النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ كتاب الجمعة وقال أبو بكر بن العربي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي (١): الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية، وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأنبياء، ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم وشرفهم؛ لأن قيام الساعة وهو يوم القيامة أفضل الأيام فجعل الله قدومه من أفضل الأوقات، وكان يوماً مخصوصاً بالفضل، خصه الله تعالى لأن الله تعالى جمع في الصلاة عبادات الملائكة كلهم إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع الله تعالى لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة، وقد جاء في الحديث: ((إذا نام في سجوده باهى الله به ملائكته فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه في طاعتي)) (٢) أ.هـ. وفي هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة ومزیته على سائر الأيام، وفيه: دلیل المسألة غريبة حسنة، وهي: لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الأيام؛ وفيه: وجهان لأصحابنا، أصحهما: تطلق يوم عرفة، والثاني: يوم الجمعة، لهذا الحديث؛ وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فيتعين الجمعة، ولو قال: أفضل ليلة (١) انظر: (٢/ ٢٥)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٢). (٢) سبق تخريجه. وقال ابن العربي في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (١٣٧/١): وهذا ضعيف لا أصل له، وذكر هذا الكلام أيضاً في أحكام القرآن (١٧٣/٣). ٥٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تعينت ليلة القدر؛ وهي عند أصحابنا والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من شهر رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضي ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضي ليلة من العشر أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك الليلة من السنة الثانية؛ وعلى قول من يقول: هي منتقلة لا تَطْلُق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر (١)، والله أعلم. قوله ◌َّ في رواية ابن خزيمة: ((ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة)) المشهور من مذهب الإمام الشافعي (٢): أن أفضل أيام السنة يوم عرفة، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة على أن يوم الجمعة أفضل من عامة الأيام لا أنه أفضل من كل فرد فرد، والله أعلم. قوله ◌َ ◌ّ: ((هدانا الله له، وضل عنه الناس، فالناس لنا فيه تبع))، التبع: جمع التابع، كالخدم والخادم. قوله: ((فهو لنا، ولليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد)) الحديث، اختلف العلماء في أي يوم ابتدأ الله عز وجل، خلق السموات والأرض على ثلاثة أقوال: (١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٤٢/٦). (٢) ينظر: المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٧٦) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٥٣٥/١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك (١ /٤٩٣). ٥٦٣ كتاب الجمعة القول الأول: يوم السبت لما [١١ / أ] روى عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله وَليه بيدي فقال: ((خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ◌َلَُّ بعد العصر من يوم الجمعة أخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)) ، هذا قول صحيح لا قول فيه ولا مقال، أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القيامة والجنة والنار (١)؛ و((خُلِقَ المكروهُ يوم الثَّلاثاءِ، وخُلِقَ النُّورُ يومَ الأربعاء)) قال في النهاية (٢)،أَرادَ بالمَكْرُوهِ ههنا الشرَّ لقوله ((وخلق النور يوم الأربعاء)) والنور خيراً، وإنما سمي الشر مكروهًا لأنه ضد المحبوب، أ.