النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
كتاب الصلاة
والأمة ثم نسخ عنه وعن الأمة، وهي مسألة اختلف العلماء فيها، فذهبت
طائفة يسيرة إلى أنه لم يكن مفروضا والأحاديث ترد هذا المذهب، وذهبت
طائفة إلى أنه كان مفروضا على النبي ◌َّ خاصة، وأما النسخ في حق الأمة
فهو مذهب كافة العلماء، وذهب الحسن البصري إلى أن فرضية قيام الليل لم
تنسخ عن الأمة بل الواجب قيام ما تيسر، وأما رسول الله وَّل﴾ فقد اختلفوا في
نسخ القيام في حقه، وظاهر حديث عائشة يدل على النسخ (١) والله أعلم،
ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام .
تنبيه: قال العلماء: ويسن التهجد وهو متأكد بالكتاب والسنة والإجماع
ومداومة النبي ◌َّ وهو الصلاة في الليل بعد النوم لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ ﴾﴾(٣)
والهجوع النوم ليلا (٤).
قوله وَية: ((وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) رواه مسلم(٥)،
فالجواب عن هذا الحديث انه محمول على النوافل المطلقة لأن رواتب
الفرائض أفضل منها، وعن [أبي إسحاق المروزي] أن صلاة الليل أفضل
(١) انظر المفهم (٧/ ١٥)، وشرح النووي على مسلم (٢٦/٦-٢٧).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٣) سورة الذاريات، الآية: ١٧.
(٤) مجمل اللغة (ص ٨٩٩)، والمجموع (٤ / ٤٤).
(٥) أخرجه مسلم (٢٠٢ - ١١٦٣) عن أبي هريرة.
٢٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[من السنن] الرواتب، [وقواه] النووي: أن كسوف الشمس أفضل من
كسوف [القمر وليس] تفضيل أحد العيدين على الآخر [نقل، لكن ذكروا أن
تكبير الفطر أفضل من تكبير الأضى على الجديد، والعيد أفضل من
الكسوف، ثم الاستقساء بلا خلاف] قاله الكمال الدميري(١)، والله أعلم.
قيل: إن صلاة الليل كانت فرضا فنسخت، وقد قيل: إن النسخ كان خاصًّا
بالنبي وَّة، وعلى تقدير أن تكون الأمة معه فيه فقد يكون المنسوخ قيام النصف
أو نحوه فيفرض دون ذلك، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب قيام شيء من
الليل وإن قل، ومن أغرب ما قيل إن ذلك منسوخ بالصلوات الخمس أ.هـ.
سؤال: ما الحكمة في أن الله تعالى ألزم المصطفى صلاة الليل [٢٥٠/ أ]
دون أمته؟
الجواب عنه من وجوه: الأول: أنه لما أكرمه في الليل بما لم يكرم به أحدا
قبله ألزمه في الليل بما لم يلزم به أحدا سواه، والإكرام الذي أكرمه به هو
إنزال القرآن [عليه] قوله عز وجل: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اُلْقَدْرِ ﴾﴾(٢).
وقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾(٣) فأخبر أن نزول القرآن بالليل وإنزال
التحية والسلام [بالليل وقوله] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٤) يعني به
(١) النجم الوهاج (٣٠٨/٢-٣٠٩).
(٢) سورة القدر، الآية: ١.
(٣) سورة الدخان، الآية: ٣.
(٤) سورة القدر، الآية: ٤.
٢٤٣
كتاب الصلاة
الليل والعروج به إلى السماء، قوله ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾(١)
فلما كانت ليلة السراة وليلة القدر وليلة نزول القرآن وليلة المعراج بما فيهن
من الكرامات له خاصة ألزمه أيضاً التهجد بالليالي فتكون هذه المشقة شكرا
للفضيلة.
الثاني: إنما ألزمه التهجد بالليل لأن منزلته عند الله منزلة المحبة ومناجاة
الليل من شعار المحبة، والدليل عليه قوله: ((كذب من ادعي محبتي ثم إذا
جن عليه الليل نام عني)) فلما كانت صفة المحبة مناجاة الليل والنبي وَلو كان
أوكدهم محبة أوجب أن يستشعر بشعار الصالحين تخفيفا لحكم المحبة (٢).
