النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
كتاب الجمعة
التَّرْهِيب من الْكَلَامِ وَالْإِمَام يخْطب
وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِنْصَات
١٠٧٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ أَن النَِّي وَيِّ قَالَ إِذا قلت لصاحبك يَوْم
الْجُمُعَة أنصت وَالْإِمَامِ يخْطب فقد لغوت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْنِ خُزَيْمَةٍ (١).
قَوْله ((لغوت)): قيل مَعْنَاهُ خبت من الأجر وَقيل تَكَلَّمت وَقيل أَخْطَأْت
وَقيل بطلت فَضِيلَة جمعتك وَقيل صَارَت جمعتك ظهرا وَقيل غير ذَلِك.
١٠٧٦ - وَعنْهُ دََّهُ عَنِ النَّبِي وَلِ قَالَ إِذا تَكَلَّمت يَوْم الْجُمُعَة فقد لغوت
وألغيت يَعْنِي وَالْإِمَامِ يخْطب رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ(٢).
١٠٧٧ - وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاسِ رَََّّا قَالَ قَالَ رَسُول اللّهِ وَّهِ مِن تكلم يَوْم
الْجُمُعَة وَالْإِمَامِ يخْطب فَهُوَ كَمثل الحمار يحمل أسفارا وَالَّذِي يَقُول لَهُ
أَنصت لَيْسَ لَهُ جُمُعَةِ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّارِ وَالطََّرَانِيّ(٣).
قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام علي مناقبه.
(١) البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي
(١٠٣/٣)، وابن ماجه (١١١٠)، وابن خزيمة (١٨٠٥).
(٢) ابن خزيمة (١٨٠٤)، وأحمد (٩٠٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧١٩).
(٣) أحمد (٢٠٣٣)، والبزار (٦٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢٥٦٣)، قال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢/ ١٨٤)، فيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية.

٦٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَّل: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد
لغوت)) قوله: لصاحبك أي من تخاطبه صغيرا كان أو كبيرا أو بعيدا(١).
قوله: أنصت أي اسكت، وإنما ذكر هذه اللفظة لأنها لا تعد من الكلام
الكثير (٢)، قوله: والإمام يخطب، يخرج من الحديث الكلام قبل الخطبة
وبعدها فلا يحرم، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام(٣) وعنه
قول بكراهة الكلام لا غيره. وقوله : فقدلغوت. قيل: معناه خبتَ من الأجر،
وقيل: تكلمت، وقيل أخطأت إلى أخره ومعنى فقد لغوت أي قلت اللغو
،وهو الكلام الملغي الساقط الباطل(٤)، وقال بعضهم: قال أهل اللغة(٥)
يقال: ((لَغَا يلْغو)) كَغَزا يغزو، ويقال: (لَغِىَ يَلْغَي)) كرمى يرمي لغتان الأولى
أفصح والروايتان في الصحيح قال أبو الزياد : فقد لغيت هي لغة أبي
هريرة (٦)، قال النووي رحمه الله(٧): وظاهر القرآن يوافقها، قال: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوَّأْ فِيهِ﴾(٨) وهذا من مِنْ لَغِيَ
(١) انظر: فتح الباري (٤١٤/٢)، والتعليق الممجد (٦٠٥/١).
(٢) المعلم (١ / ٤٦٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٩/٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٦).
(٥) لسان العرب (٢٥١/١٥).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٦).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٦).
(٨) سورة فصلت، الآية: ٢٦.

٦٦٣
كتاب الجمعة
يَلْغَى ولو كان الأول لقال وألغُوا بضم الغين، قال: ابن السكيت(١) مصدر
الأول اللَّغْوُ وَمَصْدَرُ الثَّانِي اللَّغْيُ ومعنى فقد لغوت، قيل معناه أثمت ، قال
الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اٌللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾(٢) وقيل: اللغو واللغي هو
رديء الكلام وما لا خير فيه، وقد يطلق على الخيبة، قال النووي رحمه
الله(٣): ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ونبّه بهذا وحَله
وَلّ على ما سواه من الكلام لأنه إذا رأى شخصا يتكلم فيما لا يعنيه وقال له
أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا فغيره من الكلام أولى ا.هـ.
ثم قيل: هذا لأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين فكما لا يجوز التكلم في
المنوب لا يجوز في النائب(٤)، وقال ابن وهب(6) : من لغى كانت صلاته
ظهرا وحرم فضل الجمعة انتهى.
سؤال: لم حط من صلاة الجمعة ركعتان؟ قيل: لأن الناس يسعون إليها
من بعيد فأراد الله أن يخفف عنهم التعب الذي أصابهم لأن الجمعة عيد
المساكين، وصلاة العيد ركعتان ولأنه قيل: الخطبتين بدل عن الركعتين (٦)
والله أعلم.
(١) لسان العرب (٢٥١/١٥) تاج العروس (٥٠/١).
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٣.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٦).
(٤) شرح المشكاة (٤ /١٢٨٥)، والكواكب الدراري (٤٢/٦-٤٣).
(٥) تفسير الموطأ (١٦٧/١)، وشرح الصحيح (٥١٩/٢)، والاستذكار (٢٢/٢).
(٦) كشف الأسرار (لوحة ٤١).

