النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
كتاب الصدقات
وفى الحديث تأويلان قالهما الإمام أبو عبد الله القرطبى فى كتابه: قمع
الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتاب والشفاعة أحدهما: حمل
الحديث على وجهه وأنه يأتى هذا العبد الذى جعل مسألة الناس حرفته،
وسؤال الخلق دون الحق دأبه، وعادته يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه
فيبقى عظما أجرد قبيح المنظر والثانى: أن المراد أنه يأتى فى القيامة ولا قدر
له ولا وجه ولا وجاهة عند الله تعالى كما جاء فى بعض طرق الحديث («أنه
یلقی الله ولا وجه له عنده))، كما يقال: لفلان وجه عند الناس.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبى: وقد يجمع له الوجهان: كشف الوجه،
وعدم الجاه زيادة فى عقوبته(١) انتهى.
وعلامة ذنبه حين طلب وسأل بوجهه كما جاءت به الأحاديث الأخر
بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي (٢)، قال ابن عقيل وجاء فى
الحديث [٥٤/ أ] ((أن أهل المعاصى يحشرون على الهيئة التى كانوا يتعاطونها فى
الدنيا يحشر شارب الخمر والقدح بيده والكوز معلق في عنقه والقدح بيده))(٣)
وقال فى الميسر: وقد عرفنا الله تعالى أن الصور في الآخرة تختلف باختلاف
المعاني، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾(٤)(٥) وهذا فيمن سأل
(١) قمع الحرص بالزهد والقناعة (ص ١٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣٠/٧).
(٣) التذكرة (ص ٥٢٦) نقلا عن أبي حامد الغزالى في الدرة الفاخرة (ص ٦٥).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
(٥) الميسر (٤٣٣/٢).
١٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لغير ضرورة سؤالا منهيا عنه وأكثر منه كما في الرواية الأخرى من سأل تكثرا
فإنما يسأل جمرا (١) قال ابن بطال فيه ذم السؤال وتقبيحه، وفهم البخارى،
رحمه الله، أن الذى يأتى يوم القيامة لا لحم فى وجهه من كثرة السؤال أنه
السائل تكثرا لغير ضرورة إلى السؤال (٢)، أى يستكثر بسؤاله المال لا يريد به
سد الخلة قال وجازاه الله من جنس ذنبه حين بذل ماء وجهه وعنده الكفاية(٣)
والحكمة فى ذهاب لحم وجهه وصول حر الشمس إلى العظام بحيث لا
يقيها شىء وقال فى المفهم: وخص الوجه لأنه بذله فيما أمر بصونه عنه ففى
هذا الحديث النهى عن السؤال واتفق العلماء على تحريم ذلك إلا لضرورة
فإذا كان قادرا على الكسب فالصحيح أن السؤال حرام وقيل مكروه بشرط
أن لا يذل نفسه وأن لا يلح فيه وأن لايؤذى المسؤول وإن فقد أحد الشروط
فهو حرام، وقال فى الميسر وقد عرفنا الله- سبحانه- أن الصور في الدار
الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالي: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ
وُجُوهٌ﴾ (٤) فالذى يبذل وجهه لغير الله في الدنيا، من غير ضرورة، بل للتكثر
يصيبه شين في الوجه بذهاب اللحم عنه، ليظهر للناس فيه على صورة المعنى
الذي خفي عليهم(٥).
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٠/٧).
(٢) شرح الصحيح (٥١٢/٣).
(٣) الكواكب الدراري (٢٠/٨).
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
(٥) الميسر (٤٣٣/٢).
١٦٣
كتاب الصدقات
١١٨٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ◌َّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ إِنَّمَا الْمِسَائِل
كدوح يكدح بهَا الرجل وَجهه فَمن شَاءَ أبقى على وَجهه وَمن شَاءَ ترك إِلَّا أَن
يَسْأَلَ ذَا سُلْطَان أَوَ فِي أَمرِ لَا يجِد مِنْهُ بدا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ،
وَعِنْدِه الْمَسْأَلَةُ كد يكد بهَا الرجلِ وَجهه الحَدِيثِ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحٍ.
وَرَوَاهُ ابْن حبَانِ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظ كد فِي رِوَايَة وكدوحِ فِي أُخْرَى(١).
((الكدوح)) بِضَم الْكَاف آثَار الخموش.
قوله: وعن سمرة بن جندب تقدم الكلام علیه،
قوله ج: ((إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على
وجهه ومن شاء ترك))قال: الحافظ المنذري: الكدوح بضم الكاف أثار
الخموش ا.هـ، وقال غيره الكدوح بضم الكاف والدال وبالواو والحاء
المهملة وهي الأثار من الخدش والعض ونحوه (٢)، وقيل الكدوح أكثر من
الخدش وكل أثر من خدش أو عض ونحوه فهو كدوح (٣) وكدوح للمبالغة
كصبور أي يريق بالسؤال ماء وجهه ومن أراق ماء وجهه فكأنه جرحه (٤)
انتھی.