هـ. القول الثاني: يوم الأحد؛ قال ابن حبيب: قال ابن عباس(٣) وغيره: ابتدأ الله عز وجل خلق الخلق يوم الأحد وفرغ منه كله يوم الجمعة، فاشتق جميع ما خلق من عظمته ومن تصاريف قدرته، كما قال تعالى في محكم تنزيله: ج ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾(٤) يعني: أن (١) أخرجه مسلم (٢٧٨٩). (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٦٩/٤). (٣) انظر تاريخ الطبرى (٤٥/١) وهو قول ابن سلام وكعب الأحبار كما في تاريخ الطبرى (٤٤/١). (٤) سورة الجاثية، الآية: ١٣. ٥٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب جميع ما خلق مبدؤه ومنشؤه منه عز وجل ، وما رواه ابن عباس أن اليهود سألت رسول الله وَله عن خلق السموات والأرض فقال: أن الله تعالى ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين(١)؛ قال الطبري: هذا أولى الأقوال، والله أعلم. القول الثالث: يوم الاثنين، قال ابن إسحاق(٢): وهو قول أهل الإنجيل، قال ابن الجوزي (٣): القول الأول هو الصحيح، لمكان الحديث الوارد، وكيف يقدم على حديث رسول الله وَّل قول غيره وفرغ الله تعالى من جميع ما خلق في الأرض في السموات يوم الجمعة فجميع ما خلق الله تعالى من خلقه الذى أسكنه فى أرضه وسمائه من ستة أشياء من التراب والماء والنور، فخلق الملائكة والشمس والقمر، وكل ما خلق الله في السموات من النور وخلق كل ما دب على الأرض أربع أو على رجلين من الثرى وخلق كل ما جار فى تراب الماء وحيتانه من الماء، فلذلك سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى فيه جمع خلقه وأتم فيه أمره، وكان آخر ما يخلق من خلقه آدم وزوجته حواء عليهما السلام، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾(٤) يعني الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس (١) انظر: تاريخ الطبرى (١ /٤٥) والعظمة لأبى الشيخ (٨٧٨ و٨٧٩ و٨٨١ و٨٨٣). (٢) ينظر: تاريخ الطبري (١ /٤٤). (٣) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (١ /١٢٤). (٤) سورة يونس، الآية: ٣. ٥٦٥ كتاب الجمعة والجمعة، وهي من الأيام التي قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾(١) ثم استوي على العرش يوم الجمعة حين فرغ من خلقه كله، ثم أخذ يوم السبت في تحميده وتمجيده، أ.هـ، قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه(٢). تنبيه: فالقرآن يدل على أَن خلق الْأَشْيَاء فِي سِتَّة أَيَّام، وَهَذَا الحَدِیث یدل على أَنَّهَا فِي سَبْعَة. فالجواب: أَن السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينهما خلق فِي سِتَّةَ أَيَّام، وَخلق آدم من الأَرْض، وَالْأُصُول خلقت فِي سِتَّة، وآدَم كالفرع من بَعْضهَا(٣). ففي هذا الحديث الصحيح علوم جمة، منها: أن رسول الله وَّه بين أن أول الأيام التي خلق فيها الخلق السبت، فآخر الأيام الستة إذا الخميس، فالجمعة سابع وهو وتر، والله يحب الوتر لأنه من أسمائه على ما ثبت عن رسول الله ◌َفي، والوتر الذي لا شفع له من جنسه ولا من غیر جنسه، فهدى الله له هذه الأمة، وكان اليهود إنما اختاروا السبت كأنهم اعتقدوه اليوم السابع، ثم زادوا في كفرهم أن الله استراح فيه، حكى ذلك عنهم جماعة منهم ابن قتيبة في المعارف(٤)، وكذبوا، قال الله العظيم جل ثناؤه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن (١) سورة الحج، الآية: ٤٧. (٢) ينظر: البداية والنهاية (١ / ١٦)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (١ / ١٢٤). (٣) كشف المشكل (٣/ ٥٨٠). (٤) المعارف (١ / ١١). ٥٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب لُّغُوبٍ﴾(١) لأن أول بدء الخلق عندهم الأحد، وآخر الستة الأيام التي خلق فيها الخلق الجمعة، وهو أيضاً مذهب النصارى فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام بزعمهم، وَقَدْ شَهِدَ رسول الله وَّةِ على الفريقين بإضلال اليوم(٢)، وقد هدى الله له هذه الأمة لفضل نبيها محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم. قوله صلى الله [١١/ ب] عليه وسلم: ((إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه)) الحديث، سيأتي الكلام على ساعة الإجابة قریبا إن شاء الله تعالی. ١٠٤٠ - وَعَن أَوْس بن أَوْس ◌َّ ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق الله آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة وَفِيه الصعقة فَأَكْثُرُوا من الصَّلَة عَليّ فِيهِ فَإِن صَلَاتَكُمْ يَوْم الْجُمُعَة معروضة عَليّ قَالُوا وَكَيف تعرض