الثالث: ألزمه التهجد بالليل دون غيره لأن الليل أفضل الأوقات وهو
أفضل الأنبياء والصلاة أفضل الطاعات فأراد أن يكون أفضل الأفضل،
للأفضل من الأفضل [سبحانه] والتهجد في اللغة اسم [لدفع النوم بالتكلف،
والهجود: هو النوم] يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم وهو في
الاصطلاح صلاة التطوع في الليل بعد النوم وكذا قال القاضي حسين [وقال
في ((الحاوي)): إن التهجد] أنه من الأضداد يقال: تهجد إذا سهر وتهجد إذا
(٣)
نام(٣).
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة .
(١) سورة الإسراء، الآية: ١.
(٢) الإحياء (٤/ ٣٣)، وجامع العلوم والحكم (٣٤٦/٢)، واللطائف (ص ٤٤).
(٣) كفاية النبيه (٣٤٣/٣).
٢٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َّه: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد))
الحديث، قافية الرأس مؤخره، أ.هـ، كذا فسره الحافظ رحمه الله تعالى،
وقافية كل شيء آخره، ومنه قافية الشعر، قال الخطابي(١): قلت لأعرابي:
ورد علينا أين نزلت قال في قافية ذلك المكان وسمي لي موضعا عرفته،
واختلف العلماء في هذا العقد فقيل: هي عقد حقيقة بمعنى عقد السحر
للإنسان ومنعه من [القيام قال] الله تعالى: ﴿وَمِن شَرّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ
﴾﴾(٢) فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كما يؤثر السحر، وقيل:
يحتمل أن يكون فعلا يفعله كفعل النفاثات في العقد، وقيل: هو من عقد
القلب وتصميمه فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلا طويلا
فيتأخر عن القيام، وقيل: هو مجازي كنى به عن تثبيط الإنسان عن قيام
الليل(٣) والله أعلم.
قال القرطبي: قوله {وَ له: (يعقد الشيطان)) الحديث، هذا العقد [الذى]
يعقده الشيطان من [باب عقد] السواحر النفاثات في العقد [وذلك] بإنهن
[يأخذن] خيطا [فيعقدن] عليه [عقدة من] المسحور [ويتكلمن عليه
بالسحر، فيتأثر عند] ذلك [إما بمرض أو تخييل] أو تحريك [قلب] أو
تحزين أو غير ذلك، فشبه فعل الشيطان بالنائمة بفعل السواحر، وذك أن
(١) معالم السنن (٢٨٠/١).
(٢) سورة الفلق، الآية: ٤.
(٣) شرح النووي على مسلم (٦ / ٦٥).
٢٤٥
كتاب الصلاة
النائم كلما أراد أن يقوم ليذكر الله أو يصلي غره وخدعه بأن يقول له عليك
ليل طويل (فارقد فيريه أنه لطول ما بقي عليه من] الليل يمكنه استيفاء
[راحته] من النوم وقيامه [بعد] ذلك لحزبه، فيصغى لذلك ويرقد ثم إن
استيقظ ثانية فعل به كذلك، وكذلك ثالثة فلا يستيقظ في [من الثالثة إلا] وقد
طلع الفجر [فيفوته] ما كان أراد من القيام، وإنما خص العقد بالثلاث لأن
أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم
ثلاث مرات لم [تتقض النومة] الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع (١) قاله في
الديباجة .
لطيفة: قال ابن عقيل في شرح الأحكام قوله: ((ثلاث عقد)) إن هذه العقد
الثلاث لها أسباب ثلاثة الأكل والشرب والنوم، ومن محاسن ما [٢٥٠/ ب]
قالت الصوفية: إن النوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نوم بالله، ونوم لله، ونوم عن
الله، فالقسم الأول: نوم العارفين بالله تعالى، والقسم الثاني: نوم العباد فإنهم
يستعينون به على أكمل العبادات، والقسم الثالث: نوم الغافلين عن الله وهو
نوم أكثر الخلق، أ.هـ
هذا الحديث يحتمل أن يكون في حق من نام عن الصلاة المفروضة .
قوله وَبقى: ((يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد)) رواه بعضهم
بالرفع على الابتداء والخبر أي: بقى عليك ليل طويل، ويروي بالنصب على
(١) المفهم (٧/ ٤٢- ٤٣).
٢٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإغراء أي: الزم ليلا طويلا، قال النووي(١): هكذا هو في معظم نسخ بلادنا
كصحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين.
