نشرب فيه من الماء، القعب: قدح من خشب(٢).
قوله وَيّة: ((قال: ((ائتني بهما))، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله وَلآل بيده،
وقال: ((من يشتري هذين؟)) قال رجل: أنا، آخذهما بدرهم، قال: ((من يزيد على
درهم مرتين، أو ثلاثا))، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ
الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: ((اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك،
واشتر بالآخر قدوما فأتني به،))، فأتاه به، فشد فيه رسول الله ﴾ عودا بيده، ثم
قال له: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا)) الحديث، القدوم
(١) أى المنذرى.
(٢) شرح المشكاة (١٥١٨/٥) للطيبي.
٢٦٣
كتاب الصدقات
رواه مسلم متفقون على تخفيفه قالوا: والقدوم آلة النجار المعروفة يقال: فيها
قدوم بالتخفيف لا غير (١)، وأما القدوم مكان بالشام(٢) ففيه التخفيف والتشديد
ممن رواه بالتشديد أراد القرية ومن رواه بالتخفيف تحتمل القرية والآلة
والأكثرون على التخفيف على إرادة الآلة(٣) والله أعلم.
فائدة: اختتن إبراهيم عليَلاء بالقدوم وهو ابن ثمانين سنة وهذا الذي وقع
هنا، أن إبراهيم عَلَّ اختتن وهو ابن ثمانين سنة هو الصحيح وقيل سبعين
ووقع في الموطأ وهو ابن مائة وعشرين سنة موقوفاً على أبي هريرة وهو
متأول أو مردود (٤) والله أعلم.
فائدة أخرى: الختان واجب لقوله تعالى: ﴿أَتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾(٥) وهو
أول من اختتن، ختن نفسه ولا يفعله إلا عن أمر الله تعالى، ولقول: وَل
لرجل أسلم: ((ألق عنك شعر الكفر واختتن))(٦) والأمر للوجوب.
(١) مشارق الأنوار (٢/ ١٧٤).
(٢) الغريبين في القرآن والحديث ١٥١٤/٥.
(٣) مطالع الأنوار (٤٢٠/٥)، وشرح النووي على مسلم (١٢٢/١٥) والمجموع (٢٩٧/١ -
٢٩٨)، وكشف المناهج (٩٥/٥).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٢٢/١٥) وكشف المناهج (٩٥/٥).
(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٣.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٨٣٥)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٣٥٦)، وابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٩٥)، وابن عدي في الكامل ٢٢٣/١، والبيهقي في السنن
١/ ١٧٢. وقال ابن القطان في الوهم والإيهام ٤٣/٥: إسناده غاية في الضعف مع الانقطاع
الذي في قول ابن جريج أُخْبِرْتُ وذلك أن عثیم بن کلیب وأباه وجده مجهولون. عبد
الرزاق: هو ابن همام الصنعاني، ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز.
٢٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: الرجل الذي أمره رسول الله وسلّم أن يحلق شعره لما أسلم اسمه:
عثيم بضم العين المهملة وفتح الثاء المثلثة (١) وروى الحديث أبو (داود)
ولم يضعفه فهو عنده [صالح أي حسن أو صحيح (٢)].
وفي وجه: أن الختان سنة مؤكدة وفي وجه ثالث: أنه واجب في حق الرجال
مستحب للنساء والأصح الوجوب مطلقً والواجب في حق الرجل قطع
الجلدة التي تواري الحشفة وتسمى القلفة حتى تنكشف جميع الحشفة،
والواجب في حق المرأة قطع الجلدة، [٦٦/ ب] كما قال الماوردي(٣): أو
اللحمة كما قال الرافعي التي في أعلى الفرج فوق ثقبة البول تشبه عرف
الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم(٤).
فرع: محل الوجوب بعد البلوغ قال: القاضي حسين بلا خلاف فلو مات
قبل الختان فالأصح أنه لا يختتن ولو كان صغيراً قاله في هادي النبيه(٥).