صَلَاتَنَا عَلَيْك وَقد أرمت أَي بليت فَقَالَ إِن الله عز وَجل وَعلا حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجسامنا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حَبَان فِي صَحِيحِه وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أَتم وَله عِلّة دقيقة امتاز إِلَيْهَا الْبُخَارِيّ وَغَيره لَيْسَ هَذَا موضعهَا وَقد جمعت طرقه فِي جُزْءٍ(٣). (١) سورة ق، الآية: ٣٨. (٢) انظر الروض الأنف (٤/ ٥٧). (٣) أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي في الكبرى (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٠٨٥)، وابن حبان (٩١٠)، وأحمد (١٦١٦٢)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، والدارمي (١٦١٣)، والطبراني في الكبر (٥٨٩)، والحاكم (٢٧٨/١)، والبيهقي (٢٤٨/٣)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أيضا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٨). ٥٦٧ كتاب الجمعة (أرمت)): بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمِيم أَي صرت رميما وَرُوِيَ أرمت بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْمِیم. قوله: وعن أوس بن أوس الثقفي، تقدم الكلام على أوس بن أوس قريبًا. قوله وَالله: ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه: خلق آدم، وفيه: قُبض، وفيه: النفخة، وفيه: الصعقة)) فيوم الجمعة خير أيام الأسبوع. قوله: ((وفيه: النفخة))، أي: النفخة الثانية. قوله: ((وفيه: الصعقة)) وهي: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله(١)، والمراد بها النفخة الأولى، وقيل: هي صعقة موسى ،َيَّامًا، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًاً في كتاب البعث وأهوال القيامة. فيوم الجمعة خير أيام الأسبوع، وعرفة خير أيام السنة، وخص بعظائم الأمور التي منها مبدأ النوع الإنساني وتكريمه بالجنة، وإخراجه إلى دار التشريف بخطاب التكليف، قاله في حدائق الأولياء(٢)، وروى فيه كعب الأحبار: سبعة أشياء: خلق آدم وإدخاله الجنة وإخراجه منها والتوبة عليه وقيام الساعة وبعث موسى وإخراج يوسف من السجن، ذكره في حدائق الأولياء(٣). تنبيه: في يوم الجمعة سبع فضائل، أولها: أن من حضر فيه إملاك رجل مسلم كان كمن صام يوما في سبيل الله، واليوم بسبعمائة؛ ثانيها: أنه أفضل من (١) تحفة الأبرار (٣٨٥/١). (٢) ينظر: حدائق الأولياء لعمر بن الملقن سراج الدين (٩٣/٢) فصل في يوم الجمعة وفضائله. (٣) حدائق الأولياء (٢ /٩٤). ٥٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يوم عرفة في وجه؛ ثالثها: أن ليلته أفضل من ليلة القدر في رواية عن أحمد؛ رابعها: أن صلاته أحب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير من حج التطوع فيما رواه عنهما ابن عساكر بإسناده(١)؛ خامسها: أن من مات فيه أو في ليلته وُقِيَ فتنة القبر وعذابه ولقي الله لا حساب عليه واعتق من النار؛ سادسها: أن من صلى فيه على رسول الله ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة؛ سابعها: أن فيه ساعة الإجابة، وفيها سبعة وعشرون قولاً(٢)، وسيأتي الكلام على بعض هذه الأقوال، والحكمة في إخفاء هذه الساعة ليشتغل الناس بالعبادة في جميع يوم الجمعة رجاء أن يوافق دعاؤهم تلك الساعة كما في إخفاء ليلة القدر(٣)، والله تعالى أعلم. قوله وَله: ((فأكثروا عليّ من الصلاة فيه))، قال الشيخ تاج الدين عمر بن الفاكهانى، روى ابن وهب بسنده أن النبي ◌َّ قال: ((من سلم عليّ عشراً فكأنما أعتق رقبة)) (٤)، قال: قلت: ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها (١) لم أجده في التاريخ. (٢) حدائق الأولياء (٢/ ٩٣ -٩٤). (٣) المفاتيح (٣١٥/٢). (٤) ينظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا (١٠٨٥). وقال القاري في شرحه للشفاء (١٣٩/٢): وروى ابن وهب بسند منقطع. وقد روي بلفظ: ((من سلم علي عشراً من المسلمين فكأنما أعتق رقبة، فإن مات من يومه وجبت له الجنة)). أخرجه ابن شاهين في الترغيب (٤٨٩) والدارقطني في المؤتلف والمختلف (١٤١/١) عن ابن عمر. قال الدار قطني لم یسنده غیر أحمد (یعنی ابن عبد الرحمن بن وهب)عن عمه، عن عمرو. ٥٦٩ كتاب الجمعة عضواً منه من