النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الصدقات
ألقي صاحبها على وجهه لتطأه (١) [والبطح]: البسط كيف كان لتدوسه [لا
يقتضي تخصيص ] الظهر ولا غيره لكن الحديث دال على [الظهر.] قال
القاضي عياض (٢): قد جاء في رواية البخاري ((تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا)) قال:
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَطْحِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ
بِمَعْنَى الْبَسْطِ وَالْمَدِّ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ ويحتمل أن
يفعل به الأمران جميعًا، فيكب على وجهه تارة ويلقى على قفاه أخرى مبالغة
في النكال والله أعلم. ومنه سميت بطحاء مكة لإنبساطها (٣) ذكره في شرح
المشارق، قوله {وَله ((بقاع قرقر)) قد فسرهما الحافظ(٤) فقال: القاع المكان
المستوى من الأرض ا.هـ.
وأصل القاع الموضوع المستوى الواسع الذي يستقر فيه ماء، وجمعه قيعة
وقيعان مثل جار وجيران قاله الهروي والقرقر هو الأملس [٣٦/ أ] قاله
الحافظ(٥). وقال غيره القاع المستوى من الأرض، والقرقر أيضاً في معناه
وعبر عنه بلفظين مختلفين للمبالغة في استواء ذلك المكان ذكره شهاب
الدين التوربشتي (٦).
(١) النهاية (١ /١٣٤).
(٢) ينظر: مشارق الأنوار (١/ ٨٧)، ومطالع الأنوار (٤٨٧/١).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦٤/٧-٦٥).
(٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).
(٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣).
(٦) الميسر (٤١٠/٢).

٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وثيقة: ((أوفر ما كانت)) وفي الرواية: ((أعظم ما كانت)) أراد به كمال
حالها في القوة والسمن فيكون أثقل لو طيها أي ليكون إيلامه أعظم. قوله:
((لا يفقد منها فصيلا واحدا)) الحديث. يعني عند مانع زكاتها لأنها قد تكون
عنده على حالاتٍ مرة هزيلة ومرة سمينة، ومرة صغيرة، وأخرى كبيرة، فتأتي
يوم القيامة على أوفر أحوالها عنده زيادة في عقوبة بكثرتها أو قوتها وكمال
خلقها فتكون أثقل في وطئها، كما إن ذات القرون تكون بقرونها لتكون أنكى
وأصوب لطعنها ونطحها، وأيضًا فتأتي جميعًا لا يفقد منها شيئا حتى
الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وقد تجب الزكاة إما لبلوغه حولا
وإما لبناء حوله على حول أمه، وهذا الذي ذكرته هو الظاهر وذكر العراقي في
شرح الترمذي (١) احتمالين آخرين؛ أحدهما: أنها تأتي أوفر ما كانت في الدنيا
مطلق فقد تكون عند صاحبها الذي منع زكاتها هزيلة في جميع مدتها عنده،
وتسمن بعد ذلك عند غيره أو تكون قبل أن يملكها سمينة فتحشر على أتم
حالاتها تغليظا عليه، الاحتمال الثاني أنها تجيء على أعظم حالات الإبل
مطلقا هي وغيرها، قوله ◌َّ: ((كلما مر عليه أولاها رد عليه أخرها)) هكذا هو
في جميع نسخ مسلم في هذا الموضوع من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح
عن أبي هريرة، قال القاضي عياض (٢) وغيره قالوا هو تغيير وتصحيف،
وأيضًا نسبوا راويه إلى السهو وصوابه ما جاء في الأحاديث الأخر، وما في
(١) ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٢١/٤) ولم نقف عليه في شرح الترمذي.
(٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٦/٣).

٢٣
كتاب الصدقات
رواية سهيل عن أبي صالح وغيره، وما جاء في حديث المعرور بن سويد عن
أبي ذر كلما مر عليه أخراها رد عليه أولها، وبهذا ينتظم الكلام ويستقيم معنى
الترداد والتكرار، قوله قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال: ((ولا صاحب بقر
ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر
أوفر ما كانت لا يفقد منها شيئا ليس منها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء))
فيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، كما جاء في أصح الأحاديث الواردة في
زكاة البقر.
قوله وَيقة: ((تنطحه بقرونها)) بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري
وغيره، والكسر أفصح وهو المشهور في الرواية العقصاء هي الملتوية القرن،
الجلحاء التي ليس لها قرن، قاله الحافظ (١). قال في النهاية(٢): والأجلح من
الناس: الذي لا يحسر الشعر عن جانبي جبهته، ومنه الحديث: ((حتى يقتص
للشاة الجلحاء من القرناء))، والعضباء: بالضاد المعجمة هي [مكسورة ]
القرن، قاله المنذري. وقال بعضهم(٣): العضباء: هي التي انكسر (قرنها
الداخل)، وفي حديث جابر عند مسلم(٤) ((لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَّا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا))
(١) أي المنذري، وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٨٤/١).
(٣) قاله المازرى في المعلم (١٥/٢) والقاضى عياض في إكمال المعلم (٤٨٧/٣) والنووي
في شرحه على مسلم (٦٥/٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٧ - ٩٨٨).

٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وربما كان [في بقره ] وغنمه في الدنيا من [هو بهذه الصفة من النقص] فأخبر
عليه الصلاة والسلام أنها تأتي يوم القيامة تام الخلق تغليظا عليه(١).
قال القرطبي(٢): يريد أنها كلها ذوات قرون صحاح معتدلة يمكن بها
النطح والطعن حتى يكون أشد لألمه، و أبلغ في عذابه ا.هـ.
قوله وَل: ((تنطحه بقرونها)) بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري
وغيره، والكسر أفصح وهو المشهور في الرواية قوله: ((وتطؤه بأظلافها))، وقد
فسر الحافظ (٣) رحمه الله تعالى الظلف فقال: الظلف للبقر والغنم بمنزلة الحافر
للفرس وزاد غيره فقال: الظلف للبقر والغنم و الظباء والخف للبعير و القدم
للآدمي والحافر للفرس والبغل والحمار، قوله: قيل يا رسول الله فالخيل قال:
(الخيل ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل وزر (٤) وهي لرجل أجر)) هكذا في أكثر
النسخ التي وقع، ووقع في بعضها [الستر] وهو أوضح وأظهر (٥).
قوله: ((فرجل ربطها رياءً وفخراً ونِواءً [٣٦/ ب] لأهل الإسلام)) وقد
فسر الحافظ (٦) قوله: ونواء لأهل الإسلام فقال: هو المعاداة، قال: غيره أي
معاداة يقال: ناوی فلان فلانًا إذاعاداه.
(١) طرح التثريب (٤/ ١٣).
(٢) التذكرة (ص ٧٠٠)
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٢٦٢/٣).
(٤) كذا في الأصل وصوابه ولرجل ستر.
(٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ٦٦).
(٦) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٢٦٨/٣).

٢٥
كتاب الصدقات
ويؤخذ من هذا الحديث: أن العزم على المعصية إذا استقر ترتب عليه
الإثم ألا تراه أثبت له الإثم بقصد المعاداة وهذا مذهب أكثر أهل العلم على
ما قاله بعض المتأخرين، ويحمل قوله وَّة: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به
أنفسها)) (١) على الخطرات والوساوس التي لا ثبوت لها ولا استقرار)) ذكره
ابن عقيل في شرح الأحكام.
قوله: ((وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله أي عدها للجهاد))
وأصله من الربط ومنه الرباط وهو حبس الرجل نفسه في الثغر وإعداد الأهبة
لذلك قوله ◌َّ: «ثم لم ینس حق الله في ظهورها ولا رقابها)) استدل به أبو
حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وزفرعلى وجوب الزكاة في الخيل إن
كانت ذكوراً وإناثً، وخالفهم العلماء كافة أما إذا انفردت الذكور أو الإناث
فعن أبي حنيفة روايتان من حيث أن النماء بالنسل لا يحصل إلا بإجتماع
الذكور والإناث وهذا إذا كانت سائمة فقد روى الدار قطني(٢) عن جابر رفعه
((في الخيل السائمة في كل فرس دينار)) لكن انفرد به غورك بن الفضل(٣) وهو
ضعيف، وإذا وجبت فهو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس ديناراً وإن شاء
(١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، أحمد (٩١٠٨)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والطحاوي في شرح
مشكل الآثار (١٦٣٢)، وابن منده في الإيمان (٣٤٩)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٨٢.
(٢) سنن الدار قطني (٢٠١٩).
(٣) هكذا ورد في الأصل وفي الدار قطني (٢٠١٩): غُورَكِ بْنِ الْخِضْرِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، ثم قال في
نهاية الحديث: تَفَرَّدَ بِهِ غُورَكٌ، عَنْ جَعْفَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَنْ دُونَهُ ضُعَفَاءُ.

٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوّمها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وهو ربع عشر القيمة،
وقال: مالك والشافعي وأحمد،أبو يوسف ومحمد وجمهور العلماء لا زكاة
في الخيل بحال إذا لم تكن للتجارة لقوله وَلّ: «ليس على المسلم في فرسه
صدقة))(١) وهو في الصحيح و تأولوا الحديث على أن المراد إنه يجاهد بها
وقد يجب الجهاد بها إذا تعين، وقيل: يحتمل أن المراد بالحق في رقابها
الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها والمراد بظهورها لطراق فحلها إذا
طلب منه عاريته وهذا على الندب، وقيل: المراد حق الله مما يكسبه من مال
العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة، قوله: ((وأما التي هي له أجر فرجل
ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام)) تقدم معنى الربط في سبيل الله قوله {قَال﴾ ((في
مرج أو روضة)) والمرج الأرض الواسعة ذات نبات كثير ترعاه الدواب تمرج
فيه الدواب أي تسرح وتجيء وتذهب مختلطة كيف شاءت قاله في النهاية و
الروضة الموضع الذي يكثر فيه الماء فيكون فيه صنوف النبات من رياحين
البادية، وأنواع الزهر وغيرها فالفرق بين المرج والروضة أن الأول يعدلرعي
الدوآب ولذلك يكون واسعا ليتأتى لها فيه ذلك و الروضة ليست معدة
الرعي الدوآب وإنما هي للتنزه لما فيه من أصناف النبات هذا هو الذي يتحرر
من كلام أهل اللغة قاله العراقي (٢)، قوله وَ ليه: (ولا تقطع طولها)) قد ضبطه
(١) أخرجه البخاري بإثر الحديث (١٤٦٤) وأحمد (٩٢٨١) الطيالسي (٢٥٢٨)،، وأبو يعلى
(٦١٣٨).
(٢) ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٧/٤).

٢٧
كتاب الصدقات
الحافظ رحمه الله وفسره فقال: الطِوَل بكسر الطاء وفتح الواو هو حبل يشد
به قائمة الدابة ويرسلها ترعى أو يمسك طرفه ويرسلها ا.هـ، وقال:
الكرماني(١) وغيره ويقال: طيلها بكسر الطاء المهملة وفتح الياء المثناة تحت
وأصله الطول أبدل الواو ياء والمشهور طولها بالواو والله أعلم.
قوله وَله: ((فاستنت شرفا أو شرفين)) قد ضبطه الحافظ (٢) وفسره فقال:
أي جرت بقوة، ومال غيره الاستنان العدو، استن الفرس يستن استنانا أي
عدا لمزجه ونشاطه شوطا أو شوطين ولا راكب عليه ومنه الحديث أن فرس
المجاهد ليستن في طوله وحديث [عمر ((رأيت أباه] يستن [بسيفه] كما يستن
الجمل أي (يمرح ويخطر به) قاله ابن الأثير.(٣)
قوله ◌َّيّة: (ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه)) وفي حديث آخر ((إن
مرت بنهر عجاج فشربت منه كتبت له حسنات أي كثير الماء كأنه يعج من
كثرته وصوت تدفقه)) النهر: بفتح الهاء وسكونها لغتان قوله {وَّةِ ((ولا يريد أن
[٣٧/ أ] يسقيها إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات)) هذا من باب
التنبيه لأنه إذا كان تحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا
قصده فأولى بأضعاف الحسنات والله أعلم.
قوله: قيل يا رسول الله فالحمر قال: ((ما أنزل الله عليّ في الحمر إلا هذه
(١) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣/٨)
(٢) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣/٨).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤١١).

٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾(١)) الحديث الفاذة أي المنفردة في معناها والفذا
لواحد يقال فذا لرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم فبقي فردا أو سماها فاذة
لخلوها عن بيان ما تحتها من تفاصيل أنواعها وقيل إذ ليس مثلها آية أخرى
في قلة الألفاظ وكثرة المعاني لأنها جامعة لكل أحكام الخيرات والشرور، فإن
قلت: كيف دلالة الآية على الجواب، قلت: كأن سؤالهم أن الحمار له حكم
الفرس أم لا فأجاب: بأنه إن كان لخير فلا بد أن يرى جزاءه ويحصل له
الأجر وإلا فبالعكس ومعنى الجامعة، الجامعة لأبواب البر لاجتماع اسم
الخير على سائر الطاعات كذا في الميسر والجامعة أي العامة الشاملة
المتناولة لكل خير و معروف ومعنى الحديث ((لم ينزل عليّ فيها)) نص بعينها
لكن نزلت هذه الآية العامة ا. هـ، وهذا منه وَّة إشارة إلى أنه لم يفسر الله له
من أحكام الحمر وأحوالها مافسر له في الخيل والإبل وغيرهما مما قاله
القرطبي (٢) قوله وَيّ في رواية النسائي ((ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جاء
يوم القيامة شجاعا من نار))(٣) وجاء: ها هنا بمعنى صار وتحول ويحتمل أن
یکون جاء إلی صاحبه و قصده قاله عیاض (٤).
(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧-٨.
(٢) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٤٢).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٦/٣).