قوله وَاجّ: ((فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة وإن صلى انحلت
عقده كلها)) في هذا الحديث فوائد منها: الحث على ذكر الله تعالى عند
الاستيقاظ من النوم وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة في الصحيح
وتقدم بعضها ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر ولكن الأذكار المأثورة فيه أفضل،
ومنها: التحريض على الوضوء [حينئذ وعلى] الصلاة وإن قلت، قال النووي
في شرح مسلم: ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة وهي الذكر
والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن لم يصبح خبيث النفس كسلان(٢)، أ.هـ،
وقد يقال [إذا جمع بين] الأمور الثلاثة [انتفى عنه] خبث النفس والكسل
كاملا [وإذا أتى ببعضها] انتفى عنه بعض خبث النفس والكسل فليس عند
من استيقظ فذكر الله من خبث النفس والكسل ما عند من لم يذكر الله
أصلا(٣) والله أعلم.
قوله وقال: ((فأصبح نشيطا طيب النفس)) قال النووي في شرح مسلم (٤) معناه:
بسروره بما وفقه الله الكريم له من الطاعة ووعده به من ثوابه مع ما يبارك له في
(١) شرح النووي على مسلم (٦٥/٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٦).
(٣) طرح التثريب (٨٨/٣).
(٤) شرح مسلم (٦ / ٦٦).
٢٤٧
كتاب الصلاة
نفسه، وتصرفه في كل أموره مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه، قال الإمام
أبو عبد الله القرطبي (١): نشيطا لما يرد عليه من العبادات لكونه ألفها.
قوله وَاله: ((وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) معناه: لما عليه من عقد
الشيطان وآثار تثبيطه واستيلائه مع أنه لم يزل ذلك عنه (٢)؛ وقوله أيضاً:
((خبيث النفس)) أي: بشؤم تفريطه وبإتمام خديعة الشيطان عليه إذ قد حمله
على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل(٣)، فعن عائشة زَّهَا عن النبي ◌َّ:
((لا يقل أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي)) أخرجاه(٤)،
و(خبثت) بضم الموحدة، وإنما كره (خبثت) هربا من لفظ (الخبث) فهذا
من الأدب في العبادة أن يتجنب ما فيه بشاعة أو كراهة أو شر ويختار ما فيه
عذوبة وتفاؤل، ولهذا استحسنوا الأسماء الحسنة وكرهوا الأسماء السيئة
وكنوا عن أمور كالغائط عن الحدث وأشباهه(٥)، فإن قيل: فقد قال عليَّلاً في
الذي ينام عن [الصلاة] فأصبح خبيث النفس كسلان؛ فجوابه: عن ذلك خبر
عن صفة غيره وعن شخص مبهم [مذموم] الحلال فلا يمنع إطلاق هذا
اللفظ عليه(٦) والله أعلم، أ.هـ، قاله في شرح الإلمام، وكسلان أي متثاقل عن
(١) المفهم (٤٣/٧).
(٢) شرح مسلم (٦/ ٦٧).
(٣) المفهم (٤٣/٧).
(٤) البخاري (٦١٧٩)، ومسلم (١٦ - ٢٢٥٠).
(٥) كشف المشكل (١١/٢)، والميسر (١٠٤٣/٣)، وشرح النووي على مسلم (٨/١٥)
والأذكار (ص ٣٥٧).
(٦) شرح مسلم (٨/١٥).
٢٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الخيرات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات، وكسلان غير منصرف
للألف والنون الزائدتين وهو مذكر كسلى، وقد وقع لبعض رواة الموطأ
كسلان مصروف وليس بشيء، ليس في هذا الحديث مخالفة لقوله وقال: ((لا
يقل أحد کم خبثت نفسي)) .
٩٠٥ - وَعَنِ جَابِرِ زَّوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ مَا من ذكر وَلَّا أَنْثَى إِلَّا على
و
رَأْسه جرير مَعْقُود حِين يرقد بِاللَّيْلِ فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة وَإِذا
قَامَ تَوَضَّأْ وَصلى انْحَلَّت العقد وَأصْبح خَفِيفا طيب النَّفْس قد أصَاب خيرا
رَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَقَالَ الْجَرِيرِ الْحَبلِ رَوَاهُ ابْنِ حِبَان فِي صَحِيحه
وَيَأْتِي لَفْظُهُ (١).
قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر.
قوله لَّه: ((ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد
بالليل)) قال ابن خزيمة: الجرير الحبل، وتقدم تفسير ما في الحديث قبله.
٩٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةٍ أفضل الصّيام بعد
رَمَضَان شهر الله المحرم وَأفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَةِ صَلَاة اللَّيْلِ)) رَوَاهُ مُسلم
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه(٢).