(١) أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (١٠٠/٥)، والترمذي (٦٨١)، وابن حبان (٣٣٨٦)،
وأحمد (٢٠١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٧).
(٢) كشف المناهج (١١٥/٢).
(٣) النهاية (٤ /١٥٥).
(٤) المفاتيح (٥١٨/٢).
١٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ويجوز أن يكون مصدرا سمى به الأثر والكدوح في غير هذا السعي
والحرص والعمل(١)، وقال: صاحب المغيث في رواية الترمذي والمسألة كد
يكد بها الرجل وجهه وفي رواية أخرى كدوح وفي أخرى خدوش أو خموش
الكد: الإتعاب يقال: كد يكد في عمله كدا، إذا استعجل وتعب كأنه يشير إلى
الحديث الذي جاء فيه: «جاءت مسألته خدوشا في وجهه) لأن الوجه إذا
خدش فقد أتعب ويحتمل أن يريد بالوجه ماءه ورونقه(٢) والله أعلم قاله في
. (٣)
النهاية(٣).
قوله وقيل: ((إلا أن يسئل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا)) إنما جاز سؤال
السلطان لأنه لا يلحقه منة فيما يأخذ منه (٤).
وقوله ◌َّي: ((أو في أمر لا يجد منه بدا)) يريد ما تدعو الحاجة إليه والضرورة
إلى المسألة فيه ككتاب أو ثوب أو غير ذلك، وأباح أيضا سؤال أهل الفضل
والصلاح عند الحاجة إلى ذلك إذ هم أهل الفضل بها، فإن أوقع حاجته بالله
تعالى فهو أولى وأفضل وأعلى(٥) على ما يأتى، وكان سفيان الثورى مع
(١) النهاية (٤ /١٥٥).
(٢) المجموع المغيث (٢١/٣-٢٢)، والنهاية (٤ /١٥٥).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٥٥/٤) ونصه: فِيهِ «المَسائلُ كَدٍّ، يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ
وَجْهَه)) الكَدُّ: الْإِتْعَابُ، يُقال: كَدَّ يَكُدُّ فِي عَمَله كَدّاً، إِذَا اسْتَعْجل وتَعِب. وَأَرَادَ بالوَجْه
مَاءَهُ ورَوْنَقَه.
(٤) قمع الحرص (ص ٣٤).
(٥) قمع الحرص (ص ٣٤).
١٦٥
كتاب الصدقات
ورعه وفضله يقول: جوائز السلطان أحب إلى من صدقة الإخوان لأن
الإخوان يمنون والسلطان لا يمن ومثل هذا عن العلماء الفضلاء كثير وجمع
فيه الناس أبو ابا والله أعلم ذكره القرطبى فى كتابه قمع الحرص بالزهد
والقناعة(١).
وقال بعضهم: سؤال السلطان هو: أن يسأل حقه من بيت المال الذى فى
يده وليس على معنى استباحة الأموال التى تخونها أيديهم من غصب ونحوه
والله أعلم (٢).
١١٨٨ - وَعَنِ مَسْعُود بن عَمْرو ◌ََّّهُ أَنْ النَّبِيِ وَّ قَالَ لَا يزَالِ العَبْدِ يسْأَل
وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخلق وَجهه فَمَا يكون لَهُ عِنْدِ الله وَجه، رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالطََّرَانِيّ
فِي الْكَبِيرِ وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى(٣).
قوله: وعن مسعود بن عمرو [ذكر البغوي أنه مسعود بن عمرو بن ربيعة
بن عمرو القاري، حليف بني زهرة، شهد بدرًا وروى عن النبي وَّ في كراهة
السؤال، روى عنه سعيد بن يزيد، تفرد بحديثه محمد بن جامع العطار، وهو
متروك، كذا أورده ابن عبد البر، وأقره ابن الأثير وزاد: وله حديث آخر رواه
عنه الحسن في النهي عن قتل الحيات، قال ابن حجر: ودعواه تفرد محمد بن
(١) قمع الحرص (ص ٢٠٦).
(٢) جامع الأصول (١٠/ ١٤٤)، والمفاتيح (٥١٨/٢).
(٣) البزار (٩١٩)، والطبراني في الكبير (٧٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٦/٣)،
رواه البزار والطبراني في الكبير وفیه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.
١٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جامع به ليس بصحيح، فقد أخرجه البغوي، وابن السكن، والطبراني، وابن
مندة، وأبو نعيم، وغيرهم، من طرق ليس فيها محمد بن جامع، لكن كلها
تدور على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١)].
قوله: «لا يزال العبد يسأل وهو غني حتی یخلق وجهه فما یکون له عند الله
وجه)) الحديث] [٥٤/ أ].