٦٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وإنما طريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه
فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن في الكلام(١).
وإذا قلنا بجواز الكلام فيشترط أن يكون بحيث لا يفوتهم السماع
للكلمات الواجبة والخلاف جار في الخطبة والأصح القول بالجواز، وقال
ابن عقيل في شرح الأحكام: ويحمل اللغو على الكراهة فقد تكلم جماعة من
الصحابة، ورسول الله وي يخطب فلم ينكرعليهم ، هكذا قالت الشافعية
وفيه نظر، فإن الذين تكلموا إنما لم ينكر عليهم لاحتياجهم إلى الكلام،
والكلام المحتاج إليه ليس محلا للنزاع (٢) ا. هـ.
والمحتاج إليه كما إذا رأى إنسانا يقع في بئر أو عقربا تدب على إنسان أو
أمر بمعروف أو نهي عن منكر فكل ذلك لا يحرم نص عليه الشافعي رحمه
الله، واتفق [٢٣/ ب] عليه الأصحاب، وإنما النزاع في الكلام الذي لا حاجة
إليه والله أعلم. وهل هو التحريم أو التنزيه؟ الصحيح أنه التنزيه (٣).
وفيه دليل على أنه يستحب أن يكون الخطيب هو الإمام فلو خالف فخطب
وصلى غيره بالناس جاز، ولو كان غير الأفقه فصيحا جهوري الصوت وغيره
أفقه منه فينبغي أن يخطب الأفقه ويصلي الأفقه قاله في شرح العمدة.
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٦).
(٢) انظر طرح التثريب (١٩٨/٣-١٩٩).
(٣) انظر المجموع (٥٢٣/٤) وروضة الطالبين (٢٨/٢) وكفاية النبيه (٣٩٧/٤) وطرح
التثريب (١٩٨/٣-١٩١)، والنجم الوهاج (٤٧٤/٢ -٤٧٥).

٦٦٥
كتاب الجمعة
تنبيه: قال البغوي في شرح السنة(١)، والخطب المشروعة: خطبتا الجمعة،
والعيدين، والكسوفيين، والإستسقاء، وأربع خطب في الحج وكلها سنة بعد
الصلاة إلا خطبة الجمعة، وخطبة الحج يوم عرفة يعني بنمرة، وكلها يشرع
فيها خطبتان إلا الثلاث الباقية في الحج خطبة يوم السابع، ويوم النحر، والنفر
الأول يعني بمنى في أيام التشريق.
قال النووي(٢): كلها خطب فردية وبعد صلاة الظهر إلا التي بنمرة فإنها
خطبتان، وقيل صلاة الظهر، وبعد الزوال.
تنبيه: أيضا وسميت الخطبة خطبة لأن العرب كانوا إذا ألم بهم الخطب
وهو الأمر العظيم خطبوا له ليجتمع بعضهم إلى بعض فيحتالوا في دفعه
فاشتق اسم الخطبة من الخطب والله أعلم.
فائدة: شروط أركان الخطبتين خمسة: الأول : حمد الله تعالى ويتعين لفظ
الحمد، والثاني: الصلاة على رسول الله وح له ويتعين لفظ الصلاة وصيغتها أن
يقول: اللهم صلي على محمد ولو قال والصلاة على أحمد أو على النبي أو
أتى بالضمير فقال: صلى الله عليه لم يكف على الصحيح.
الثالث: الوصية بالتقوى ولا يتعين لفظ الوصية ولا يجب في الموعظة
كلام طويل بل لو قال: أطيعوا الله كفى، وقال إمام الحرمين(٣): ولا خلاف
(١) شرح السنة للبغوي (٤ /٢٠٠)
(٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤ /٥٣٢)
(٣) ينظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٤٧٧/٢).