(١) هذا غلط فالحديث عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده فقال رجل هو جد عثيم قال
عبدان: هو عثيم بن كثير بن كليب، والصحابي هو كليب.
وقيل: هو عثيم بن قيس بن كثير الجهني. انظر: التلخيص الحبير: ٨٢/٤؛ تهذيب
التهذيب: ١٦١/٧. وانظر: السنن الكبرى، للبيهقي: ٣٢٢/٨).
(٢) المجموع (٢/ ١٥٤).
(٣) الحاوي الكبير (١٠٦/٣)
(٤) المجموع (١ / ٣٠١-٣٠٢) وكفاية النبيه (١ /٢٥٦)، والنجم الوهاج (٢٧٠/٩).
(٥) هادى النبيه (لوحة ٨/ خ ٢١٢١ ظاهرية).
٢٦٥
كتاب الصدقات
كان بعض من أدركناه يقول الذي يقتضيه الدليل وجوب ختان الكبير لأنه
من الفطرة وما ذكره ليس ظاهراً (١).
فرع: كما يجب الختان يجب قطع السرة لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا
(٢)
بذلك(٢).
فرع: الخنثى المشكل فيه وجهان أشهرهما يجب ختانه فيختتن (فى
الموضعين) جميعاً توصلا إلى الواجب وأصحهما أنه لا يجب ختانه لأنه
جرح على الإشكال وهو ممنوع(٣) والله أعلم ذكره في مختصر الكفاية لابن
النقيب.
فرع: والختان سنة قبل البلوغ وواجب بعده كما تقدم ويستحب تعجيله في
حق الصبي في اليوم السابع من ولادته لأنه أروح له إلا أن يظهر من حالة أنه
لا يطيقه لصغرنحوه فيؤخر وإذا أخر عن السابع قال: الماوردي (1)
فالمستحب أن يختتن (في اليوم) الأربعين وإن أخر عنها فالمستحب أن
يختتن في السنة السابعة لأنه الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالطهارة والصلاة،
وقال: القاضي حسين وهو المذكور في التهذيب عندى أن وقته بعد استكمال
العشر وأما قبله فلا (يجوز بحال) كما لا (يجب) الضرب للصلاة قبل
(١) المصدر السابق نفس الموضع.
(٢) كفاية النبيه (٢٦١/١).
(٣) كفاية النبيه (١/ ٢٦٠)، والنجم الوهاج (٢٧٣/٩).
(٤) الحاوى (١٣/ ٤٣٣).
٢٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
(العشر) والصحيح الأول(١) والفرق أن الختان يتزايد ألمه في (الكبر) لغلظ
الجلد [والختان واجب لأن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته] لأن
الجلدة تحبس البول ولهذا لا يجوز الإستنجاء بالحجر (٢) ويجب عليه غسل
داخل القلفة في الإستنجاء وفي غسل الجنابة على الأصح (٣) قاله ابن العماد
في شرح العمدة (٤).
فائدة: قد جاء في بعض طرق الحديث أن أول من اختتن إبراهيم ثم اختتنت
سارة ومن كان في ملة إبراهيم، وفي بعض الكتب أن أربعة عشر من الأنبياء ولدوا
مختونین وهم آدم وشیث ونوح وهود وصالح ويوسف وشعيب وموسى
وسليمان وزكرياء وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي صاحب الرس ونبينا محمد
وَل ليه (٥) واختتن لوط مع إبراهيم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وتوفي وهو ابن
ثمانين سنة(٦) قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه والله أعلم.
وهذا الحديث فيه فوائد جمة، فيه: أن النبي وَل هو الذي باع القدح
والحلس فقد يستدل به على بيع الحاكم على المعسر ولكن لم ينقل هنا أنه
كان عليه دين حتى يبيع الحاكم عليه وقد يقال كانت نفقة أهله واجبة عليه
(١) انظر كفاية النبيه (٢٥٩/١).
(٢) انظر شرح المشكاة (٧٨٧/٣)، وتحفة المولود (ص ١٦٧).