قوله ويلي: ((لا يزال العبد يسأل وهو غني)) وفي إسناده محمد بن عبد
الرحمن بن أبي ليلى (٢).
فائدة: قال ابن الأثير في الجامع: إِذا أطلق المحدثون: ابْن أبي ليلى،
يعنون: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ ابْنه مُحَمَّد بن
عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى(٣). قال في محمع الأحباب: ابن أبي ليلى أدرك مائة
وعشرين من أصحاب النبي ◌ٍّ ولما ولي القضاء ركب أول يوم فاصطفت
له الناس فنظر إليه مجنون من المجانين وقال: انظروا إلى من جمع الله له
سرور الدنيا بحزن الآخرة فقال ابن أبي ليلى: لو سمعتها قبل أن أراك ما
وليت لهم شيئا أسند عن علماء الصحابة وروى عن جماعة من التابعين،
(١) معجم الصحابة (٤٠٧/٥) للبغوى، ومعجم الصحابة (٦٤/٣) لابن قانع، والاستيعاب
(٣/ الترجمة ٢٣٨٧)، وأسد الغابة (٥/ الترجمة ٤٨٩٥)، والإصابة (٦ / الترجمة ٧٩٧٣).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٦٢/٤) طبقات ابن سعد ١٠٩/٦، طبقات خليفة ت ١٠٨٠، تاريخ
البخاري ٣٦٨/٥ تذهيب التهذيب ٢٢٦/٢ آ، غاية النهاية ت ١٦٠٢، الإصابة ت
٥١٩٢، تهذيب التهذيب ٢٦٠/٦
(٣) جامع الأصول (١٢ / ٨٣١).
١٦٧
كتاب الصدقات
قال: النووي (١) اسم أبي ليلى يسار وهو صحابي شهد أحدا وما بعدها من
المشاهد مع رسول الله وَيّ ثم انتقل إلى الكوفة سكنها وحضر مع علي بن
أبي طالب مشاهده كلها وقتل معه بصفين وقال: عبد الملك بن عمير رأيت
عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي ◌َّخلال يسمعون
الحديثه وينصتون له منهم البراء بن عازب، وقال عبد الله بن الحارث: ما
شعرت أن النساء يلدن مثل ابن أبي ليلى ولد عبد الرحمن لست سنين بقيت
من خلافة عمر وهو تابعي كبير جليل واتفقوا على توثيقه وجلالته، وتوفي
سنة ثلاث وتسعين ا. هـ والله أعلم.
١١٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َوَلَّهَا قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مِن سَأَلَ النَّاسِ فِي
غير فاقة نزلت بِهِ أَوَ عِيَال لَا يطيقهم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بِوَجْه لَيْسَ عَلَيْهِ لحم.
١١٩٠ - وَقَالَ رَسُول الله وَِّ من فتح على نَفسه بَاب مَسْأَلَة من غير فاقة
نزلت بِهِ أَو عِيَال لَا يطيقهم فتح الله عَلَيْهِ بَاب فاقة من خَيْثُ لَا يحْتَسب، رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ حَدِيث جيد فِي الشواهد(٢).
قوله وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله: وَّة ((من سأل الناس في غير فاقة نزلت به أوعيال لا يطيقهم)) الفاقة
الحاجة والفقر قوله وَقير: ((جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم)) الحديث
تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.
(١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣٠٣/١.
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٥٢٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٠).
١٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١١٩١ - وَعَنِ عَائِذْ بن عَمْرُو رَهُ أَن رجلا أَتَى النَّبِى وَهِ يَسْأَلِهِ فَأَعْطَاهُ
فَلَمَّا وضع رجله على أُسْكُّفَّة الْبَابِ، قَالَ رَسُول اللهِ وَّ لَو يعلمُونَ مَا فِي
الْمَسْأَلَةِ مَا مَشى أحد إِلَى أحد يسْأَلَه، رَوَاهُ النَّسَائِيّ(١).
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير من طَرِيقِ قَابُوس عَن عِكْرِمَة عَن ابْنِ عَبَّاس
رََِّّا، قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ لَو يعلم صَاحِب الْمَسْأَلَة مَا لَهُ فِيهَا لم يسْأَل(٢).
قوله: وعن عائذ بن عمرو (عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد بن
رواحة بن زبينة بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن
عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، يكنى أبا هبيرة،
ويقال لولد عثمان وأوس ابني عمرو: مزينة، نسبا إلى أمهما.
وكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة،
سكن البصرة، وابتنى بها دارا، وتوفي في إمارة عبيد الله بن زياد، أيام يزيد بن
معاوية، وأوصى أن يصلي علیه أبو برزة الأسلمي، لئلا يصلي علیه ابن زياد.