٦٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنه لا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخرفها لأن ذلك قد لايتواصى به
منكرو الشرائع بل لابد من الحث على طاعة الله تعالى والتحذير من
المعاصي.
واختلف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين على قولين أصحهما المنع
وأن الجمعة ليست ظهرا مقصورا بل صلاة على حيالها فعلى هذا فيجب
تيممان تيمم للخطبة و تيمم للصلاة على الأصح في الروضة في التيمم وقال
الشيخ تقي الدين هذا اللفظ ذكره المصنف يعني النووي (١) لم أقف عليه
بهذه الصيغة في الصحيحين قلت: لكنه بمعنى ما في الصحيحين(٢).
الشرط الرابع: قراءة آية في إحداهما ولابد أن تكون الآية تفيد معنى
منطوق فلا يكفي مثل قوله ﴿ثُمَّ نَظَرَ ﴾﴾(٣).
الخامس: الدعاء للمؤمنين في الثانية (٤) والله أعلم.
(١) قوله يعنى النووي وهم فإن كلام الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد عن حديث ذكره
صاحب العمدة وهو عبد الغنى المقدسى ولفظه: عن جابر نَظَّالَّه قال: ((كان رسول الله وَل
يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس)). انظر الإحكام (١/ ٣٣٤).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٠٦/٢): وغفل صاحب العمدة فعزا هذا اللفظ
للصحيحين، ورواه أبو داود بلفظ: كان يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى
يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب.
(٣) سورة المدثر، الآية: ٢١.
(٤) انظر نهاية المطلب (٥٣٧/٢-٥٣٨)، وعمدة السالك (ص٨٣)، والنجم الوهاج
(٤٦٦/٢-٤٧١).

٦٦٧
كتاب الجمعة
فائدة: يستحب أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (١)
والحكمة في قرائتهما : اشتمالهما على وجوب الجمعة وغير ذلك و قراءة
سورة المنافقون لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك فما
فيها من فوائد لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها (٢)
والله أعلم.
فرع: لو قرأ المنافقين في الأول، قرأ الجمعة في الثانية ولو قرأ في الأولى
غيرهما قرأهما في الثانية نص عليه الشافعي (٣) قاله في مختصر الكفاية.
قوله: وروي عن ابن عباس تقدم .
قوله وقال: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل
أسفار))(٤) والذي يقول له ((أنصِتْ)) ليس له جمعة أي كاملة.
١٠٧٨ - وَعَن أبي بن كَعْب ◌َّهُ أَن رَسُول الله وَ قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة تَبَارك
وَهُوَ قَائِم يذكر بأيام الله وَأَبُو ذَر يغمز أبي بن كَعْب فَقَالَ مَتى أنزلت هَذِهِ
السُّورَة إِنِّي لم أسمعها إِلَى الآن فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن اسْكُتْ فَلَمَّا انصرفوا قَالَ
سَأَلتك مَتى أنزلت هَذِهِ السُّورَة فَلم تُخبرِنِي فَقَالَ أبي لَيْسَ لَك من صَلَاتك
(١) أخرجه مسلم (٦٤-٨٧٩) عن ابن عباس.
(٢) انظر الأذكار (ص ١١٣ و١١٥)، وروضة الطالبين (٤٥/٢)، وشرح النووي على مسلم
(١٦٦/٦).
(٣) انظر الأم (٢١٥/٧)، والأذكار (ص ١١٥)، وروضة الطالبين (٤٥/٢)، وكفاية النبيه
(٤/ ٣٦٢-٣٦٣)، ومختصر الكفاية ( لوحة ٣٤٠/خ ٢١٧٥ ظاهرية).
(٤) سبق تخريجه.

٦٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْيَوْمِ إِلَّا مَا لغوت فَذهب أَبُو ذَر إِلَى رَسُول الله وَّهِ وَأخْبرهُ بِالَّذِي قَالَ أبي
فَقَالَ رَسُولِ اللهِّهِ صِدق أبي رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ بِسْنَاد حسن(١).
وَرَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه عَن أبي ذَرِ رََّّهُ أَنْه قَالَ دخلت الْمَسْجِد يَوْم
الْجُمُعَة وَالنَّبِّ ◌َِّ يَخْطب فَجَلَستَ قَرِيبا من أبي بن كَعْب فَقَرَأَ النَّبِيِّ سُورَة
بَرَاءَة فَقلت لابي مَتى نزلت هَذِه السُّورَة قَالَ فتجهمني وَلم يكلمني ثمَّ مكثت
سَاعَة ثمَّ سَأَلَته فتجهمني وَلم يكلمني ثمَّ مكثت سَاعَة ثمَّ سَأَلته فتجهمني وَلم
يكلمني فَلَمَّ صلى النَّبِي ◌َّ قلت لابي سَأَلتك فتجهمتني وَلم تكلمني قَالَ أبي
مَا لَك من صَلَاتَك إِلَّ مَا لغوت فَذَهَبت إِلَى النَّبِي ◌َِّ فَقلت يَا نَبِي الله كنت
بِجِنب أبي وَأَنْت تقْرَأْ بَرَاءَة فَسَأَلَتِهِ مَتى نزلت هَذِه السُّورَة فتجهمني وَلم يكلمني
ثُمَّ قَالَ مَا لَك من صَلَاتَك إِلَّ مَا لغوت قَالَ النَِّي ◌َّ صدق أبي(٢).
قَوْله: فتجهمني مَعْنَاهُ قطب وَجهه وَعَبس وَنظرٍ إِلَيّ نظرِ الْمُغْضب
الْمُنكر. قوله: وعن أبي بن كعب تقدم الكلام علیه.
قوله إن رسول الله وَ﴾ ((قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكر بأيام الله)) رواه
ابن ماجه ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣) عن أبي ذر أن النبي وَله قرأ سورة براءة
(١) أخرجه ابن ماجه (١١١١)، قال البوصيري في الزوائد (٣٧١/١): هذا إسناد صحيح،
رجاله ثقات.
(٢) ابن خزيمة (١٨٠٧)، قال الذهبي: ما أحسب عطاء أدرك أبا ذر، قلت: وكذا قال الحافظ
في إتحاف المهرة (١٧٢/١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٠).
(٣) أخرجه سنن ابن ماجه (١١١١) وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٨٧) و
ابن خزيمة (١٨٠٧) و (١٨٠٨)، والبيهقي ٣/٢١٩ - ٢٢٠. وفي الزوائد: إسناده
صحیح، ورجاله ثقات.