(٣) انظر: فتح الباري (٣٤١/١٠).
(٤) لم نقف عليه.
(٥) الميسر (١/ ١٤٢).
(٦) التبصرة (ص ١٥٤) والمنتظم (٢٨٢/١-٢٨٥).
٢٦٧
كتاب الصدقات
فهي كالدين وأراد الإكتساب بالسؤال فكره له النبي وَّة السؤال مع القدرة
على الكسب فباع عليه بعض ما يملكه واشترى له بذلك عالة يكتسب بها،
وقد يقال: هذا تصرف في ماله برضاه مع أن النبي ◌ُّ يجوز له التصرف في
أموال أمته بما شاء فتصرف له على وجه المصلحة وهذا خاص بالنبي وقداخله.
فإنه يبيع ملك الغير من غير وكالة وذلك لقوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) والله أعلم قاله: العراقي في شرح الأحكام(٢).
وفي هذا الحديث جواز الزيادة في ثمن السلعة قبل إيجاب البيع الأول (٣)
وفيه أنه لا نقيصة على الرجل الفاضل أن يكون سمسارًا (٤).
قوله {وَخَ﴾ [٦٧ /أ]: ((هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك))
النكتة بالتاء المثناة فوق كالنقطة شبه الوسخ في المرآة (٥)، تقدم ذكرها في
الجمعة.
قوله ◌َّله في حديث أنس هذا: ((أن المسألة لا تصلح إلا لثلاث الذي فقر
مدقع)) المدقع: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الشديد الملصق صاحبه
بالدقعاء وهي الأرض لا نبات بها ا. هـ.
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٦.
(٢) طرح التثريب (١٠٨/٦-١٠٩).
(٣) قمع الحرص (ص ٢٨).
(٤) قمع الحرص (ص ٢٨).
(٥) انظر كلام المنذرى على حديث (٣٧٢٨) كتاب الحدود.
٢٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال: غيره فيه أن سؤال الخلق لا يحل إلا لحاجة وهو الفقر المدقع وهو
غاية الفقر وأشده الذي لم يبق لصاحبه شيئاً من المال يرجع إليه وأصله من
الدقعاء وهو التراب والأرض التي لا نبات عليها فيفضي شدة الفقر بصاحبه
إلى الجلوس عليها وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَثْرَبَةٍ
﴾﴾(١)(٢)، وقال: ابن العربي(٣) الدقع سوء احتمال الفقر فكأنه وَاللّ لم يبح
المسألة إلا لمن عجز عن احتمال شدة الفقر.
وقوله: ((الفاقة والصبر)) وكان عاجزاً منقطعًاً عن الكسب وسبب هذا
الحديث يكشف عن ذلك فإنه قال: ((أما في بيتك شيء)) قال: بلى حلس
نلبس بعضه ونبسط بعضه الحدیث.
قوله وَيقر: ((أو الذي غرم مفظع)) والغرم قد ضبطه الحافظ(٤) وفسره فقال:
وهو ما يلزم أداؤه تكلفا لا في مقابلة عوض ا.هـ.
وقوله: ((مفظع)) قد ضبطه الحافظ(٥) وفسره فقال: هو الشديد الشنيع ا. هـ.
ا.هـ.
قوله {وَيقر: ((أو لذي دم موجع)) قد فسره الحافظ (٦) فقال: هو الذي يتحمل
دية عن قريبه أو حميمه أونسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول ولولم يفعل
(١) سورة البلد، الآية: ١٦.
(٢) قمع الحرص (ص ٢٧).
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (٣١٣/١)
(٤) أى المنذرى.
(٥) أی المنذرى.
(٦) المصدر السابق.
٢٦٩
كتاب الصدقات
قتل قريبة أو حميمة الذي يتوجع لقتله ا.هـ.
وقال غيره: هذا رجل صنع خيراً فليس من المعروف أن تترك الغرامة عليه
وحده بل يعان على ما تحمله ويعطي من الصدقة وغيرها ما يخرج به من
عهدة ما ضمنه وحمله(١) ا.هـ.