قوله: وعن أبي .. [٢٥١/ أ] هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.
(١) أخرجه ابن خزيمة (١١٣٣)، وابن حبان (٢٥٥٤) و(٢٥٥٦). وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٦١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢ و٢٠٣-١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي
في المجتبى ٣/ ٣٧٥ (١٦٢٩)، وابن خزيمة (٢٠٧٦)، وابن حبان (٢٥٦٣) و(٣٦٣٦).
٢٤٩
كتاب الصلاة
قوله {وَلّر: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)) سيأتي الكلام على
هذا الحديث صوم شهر الله المحرم في بابه [بياض بالأصل] أفضل الصلاة
بعد الفريضة صلاة الليل، فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل
أفضل من تطوع النهار لكن أوسطه أي الليل أفضل، هذا إذا قسمه أثلاثا
[لشمول] الغفلة فيه وثقل العبادة حينئذ وأفضل منه السدس الرابع والخامس
ثم آخره أي [نصفا أو ثلثا] أفضل من أوله [ثم آخره أي: نصفا أو ثلثا أفضل
من أوله؛ لأن الله] تعالى حث [على الاستغفار] بالأسحار وهو محل الرحمة
والمغفرة أ.هـ قاله الكمال الدميري(١)، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من
أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر
أصحابنا الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق
للحديث(٢) والله أعلم، وتقدم ذلك، وقد ورد أنه وُّ نهى عن صلاة الليل
کله، أما نهیه ګ عن صلاة اللیل کله فهو على إطلاقه وغیر مختص به بل قال
أصحابنا يكره صلاة كل الليل دائما لكل واحد، وفرقوا بينه وبين صوم الدهر
في حق من لا يتضرر به ولا يفوت حقا بأن صلاة الليل كله لابد فيها من
الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر
وغن نام نوما ينجبر به سهره فوت بعض الحقوق بخلاف من لا يصلي بعض
الليل فإنه يستغني بنوم باقيه وإن نام معه شيئا في النهار كان يسيرا لا يفوت
حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائما لا كراهة فيه لعدم
(١) النجم الوهاج (٢/ ٣١٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٥٥/٨).
٢٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الضرر(١) والله أعلم .
٩٠٧ - وَعَن عبد الله بن سَلامِ رََّهُ قَالَ أول مَا قدم رَسُول الله وَِّ الْمَدِينَة
انجفل النَّاس إِلَيْهِ فَكنت فِيمَن جَاءَهُ فَلَمَّا تَأَمَّلت وجهه واستبنته عرفت أَن
وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كَذَّابِ قَالَ فَكَانَ أول مَا سَمِعت من كَلَامِهِ أَن قَالَ أَيْهَا النَّاس
أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا الأَرْحَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام
تَدْخلُوا الْجِنَّة بِسَلامِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَابْن مَاجَه
وَالْحَاكِمِ وَقَالا صَحِيحٍ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (٢) انجفل النَّاس بِالْجِيم أَي
أَسْرعُوا ومضوا كلهم
استبنته أَي تحققته وتبینته.
قوله: وعن عبد الله بن سلام، سيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا والله أعلم.
قوله: أول ما قدم رسول الله وَّة المدينة انجفل الناس إليه)) الحديث،
المراد بالمدينة مدينة رسول الله وية التي هاجر إليها وهي مدينة حسنة وبها
قبره وهي في مستوي الأرض وعليها سور حصين قديم وحولها نخل كثير
وتمرها في غاية الحسن والحلاوة وللمدينة مخاليف كثيرة وهي الحصون
فمن مخالفيها المشهورة وادي العقيق وبه نخل ومزارع وقبائل من العرب
ووادي الصفراء وغير ذلك ولها أسماء كثيرة يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون
الياء وطابة والدار والطيب إما لخلوصها [من الشرك] أو لطيبها لساكنيها
(١) شرح النووي على مسلم (٤١/٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٤) و(٣٢٥١)، والترمذي (٢٤٨٥) والحاكم ١٣/٣ و١٥٩/٤ -
١٦٠ . وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦١٦) و(٩٤٩) و(٢٦٩٧).