٦٦٩
كتاب الجمعة
الحديث. ففيه أن السورة المسئول عنها سورة براءة وهذا هو الصواب فإنها من
آخر ما نزل، وفي حديث جابر أن السائل عبد الله بن مسعود. رواه ابن حبان في
صحيحه وأبو يعلى(١) وسيأتي حديث جابر بذلك قريبا أخر الباب.
اتفق الأصحاب على أنه يستحب [٢٤ / أ] الإنصات ولا يجب ولا يحرم
الكلام. وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان أصحهما لا يحرم والأولى
اجتناب، فإن النبي ◌َّ إنما تكلم لحاجة كل هذا في كلامهم لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ ، فلو رأى أعمى يقع في بئر كما تقدم فهذا ليس بحرام بلا
خلاف نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب ،لكن قالوا يستحب أن
يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود (٢). وحيث حرمنا الكلام فتكلم
أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف، والحديث الوارد فلا جمعة له معناه جمعة
كاملة (٣) والله أعلم قاله في الديباجة.
قوله: فَتَجَهَّمَنِي وَلَمْ يُكَلَّمْنِي قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال: معناه قطَّب
وجهه وعبس، ونظر إليَّ نظرَ المغضَب المنكِرِ. ا.هـ. ومنه حديث الدعاء ((إلى من
تكلني إلى عدو يتهجمني)) أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه قاله ابن الأثير (٤).
١٠٧٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ◌َّ ◌َّهُ قَالَ جلس رَسُول الله وَّهِ يَوْمًا على الْمِنْبَر
فَخَطِب النَّاس وتلا آيَة وَإِلَى جَنْبِي أبي بن كَعْب فَقلت لَهُ يَا أبي وَمَتى أنزلت
(١) سبق تحریجه.
(٢) انظر المجموع (٤ / ٥٢٣).
(٣) المجموع (٤ / ٥٢٤).
(٤) النهاية (١/ ٣٢٣).

٦٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هَذِهِ الْآيَة قَالَ فَأَبِى أَن يكلمني ثمَّ سَأَلته فَأَبِى أَن يكلمني حَتَّى نزل رَسُول الله
وَه فَقَالَ أبي مَا لَك من جمعتك إِلَّ مَا لغيت فَلَمَّا انْصَرِف رَسُول الله وَّ جِئْتُه
فَأَخْبَرَتِهِ فَقلت أَي رَسُول الله إِنَّك تَلَوت آيَةٍ وَإِلَى جَنْبي أبي بن كَعْب فَقلت لَهُ،
مَتى أنزلت هَذِه الْآيَة فَأَبِى أَن يكلمني حَتَّى إِذا نزلت زعم أبي أَنْه لَيْسَ لي من
جمعتي إِلَّا مَا لغيت فَقَالَ صدق أبي إِذا سَمِعت إمامك يتكلَّم فأنصت حَتَّى
يفرغ رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة حَرْب بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء (١) وَلم يسمع مِنْهُ.
قوله عن أبي الدارداء تقدم الكلام علیه.
قوله (وَل: ((إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ)) الحديث قال
التيمي: في استماع الملائكة للخطبة حض على الاستماع لها والإنصات
إليها، قال مجاهد: لا يجب الإنصات للقرآن إلا في الصلاة، وفي الخطبة،
وقال مالك: الإنصات واجب لمن سمعها، ولمن لم يسمعها، وقال أحمد (٢)
: لابد من أن يذكر الله، ويقرأ القرآن من لم يسمعها، وقال أبو حنيفة،
والشافعي(٣): يجب الإنصات للخطبة سمعها أم لا، وقال أحمد: لا يلزمه إذا
(١) أحمد (٢١٧٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨٥/٢)، رواه أحمد الطبراني في
الكبير، ورجال أحمد موثقون.
(٢) ينظر: شرح منتهى الإرادات (٣٠٨/١) المغني لابن قدامة (٢٥٠/٢).
(٣) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢٥٦/١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني
(٢/ ٦٢) العناية شرح الهداية (٤٩/٢) حاشية الجمل على شرح المنهج = فتوحات
الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (٢/٢) حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة
الحبيب على شرح الخطيب (١٨٠/٢).