النار حتى الفرج بالفرج، كما ثبت في الحديث؛ وعن أبي بكر الصديق: ((أن الصلاة على رسول الله وهلهو أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام على النبي ◌َّ أفضل من عتق الرقاب))(١). فإن قلت: وإنما كان أفضل من عتق الرقاب، والله أعلم؛ إن عتق الرقاب في مقابلة العتق من النار ودخول الجنة والسلام على النبي وَال﴾ في مقابلته سلام الله تعالى، وسلام الله تعالى أفضل من ألف حسنة. قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن صلاتكم معروضة عليّ))، ومعنى معروضة عليّ: موصلة إلى توصل الهدايا، وقد كان أشد الناس مكافأة، فماذا يكافئ، هكذا ذكره في الحدائق(٢)، وقال صاحب ((العلم المشهور)): فهذا من شرف المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تعرض على روحه المقدس. قوله [رَّه]: (وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ)، قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال(٣): بفتح الراء وسكون الميم أو صرت رميما، وروي (أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء ، وقال بعض العلماء :- لعله الكرماني- وَقَدْ أَرَمْتَ بِوَزْنِ ضَرَبْتَ، أَصْلُهُ أَزْمَمْتَ، فَحَذَفُوا أَحَدَ الْمِيمَيْنِ كَمَا قَالُوا (١) بستان الواعظين (ص: ٣٠٦) لابن الجوزى، ونزهة المجالس ومنتخب النفائس (٨٧/٢) للصفوي، ولم نجده مسندًا. (٢) حدائق الأولياء (١/ ١٩). (٣) أى المنذرى. ٥٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أَحَسْتُ فِي أَحْسَسْتُ(١)، وقيل: يجوز أن يكون أرمت بضم الهمزة بوزن أمرت من قولهم: أَرَمِت [١٢/ أ] الْإِبِلُ تَأْرِمُ إِذَا تناَوَلَت العَلَف وقَلَعَتْه مِنَ الْأَرْضِ (٢)؛ قُلْتُ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ رَمَّ المَيْتُ، وَأَرَمَّ إِذَا بَلِيَ. والرِّمَّةُ: العظْمُ البالِي، وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْ أَرَمَّ لِلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطب أَزْمَمْتُ(٣)، أ.هـ، وَحكى فِيهِ ابْن دخْيَة فتح الْهمزَة وَكسر الرَّاء من قَوْلهم أرمت الْإِبِل (٤)، والله أعلم. قوله وشية: ((إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء))، وفي رواية: ((حرم على الأرض أن تأكل أجسادنا))(٥)، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَق: ((أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحداً لن يصلي عليّ إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها)» قال: قلت: وبعد الموت، قال: ((وبعد الموت))، ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حي يرزق)) (٦)، قال الشيخ تاج الدين عمر بن (١) قاله العينى كما في شرح أبي داود (٣٦٦/٤) وسبقه ابن الأثير في النهاية (٢٦٦/٢). (٢) شرح أبي داود (٣٦٦/٤) وانظر النهاية (٢٦٦/٢). (٣) النهاية (٢٦٦/٢). (٤) انظر: سلاح المؤمن في الدعاء (ص: ٤٤) وكشف المناهج (١ / ٥٠١). (٥) سبق تخريجه. (٦) ابن ماجه (١٦٣٧) والمزي في ترجمة زيد بن أيمن من تهذيب الكمال ٢٣/١٠، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١١١٦) وكذا ابن كثير كما في: الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي حكم عليها الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦٥١). وقال في البداية (١٦٤/٨): وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِ ابْنِ مَاجَهْ رَحِمَهُ الله. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٥٤٥/١): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع في موضعين: عبادة بن نسي ٥٧١ كتاب الجمعة الفاكهى: لكن ثبت بالإجماع أن الأرض لا تعدوا على أجساد الأنبياء، زاد بعضهم: العلماء والشهداء والمؤذنين، وذكره السهيلي في شرح سيرة ابن هشام(١)، فقال: وهي زيادة غريبة لم تقع في مسند، ذكرها أبو جعفر الداوودي في ((كتاب الناس))، قال: والداوودي من أهل الثقة والعلم. وفي المسند من طريق أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنبياء أحياء يصلون في قبورهم (٢) انفرد به ثابت البناني عن أنس(٣)، والبُناني: بضم الباء منسوب إلى بنانة قبيلة معروفة، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ثَابِتَا اُلْتُمِسَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَمَا دُفِنَ فَلَمْ يُوجَدْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَبِنْتِهِ. فَقَالَتْ كَانَ يُصَلّ فَلَمْ تَرَوْهُ لِأَنّي كُنْت أَسْمَعُهُ إِذَا تَهَجّدَ بِاللّيْلِ يَقُولُ («اللهُمّ اجْعَلْنِي مِمّنْ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ بَعْدَ روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلائي؛ وزيد بن أيمن عن عبادة بن نسي مرسلة، قاله البخاري. ا. هـ. وعليه فتجويد المنذري سنده غير جيد. وقال العراقي: إن إسناده لا يصح. القول البديع (ص ١٦٤) . راجع التنوير شرح الجامع الصغير (٢ / ٥٣٥) فيه كلام نفيس. يُنظر: [التاريخ الكبير (٣٨٧/٣)، جامع التحصيل (ص ٢٠٦)، تحفة التحصيل (ص ٢٢٨،١٣٩)، إرواء الغليل (٣٥/١). وحياة الأنبياء للبيهقي. (١) ذكره السهيلى في الروض الأنف (١/ ١١٥). (٢) أخرجه البزار (٦٣٩١) و(٦٨٨٨)، وأبو يعلى (٣٤٢٥)، وتمّام في الفوائد (٥٨) والبيهقي في البعث (١ و٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا تابع الحسن بن قتيبة على روايته عن حماد وإنما يروى، عن أنس من حديث ثابت وغيره أن النبي وَ لّ قال: رأيت موسي يصلي في قبره. وقال الدارقطني كما في الأطراف: تفرد به المستلم بن سعيد عن حجاج الأسود عن ثابت. وقال الهيثمي في المجمع ٢١١/٨: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٢١). (٣) إلى هنا انتهى كلام السهيلى في الروض الأنف (١١٥/١). ٥٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الْمَوْتِ))(١)؛ وفي الصحيح أن رسول الله وَلَه قال: ((مررت بموسى وَلَّ وهو يصلي في قبره))(٢)، ذكر ذلك كله في الروض الأنف(٣) على السيرة المذكورة. سؤال: ما الحكمة في أن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وأجساد الشهداء؟ قيل: لأن التراب يمر على جسد الإنسان فيصهره، والأنبياء لا ذنوب لهم فلم يحتاجوا إلى تطهير أجسادهم بالتراب، وكذلك الشهداء، ولهذا لم يحتج الشهيد إلى الصلاة عليه لأنه مغفور له (٤). حكاية تتعلق بهذا الحديث ذكرها الشيخ تقي الدين الحصني في کتابه سیر السلوك(٥): قال سفيان الثوري رحمة الله عليه(٦): بينا أنا أطوف يعني بالكعبة وإذا أنا برجل لا يرفع قدما ولا يضع قدما أخرى إلا وهو يصلي على النبي وَالخَّة، فقلت له: يا هذا إنك تركت التسبيح والتهليل وأقبلت على النبي وَ له، فهل عندك من هذا شيء، قال: من أنت عافاك الله، قلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي ولا اطلعت (١) هَذَا وَمَا قبله لا يصح نقلًا، وَلَا مَعَ الْعقلِ الصَّرِيحِ، إِنَّمَا هُوَ خرافات يُرَاد بَهَا ربط النَّاس بالموتى، لَا بالحي القيوم. (٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٥) (١٦٥). (٣) الروض الأنف (١/ ٢١٢-٢١٣). (٤) كشف الأسرار (١٤). (٥) لم نقف عليه. (٦) ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٣٧١/٦) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٦٣/١٣) تهذيب الكمال للمزي (١١/ ١٦٧) الوافي بالوفيات (٨٩/٥). ٥٧٣ كتاب الجمعة على سيرتي، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله عز وجل الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي فعالجته، فلما مات اسود وجهه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وغطيت وجهه ثم غلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه ولا أنظف ثوبًا منه ولا أطيب ريحًا منه، فدنا من والدي وكشف عن وجهه وأمّ يده عليه فعاد وجهه أبيض، ثم ذهب، فتعلقت بثوبه، وقلت له: يا عبد الله، من أنت الذي من الله عز وجل بك عليّ وعلى والدي في دار الغربة، فقال: أما تعرفني، أنا محمد بن عبد الله صاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان كثير الصلاة عليّ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث من أكثر الصلاة علي، فانتبهت فإذا وجه والدي قد ابيض؛ فانظر وفقك الله عز وجل لإجلاله وتعظيمه كيف أغاث من استغاث به حتى في البرزخ(١). حكاية تتعلق بحديث أوس بن أوس المذكور، قال صاحب ((العلم المشهور)): وهو كتاب جليل في فضائل الشهور، قال