روى عنه الحسن، ومعاوية بن قرة، وعامر الأحول، وغيرهم. (٢)
قوله أن رجلا أتى رسول الله وسيم يسأله فأعطاه فلما وضع رجله على
اسكفة الباب الحديث اسكفة الباب بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء
(١) النسائي (٩٤/٥)، وأحمد (٢٠٦٤٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٩١).
(٢) الطبراني في الكبير (١٢٦١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٣/٣)، وفيه قابوس وفيه
كلام، وقد وثق، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٢).
(٣) أسد الغابة (١٤٦/٣).
١٦٩
كتاب الصدقات
المفتوحة هي عتبته قاله: في الصحاح وغيرها (١).
قوله ◌َّه: ((لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله)) وفي
رواية الطبراني عن ابن عباس ((لو يعلم صاحب المسألة ماله فيها لم يسأل)) (٢)
قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣) في كتابه المذكور في أول الباب إذا كان
السائل صادقا في سؤاله محتاجا إلى ما يدفع به ضرورته وفاقته فله أن يسأل
وعلى الناس أن يعطوه كما دل عليه حديث جرير وغيره وأما إذا كان السائل
من الملحين في السؤال الملحفين في طلب النوال الذين اتخذوه ديدنا وعادة
وحرفة وصنعة فإنهم يقامون ويخرجون لأنهم يشوشون على الناس وعلى
هذا يحمل كراهة مالك وما روى عن معاذ بن جبل في ذلك والله أعلم قال:
معاذ رَّةُ ((إذا كان يوم القيامة نادى منادي أين بغضاء الله في أرضه فيقوم
سؤال المساجد))(٤)، وقال: صالح المري قلت: للحسن قد كثر السؤال فمن
أعطى قال: من رق قلبك عليه(٥) والله أعلم.
قوله: ورواه الطبراني في الكبير من طريق قابوس عن عكرمة قابوس لا
(١) الصحاح (١/ ١٧٧)، ومجمل اللغة (ص ٦٤٦)، ومقاييس اللغة (٩٠/٣)، ومشارق
الأنوار (٤٨/١)، والنهاية (٣/ ١٧٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أی في کتابه قمع الحرص.
(٤) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين (٦٣/٢)، وأخرجه ابن حبان مرفوعا في المجروحين
(٢١٦/١) عن ابن عمر مرفوعا وفيه جعفر بن أبان متهم بالكذب. وأخرجه الديلمى في
الغرائب الملتقطة (٤٣٥) من حديث بقية، عن اليمان بن أبي اليمان، عن الحسن، عن أنس.
(٥) قمع الحرص (ص ٧٤ -٧٥).
١٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ينصرف للمعجمة والتعريف قال النابغة:
نُبِئْتُ أن أبا قابوسَ أوعدني ولا قَرارَ على زَأْرٍ من الأَسَدِ
قاله في الصحاح(١).
١١٩٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن رَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَسْأَلَةُ الْغَنِيّ
شين فِي وَجهه يَوْمِ الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَزَاد
وَمَسْأَلَةِ، الْغَنِيّ نَار إِن أعطي قَلِيلا فقليل وَإِن أعطي كثيرًا فكثير (٢).
قوله وعن عمران بن حصين تقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطًا.
قوله وقيل: ((مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة)) الشين هو الشيء
الفاحش القبيح يكون في وجهه أي يأتي بوجه ليس عليه لحم كما صرح به في
الحديث الآخر وتقدم تحريم الصدقة على الأغنياء واختلفوا في القوي
المكتسب، [٥٥/ أ] فقيل يحرم عليه لأنه في معناهم وبه قال: الشافعي لحديث
فيه(٣) وأباحه مالك وأبو حنيفة وحملا التحريم على المسألة والله أعلم.
(١) الصحاح (٩٦٠/٣). انظر: ديوان النابغة (ص: ٣٦).
(٢) أحمد (١٩٨٢١)، والطبراني في الأوسط (٧١٤١)، والبزار (٩٢٢)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٩٦/٣)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط والكبير، ورجال أحمد
رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٣).
(٣) أخرجه الشافعى في المسند (٦٦٣)، وأبو عبيد في الأموال (١٥٢٠)، وأحمد ٤/ ٢٢٤
(١٧٩٧٢ و١٧٩٧٣) و(٢٣٠٦٣٥ /٣٦٢)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في المجتبى
٥٩٥/٤ (٢٦١٨) والكبرى (٢٥٨٥) عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه
أنهما أتيا النبي وَّ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين، فقال: إن
١٧١
كتاب الصدقات
١١٩٣ - وَعَنِ ثَوْبَانِ رَقُّونَ أَنْ النَّبِيِوَِّ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا
غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيّ ورواة
أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح(١).