٦٧١
كتاب الجمعة
لم يسمعها، والمشهور من مذهب الشافعي أن الإنصات سنة لا واجب والله
أعلم، قاله الكرماني(١).
قوله: رواه أحمد(٢) من رواية حرب بن قيس [عن أبى الدرداء ولم يسمع
منه، وهو حرب بن قيس مولى طلحة من أهل المدينة ، روى عن أبي
الدرداء، مرسلا، وروى عن نافع وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال البخارى:
قال ابن أبي مريم، عن بكر بن مضر، قال: زعم عمارة بن غزية، أن حربا كان
رضا(٣)].
١٠٨٠ - وَرُوِيَ عَنِ جَابِر ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ سعد بن أبي وقاص رَوَّهُ لرجل لَا
جُمُعَة لَك فَقَالَ النَّبِيِ نَّ لم يَا سعد؟ قَالَ: لأنه كَانَ يتَكَلَّم وَأَنْت تخْطب فَقَالَ
النَّبِيِوَّ: صدق سعد، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار (٤).
قوله: وروى عن جابر هو ابن عبد الله تقدم.
قوله: قال سعد بن أبي وقاص لرجل: لا جمعة لك، فقال النبي ◌َ ◌ٍّ لِمَ يا
(١) الكواكب الدراري (٣٩/٦).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) التاريخ الكبير (٦١/٣)، والجرح والتعديل (٢٤٩/٣)، والثقات لابن حبان (٢٣٠/٦)،
وتعجيل المنفعة (٤٣٩/١ - ٤٤٠).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٧٠٨)، والبزار (٦٤٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨٥/٢): رَوَاهُ
أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ، وَفِيهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّاسُ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائُِّ فِي رِوَايَةٍ قال
السخاوي في الأجوبة المرضية بتحقيقنا (١٦٣/١): بسند ضعيف. وكذلك ضعفه ابن
الملقن في التوضيح (٧/ ٦٠٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٤٣).

٦٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سعد؟ قال: لأنه كان يتكلم وأنت تخطب فقال النبي وَله: ((صدق سعد)).
الحدیث.
اختلف العلماء رًَّا في الكلام والإمام يخطب هل هو حرام أو مكروه
كراهة تنزيه؟ وهما قولان للشافعي جديد، وقديم، أصل القولين أن الإنصات
إلى سماع الخطبة هل يجب؟ الأصح الجديد أنه لا يجب لأنه وَّ ((كان
يخطب فدخل داخل فقال: متى الساعة ؟ يا رسول الله! فأشار إليه الناس أن
اسكت فكرر ذلك فقال له النبي ◌َّيهمه عند الثالثة ما أعددت لها؟ فقال: ما أعددت
لها شيئا غير إني أحب الله ورسوله فقال ◌َّيقول: المرء مع من أحب))(١).
وجه الدلالة منه أنه لم ينكر عليه فلو وجب الإنصات لأنكر عليه ولم
ينكر أيضا على الذي سأله الاستسقاء وهو يخطب ولأنها عبادة لا يفسدها
الكلام فلم يحرم فيها كالطواف (٢) ووجه مقابله وهو نص الشافعي في القديم
والإملاء وقطع به بعضهم خبر أبي هريرة وهو قوله: فقد لغوت فإن اللاغي
وتقدم الكلام
(٣)(٤)
آثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾(٢)
على ذلك.
(١) أخرجه مسلم (٢٦٣٩) (١٦١) وأحمد (١٢٠١٣) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١٨)
وحسين المروزي في زوائده (١٠١٩) والترمذي (٢٣٨٥)، وابن حبان (١٠٥) و
(٧٣٤٨)، والخطيب ٢٥٩/٤، والبغوي (٣٤٧٩).
(٢) الحاوى (٢/ ٤٣١)، وكفاية النبيه (٣٩١/٤).
(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٣.
(٤) كفاية النبيه (٣٩١/٤).