٢٩
كتاب الصدقات
والشجاع: قد ضبطه الحافظ(١) وفسره فقال: هو الحية، وقيل: الذكر
خاصة، وقيل نوع من الحيات والأقرع منه الذي ذهب شعر رأسه من طول
عمره ا.هـ، قال غيره: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه
وربما بلغ رأس الفارس ويكون في الصحارى. قال القاضي عياض (٢) رحمه
الله: والظاهر أن الله تعالى خلق هذا لعذابه، وعن جابر هو أبو عبد الله، وقيل
أبو عبد الرحمن وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء
بن عمرو بن سواد بن سلمة بكسر اللام فذكره إلى أن قال: ابن الخزرج
الأنصاري السلمي بفتح السين واللام المدني وهو أحد المكثرين الرواية عن
رسول الله چ روي له عن رسول الله ټټ ألف حديث و خمسمائة حديث و
أربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا وانفرد البخاري
بستة عشرة ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا، واستشهد أبوه يوم أحد
وأحياه الله وكلمه وقال: ((يا عبد الله ما تريد قال: أريد أن أرجع إلى الدنيا
فأستشهد مرة أخرى)» (٣)، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل ثمان
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣١٨/٣).
(٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤٥٩/٣).
(٣) أخرجه الحميدى (١٣٠٢)، وسعيد بن منصور (٢٥٥٠)، وأحمد ٥٣٢/٢ (١٤٨٨١)،
وأبو يعلى (٢٠٠٢)، وابن حبان (٧٠٢٢)، والحاكم (١١٩/٢-١٢٠)، وأبو نعيم في
الحلية (١٠٦/٥-١٠٧) عن جابر. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه أبو حماد
الفضل بن صدقة قال النسائي: متروك. وأخرجه البزار (١٨ /١٦٥ رقم ١٤٢) والحاكم
(٢٠٣/٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/٢-٥) عن عائشة وقال البزار: وهذا الحديث لا
=

٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان ذهب بصرة في أخر عمره وحيث
أطلق جابر في كتب الحديث فهو جابر بن عبد الله وإذا أرادوا جابر بن سمرة
قيدوه. قوله وَاللّه: ((ما من صاحب إيل لا يفعل فيها حقها)) والمراد بالحق
الزكاة وتقدم الكلام على ذلك قوله وَليلة ((إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما
كانت)) أكثر بالثاء المثلثة هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقوله قط وفي
قط لغات حكاها الجوهري. الفصيحة المشهورة قط مفتوحة القاف مشددة
الطاء، والثانية بضم القاف تتبع الضمة الضمة، والثالثة: بفتح القاف
وتخفيف الطاء الرابعة: بضم القاف والطاء المخففة وهي قليلة هذا إذا كان
بمعنى فَأَمَّا الَّتِي بِمَعْنَى حَسْبُ وَهُوَ الِكْتِفَاءُ فَمَفْتُوحَةٌ سَاكِنَةُ الطَّاءِ تَقُولُ رَأَيْتُهُ
مَرَّةً فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قُلْتَ قَطْكَ هَذَا الشَّيْءُ أَيْ حَسْبُكَ وَقَطْنِي وقطى وقطه
وقطاه(١).
قوله وَبيعة: ((وقعد بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها)) وقعد هو بفتح
القاف والعين أي جلس وقيل حبس وعند القعد بالفتح وإنما يقال أقعداه.
ذكره النووي في شرح مسلم وتقدم الكلام على بقية الألفاظ.
نعلمه يروى عن عائشة رضي الله عنها إلا من هذا الوجه ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو
عباد وأبو عباد حدث عنه أبو داود والقاسم بن الحكم والفضل بن وثيق. وصححه
الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيض بن وثيق كذاب. وحسنه الألباني في الصحيحة
(٣٢٩٠).
(١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٧٠).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٣٣/٧).