مؤلفه ذو النسبين: وقرأت هذا الحديث [١٢/ ب] -يعني حديث أوس في فضل الجمعة وفي الصلاة على رسول الله وَ﴾- بمدينة أصبهان في معجم الإمام أبي القاسم الطبراني، وعندي منه أصله في مائتين واحد وثلاثين جزءا يحتوي على ستين (١) ذكره السفيري في المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية وقليل من صحيح الإمام البخاري (١/ ٨٠) والسمرقندي في تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين (ص: ٤١٠). وابن الجوزي في بستان الواعظين ص: ٤٠٥ وقد ذكروها بدون إسناد ، وهي غير ثابتة، وفيها محذور عقدي، فالاستغاثة بالنبي شرك، وبمثل هذه الحكاية وقع الشرك في الناس. ٥٧٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ألف حديث وهو أكبر مسانيد الدنيا قرأته كله، وفيه هذا الحديث على الشيخ محمد بن أحمد بن نصر سبط حسين بن مندة، وقد قارب التسعين، والطبراني من طبرية الشام مجمع على حفظه وفضله وعمله وديانته وتحفظه وإتقانه ورزانته وحلمه وحسن سيرته واشتغاله بنشر ما سمعه من أحاديث رسول الله ◌َّ في المدائن والأمصار بعلو أسانيد الأخبار؛ ولد زَقْوَّهُ سنة ستين ومائتين، وتوفي يوم السبت، ودفن يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وله مائة سنة، ودفن بباب جي بتيرة بجنب حُمَمَة بن أبي حُمَمَة صاحب رسول الله وَالَ(١). ١٠٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَلَ قَالَ لَا تطلع الشَّمْس وَلَا تغرب على أفضل من يَوْم الْجُمُعَة وَمَا من دَابَّةٍ إِلَّا وَهِي تفزع يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا هذَيْنِ الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْسِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا (٢). وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره أطول من هَذَا وَقَالَ فِي آخِرِه: وَمَا مِن دَابَّةٌ إِلَّ وَهِي مُصِيحَةٌ يَوْم الْجُمُعَة من حِين تصبح حَتَّى تطلع الشَّمْس شفقا من السَّاعَة إِلَّا الإِنْس وَالْجِنّ(٣). (١) العلم المشهور (٥٣) والآيات البينات (ص ٢٥٩). انظر ترجمة الطبراني في سير أعلام النبلاء (١١٩/١٦). (٢) ابن خزيمة (١٧٢٧)، وابن حبان (٢٧٧٠)، وأحمد (٧٦٨٧)، وعبد الرزاق (٥٥٦٣)، وعبد بن حميد (١٤٤٣)، والبغوي في شرح السنة (١٠٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٩). (٣) أبو داود (١٠٤٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٧). ٥٧٥ كتاب الجمعة ((مصيخة)): مَعْنَاهُ مستمعة مصغية تتَوَقَّع قيام السَّاعَة. قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله مية: ((ولا تطلع الشمس ولا تغرب على أفضل من يوم الجمعة)) تقدم الكلام على ذلك، وفي الإحياء في فضل الجمعة (١): يقال إن الطير والهوام يلقي بعضها بعضا في يوم الجمعة فيقول: سَلَامٌ سَلَامٌ، يَوْمٌ صَالِحٌ وهو كذلك في قوت القلوب أيضا، والله أعلم. قوله ◌َّه: ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِي تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِلَّ هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)) وفي رواية أبي داود(٢) وغيره: ((وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الإنس والجن)) تقدم معنى الإشفاق أنه الخوف مسيخة بالسين ومصيخة بالصاد ، معناه: مصغية مستمعة تتوقع قيام الساعة، أ. هـ. وقال في النهاية(٣): يروي بالصاد وهو الأصل، ومسيخة بالسين والياء آخر الحروف، والخاء المعجمة، يقال: أصاخ وأساخ بمعنى واحد، قال في ((العلم المشهور)): والدابة: هو اسم موضوع لكل ما دب ، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره، والإصاخة، أصل هذه الكلمة في اللغة الاستماع، والإصاخة في الحديث الكريم استماع حذر وإشفاق خشية (١) إحياء علوم الدين (١٧٨/١). والحديث أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٦٤). (٢) وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١) وقال: حديث حسن صحيح.