٦٧٣
كتاب الجمعة
١٠٨١ - وَعَنِ جَابر أَيْضاً رَّ ◌َهُ قَالَ دخل عبد الله بن مَسْعُود ◌َوَهُ الْمَسْجِد
وَالنَّبِّ وَِّ يَخْطب فَجَلَسَ إِلَى جنب أبي بن كَعْبٍ فَسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ أَو كَلمه
بِشَيْءٍ فَلم يرد عَلَيْهِ أبي فَظن ابْنِ مَسْعُود أَنَّهَا موجدة فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِي ◌َّ من
صلاته قَالَ ابْن مَسْعُود يَا أبي مَا مَنعك أَن ترد عَليّ قَالَ إِنَّك لم تحضر مَعنا
الْجُمُعَة قَالَ لم قَالَ تَكَلَّمت وَالنَّبِيّ ◌َّهِ يَخْطب فَقَامَ ابْن مَسْعُود فَدخل على
النَّبِيِ وَِّّ فَذكرِ ذَلِك لَهُ فَقَالَ رَسُول الله وَّ- صدق أبي صدق أبي أطع أَبَيَا رَوَاهُ
أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد وَابْن حِبَان فِي صَحِيحه(١).
١٠٨٢ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود زَّوَلَّهُ قَالَ كفى لَغوا أَن تَقول لصاحبك
أنصت إِذا خرج الإِمَام فِي الْجُمُعَة رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا بِإِسْنَاد
صَحِيح (٢). وَتقدم فِي حَدِيث عَليّ الْمَرْفُوعِ وَمن قَالَ يَوْمِ الْجُمُعَة لصَاحِبه
أنصت فقد لَغَا وَمن لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جمعته تِلْكَ شَيْء.
قوله: وعن جابر تقدم. قوله: دخل عبد الله بن مسعود المسجد والنبي وَالاله
يخطب فجلس على جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم
يرد عليه أبي، فظن ابن مسعود أنها مؤجلة فذكر الحديث إلى أن قال: إنك لم
(١) أبو يعلى (١٧٩٩)، وابن حبان (٢٧٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٩٦)، قال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٥)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه، وفي
الكبير باختصار، ورجال أبي يعلى ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٢١).
(٢) الطبراني في الكبير (٩٥٤٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٨٦/٢)، ورجاله رجال
الصحيح.

٦٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تحضر معنا الجمعة قال: لِمَ؟ قال: تكلمت والنبي وَاللّه يخطب فلا جمعة لك
. وفي أخرى: صدق أبي صدق أبي أو قال أطع أبيا، والمراد به نفي الكمال
أى لا جمعة لك كاملة، لا أنها باطلة.
وإن قلنا أنه حرام فإن ابن مسعود لم يؤمر بالإعادة وكما يحرم الكلام
تحرم الصلاة أيضا صرح به أبو الطيب والمتولي (١).
فروع: الأول: إذا قيل بالقديم فالداخل أثناء الخطبة لا يسلم فإن سلم
حرمت إجابته باللفظ ويستحب بالإشارة، وتشميت العاطس حرام [٢٤/ ب]
على الصحيح المنصوص(٢)
٠
الفرع الثاني: لا خلاف أنه لا يحرم على من دخل ما لم يجد مكانا الكلام
قبل الشروع في الخطبة وبعد فراغها وقبل الصلاة ، قال في المرشد (٣): حتى
في حال الدعاء للأمراء، أوفي جلوسه بين يدي الخطبتين ففي الشامل وغيره
إجراء القولين فيه وفي المهذب والوسيط القطع بالجواز (٤).
[فرع] يجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يجلس، والقولان
فيما بعد قعوده لأن له أن يصلي التحية ويقرأ فيها وهو مناقض للإنصات وقد
(١) كفاية النبيه (٣٩٢/٤)
(٢) روضة الطالبين (٢٨/٢-٢٩)، وكفاية النبيه (٣٩٦/٤-٣٩٧)، وطرح التثريب
(١٩٩/٣ -٢٠٠).
(٣) المرشد: كتاب في الوقف والابتداء، للمقرئ الحسن بن علي بن سعد أبي محمد العماني، قال
ابن الجزي: له في الوقوف كتابان: أحدهما : ... والآخر: المرشد، وهو أتم منه وأبسط، أحسن
فيه وأفاد. غاية النهاية في طبقات القراء (٢٢٣/١) وكشف الظنون (١٦٥٤/٢).
(٤) كفاية النبيه (٣٩٣/٤) وكفاية الأخيار (ص ١٤٧).

٦٧٥
كتاب الجمعة
كلم عمر عثمان قبل جلوسه وظاهر كلام صاحب التنبيه طرد القولين فيه (١)
والله أعلم.
فرع: قال القاضي أبو الطيب(٢). ولو قال الخطيب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِّكَتَهُر
يُصَلُّونَ عَلَى النَِّيِّ﴾ (٣) الآية فضج الناس بالصلاة عليه كره لأنه يقطع عن
الخطبة وسماعها وفي الروضة أنه يجوز رفع الصوت بذلك نقل الروياني عن
الأصحاب أنه يجب أن يكون كالتشميت لأن كليهما سنة (٤) والله أعلم.
فائدة: اختلف العلماء فيمن دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب
فمذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا
دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلي ركعتين
تحية المسجد ويكره الجلوس قبل أن يصليهما وأنه يستحب له أن يتجوز
فيهما ليستمع بعدهما الخطبة وحكى هذا المذهب عن الحسن البصري
وغيره من المتقدمين(٥) قال القاضي(٦) وقال مالك والليث بن سعد وأبو
(١) كفاية النبيه (٣٩٦/٤).
(٢) ينظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٣٦٨/١) حاشية الصاوي على الشرح
الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك (٤٩٣/١) النوادر والزيادات على ما في المدونة
من غيرها من الأمهات (١ / ٤٥١).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.
(٤) كفاية النبيه (٣٩٧/٤-٣٩٨)، ومختصر الكفاية (لوحة ٨/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).
(٥) شرح النووي على مسلم (٦ / ١٦٤).
(٦) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢١/٢)