٣١
كتاب الصدقات
قوله وَله: ((ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر
ما كانت)) تقدم الكلام على ذلك.
قوله مَّجله: ((ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر
ما كانت)) تقدم الكلام على ذلك أيضا، قال: العلماء (١): ولا تجب الزكاة في
شيء من المواشي إلا في الإبل والبقر والغنم ا.هـ لورود النص فيها على
الخصوص ولا تجب في الخيل والرقيق، وإنما بدئي في الإبل لأنه ◌َ ﴾ بدأ بها
في أكثر كتبه التي كتبها للسعاة لأنها كانت أعم أموالهم، وضبطها يصعب فبدأ
بها ليعتني بها فإذا ملك أي من تلزمه الزكاة منها نصابا من السائمة حولا
كاملا أي متواليا وجبت فيه الزكاة في أصح القولين، واحترز بالنصاب عما
دونه وبالسائمة عن المعلوفة والمراد بالسائمة هي التي ترعى في كلا مباح
والله أعلم، قال: وأول نصاب الإبل خمس لقوله وَ ﴾ (ليس فيما دون خمس
ذود من الإبل صدقة)) رواه البخاري ومسلم(٢) فالواجب في كل خمس منها
سائمة شاة وفي عشر شاتان و في خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع
شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وفي ست وثلاثين بنت لبون وفي ست
وأربعين حقة وفي أحدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتالبون وأحدى
(١) ينظر: الأم للشافعي (١٦/٢) الحاوي الكبير (١٠٦/٣) المهذب في فقة الإمام الشافعي
الشيرازي (١ / ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (١١٥/٣) البيان في مذهب الإمام
الشافعي (١٦٠/٣).
(٢) سبق تخريجه.

٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وتسعين حقتان ومائة واحدى وعشرين ثلاث بنات لبون ثم في كل أربعين
بنت لبون وفي کل خمسین حقة.
وبنت المخاض مالها سنة وبنت اللبون سنتان والحقة ثلاث و الجذعة
أربع والشاة (سنة و) جذعة ضان لها سنة أوثنية معزلها سنتان وبقية الكلام
معروفة في كتب الفقة فمن أراد ذلك فعليه بمظانها والله أعلم، والأصل في
ذلك ما رواه أنس أن أبا بكر الصديق رَما كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى
البحرين ((هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
الَّتِي أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا نَبِيّهُ نَّهِ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا
فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ)) الحديث(١)، وفي كتاب أبي بكر الصديق
هذا فوائد ذكرها النووي في شرح المهذب (٢)، قال النووي: قال الماوردي:
يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ
مِنْ قَوْلِهِمْ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ قَالَ وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الإِبْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللهِ لَيْسَ
بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْطٍ وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ («كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ
فَهُوَ أَجْذَمُ)) أَيْ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وتقدم الكلام
على ذلك أول الخطبة، وقوله هذه فريضة الصدقة فيه دليل على أن اسم
الصدقة تقع على الزكاة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله، وقوله: التي فرض
رسول الله وَجيله، قيل فيه ثلاثة مذاهب هذه أحدها: أنه من الفرض الذي هو
(١) سبق تخريجه.
(٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٣٣٥/٥).

٣٣
كتاب الصدقات
الإيجاب والإلزام، والثاني أن فرض بمعنى سنّ، والثالث: معناه قدر من
قولهم فرض القاضي النفقة أي قدرها وبهذا جزم صاحب الحاوي(١)، فعلى
الأول معناه أنه وَ لخلّ شرعها بأمر الله تعالى وأن الله تعالى أوجبها ثم بلغها إلينا
النبي ◌ُّ فسمي أمره وتبليغه فرضا، وقوله على المسلمين فيه دليل لمن
يقول أن الكافر ليس مخاطبا بالزكاة وسائر الفروع والصحيح أنهم مخاطبون
وقوله فرض على المسلمين أي فرض عليهم الإعطاء في الدنيا والكافر لا
تؤخذ منه في الدنيا ولكن يعذب عليها في الدار الآخرة وقوله والتي أمر الله
تعالى عطف على قوله التي فرض رسول الله وَله [٣٨/ أ] يعني أن فريضة
الصدقة اجتمع فيها تقرير رسول الله وَله: ((وأمر الله تعالى وإيجابه)).
وقوله: ((فمن سئلها على وجهها فليعطها))، ومن سئل هو بضم السين في
الموضعين على ما لم يسم فاعله وبكسر الطاء من قوله فليعطها ومن قوله
فلا يعطه وقوله فمن سئلها على وجهها أي على حسب ما شرعت.
وقوله: ((فما فوقها فلا يعطه)). اختلف أصحابنا في الضمير في لا يعطه على
وجهين مشهورين أصحهما أنه يعود على الزائد أي لا يعطي الزائد بل يعطى
أصل الواجب، ونقل الرافعي الإتفاق على تصحيحه، والوجه الثاني معناه لا
يعط فرض الزكاة ولا شيئا منه لهذا الساعي بل يخرج الواجب بنفسه و يرفعه
الساع آخر لأنه بطلب الزيادة على الواجب يكون متعديا فاسقا، وشرط
الساعي أن يكون أمينًا، هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل فأما من طلبها بتأويل
(١) ينظر: الحاوي الكبير (١٠٦/٣).

٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بأن كان مالكيا يرى أخذ الكبيرة عن الصغار فإنه يعطي الواجب بلا خلاف
ولا يعطي الزيادة لأن لا يفسق ولا يعصي والحالة هذه قال النووي:(١) قَالَ
صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعْطَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ
يُعْطَى وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُ فَسَقَ بِطَبِ الزِّيَادَةِ فَانْعَزَّلَ فَلَا
يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ والله أعلم.
فائدة: قوله في أول حديث أبي بكر الصديق لما وجهه إلى البحرين هو
اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر قالوا
وكذلك يطلق البحرين بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني (٢) والله أعلم.
فائدة: أخرى أعلم أن إيجَابُ الْغَنَمِ فِي الْإِبِلِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ رِفْقًا
بِالْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَعِيرٌ لَأَضَرَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ وَلَوْ وَجَبَ جُزْءٌ لَأَضَرَّ
بِالْفَرِيقَيْنِ بِالتَّشْقِيصِ، لكن هل الشاة أصل أو بدل عن خمس بعير فيه
وجهان، وضعف الإمام الثاني والله أعلم ذكره في مختصر الكفاية(٣).
فرع: قال المتولي إذا أوصى لشخص بإبل جاز أن يعطي ذكرا أو أنثى فإن
أرادوا أن يعطوه فصيلا أو ابن مخاض لم يلزمه قبوله لأنه لا يسمى إبلا والله
أعلم (٤). وأول نصاب البقر ثلاثون فيجب فيه تبيع أى بالإجماع لما روى أنه
(١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥٦٩/٥).
(٢) المجموع (٣٨٩/٥).
(٣) انظر كفاية النبيه (٢٧٠/٥-٢٧٢)، ومختصر الكفاية (لوحة ٦٥/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).
(٤) حياة الحيوان (١/ ٣١).

٣٥
كتاب الصدقات
وَالله أمر معاذا أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة، والتبيع هو
الذي له سنة ودخل في الثانية وهذا ما حكاه الأزهري(١) وسمى تبيعا لأنه يتبع
أمه (٢) في السرح كما يقال: فصيل إذا فصل عنها وقيل غير ذلك وفي أربعين
مسنة أي للخبر وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة وأفهم كلام القاضي
حسين أنه قول أهل اللغة وفي المسنة والتبيع اختلاف في سنهما وأول نصاب
الغنم أربعون فتجب فيه شاة وفي مائة وأحدى وعشرين شاتان وفي مائتين
وواحدة أي إلى ثلاثمائة ثلاث شياه ثم في كل مائة شاة لحديث أنس فيه في
صحيح البخاري.
فرع: فتح انسان مراح غنم فخرجت ليلا ورعت زرعا فإن كان الذي فتحه
المالك ضمن الزرع وإن كان غير المالك لم يضمن، والفرق أن المالك
يلزمه حفظها في الليل فإذا فتح عنها ضمن وغير المالك لا يلزمه حفظها فإذا
فتح عنها لم يضمن قاله في البحر و الله أعلم.
(١) بحر المذهب (١١٥/٣) وكفاية النبيه (٣٠٣/٥).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (١٦/٢) الحاوي الكبير (١٠٦/٣) المهذب في فقة الإمام الشافعي
الشيرازي (٢٦٢/١) نهاية المطلب في دراية المذهب (١١٥/٣) البيان في مذهب الإمام
الشافعي (١٦٠/٣) فتاوى ابن الصلاح (٥٤٩/٢) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب
(١/ ١٢٠) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي زُقْاته (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح
المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢٠٨/٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ
المنهاج (٦٢/٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٤٣/٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/٢)
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/٣) بحر المذهب للروياني (٣/٣).

٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واعلم أن النُصبْ المذكورة في الإبل والبقر والغنم ليس فيها نهاية القدر
الواجب في كل نصاب ولا قدرالسن في الزيادة على ما ذكر فمن أراد ذلك
فليطالع كتب الفقة، وإنما ذكرت هذه النبذة حتى يعلم قدر الواجب في كل
نصاب و أول كل نصاب من ليس بطالب علم والله أعلم، قوله وَّطيار: في
حديث جابر ((ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه)) والمراد بحقه الزكاة و
المراد أيضا بالكنز الذهب والفضة.
قال: ابن الأثير(١) والكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض فإذا
أخرج منه لواجب عليه لم يبق كنزا وإن [٣٨/ ب] كان مكنوزا، وهذا حكم
شرعي تجوز فيه عن الأصل تقدم الكلام على الكنز أيضا في الباب قبله، قوله
وَ اللة: ((إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع)) تقدم الكلام على الشجاع
الأقرع في الحديث قبله من كلام الحافظ المنذري، قوله {َّه يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ،
فَإِذَا أَتَاهُ فَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيِهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٍّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا
بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ)) ومعنى: سلك يده أي أدخلها في فيه قال: الله تعالى:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ﴾﴾(٢).
قوله وقوله: فيقضمها قضم الفحل يقضمها بفتح الضاد فيها على اللغة
الفصيحة أي يأكلها يقال: قضمت الدابة شعيرها بكسر الضاد وتقضم
بفتحها إذا أكلته، وقال بعضهم معناه بعضها قال: أهل اللغة القضم بأطراف
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٣٢).
(٢) سورة المدير، الآية: ٤٢.

٣٧
كتاب الصدقات
الأسنان و الخضم بالفم كله، وقيل بجميع الأسنان وقيل القضم أكل اليابس
والخضم أكل الرطب واللبن والله أعلم.
وتزعم العرب أن الرجل إذا طال جوعه تعرضت له في بطنه حية يسمونها
الشجاع (١) والفحل بالحاء المهملة أي الذكر من الإبل وغيرها ولقد رأيت
من يصحفه بالفجل بالجيم أي البقل المشهور، قاله الكرماني(٢) وخص
الفحل من الإبل لغلبة ذلك منه.
فائدة: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ،
فَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّّهِ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا
كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟)) أخرجاه(٣) وأعله الدار قطني(٤) وجاء في مسلم (٥) قاتل
يعلى بن منية ابن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه قال: الحفاظ: الصحيح
المعروف أن المعضوض أجير يعلى لا يعلى ويحتمل أنهما قضيتان جرتا
ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين، وفي هذا الحديث دلالة لمن قال أنه إذا عض
رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض أو فك لحييه لا
ضمان عليه وهو مذهب الشافعي والأكثرين، وقال مالك: يضمن والحديث
(١) الصحاح (١٢٣٦/٣).
(٢) الكواكب الدارارى (٢/١٣-٣).
(٣) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٨ - ١٦٧٣) و(٢٠-١٦٧٤).
(٤) الإلزامات والتتبع (ص٣١٧-٣١٨).
(٥) صحيح مسلم (١٦٧٣).

٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حجة عليه وفيه دفع الصائل عن نفس الإنسان أو عضوه ولو أدى إلى تلف
الصائل أو عضوه ولا ضمان عليه بدليل قوله فأبطلها النبي وَّ نص صريح في
اسقاط القصاص والدية في ذلك وحمل بعض المالكية الحديث على أنه كان
متحرك الثنايا وهذا يحتاج إلى نقل والله أعلم.
(قوله): ((أردت أن تقضمها قضم الفحل)) فيه [التأديب] والتعزير بالقول
كمن أتى معصية ولا [حد] عليه لئلا يعود ا. هـ، قاله الكمال في حياة الحيوان.
قوله: وعن عبد الله بن مسعود هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن
غافل(١) بالغين المعجمة والفاء ابن حبيب بن سمح بن فار بالفاء وتخفيف
الراء ابن مخزوم بن صاهلة بالصاد المهملة بن كاهل بن مضر بن نزار الهذلي
حلیف بني زهرة الکوفي وأُمِّه ◌ُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدٍ وُدِ بْنِ سَوَاءً بن هذیل أسلمت و
هاجرت فهو صحابي أبن صحابيه أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن
زيد قبل عمر بن الخطاب بزمان وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة شهد مع
رسول الله وَ ل بدرًا، وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد وهو
صاحب نعل رسول الله وَ اليه (٢) كان يلبسه إياها إذا قام فإذا خلعها وجلس
(١) أسد الغابة: ٣٨٤/٣، الاستيعاب: ٢٠/٧ سير أعلام النبلاء (٤٦١/١)، الجرح
والتعديل: ١٤٩/٥، حلية الأولياء: ١٢٤/١-١٣٩،، تاريخ بغداد: ١٤٧/١-١٥٠،،
تهذيب الأسماء واللغات: ٢٨٨/١ - ٢٩٠، تهذيب الكمال: ٧٤٠، دول الإسلام: ٥٤/١،
تاريخ الإسلام: ٢٤/٢، تذكرة الحفاظ: ١/ ٣١ طبقات ابن سعد: ١٠٦/١/٣.
(٢) ينظر: المسند لأحمد: ٣٧٤/١-٣٨٤.