وفي هذا الحديث أيضاً أنه وَّه لم ير الصدقة تحل لأحد مع القوة على
الكسب ولا مع وجود شيء فقد روى أبو داود (٢) عن عبد الله بن عمرو عن
النبي وَلِلّ قال: ((لا تحل الصدقة لغني ولا ذي مرة سوي)) المرة الشدة والقوة
والسوي هو التام الخلق سالم من موانع الإكتساب وبحديث هذا الباب يقول
الشافعي وأبو ثور وغيرهما قالوا أكل من كان قوياً على الكسب والتحرف
مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام
وكذلك المتصوفة الذين تركوا أشغالهم وتخلوا لعبادة الله عز وجل ولهم
قدرة على التكسب لا يحل لهم الصدقة لأن التكسب مع الإعراض عن
النوافل أولى من الاشتغال بالنوافل والطمع مما في أيدي الناس قال النبي
وَ خلقه: ((إن أفضل ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من
عمل يده))(٣) انتهى (٤).
(١) قمع الحرص (ص ٣٤).
(٢) سنن أبي داود (١٦٣٤) الترمذي (٦٥٨) مسند أحمد (٦٥٣٠). وله شاهد من حديث أبي
هريرة عند ابن ماجه (١٨٣٩)، والنسائي في الكبرى (٢٣٨٩). وعن حُبْشي بن جنادة عند
الترمذي (٦٥٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود-الأم (١٤٤٤)،
(٣) البخاري (٢٠٧٢)
(٤) قمع الحرص (ص ٢٨).
٢٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٣٦ - وَعَن الزبير بن الْعَوامِ رَظْ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَ لَان يَأْخُذ أحدثُم
أحبله فَيَأْتِي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بهَا وَجهه خیر لَهُ من أَن
يَسْأَلَ النَّاس أَعْطوهُ أم منعُوهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَغَير همَا (١).
١٢٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّانَ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ لِأَن يحتطب أحدكُم
حزمة على ظَهره خير لَهُ من أَن يسْأَل أحدا فيعطيه أَو يمنعهُ، رَوَاهُ مَالك
وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(٢).
قوله: وعن الزبير بن العوام: الصحابي أحد العشرة كنيته أبو عبد الله الزبير
بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي المدني
يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي وأم الزبير صفية بنت عبد
المطلب عمة رسول الله والي أسلمت وهاجرت إلى المدينة أسلم الزبير
قديماً في أوائل الإسلام وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ابن ست عشرة،
وقيل وهو ابن ثمان سنين قيل ابن ثنتي عشرة وكان إسلامه رَقُوا بعد إسلام
أبي بكر بقليل قيل كان رابعًاً أو خامسًا وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى
المدينة وآخى رسول الله وَّله بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين
المهاجرين بمكة فلما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه
وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان رَوَّه أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف
اللحية.
(١) البخاري (١٤٧١)، وابن ماجه (١٨٣٦)، وأحمد (١٤٢٩)، وأبو يعلى (٦٧٥).
(٢) البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢).
٢٧١
كتاب الصدقات
قال النووي(١): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن جابر قال: ندب
رسول الله وَلّة يوم الأحزاب فانتدب الزبير بثلاث مرات، قال: من يأتينى
بخبر القوم قال: الزبير أنا قال: من يأتني [٦٧ / ب] بخبر القوم؟ قال الزبير:
أنا، قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، فقال: النبي وَّ ((إن لكل نبي
حواريًا، وحواري الزبير)) قال القاضي عياض(٢): اختلف من ضبطه فضبطه
جماعة من المحققين بفتح الياء من الثاني كمصرخي وضبطه أكثرهم
بكسرها، والحواري الناصر للرجل وقيل الناصح، وكان للزبير زَقَّهُ أربع
نسوة فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ
أَلْفٍ، وَمِائَتَا أَلْفٍ هذا لفظ رواية البخاري ومما رويناه من أحوال الزبير أنه
كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فيتصدق به في مجلسه وما يقوم
بدرهم منه وكان الزبير يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف فلحقه جماعة من
الغواة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة وقبره هناك في جمادى الأول سنة
ست وثلاثين وكان عمره حينئذ سبعاً وستين سنة، وقيل ستاً وستين سنة
وقيل أربعًا وستين سنة ومناقبه كثيرة مشهورة (٣).