٦٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما وهو
مروي عن عمر وعثمان وعلي رَّ ◌ُّهم، وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام (١).
فإن قيل: تحية المسجد تفوت بالجلوس فكيف أمر في حديث سليك
الغطفاني أن يصلي ركعتين وقد جلس، قيل: حمل بعضهم ذلك على سنة
الجمعة التى قبلها وهي لما تفوت بالجلوس ويدل على ذلك أنه ورد في
رواية ((أصليت قبل أن تجئ؟)) قال: لا، قال: ((فقم فاركع ركعتين)) (٢) وفي
رواية ((فصل ركعتين)) (٣) وفي الحديث الآخر ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة
والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما))(٤) فهذا دليل على تحريم
الزيادة على الركعتين لأن التجوز معناه الإسراع فيقتضي ذلك، وقال
الكرماني(٥): أن التحية لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل بحكمها ا. هـ.
ولأنه كان يجهل حكمها ولأن النبي وسيلة قطع الخطبة وكلمه وأمره أن
يصلي التحية فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم هذا
الاهتمام(٦)، قال النووي في شرح المهذب(٧): قال أصحابنا إذا جلس الإمام
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٦٤).
(٢) سبق.
(٣) سبق
(٤) سبق.
(٥) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/٦)
(٦) شرح النووي على مسلم (٢٢٦/٥).
(٧) المجموع شرح المهذب (٥٥١/٤)

٦٧٧
كتاب الجمعة
الإمام على المنبر وأذن المؤذنون امتنع ابتداء النافلة ونقلوا الإجماع فيه
وممن نقله الماوردي، وقال الشافعي (١): إذا جلس الإمام على المنبر وأذن
المؤذنون فقد انقطع الركوع، وقال الشافعي أيضا في الأم(٢): خروج الإمام
يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام، وقد روي عن ثعلبة بن أبي مالك قال:
قعود الإمام يعني على المنبر يقطع من التحية وكلامه يقطع الكلام(٣)، وقال
في الروضة (٤): إذا صعد المنبر فينبغي لمن ليس في صلاة أن لا يفتتحها سواء
كان صلى السنة أو لا، وقال صاحب الحاوي(٥): إذا جلس الإمام على
المنبر حرم على من في المسجد أن يبتدئ في صلاة نافلة وإن كان في صلاة
خفف، ونقل عن الماوردي وإن كان في صلاة جلس(٦) قاله في هادي النبيه(٧)
النبيه (٧) وقد أطلق الأصحاب فواتها بالجلوس وهو محمول على العالم بأنها
بأنها سنة أما الجاهل فيتداركها على قرب لحديث سليك الغطفاني.
ويستنبط من هذا الحديث أن تحية المسجد لا تترك في أوقات النهى عن
الصلاة وأنها ذات سبب تباح في كل وقت و يلحق بها ذوات الأسباب كقضاء
(١) مختصر المزنى (١٢١/٨).
(٢) الأم (١/ ٢٢٧).
(٣) الأم (١ / ٢٢٧).
(٤) انظر المجموع (٤ / ٥٥١) .
(٥) الحاوى (٤٢٩/٢)، والمجموع (٤ / ٥٥١).
(٦) الحاوى (٤٢٩/٢).
(٧) هادى النبيه (لوحة ٦٤/ خ٢١٢١ ظاهرية).