، وأحمد (١٠٣٠٣)، وابن حبان (٢٧٧٢). (٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٣٣/٢). ٥٧٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب البغتة وعموم الموت الذي هو مر المذاق، وفي قوله: هذا دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب(١). قال ابن عبد البر في كتاب التمهيد(٢): وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا، ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلًا. قال ذو النسبين: وقد نظرت في كتاب الله العظيم وحديث رسوله محمد الكريم فلاح لي السر في تخصيص الدواب دون غيرهم، فأقول والله الموفق للصواب، أما إصاخة البهائم توقيا للساعة التي في يوم الجمعة كما ثبت عن رسول الله وَّه فإصاختها محمول على إلهام الله تعالى إياها في ذلك اليوم على ما جبلها عليه من توقيها لما يضرها وانقيادها لما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانياً لا إدراكا فهميا، وإليه أشار ◌َّله بقوله في الحديث: شفقا من الساعة، والشفق الخوف، وإذا جبل الله عز وجل النملة على حمل قوتها وإدخاره لزمن الشتاء محاذرة من مضرة تكون فيه على أجسامها، فجبلة البهيمة على الإصاخة لمحاذرة يوم تكون فيه الساعة المؤذنة بهلاكها وهلاك العالم أقرب وأولى، وهذا شيء لا يتكرر إلا يحمل بنظره في عجائب المصنوعات، ولم يطلع على حكمة الله تعالى في الموجودات، ولم يدر معنى قول خالق الأرض والسموات، ومن استقرأ أحوال الحيوانات رأى حكمة الله تعالى فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع (١) العلم المشهور (١٦٤) والآيات البينات (ص ٢٩٤) وكلاهما لابن دحية. (٢) التمهيد (٤٢/٢٣) والاستذكار (٤٤/٢). ٥٧٧ كتاب الجمعة وجبلها على أشياء، وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر، وقد ظهرت [١٣/ أ] من البهائم الصنائع العجيبة والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك والتلفظ به، ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (١). سؤال: ما الحكمة في إصاخة الدواب في يوم الجمعة دون الإنس والجن؟ الجواب: وإنما لم تصخ الإنس والجن، قال بعضهم: لأجل عمارة الدنيا، وقال ذو النسبين: وإنما لم يسمع الإنس لحكمة وهو أنهم لو سمعوا صار الإيمان بالغيب مشاهدة، وذهب معنى التكليف، فتبليغ الصادق وَلا ينوب عن سماعنا، وهذه معانٍ لم أسبق إليها ولا هجمت من قبله الخواطر عليه (٢)، والله أعلم، أ.هـ. ١٠٤٢ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ◌َ لَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّ تحْشر الأيَّام على هيئتها وتحشر الْجُمُعَة زهراء منيرة أَهلهَا يحفونَ بهَا كالعروس تهدى إِلَى خدرها تضيءٍ لَهُم يَمْشُونَ فِي ضوئها ألوانهم كالثلج بَيَاضًا وريحهم كالمسك يَخُوضُونَ فِي جبال الكافور ينظر إِلَيْهِم الثَّقَلَان لا يطرقون تَعَجبا حَتَّى يدْخِلُونَ الْجِنَّة لا يخالطهم أحد إِلَّ المؤذنون المحتسبون، رَوَاهُ الطََّرَانِيّ وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَقَالَ إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَرِ فَإِنِ فِي النَّفْس من هَذَا الْإِسْنَادِ شَيْئًا(٣). (١) العلم المشهور (لوحة ١٦٥) والآيات البينات (ص ٢٩٥- ٢٩٦) وكلاهما لابن دحية. وحياة الحيوان الكبرى للدميري (٢٣١/١). (٢) المصدرين السابقين . (٣) الطبراني في الكبير (١٦٤/٢)، وفي مسند الشاميين (١٥٥٧)، وابن خزيمية (١٧٣٠)، = ٥٧٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قَالَ الْحَافِظِ: إِسْنَاده حسن وَفِي مَتنه غرابةٍ (١). قوله: وعن أبي موسى الأشعري، تقدم الكلام عليه. قوله وَله: «تحشر الأيام على هيئتها وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها)) إلى قوله ((ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة)) الثقلان في اللغة (٢): هما الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، وقيل: لشرفهما وكل شريف يقال له ثقيل، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب(٣)، والله أعلم. ١٠٤٣ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َوَ قَالَ إِن الله تبارك وَتَعَالَى لَيْسَ بتارك أحدا من الْمُسلمين يَوْمِ الْجُمُعَة إِلَّا غفر لَهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا فِيمَا أرى بِإِسْنَاد حسن (٤). والحاكم (١/ ٢٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٤١)، قال