٣٩
كتاب الصدقات
جعلها ابن مسعود في ذراعه وكان كثير الولوج على رسول الله وَاللّه والخدمة له
روي له عن رسول الله وَالر ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا اتفق
البخاري ومسلم منها على أربعة وستين حديثًا وانفرد البخاري بواحد
وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين. نزل الكوفة في آخر عمره وتوفي بها سنة
ثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين قيل عادا إلى المدينة، واتفقوا على أنه
توفي وهو ابن بضع وستين سنة والذين قالوا توفي بالمدينة قالوا ودفن بالبقيع
قيل وصلى عليه عثمان وقيل الزبير و قيل عمار بن ياسر وكان من كبار
الصحابة وسادتهم [٣٩ / أ] وفقهائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتاوى
وأصحاب الحلق وأصحاب الإتباع في العلم ومناقبه كثيرة مشهورة(١).
قوله ويلي ((ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعا
أقرع)) الحديث ومعنى مثل أي نصب وقيل معناه نصب له وأقيم من قولهم
مثل قائماً أي منتصباً لقوله وَله: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياما))
الحديث. أي ينتصبون له، وقيل: المراد من قوله ((مثل لي)) أي صير بمعنى
أن ماله يصير على صورة الشجاع وفسروا الأقرع بأبيض الرأس من شدة
السم قاله ابن عقيل وظاهر الحديث أن الله تعالى يصير نفس ما [له] بهذه
الصفة ولا مانع منه ويكون عقابه يوم القيامة على يديه ويقول له أنا كنزك
لزيادة حسرته وندمه حيث لا ينفعه ذلك والله أعلم (٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٨٨/١-٢٨٩ ترجمة ٣٣٣).
(٢) طرح التثريب (٩/٤).

٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َّة ((حتى يطوق به عنقه أي يجعل له كالطوق في عنقه)) وقيل في قوله
تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ﴾ (١) الآية يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق
العنق يقال طوق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم جزاء عمله قوله وعن علي
بن أبي طالب تقدم الكلام على بعض مناقبه (٢) ومن مناقبه قالوا أسلم وهو ابن
عشر سنين، وقيل ابن خمس عشرة حكوه عن الحسن البصري وغيره هاجر
علي إلى المدينة واستخلفه النبي وَّ حين هاجر من مكة إلى المدينة أن يقيم
بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي
وَلخلا ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك وشهد مع رسول الله وَ ل بدرا وأحداً والخندق
وبيعة الرضوان وخيبرا والفتح وحنينا والطائف وسائر المشاهد إلا تبوك فإن
النبي ◌َّ استخلفه على المدينة وله في جميع المشاهد أثار مشهورة وأعطاه
النبي ◌َّ اللواء في مواطن كثيرة وقال: سعيد بن المسيب أصابت علي يوم أحد
ستة عشرة ضربة وثبت في الصحيحين أن النبي وَلّ أعطاه الراية يوم خيبر
وأخبر أن الفتح يكون على يديه وأحواله في الشجاعة وأثارة في الحروب
مشهورة وأما علمه فكان من العلوم بالمحل العالي روي له عن رسول الله وَالاله
خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على
عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر روى عنه بنوه الثلاثة:
الحسن والحسين ومحمد بن حنفية وغيرهم من الصحابة أما بن الحنفية فإنه
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.
(٢) سبقت الإشارة اليه.