قوله وهي: ((لأن يأخذ أحدكم أحبله فيذهب فيأتي بحزمة من حطب على
ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس شيئا أعطوه، أو
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٤-١٩٥).
(٢) إكمال المعلم (٤٢٨/٧)، وشرح النووي على مسلم (١٨٨/١٥-١٨٩).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٤/١ - ١٩٦ ترجمة ١٧٦).
٢٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
منعوه)) أحبله: بفتح الهمزة وإسكان الحاء المهملة وضم الباء الموحدة جمع
حبل وهو معروف ويجمع أيضا على حبال.
١٢٣٨ - وَعَن الْمِقْدَام بن معد يكرب رََّهُ عَنِ النَّبِي وَِّ مَا أكل أحد
طَعَاما خيرا من أَن يَأْكُل من عمل يَدِه وَإِن نَبِي الله دَاوُد ◌َّمَا كَانَ يَأْكُل من
عمل يَده رَوَاهُ الْبُخَارِيّ (١).
قوله: وعن المقدام بن معدي کرب تقدم ذكره.
قوله وَليّة: ((أن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده)) تقدم الكلام على
داوود ،عَل في الصدقات دل هذا الحديث على فضيلة الأكل من عمل اليد،
وقيل لسفيان الثوري رحمه الله تعالى ((ما تقول في رجل إذا كسب درهما كان
فيه ما يقوته وعياله ولم يدرك صلاة الجماعة وإذا كسب أربع دوانيق أدرك
الصلاة في الجماعة ولم يكن فيه ما يقوته ويفوت عياله أيهما أفضل قال:
يكسب الدرهم الحلال ويصلي وحده)»(٢).
وأيضًا دل الحديث على جواز الاشتغال بالكسب وقد كره بعض الناس
الاشتغال بالكسب وقالوا الواجب على كل إنسان الاشتغال بعبادة ربه لقوله
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾(٣) وقال عامة أهل
العلم: الكسب بمقدار ما يكفيه وعياله واجب وإن زاد على ذلك فهو مباح
(١) البخاري (٢٠٧٢)، وأحمد (١٧١٨١)،
(٢) حلية الأولياء (١٦/٧-١٧).
(٣) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
٢٧٣
كتاب الصدقات
وإن اشتغل بطلب الزيادة ولا يكون حراما ما لم يرد به الفخر والرياء وذلك
لأن الله تعالى فرض على عباده فرائض ولا يتهيأ أداء تلك الفرائض إلا
باللباس وقوت النفس ولا يحصل ذلك إلا بالكسب قيل ترك الكسب على
ثلاثة أوجه للكسل وللتقوى وللعار فمن ترك الكسب كسلا فلا بد له من
السؤال ومن تركه تقوى فلا بد له من الطمع ومن تركه عاراً فلا بد له من
السرقة(١).
فرع يختم به الباب: السؤال في المسجد مكروه فإن كان يتخطى الناس أو
يتخطاهم بجبى له الفلوس لم يجز ذلك وقد تقدم في الجمعة أن تخطي
الرقاب حرام فيجب على كل قادراً إنكار ذلك ومنعهم منه (وقد يضم
السؤال إلى ذلك) القراءة على غير الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة
والأثار المكذوبة والقصص الباطلة فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في
السكوت لأن في السكوت مع هذا الفعل على رؤس الأشهاد إتهامًا له
والعوام يظنون أن ذلك جائز فيكون السكوت سبباً لتجرئة غيره على مثل
فعله وسبباً لإعطاء العوام له وترغيباً في ذلك الفعل وقد قال: بعض علماء
الحنفية(٢) لو تصدق بأربعين فلساً خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة لذلك
(١) بستان العارفين (ص ٣٦٧).
(٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط للشيباني (١/٢) تحفة الفقهاء (٢٦٣/١) بدائع
الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/٢) الهداية في شرح بداية المبتدي (٩٨/١) الاختيار
لتعليل المختار (٩٩/١) العناية شرح الهداية (١٥٣/٢) الجوهرة النيرة على مختصر
=
٢٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفلس الذي أعطاه للسائل في المسجد حكاه القاضي ظهير الدين في فتاويه
فلو كان المعطي يقتدى به أو يتوهم الناس في إعطائه أن ذلك جائز عظم
الإثم في إعطائه بمساعدته له وترغيبه في فعل المنكر مع ما ترتب عليه من إثم
السكوت على الإنكار عليه والله أعلم قاله: ابن النحاس في تنبيهه أو الشيخ
شمس الدين السعودي [٦٨ / أ] في تهذيب النفوس على الشك(١).
القدوري (١١٣/١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري
(٢١٦/٢) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٩١) الدر المختار وحاشية ابن
عابدين (رد المحتار) (٢٥٦/٢) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص:
١٢٦).
(١) تنبيه العافلين (ص ٤٣٨).
٢٧٥
كتاب الصدقات
ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى
١٢٣٩ - عَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َو ◌َُّ قَالَ قَالَ رَسُول الله أَّ من نزلت بِهِ
فاقة فأنزلها بِالنَّاسِ لم تسد فاقته وَمن نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالله فيوشك الله لَهُ
برزق عَاجِلِ أَو آجلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
غريب. وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحِ الإِسْنَادِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ أرسل الله لَهُ بالغنى إِمَّا
بِمَوْت عَاجل أَو غنى آجل (١).
«يُوشك)) أَي يسْرع وزنا وَمعنى.
قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على عبد الله بن مسعود.
قوله {َله: ((من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة
فأنزلها بالله فيوشك الله برزق عاجل أو أجل)) الحديث.
قوله: ((فأنزلها بالله فيوشك الله بالغناء إما بموت عاجل أو أجل)) أوشك
أي قرب أن يحصل غناه.
قوله: بالغناء أي بالكفاية والغناء بفتح الغين أي بالكفاية من قولهم: لا
يغنى غناء بالمد (والهمز) ومن رواه بكسر الغين مقصورا على معنى اليسار
فقد صرف المعنى لأنه قال: لا يأتيه الكفاية عما هو فيه إما بموت عاجل أو
بغنى آجل وهو ضد العاجل(٢).
(١) أبو داود (١٦٤٥)، والترمذي (٢٣٢٦)، وأحمد (٣٦٩٦)، والطبراني في الكبير (٩٧٨٥)،
وأبو نعيم في الحلية (٣١٤/٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣١).
(٢) الميسر (٢/ ٤٣٧).
٢٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والفاقة الحاجة والفقر (١) أي من عرض حاجته على الناس لم يزيلوا فقره بل
ليعرض العبد فقره على الله تعالى ويسئل منه قضاء الحوائج فإنه الكافي (٢).
ويوشك قد فسره الحافظ فقال: معناه يسرع وزنه ومعناه، وقال: بعضهم
يوشك بضم الياء وكسر الشين أي يقرب ويقال في ماضية أوشك وهو من أفعال
المقاربة وقد وقع لدنو الخبر أخذاً فيه وهو مثل كادوعسى في الاستعمال(٣).
قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي خرج ابن أبي الدنيا (٤) عن أبي عمران
الجوني أبو عمران الجوني بفتح الجيم وسكون الواو هو (عبد الملك بن
حبيب الأزدي، ويقال: الكندي) هو الجونى البصري مات سنة ثمان
وعشرين(٥) والله أعلم. عن أبي الجلد قال: كان لنا جار وكان أثر الفاقة
والمسألة عليه بينًاً فقلت لو عالجت شيئً لو طلبت شيئً قال: يا أبا الجلد
وأنت تقول هذا من عرف ربه تبارك وتعالى فلم يستغربه فلا أغناه الله (٦).
وروى عن ابن عباس من وجوه أن رسول الله وَّ جله أوصاه، وقال: في وصيته له
إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (٧)، وذكر القشيري أن موسى
(١) مشارق الأنوار (٢ /١٦٥)، ومطالع الأنوار (٢٧٤/٥)، والنهاية (٤٨٠/٣).
(٢) المفاتيح (٢/ ٥٢١-٥٢٢)، وشرح المصابيح (٢/ ٤٥١).
(٣) شرح أبي داود (٦/ ٣٩٧) للعينى، وحدائق الأزهار (لوحة ٢٣٩/ ب) للأرزنجانى.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة (٥٩).
(٥) تهذيب الكمال (١٨ / الترجمة ٣٥٢١).
(٦) قمع الحرص (ص ٥٠).
(٧) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٢ -الرسالة)، وأبو يعلى (٢٥٥٦)، والطبراني
=
٢٧٧
كتاب الصدقات
بِ السّلام) قال في مناجاته: إلهي إنه لتعرض لي الحاجة فاستحي أن أسألك فاسأل
غيرك فأوحى الله تعالى إليه لا تسأل غيري واسألني حتى ملح عجينك
وعلف شاتك(١) وخرج الترمذي(٢) عن أبي هريرة رَهُ أن رسول الله وَه
قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
الله يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْألُ يَغْضَبُ(٣)
١٢٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّةَ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ مِن جَاعِ أَوَ احْتَاجَ
فكتمه النَّاس وأفضى بِهِ إِلَى الله تَعَالَى كَانَ حَقًّا على الله أن يفتح لَهُ قوت سنة
من حَلَال، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (٤).
وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
(١٢٨٢٠) (١٢٩٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤١٩)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٠٧٤)،: والضياء في المختارة (٣٣٨٣) و (٣٣٨٦): من طريق قيس بن
الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: كنت خلف رسول الله وَ ليه يوما:
فذكره وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قلت: وهو إسناد متصل قوي، وجاء من
طريق أخرى وفيها زيادات ليست في الرواية الأولى: أخرجه ابن سمعون في أماليه
(٢٢٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٢٦)، والضياء في المختارة (٣٣٨٥). قال
ابن حجر العسقلاني في موافقة الخبر الخبر - (٣٢٧/١): حسن.
(٢) سنن الترمذي (٣٣٧٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٤١٨).
(١) الرسالة (٣٦٩/٢)، وقمع الحرص (ص ٥٢).
(٣) قمع الحرص (ص ٥٣).
(٤) الطبراني في الصغير (٢٠٦)، وفي الأوسط (٢٣٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٥٦/١٠)، وفيه إسماعيل بن رجاء الحصني ضعفه الدار قطني.
٢٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَيقة: ((من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً
على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال)) الحديث الإفضاء عبارة (عن
الوصول للشيء أفضى إلى كذا وصل إليه (١).
خاتمة: روى الحافظ النسفي في كتاب ((فضائل الأعمال)) بإسناده إلى
حماد بن سلمة، أن عاصم بن أبي النجود، شيخ القراء، في زمانه قال:
أصابتني خصاصة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه
الكراهة، فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء الله، ثم وضعت
وجهي على الأرض، وقلت: يا مسبب الأسباب، يا مفتح الأبواب، يا سامع
الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن
حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك. قال: فو الله ما رفعت رأسي حتى
سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا حدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت
الكيس فإذا فيه ثمانون دينارا جوهرة ملفوفة في قطنة مندوفة. قال: فبعت
الجوهرة بمال عظيم وفضلت الدنانير فاشتريت بها عقارا [٦٨/ب]
وحمدت الله على ذلك ا.هـ. قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان(٢).