الهيثمي في المجمع، عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان وقد وثقهما قوم وضعفهما آخرون، وهما محتج بهما، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٠). (١) وقال الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح (ص ١٥١): حديثٌ غريبٌ، رواه ابن خزيمة بإسناد حسن. (٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤ /١٦٤٧) مجمل اللغة لابن فارس (ص: ١٦٠) لسان العرب (٨٨/١١) تاج العروس (١٥٦/٢٨) المعجم الوسيط (٩٨/١). (٣) حياة الحيوان (٢٦٠/١). وانظر كذلك: معالم التنزيل (٢٣١/٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٦٩/١٧). (٤) الطبراني في الأوسط (٤٨١٧)، وابن عدي في الكامل (٧١٣١)، قال الهيثمي (١٦٤/٢)، رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. وقال الألباني في ضعيف الجامع، (١٦٥٢): موضوع . ٥٧٩ كتاب الجمعة قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، ومن بعض مناقبه أيضا ما روى البخاري من حديث أنس رَّالَّلَهُ قال: قالت أمي خادمك أنس، ادع له، قال: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أتيته))، قال أنس: إن مالي كثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحداً من رخاء العيش أصاب مثل ما أصبت، ولقد دفنت يداي هاتان مائة من ولدي، لا أقول سقطا ولا ولد ولد (١)، قال ابن قتيبة في المعارف(٢): ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك وأبو بكرة وخليفة بن بدر؛ روى البخاري في تاريخه(٣) عن قتادة قال: لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ مُوَرِّقُ: ((ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ)). قِيلَ: (كَيْفَ ذَاكَ؟)) قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ وَّهِ.وتوفي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سعيد بن المسيب بعد بسنتين مات سنة خمس وتسعين، ومناقبه كثيرة زَّ لُّ . قوله: في آخر حديث أنس، رواه الطبراني في الأوسط (٤) مرفوعا فيما أرى، أرى: بضم الهمزة أي أظن. (١) البخاري (٦٣٣٤) مختصرا، ومسلم (٢٤٨١). (٢) المعارف (٣٠٨/١). (٣) التاريخ الكبير (٢٨/٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٧١٩) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢٥): رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (٤) سبق تخريجه. ٥٨٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٠٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة ◌َوَِّا قَالَا قَالَ رَسُول الله وَّلِ أَضلّ الله تبَارك وَتَعَالَى عَنِ الْجُمُعَة من كَانَ قبلنَا كَانَ لِلْيَهُود يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نَحن الآخرُونَ من أهل الذُّنْيَا والأولون يَوْم الْقِيَامَة المقضى لَهُم قبل الْخَلَائقِ رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه وَالْبَزَّار ورجالهما رجال الصَّحِيحِ إِلَّا أَن الْبَزَّارِ قَالَ نَحن الآخِرُونَ فِي الدُّنْيَا الْأَولونَ يَوْم الْقِيَامَة المغفور لَهُم قبل الْخَلَائق(١)، وَهُوَ فِي مُسلم بِنَحْوِ اللَّفْظ الأول من حَدِيث حُذَيْفَة وَحده(٢). قوله: وعن أبي هريرة وحذيفة، تقدم الكلام عليهما ٠ قوله وَّيّة: ((أضل الله تبارك وتعالى عن الجمعة من كان قبلنا)). الضلال: ضد الهدى، ففيه دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِضْلَالَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ فِعْلُهُ خِلَافًا للمعتزلة. قوله: ((كَانَ لِلْيَهُودِ يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة))، الحديث؛ قال الكرماني(٣): قيل معنى الاخْتِلَاف فِيهِ أَنه فرض يَوْم لِلْجمع لِلْعِبَادَةِ، ووكل إِلَى اختيارهم فمالت الْيَهُودِ إِلَى السبت وَالنَّصَارَى إِلَى الْأَحَد، وهدانا الله إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَة الَّذِي هُوَ أفضل الْأَیَّام ، أ.هـ. (١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٤)، والبزار (٦١٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠١). (٢) انظر: مسلم (٨٥٦). (٣) الكواكب الدراري (١٤ / ١١٠).