قوله: وعن ثوبان تقدم الكلام عليه أيضا، قوله: وقال﴾ ((من سأل مسالة وهو
عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة)) تقدم الكلام على الشين.
١١٩٤ - وَعَنِ جَابر بن عبد الله ◌َ لِّنَا أَن رَسُولِ الله ◌َِّ قَالَ مِن سَأَلَ وَهُوَ
غَنِي عَنِ الْمَسْأَلَة يحْشر يَوْمِ الْقِيَامَة وَهِي خموش فِي وَجهه، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْأَوْسَطِ بِإِسْنَاد ◌َا بَأْس ◌ِهِ(٢).
وقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر قوله وَ يليه ((من سأل
وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه)» أي خدوش
يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشاً، وخموشا الخموش مصدر
ويجوز أن يكون جمعا للمصدر حيث سمي به قاله في النهاية وخدش الجلد
يخدشه خدشا إذا قشره بعود أو نحوه والخدوش جمعه لأنه سمي به الأثر
وإن كان مصدرا قاله في النهاية (٣).
شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب. وصححه الألباني في المشكاة
(١٨٣٢) وصحيح أبي داود (١٤٤٣).
(١) أحمد (٢٢٤٢٠)، والطبراني في الكبير (١٤٠٧)، والبزار (٩٢٣)، وصححه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٤).
(٢) الطبراني في الأوسط (٥٤٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٦/٣)، ورجاله
مو ثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٥).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٤/٢).
١٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١١٩٥ - وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو رََّهُ عَنِ النَِّ ◌َِّ أَنْهِ أُنِي بِرَجُل يُصَلِّي
عَلَيْهِ فَقَالَ كم ترك قَالُوا دينارين أَوْ ثَلَاثَة، قَالَ ترك كيتين أَو ثَلَاث كيات
فَلَقِيت عبد الله بن الْقَاسِم مولى أبي بكر فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَاك رجل
كَانَ يسْأَلَ النَّاسِ تكثرا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد
الْحمانِي(١).
قوله عن مسعود بن عمرو [مسعود بن عمرو الثقفي سكن المدينة، روى
عن النبي وَلّ في كراهية السؤال.
روى عنه سعيد بن يزيد، والذي انفرد بحديثه محمد بن جامع العطار،
وهو متروك الحديث].
قوله أنه أتى برجل يصلي عليه النبي ◌َّ فقال: ((كم ترك)» قالوا: دينارين أو
ثلاثة فقال: ترك كيتين أو ثلاثة كيات فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر
فذكرت ذلك له فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثرا أي يسأل الناس
لیکثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم علیه.
فائدة: رواه البيهقي(٢) من رواية يحي بن عبد الحميد الحماني، الحماني:
بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، قال السمعاني: (٣) هَذِه
(١) أحمد (٩٥٣٨)، البيهقي في شعب الإيمان (٣٥١٥)، والبزار (٣٦٥٠)، وابن أبي شيبة
(٣٧٢/٣).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
١٧٣
كتاب الصدقات
النِّسْبَةِ إِلَى حمان بن عبد الْعَزِيز بن کَعْب ابْنِ سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِیم وَهِي
قَبِيلَة من تَمِيم نزلت ا الْكُوفَة وَالْمَشْهُورِ بِهَذِهِ النِّسْبَة أَبُو يحيى عبد الحميد بن
عبد الرَّحْمَن بن مَيْمُون الْحمانِي روى عَنِ الْأَعْمَش وَالثَّوْرِي وَغَيرِهمَا روى
عَنْهُ ابْنه أَبُو زَكَرِيًّا يحيى، والله أعلم.
١١٩٦ - وَعَن حبشِي بن جُنَادَة رَّالَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول من
سَأَلَ من غير فقر فَكَأَنَّمَا يَأْكُلِ الْجَمْرِ، رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرِجَاله رجال
الصَّحِيحِ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه(١).
وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفَظْهِ سَمِعتَ رَسُولِ اللهِ وَِّ يَقُول الَّذِي يسْأَل من غيرِ حَاجَة
كَمثل الَّذِي يلتقط الْجَمْر (٢).
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مِجَالد عَن عَامر عَن حبشِي أطول من هَذَا وَلَفظه
سَمِعت رَسُول الله وَّهِ فِي حِجَّة الْوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٍ بِعَرَفَة ◌َتَاهُ أَعْرَابِي فَأخذ
بِطرف رِدَائِه فَسَأَلَهُ إِيَّهِ فَأَعْطَاهُ وَذهب فَعِنْدَ ذَلِك حرمت الْمَسْأَلَةُ فَقَالَ رَسُول
الله ◌َّهِ إِن الْمَسْأَلَة لا تحل لَغَنِيّ وَلَا لِذِي مرّة سوي إِلَّا لِذِي فقر مدقع أَو غرم
مقطع وَمَن سَأَلَ النَّاس ليثري بِهِ مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْمِ الْقِيَامَة
(١) أحمد (١٧٥٠٨)، الطبراني في الكبير (٣٥٠٦)، وابن خزيمة (٢٤٤٦)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٩٦/٣)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٩٦).
١٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ورضفا يَأْكُلهُ من جَهَنَّم فَمن شَاءَ فليقلل وَمن شَاءَ فليكثر قَالَ التِّرْمِذِيّ
حَدِيثٍ غَرِيبٍ (١). زَادِ فِيهِ رزين: وَإِنِّي لأعطي الرجل الْعَطِيَّةِ فَيَنْطَلِقِ بِهَا تَحت
إبطه وَمَا هِيَ إِلَّ النَّارِ فَقَالَ لَهُ عمر وَلم تُعْطِي يَا رَسُول الله مَا هُوَ نَار فَقَالَ أَبِى
الله لي الْبُخْلِ وأبوا إِلَّا مَسْأَلَتِي قَالُوا: وَمَا الْغنى الَّذِي لَا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَةُ قَالَ
قدر مَا يغديه أَو يعشيه وَهَذِه الزِّيَادَة لَهَا شَوَاهِد كَثِيرَة لكني لم أَقف عَلَيْهَا فِي
شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ (٢).
«الْمرة)»: بِكَسْر الْمِيمَ وَتَشْديد الرَّاء هِيَ الشدّة وَالْقُوَّة. والسوي: بِفَتْح
السِّينِ الْمُهْمَلَة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ التَّامِ الْخلقِ السَّالِم من مَوَانِعِ الاِكْتِسَاب.
يثري: بالثاء الْمُثَلََّةُ أَي مَا يِزِيد مَاله بِهِ. والرضف يَأْتِي وَكَذَا بَقِيَّةِ الْغَرِيب.
قوله: وعن حبشى بن جنادة [هو حبشي بن جنادة بن نصر بن أسامة بن
الحارث بن معيط بن عمرو بن جندل بن مرة بن صعصة ومرة أخو عامر بن
صعصعة ويقال لكل من ولده سلولي نسبوا إلى أمهم سلول بنت ذهل بن
شيبان يكنى أبا الجنوب يعد في الكوفيين رأى النبي ◌َّ في حجة الوداع،
روى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي(٣)].
(١) الترمذي (٦٥٣)، والطبراني في الكبير (٣٥٠٤)، والبغوي في شرح السنة (١٦٢٣)،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).
(٢) ابن الأثير في جامع الأصول (٧٦٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٩٦).
(٣) أسد الغابة (١ / الترجمة ١٠٢٩)، وتهذيب الكمال (٥ / الترجمة ١٠٧٥).
١٧٥
كتاب الصدقات
قوله: وَلّ ((من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر)) أي الذي يأخذه يصير
جمراً فإن شئت اسأل القليل أو الكثير فالجمر أيضا كان قليلا أو كثيرا، وفى
رواية: (كمثل الذي يلتقط الجمر)) رواه الترمذي من رواية مُجالدٍ عن عامر
بن حبشي أطول من هذا.
قوله: سمعت رسول الله وَلاّ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة أتاه أعرابي
فأخذ بطرف ردائه فسأله إياه فأعطاه وذهب فعند ذلك حرمت المسألة
الحديث تقدم الكلام على حجة الوداع وعلى الأعرابي.
قوله: {وَي ((إن المسألة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي)) المرة: الشدة
والقوة، قاله: الحافظ والسوي هو التام الخلق السالم من موانع الاكتساب
أي الصحيح الأعضاء، قاله المنذري.
قوله: {َّ ((إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع)) قال في النهاية: أي شديداً
يفضي بصاحبه إلى الدقعاء(١) وقيل هو سوء لاحتمال الفقر، وقيل: الفقر
المدقع الذى لا يملك معه شيئا أو يملك مالا يقع موقعا في كفايته (٢) وهذا
عند الشافعية وعكسه الحنفية(٣).
قوله: أو غرم مفظع المفظع الشديد الشنيع وقد أفظع يفظع فهو مفظع
وفظع الأمر فهو فظيع قاله: في النهاية (٤) والغرم بضم الغين المعجمة وسكون
الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفا.
(١) النهاية (١٢٧/٢).
(٢) المجموع (١٨٩/٦ - ١٩٠) وشرح النووي على مسلم (١٠/) وطرح التثريب (٣٣/٤).
(٣) انظر درر الحكام (١ / ١٨٨).
(٤) النهاية (٤٥٩/٣).
١٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وَاليه: ((من سأل الناس ليثري به ماله كانت خموشا في وجهه يوم
القيامة ورضفا يأكله من جهنم)) الحديث قوله: ليثري به ماله أي يزيد ماله به
كذا فسره الحافظ المنذري وتقدم الكلام على الخموش في الأحاديث
المتقدمة، [٥٥/ ب] والرضف الحجارة المحماة وتقدم الكلام عليه في
الزكاة.