(١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦١).
(٢) حياة الحيوان (٣٢٧/١).
٢٧٩
كتاب الصدقات
الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي
١٢٤١ - عَن عَائِشَة ◌َالَّا عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ: إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة
فَمن أعطيناه مِنْهَا شَيْئًا بِطيب نفس منا وَحسن طعمة مِنْهُ من غير شَره نفس
بورك لَهُ فِيهِ وَمن أعطيناه مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْر طيب نفس منا وَحسن طعمة مِنْهُ
وشره نفس کَانَ غیر مبارك لَهُ فِیهِ، رَوَاهُ ابْن حبان فِي صَحِیحه وروی أَحْمد
وَالْبَزَّارِ مِنْهُ الشّطْرِ الْأَخيرِ بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد حسن(١).
الشره بشين مُعْجمَة محر كا هُوَ الْحِرْص.
قوله: عن عائشة تقدم الكلام على عائشة
ـد اللهِوَال
وعِنْهُ
٠
قوله وَله: ((إن هذا المال خضرة حلوة)) شبهه في الرغبة فيه والميل إليه
وحرص النفوس عليه، بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة فإن الأخضر
مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك على انفراده فاجتماعها أشد وفيه
(إشارة) إلى عدم بقائه لأن الخضروات (لا تبقى و) لا تراد للبقاء(٢).
قوله {مَّي: ((فمن أعطيناه منها شيئًا بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غير
شره نفس بورك له فيه)) الشره قد ضبطه الحافظ (٣) وفسره فقال: هو الحرص
[وأما قوله] بطيب نفس وأما طيب النفس فذكر القاضي [فيه احتمالين]
(١) ابن حبان (٣٢١٥)، وأحمد (٢٤٣٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٠/٣)، رواه
أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٦/٧).
(٣) أى المنذرى.
٢٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أظهرهما [أنه عائد على الآخذ] ومعناه من أخذه [بغير سؤال] ولا إشراف
وتطلع [بورك له فيه] والثاني أنه [عائد إلى الدافع و] معناه من أخذه ممن يدفعه
منشرحًا بدفعه [إليه] طيب النفس لا [بسؤال] اضطره إليه أو نحوه مما [لا
تطيب معه نفس الدافع قوله فمن أخذه بسخاوة نفس أي بطيبها وتنزهها عن
التشوف والحرص عليه وهو من السخاء يمد ويقصر يقال سخا الرجل يسخو
سخاء وسخاوة إذا جاد وتكرم حكى القصر عن] الخليل ولم يذكره أبو علي
[في المقصور وقد تكون] سخاوة النفس بمعنى ترك الحرص من قولهم سخيت
نفسي عن الأمر أى تركته (فكأنه مما) مما تقدم أي نزهتها عنه (١) ا. هـ.
(والشره قد ضبطه الحافظ)(٢) (وفسره فقال: هو الحرص).
١٢٤٢ - وَعَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانِ رَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِوَِّ لَا
تلحفوا فِي الْمَسْأَلَةَ فوَالله لا يسألني أحد مِنْكُمْ شَيْئًا فَتخرج لَهُ مَسْأَلته مني شَيْئًا
وَأَنَا لَهُ كَارِهِ فيبارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته، رَوَاهُ مُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ
صَحِيح على شَرطهمَا(٣).
١٢٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ وَسمعت رَسُول اللهِوَّهِ يَقُول إِنَّمَا أَنَا
خَازِن فَمن أَعْطيته عَن طيب نفس فمبارك لَهُ فِيهِ وَمن أَعْطيته عَن مَسْأَلَة وشره
نفس كَانَ كَالَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبع(٤).
(١) مشارق الأنوار (٢ /٢١٠).
(٢) أى المنذرى،
(٣) مسلم (١٠٣٨).
(٤) مسلم (١٠٣٧).