٢٥١
كتاب الصلاة
الأمنهم ودعتهم، وقيل: لطيب عيشهم فيها، وأما تسميتها بالدار فللاستقرار
بها، وأما المدينة فهي إما من مدن بالمكان إذا قام به فهي [فعيلة وجمعها
مدائن بالهمز ] أو من دان أي أطاع أو من دين أي ملك فجمعه مداین بلا همز
كقوله تعالى [وجعلنا لكم فيها معايش](١) والله أعلم بالصواب.
قوله: انجفل الناس إليه، انجفل بالجيم أي: أسرعوا أو مضوا كلهم إليه.
وقوله: واستبنته،أي: تحققته وتبينته كذا فسره الحافظ.
٩٠٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ◌َيُّهَا عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ فِي الْجِنَّة غرفَة يرى
ظَاهرها من بَاطِنِهَا وباطنها من ظاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا
رَسُول الله قَالَ لمن أطاب الْكَلَام وَأَطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِمًا وَالنَّاس نيام رَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا(٢).
قوله: وعن عبد الله بن عمر وتقدم الكلام عليه.
قوله مَّة: ((في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فقال
أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول الله قال لمن أطاب الكلام وأطعم
الطعام وبات قائما والناس نيام)) وسيأتي الكلام على الغرف في ذكر الجنة إن
شاء الله تعالی.
٩٠٩ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ◌ََّهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ قَالَ إِن فِي الْجَنَّة غرفا
يرى ظاهرها من بَاطِنِهَا وباطنها من ظاهرها أعدهَا الله لمن أطْعم الطّعَام
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٤٩/٤)، والكواكب الدراري (١٦٣/١ -١٦٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٤ /٨٠- ٨١ رقم ١٤٦٨٧)، والحاكم (٨٠/١ و٣٢١). وقال
الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦١٧) و(٩٤٦) و(٢٦٩٢) و(٣٧١٧).
٢٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَأَفْشِى السَّلَام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسِ نيام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه(١) وَتقدم
حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَفِيه والدرجات إفشاء السَّلَام وإطعام
الطَّعَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه(٢).
قوله: وعن أبي مالك الأشعري رَقَ الَّه [هو أبو مالك كعب بن عاصم
الأشعري، قال أبو حاتم: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: أبو مالك
الأشعري، كعب بن عاصم، وكذلك قال أبو بكر بن أبي شيبة والبخاري في
((التاريخ))، وأبو حاتم. وقال: روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء،
وشريح بن عبيد. وقال أبو حاتم أيضا: وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: عمرو،
وقيل: عبيد. وقال البخاري في رواية عبد الرحمن بن غنم عنه: حدثنا أبو
مالك أو أبو عامر بالشك. قال ابن المديني: وأبو مالك هو الصواب، روى
عنه جابر بن عبد الله، وعبد الرحمن بن غنم، وخالد ابن أبي مريم. مات في
خلافة عمر بن الخطاب(٣)].
قوله وَله: ((إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها
أعدها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى بالليل والناس نيام)) الحديث؛
اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في
العمال فبعضها أعلا من بعض وأرفع وأنها لأهل هذه الخصال الثلاثة.
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٦١٨) و(٩٤٧) و(٣٧١٨) والمشكاة (١٢٣٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٨).
(٣) جامع الأصول (١٢/ ٨١٢).
٢٥٣
كتاب الصلاة
٩١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِّي إِذا رَأَيْتُك طابت
نَفْسِي وقرت عَيْني أنبئني عَن كل شَيْء قَالَ كل شَيْء خلق من المَاء فَقلت
أَخْبرنِي بِشَيْءٍ إِذا عملته دخلت الْجِنَّة قَالَ أطْعم الطَّعَام وأفش السَّلَام وصل
الْأَرْحَام وصل بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدخل الْجَنَّة بِسَلام رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا
فِي كتاب التَّهَجِّد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَصَحِحهُ(١).
قوله: وعن أبي هريرة رَقُولَّهُ، تقدم الكلام على أبي هريرة [٢٥١/ ب].
قوله: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني [أنبئني] عن كل شيء؟،
قال: ((كل شيء خلق من الماء)) الحديث، فهذا الحديث يدل على أن الماء
أصل جميع المخلوقات ومادتها وجميع المخلوقات خلقت منه، وقد حكي
ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف أن أول المخلوقات
الماء، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الماء كان موجودا قبل خلق السموات
والأرض فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ
عَرْشُهُو عَلَى الْمَآءِ﴾(٢) وحديث أبي هريرة يدل على أن الماء مادة جميع
المخلوقات، وقد دل القرآن على أن الماء مادة جميع المخلوقات
(الحيوانات) قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيْ﴾(٣) وقال الله
(١) أخرجه أحمد ٢٩٥/٢(٧٩٣٢) و٣٢٣/٢(٨٢٩٥) و٤٩٣/٢(١٠٣٩٩)، وابن أبي الدنيا
في التهجد (٧)، وابن حبان (٥٠٨) و(٢٥٥٩)، والحاكم (١٩٢/٤). وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١٦/٥: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
خلا أبي ميمونة، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٥٤).