٦٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفائتة وسجود التلاوة وصلاة الجنازة ونحو ذلك(١) قاله في الديباجة وهذا
إجماع. هذا كلام صاحب الحاوي وهو صريح في تحريم الصلاة بمجرد
[٢٥/ أ] جلوس الإمام على المنبر وأنه مجمع عليه والمشهور المنع من
الصلاة مطلقا سواء أوجبنا الإنصات أم لا فإن خرج الإمام وهو في صلاة
استحب تخفيفها بلا خلاف ولا تبطل واتفق الأصحاب على أن النهي عن
الصلاة ابتداء وقته بجلوس الإمام على المنبر ويبقى حتى يفرغ من صلاة
الجمعة ولو دخل المسجد في آخر الخطبة وغلب على ظنه أنه إن صلى التحية
فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل التحية بل يقف حتى تقام الصلاة ولا
يقعد لئلا يكون جالسا في المسجد قبل التحية وإن أمكنه الصلاة وأدرك تكبيرة
الإحرام مع الإمام صلى التحية قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي
الْخُطْبَةِ قَدْرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالزَّكْعَتَيْنِ فِيهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ الشَّافِيِّ
فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ
قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلُِّهُمَا وَأَرَى الْإِمَامَ أَنْ يَأْمُرَهُ
بِصَلَاتِهِمَا وَيَزِيدَ فِي كَلَامِهِ مَا يُمْكِنُهُ إِكْمَالُهُمَا فِهِ فَإِنْ لَمْ یفعل كرهت ذلك له
ولا شئ عَلَيْهِ هَذَا نَصُّهُ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ(٢) ا. هـ، قاله في شرح العمدة.
فرع: يحرم إطالة النافلة التي يشرع فيها قبل صعود الإمام قاله الشيخ نصر
في المقصود(٣).
(١) شرح النووي على مسلم (١٦٤/٦ -١٦٥).
(٢) المجموع (٤ / ٥٥١).
(٣) هادى النبيه (لوحة ٦٤ / خ ٢١٢١ ظاهرية).

٦٧٩
كتاب الجمعة
نَظْ لَ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ من
١٠٨٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
اغْتسل يَوْمِ الْجُمُعَة وَمَسّ من طيب امْرَأَتَه إِن كَانَ لَهَا وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ
لم يتخط رِقَابِ النَّاس وَلم يلغ عِنْد الموعظة كَانَ كَفَّارَة لما بَينهمَا وَمن لَغَا
وتخطى رِقَاب النَّاس كَانَت لَهُ ظهرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه
من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو (١).
وَرَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَتقدم.
١٠٨٤ - وَعِنْهُ رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ يحضر الْجُمُعَة ثَلَاثَة نفر فَرجل
حضرها بلغو فَذَلِك حَظْهِ مِنْهَا وَرجل حضرها بِدُعَاء فَهُوَ رجل دَعَا الله إِن
شَاءَ أعطَاهُ وَإِن شَاءَ مَنعه وَرجل حضرها بإنصات وسكوت وَلم يتخط رَقَبَة
مُسلمٍ وَلم يؤذ أحدا فَهِيَ كَفَّارَةٍ إِلَى الْجُمُعَة الَّتِي تَلِهَا وَزِيَادَة ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَذَلِكَ
أَن الله يَقُول ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلهُ عشر أَمْثَالِهَا﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة
فِي صَحِيحِه(٢).
وَتقدم فِي حَدِيث عَليّ فَمن دنا من الإِمَام فأنصت واستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ
كفلان من الأجر الحدیث.
قوله: وعن عبد الله عمرو بن العاص تقدم .
(١) أبو داود (٣٤٧)، وابن خزيمة (١٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧٢٣).
(٢) أبو داود (١١١٣)، وابن خزيمة (١٨١٣)، وأحمد (٦٧٠١)، وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٧٢٥).

٦٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله عَلَام: ((من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها
وليس من صالح ثيابه ثم لم يتخطى رقاب الناس)) الحديث تقدم الكلام عليه
والتخطي مأخوذ من الخطا والخُطا جَمْعُ الْخُطْوَةِ فِي الكَثْرةِ ، وَفِي القلَّة
خُطْوَاتٍ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى
الْمَسَاجِدِ)) وخُطُوَات الشَّيْطَانِ قاله في النهاية والْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ: بُعْد مَا بَيْنَ
القَدَمين فِي المَشْي، وَبِالْفَتْحِ المَرَّةُ(١).
قوله عليَّلام): ((ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا)) الحديث.
اختلف العلماء(٢) هل الجمعة ظهر مقصور أو صلاة مستقلة؟ وهما
قولان للشافعي الصحيح الجديد أنها صلاة مستقلة، وهذا الحديث يدل له.
ويبني للأصحاب على هذا الخلاف مسائل كثيرة :
منها: من لا عذر له إذا صلى الجمعة لم تصح ظهره على الجديد وهو
الأظهر ويصح على القديم (٣) ، قال الأصحاب: القولان مبنيان على الفرض
الأصلي يوم الجمعة، ماذا؟ فالجديد إنه الجمعة، و القديم إنه الظهر ، وأن
الجمعة بدل(٤) والله أعلم، قال صاحب التقريب(٥): فعلى الأول يكفيه نية
(١) النهاية (٢/ ٥١).
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١ / ٢٥٦) العناية شرح الهداية (٤٩/٢).
(٣) العزيز (٣٠٧/٢)، والمجموع (٤ /٦١٢)، والروضة (٤٠/٢).
(٤) انظر التعليق السابق.
(٥) صاحب التقريب المذكور هو ابن القفال الشاشي، واسمه القاسم بن محمد بن على أبو
الحسن، جليل القدر صاحب طريقة في المذهب، وكتابه التقريب في شرح مختصر المزني