قوله: قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة قال: قدر ما يغذيه أو
يعيشه واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة فقال: الأكثرون
حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي قال:
أصحاب الرأي حده أن يملك مائتي درهم وقال: قوم من ملك خمسين
درهما لا تحل له الصدقة ولما روى عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله وله
((من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو
خدوش)) قيل: وما يغنيه قال: ((خمسون درهما أو قيمته من الذهب)) وهو
قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل
من الزكاة أكثر من خمسين وقيل أربعون درهما لما روى أن النبي وَاللّه قال:
((من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل الحافا)) (١) والله أعلم ذكره البغوي(٢)
وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا.
(١) سبق تخريجه.
(٢) تفسير البغوى (٣٦٠/٢).
١٧٧
كتاب الصدقات
١١٩٧ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَة ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِوَّهِ مِن سَأَلَ النَّاس
تكثرا فَإِنَّمَا يسْأَل جمرا فليستقل أَو ليستكثر، رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه(١).
١١٩٨ - وَعَنِ عَلَيّ رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ مِن سَأَلَ النَّاسِ عَن ظهر
غنى استكثر بها من رضف جَهَنَّم، قَالُوا وَمَا ظهر غنى قَالَ عشَاء لَيْلَة، رَوَاهُ
عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده على الْمسند وَالطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده
جيد(٢).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله: وَلـ ((من سأل
الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر)) الحديث قال: النووي (٣)
ضبطناه بالمثلثة في قوله ليستكثر بعد الكاف وكذا هو في معظم الأصول وهو
الظاهر وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة وله وجه
وهو بمعنى الأول أن يصير ماله كثيرا عظيما المراد به أن يسأل مع استغنائه
وفيه وعيد شديد لمن سأل مع عدم الاحتياج وتهديد أبلغ في التهديد والمنع
(١) مسلم (١٠٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨).
(٢) عبد الله ابن أحمد في زوائد المسند (١٢٥٣)، والطبراني في الأوسط (٧٠٧٨)، والدار قطني
(١٩٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٤/٣)، رواه عبد الله بن أحمد والطبراني في
الأوسط وفي إسنادهما الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت، والحسن وإن أخرج له
البخاري فقد ضعفه غير واحد، ولم يسمعه من حبيب، بينهما عمرو بن خالد الواسطي،
كما حكاه ابن عدي في الكامل عن ابن صاعد، وعمرو ابن خالد كذبه أحمد وابن معين
والدار قطني.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٨).
(٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٣٣/٧).
١٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وليس بتخيير وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(١)
والمراد بجمر جهنم التعذيب بها يوم القيامة فلما كانت المسألة سبب
التعذيب بها أطلق المسألة عليها من باب إطلاق اسم المسبب على السبب،
قاله: ابن عقيل وقال: القاضي عياض (٢) معناه يعاقب بالنار ويحتمل أن يكون
على ظاهره وإن الذي يأكله يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة
وقال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣) في كتابه قمع الحرص ((من سأل الناس
تكثرا فإنما يسأل جمرًا)) أي من غير حاجة ولا ضرورة به إلى ما يسألهم وإنما
يسأل استكثارا ليكثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم عليه لأن
المسألة من أموال الناس لا تحل إلا لضرورة على ما يأتي بيانه فمن سألها عن
غير حاجة أخذ حراما وأكل مالا بالباطل وهو دعوى الفقر وأخذ ما لا يحل
ولهذا توعد عليه بالنار فقال: ((إنما يسأل جمرا)) يعني يأكله غدا أو يحرقه أو
لأن فيه إظهارا منه للفقر وقد أغناه الله وكتما لنعمة الله تعالى فبدل شكرها
كفرا وكذب في سؤاله وأخذ صدقة يستحقها الفقراء وهم أولى بها فمنعهم
حقوقهم بأخذها وكل هذه فواحش ومعاصي باطنة وظاهرة توجب عذاب
النار وحكم من هذا فعله أن يؤخذ ذلك منه(٤).
(١) سورة الكهف، الآية: ٢٩.
(٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٦/٣).
(٣) قمع الحرص (ص ٢٠).
(٤) زيادة من المصدر السابق.