(٢) سورة هود، الآية: ٧.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٠.
٢٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ (١) والله أعلم.
قوله قائلة: ((أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام)) سيأتي الكلام على
هذه الثلاثة في أبوابها.
٩١١ - وَرُوِيَ عَنْ عَلَيّ رَوَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول إِن فِي الْجَّة
لشَجَرَة يخرج من أَعْلَاهَا حلل وَمن أَسْفَلهَا خيل من ذهب مسرجة ملجمة من
در وَيَاقُوت لَا تروث وَلَا تبول لَهَا أَجْنِحَة خطوها مد الْبَصَر فَيركبهَا أهل
الْجِنَّة فتطير بهم حَيْثُ شاؤوا فَيَقُول الَّذِين أَسْفَل مِنْهُم دَرَجَة يَا رب بِمَا بلغ
عِبَادك هَذِهِ الْكَرَامَة كلهَا قَالَ فَيْقَال لَهُم كَانُوا يصلونَ بِاللَّيْلِ وكنتم تنامون
وَكَانُوا يَصُومُونَ وكنتم تَأْكُلُونَ وَكَانُوا يُنْفِقُونَ وكنتم تبخلون وَكَانُوا يُقَاتُلُون
وكنتم تجبنون رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا(٢).
قوله: وروي عن علي رُوَّهُ، تقدم الكلام علي عليّ
.
قوله: ((إن في الجنة خيلا من ذهب لا تروث ولا تبول)) الروث بالثاء المثلثة
هو الخارج من الآدمي وغيره، والبول معروف.
فائدة: ومن الخيل في الدنيا ما لا يروث ولا يبول ما دام عليه راکبه، ومنها
ما يعرف صاحبه ولا يمكن غيره من الركوب عليه، فالفرس أشبه الحيوان
بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس [وعلو الهمة] وتزعم العرب
(١) سورة النور، الآية: ٤٥.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٣٨). قال الألباني في موضع: موضوع (٣٥٥) وفى
الآخر: ضعيف (٢٢٣٩) ضعيف الترغيب.
٢٥٥
كتاب الصلاة
أنه كان وحشيا كسائر الوحوش ولذلك سميت [بالعراب] وركبه إسماعيل
عِ بَكاة فلما [أذن] الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام برفع القواعد
من البيت [قال الله عز وجل: إني معطيكما كنزا دخرته لكما،] ثم [أوحى الله ]
تعالى إلى إسماعيل ،عَالَلنا أن [اخرج فادع] بذلك الكنز فخرج إلى [أجياد]
وكان لا يدري ما [الدعاء] والكنز فألهمه الله عز وجل الدعاء فلم يبق [على
وجه الأرض] فرس بأرض العرب [إلا اجابته] فأمكنته من نواصيها
وتذللت، ولذلك قال نبينا وَّة: ((اركبوا الخيل فإنها من ميراث أبيكم
إسماعيل))، وكان لسليمان ◌َّ خيل ذوات أجنحة، أ.هـ قاله الكمال
الدميري في حياة الحيوان(١).
قوله: ((وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون)) الجبن هو الخوف وعد الإقدام
علي الشيء.
٩١٢- وَرُوِيَ عَن أَسمَاء بنت يزِيد ◌َّهَا عَن رَسُول الله وَّ قَالَ يحْشر
النَّاسِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمِ الْقِيَامَة فينادي مُنَادٍ فَيَقُول أَيْنِ الَّذِينِ كَانُوا تَتَجَافَى
جُنُوبهم عَنِ الْمِضَاجِعِ فَيقومُونَ وهم قَلِيل فَيَدْخِلُونَ الْجِنَّة بِغَيْرِ حِسَاب ثمَّ
يُؤْمر بِسَائِرِ النَّاسِ إِلَى الْحساب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ(٢).
(١) حياة الحيوان (٤٣٥/١) و(٢٨٥/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (١٧٥) وعنه المروزي في مختصر قيام الليل (ص ٣٦-
٣٧)، والبيهقي في الشعب (٥٣٨/٤-٥٣٩ رقم ٢٨٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (٣٥٦).
٢٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وروي عن أسماء بنت يزيد نَّالَّهَا [ هي أسماء بنت يزيد بن السكن
الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، تكنى أم عامر، وقيل: أم سلمة، وقيل:
اسمها فكيهة، وهي من المبايعات يقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل، وهي مدنية
من ذوات العقل والدين. شهدت اليرموك، وقتلت تسعة من الكفار بعود فسطاط.
روى عنها محمود بن عمرو، ومهاجر أبو محمد، وشهر بن حوشب(١)].
قوله وَّه: ((يحشر الناس في صعيد واحد)) الصعيد هو الأرض الواسعة
المستوية، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الشفاعة.
قوله: ((فينادي مناد فيقول: أين الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن
المضاجع؟)) الحديث، المراد بهم نوام الليل.
قوله ◌َّر: ((فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب)) الحديث،
تصير الناس في الحساب على ثلاثة فرق: فرقة لا يحاسبون أصلاً، وفرقة
تحاسب حسابا يسيراً وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابا شديداً
یکون منهم مسلم و کافر.
٩١٣ - وَعَنِ الْمُغيرَة بن شُعْبَةٌ رَّ ◌َهُ قَالَ قَامَ النَّبِي ◌َّ حَتَّى تورمت قدماه فَقیل
لَهُ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ
الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهما وللترمذي قَالَ إِن كَانَ النَِّي ◌َّ ليقوم
أَو ليُصَلِّي حَتَّى ترم قدماه أَو ساقاه فَيْقَال لَهُ فَيَقُول أفلا أكون عبدا شكُورًا(٢).
(١) جامع الأصول (١٢/ ١٨٩).
(٢) أخرجه البخاري (١١٣٠) و(٤٨٣٦) و(٦٤٧١)، ومسلم (٧٩ و٨٠-٢٨١٩)، وابن
ماجه (١٤١٩)، والترمذي (٤١٢)، والنسائي في المجتبى ٣٩٩/٣ (١٦٦٠)
٢٥٧
كتاب الصلاة
٩١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله وَّه يقوم حَتَّى ترم قدماه
فَقيل لَهُ أَي رَسُول الله أتصنع هَذَا وَقد جَاءَك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من
ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ(١).
قوله: وعن المغيرة بن شعبة رَقَّهُ، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عيسى،
وقيل: أبو محمد بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المهملة المفتوحة
بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس بن منبه فذكره إلى ان قال: بن
معد بن عدنان الثقفي الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روى له عن
رسول الله وَّله مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على سبعة، وللبخاري
حديث ولمسلم حديثان، ورى له الجماعة، كان المغيرة موصوفا بالدهاء،
قيل: إنه أحصر ثلاثمائة امرأة، وقيل: ألف امرأة .. [٢٥٢ / أ] شهد الحديبية
وولاه عمر البصرة ثم ولاه الكوفة وأقام بها إلى أن مات عمر فأقره عثمان
عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد
القادسية وفتح همذان وغيرها، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان واستعمله
معاوية على الكوفة، وتوفي وهو عليها سنة خمسين، وقل: إحدى وخمسين
وهو أول من وضع ديوان البصرة، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة معاوية
وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أمية، كان كثير النكاح للنساء
ينكح أربعا ثم يطلقهن وأحصر أربعا من بنات أبي سفيان، قال: وما غلبني إلا
شاب خطبت امرأة فقال: إني رأيت رجلا يقبلها فتركتها فتزوجها الشاب
(١) أخرجه ابن خزيمة (١١٨٤). وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب (٦٢٠).
٢٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقلت له، فقال: نعم رأيت أباها يقبلها(١) .
قوله: قام النبي وَخلال حتى تورمت قدماه، وفي حديث أبي هريرة: ((حتى
تورمت أقدامه)) وفي رواية الترمذي: ((حتى ترم قدماه أو ساقاه)) أي: انتفخت
من طول قيامه في صلاة الليل، يقال: ورم يرم والقياس يورم وهو أحد ما جاء
على هذا البناء قاله في النهاية (٢) .