١٧٩
كتاب الصدقات
١١٩٩ - وَعَن سهل ابْن الحنظلية ◌َّهُ قَالَ قدم عُبَيْنَة بن حصن والأقرع
بن حَابِس ◌َوِّنَا على رَسُول الله وَِّ فَسَأَلَاهُ فَأمر مُعَاوِيَة فَكتب لَهما مَا سَأَلًا
فَأَمَا الْأَقْرَعِ فَأخذ كِتَابه فلفه فِي عمَامَته وَانْطَلْق وَأَما عُبَيْنَة فَأَخذ كِتَابه وأتى بِهِ
رَسُولِ اللهِ وَّ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَتْرَانِ حَامِلا إِلَى قومِي كتابا لَا أَدْرِي مَا فِيهِ
كصحيفة المتلمس فَأَخْبر مُعَاوِيَة بقوله رَسُول الله وَلِّ فَقَالَ رَسُول الله وَّه من
سَأَلَ وَعِنْده مَا يُغْنِيِهِ فَإِنَّمَا يستكثر من النَّارِ، قَالَ النَّفَيْلِي وَهُوَ أحد رُوَاته قَالُوا
وَمَا الْغنى الَّذِي لَا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ قدر ما يغديه ويعشيه، رَوَاهُ أَحْمد
وَاللَّفْظِ لَهُ(١). وَابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحِه وَقَالَ فِيهِ من سَأَلَ شَيْئًا وَعِنْده مَا يُغْنِيه
فَإِنَّمَا يستكثر من جمر جَهَنَّم، قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا يُغْنِه قَالَ مَا يغديه أَو
يعشيه كَذَا عِنْده أَو يعشيه بأَلْف (٢).
وَرَوَاهُ ابْن ◌ُزَيْمَة بِاخْتِصَارِ إِلَّا أَنْه قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا الْغنى الَّذِي لَا
تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ أَن يكون لَهُ شبع يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَو لَيْلَة وَيَوْم (٣).
قَوْله: كصحيفة المتلمس هَذَا مثل تضربه الْعَرَب لمن حمل شَيْئًا لَا يدْرِي
هَل يعود عَلَيْهِ بنفع أَو ضرّ وَأَصله أَن المتلمس واسْمه عبد الْمَسِيح قدم هُوَ
(١) أبو داود (١٦٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٩).
(٢) ابن حبان (٥٤٥)، وأحمد (١٧٦٢٥)، والطبراني في الكبير (٥٦٢٠)، والبيهقي (٢٥/٧)،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٩).
(٣) ابن خزيمة (٢٣٩١)، والبيهقي (٢٤/٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٩٩).
١٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وطرفة الْعَبْدي على الملك عَمْرو بن الْمُنْذر فأقاما عِنْده فنقم عَلَيْهِمَا أمرا
فَكتب إِلَى بعض عماله يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِمَا وَقَالَ لَهما إِنِّي قد كتبت لَكمَا بصلَة
فاجتازا بِالْحِيرَةِ فَأَعْطَى المتلمس صَحِيفَته صَبيا فقرأها فَإِذا فِيهَا الْأَمر بقتْله
فألقاها وَقَالَ لطرفة افْعَل مثل فعلي فَأَبِى عَلَيْهِ وَمضى إِلَى عَاملِ الْملك
فقرأها وَقَتله.
قَالَ الْخطائِيّ اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيلِه يَعْنِي حَدِيث سهل فَقَالَ بَعضهم من
وجد غداء يَوْمه وعشاءه لم تحل لَهُ الْمَسْأَلَة على ظَاهِرِ الحَدِيثِ وَقَالَ
بَعضهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَن وجد غداء وعشاء على دَائِمِ الْأَوْقَات فَإِذا كَانَ عِنْده مَا
يَكْفِيهِ لقُوته الْمدَّةِ الطَّوِيلَة حرمت عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا مَنْسُوخ
بالأحاديث الَّتِي تقدم ذكرهَا يَعْنِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَقْدِير الْغنى بِملك
خمسين درهما أَو قيمتهَا أَو بِملك أُوقِيَّةً أَو قيمتهَا (١).
قَالَ الْحَافِظِ رَّ ◌َهُ ادِّعَاء النّسخ مُشْتَرك بينهمَا وَلَا أعلم مرجحا لأَحَدهمَا
على الآخر وَقد كَانَ الشَّافِعِي رَحمَه الله يَقُول قد يكون الرجل بالدرهم غَنِيا
مَعَ كَسبه وَلَا يُغْنِيهِ الْألف مَعَ ضعفه فِي نَفْسِه وَكَثْرَة عِيَاله وَقد ذهب سُفْيَان
الثَّوْرِيّ وَابْنِ الْمُبَارك وَالْحسن بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن
رَاهَوَيْهِ إِلَى أَن من لَهُ خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب لَا يدفع إِلَيْهِ شَيْء
من الزَّكَاةِ وَكَانَ الْحِسنِ الْبَصْرِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة يَقُولَانِ مِن لَهُ أَرْبَعُونَ درهما فَهُوَ
غَنِي وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأَي يجوز دَفعهَا إِلَى من يملك دون النّصاب وَإِن كَانَ
(١) معالم السنن (١٢٩/٢).