قوله: فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أفلا
أكون عبدا شكوراً))، وفي رواية الترمذي: فيقال له: فيقول: ((أفلا أكون عبدا
شكوراً)) أي: بتوفيقه إياي، وفيه: أن قيام المغفور له يحقق العبودية، وبالشكر
يحصل المقام المحمود وغيره من الشيم المرضية فقيام الليل مظنة النيل،
ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين وتفطرت فيها قدما سيد المرسلين الأولين
والآخرين، أ.هـ قاله في حدائق الأولياء(٣)، وقال القاضي عياض: فيقال له في
ذلك فيقول: ((أفلا أكون عبدا شكوراً)) أي: يقال له في ذلك ما يلام به في
إجهاده نفسه وتجشمه من التعب ما تجشمه (٤)، أ.هـ، وقال بعضهم ((أفلا
أكون عبدا شكوراً)) أي: مثنيا على ربي عز وجل بنعمه ومتلقيا لها بالازدياد
من طاعته، والشكر: الثناء على صنع يؤتى للعبد(٥)، وقيل: الشكر معرفة
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٩/٢ -١١٠).
(٢) النهاية (١٧٧/٥).
(٣) حدائق الأولياء (١ / ١٨٠).
(٤) مطالع الأنوار (٤٠٦/٥).
(٥) مطالع الأنوار (٦ / ٤٧).
٢٥٩
كتاب الصلاة
الإحسان والتحدث به(١)، وقيل: الشكر بالقلب وهو التسليم قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾﴾(٢) وبالعمل وهو الدوام على الطاعة قال الله
﴾﴾، ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾(٣)
تعالى: ﴿وَأُمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (
وقال النبي وَّ حين عوتب على الإجهاد في العمل: ((أفلا أكون عبدا
شكوراً))، وقيل: الشكر والحمد سواء، وقيل: الحمد أعم لأن متعلقه
الصفات والأفعال جميعها، ومتعلق الشكر الفعل وحده (3)، وتقدم الكلام
على الشكر والحمد في الخطبة مبسوطا، وقال بعضهم أيضا في قوله: ((أفلا
أكون عبدا شكوراً)) أي: ليست عبادتي لأجل خوف الذنوب بل لشكر النعم
الكثيرة، وقال الغزالي في الإحياء(٥) في قوله: ((أفلا أكون عبدا شكوراً)) يظهر
من معناه أن ذك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب المزيد قال الله تعالى:
﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(٦).
٩١٥ - وَعَنْ عَائِشَة ◌َّهَا أَن رَسُول الله ◌َّ كَانَ يقوم من اللَّيْلِ حَتَّى تتفطر
قدماه فَقلت لَهُ لم تصنع هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا
أحب أن أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم(٧).
(١) مطالع الأنوار (٦ / ٤٧).
(٢) سورة الضحى، الآية: ١١.
(٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.
(٤) مطالع الأنوار (٦ / ٤٧-٤٨).
(٥) الإحياء (٣٥٣/١).
(٦) سورة إبراهيم، الآية: ٧.
(٧) أخرجه البخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٨١ - ٢٨٢٠).
٢٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن عائشة ◌َغَرِيّهَا، تقدم الكلام على مناقبها .
قوله: ((كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه)) الحديث، والتفطر التشقق
يقال: تفطرت وانفطرت بمعنى قاله في النهاية(١)، والتشقق أبلغ من التورم
لأن التورم مبادئه .
قوله: ((أفلا أكون عبدا شكوراً)، إشعار بمزية قيام الليل على غيره من
العبادات، قاله في الحدائق(٢)؛ واعلم أن هذا الحديث يتضمن أن الشكر
بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، قال الله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ
دَاوُودَ شُكْرًا﴾(٣) فالشكر بالأقوال عمل اللسان والشكر بالأفعال عمل
الأركان، والقصد الصحيح هو المحصل للمطلوب وهو من أعمال
[٢٥٢/ ب] القلوب فلا يكمل الشكر إلا هذه الثلاثة الأمور، قال الله تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ (٤) فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين
ولنعمه من الشاكرين وأن يوفقنا لمراضيه وامتثال أوامره ونواهيه إنه سميع
الدعاء لطيف لما يشاء، قاله في تاریخ كنز الدرر.
رَ بَِّا أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ
٩١٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد وَأحب الصّيامِ إِلَى اللهِ صِيَامِ دَاوُد كَانَ ينَام
(١) النهاية (٤٥٨/٣).
(٢) حدائق الأولياء (٢/ ١٢٢).
(٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.
(٤) سورة سبأ، الآية: ١٣.