النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
كتاب الصلاة
قبل أن يقرأ(١) أي لحظة، وفيه: استحباب الفصل بين التكبير والقراءة بالذكر
وهو دعاء للتوجه وتقدم ذكره قريبًا، وهذه السكتة تستحب للإمام والمأموم
والمنفرد كما يستحب الفصل بين التكبير والقراءة وكذلك يستحب الفصل
بين الدعاء المذكور وبين التعوذ وكذلك بين التعوذ والقراءة، وكذلك
يستحب الفصل بين ﴿وَلَا الضَّآلّينَ﴾ وآمين حتى لا يتوهم أن آمين من الفاتحة،
وكذلك يستحب الفصل بين آمين وقراءة السورة، وكذلك يستحب بين
السورة وتكبيرة الهوي إلى الركوع فهذه سبع سكتات وهم في لحظات يسيرة
إلا السكتة بين آمين وقراءة السورة فإنه يستحب للإمام أن يطولها في الصلاة
الجهرية بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ويشتغل فيها بالقراءة سرا على الأصح
في شرح المهذب والله أعلم، وتقدم في التأمين بعد الفاتحة أن السكتات
خمس وإنما أعدت ذكر السكتات هنا لزيادتها على الخمس (٢) كما تقدم.
قوله وصديقه في حديث المسيء صلاته: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) فيه
دليل على وجوب القراءة في الصلاة وفيه رد على الحسن بن صالح [وأبو
بكر الأصم] حيث قالا لا تجب القراءة فى الصلاة أصلاً (٣) وحكاه القاضي
عياض عن علي بن أبي طالب وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب
(١) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (١٤٧ - ٥٩٨) عن أبي هريرة.
(٢) انظر: المجموع (٣٩٥/٣)، والمطلع (ص ١٢٤)، والقول التمام (ص ٦٩ - ٧٠).
(٣) الحاوى (١٠٣/٢)، والمجموع (٣٢٧/٣)، والتوضيح (٧/ ٥٤) وزاد في التوضيح ابن
عيينة معهما.

٦٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مالك وهي رواية شاذة عن مالك رحمه الله أنه لا يجب قراءة أصلا وله قول
آخر بوجوبها في كل ركعة، واختلف القائلون في الوجوب فذهب مالك
والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى أنه تجب قراءة
الفاتحة لأنها متيسرة لأنه لا يخلو في الغالب أحد عن حفظها من صغير وكبير
وذكر وأنثى أو على مما زاد على الفاتحة بعدها ولا يجزئ غيرها إلا لعاجز
عنها، والصحيح الذي عليه الجمهور وجوب الفاتحة في كل ركعة وهو
مذهبنا ومذهب الجمهور وفي مذهب مالك قولان الفاتحة كافية مرة واحدة
في الصلاة كلها وقول ثان بأنها تقرأ في معظم الصلاة وقال أبو حنيفة وطائفة
قليلة لا تجب الفاتحة بل الواجب ما يسمى قرآنا لقوله وَالية ((اقرأ ما تيسر
معك من القرآن))(١) وأجيب عن ذلك بحمل الحديث على أن الرجل كان
يحسن الفاتحة أو على أنه كان عاجزا إذ ذاك عنها وهذا التأويل يتعين جمعا
بين الأدلة(٢) ودليل الجمهور أيضا قوله وَّي: ((لا صلاة إلا بأم القرآن))(٣) أي
صلاة مجزئة وبدليل حديث أبي هريرة رَّهُ قال قال رسول الله وَخَّهِ ((لا
تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) رواه ابن خزيمة في صحيحة بإسناد
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٣/٤)، وإكمال إكمال المعلم (٢ / ١٤٩)، والعدة
(٥٠١/١-٥٠٢)، والإعلام (٢/ ١٧٢).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ٢٦١-٢٦٢)، والعدة (٥٠٢/١-٥٠٣).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٤ و٣٥ و٣٧ - ٣٩٤)، وابن ماجه (٨٣٧)، وأبو داود
(٨٢٢)، والترمذى (٢٤٧)، والنسائى في المجتبى ٣٣٨/٢ (٩٢٢)، وابن حبان (١٧٨٦)
و(١٧٩٣) عن عبادة بن الصامت.

٦٦٣
كتاب الصلاة
صحيح وكذا رواه أبو حاتم ابن حبان(١) وروى الشافعي رحمه الله بإسناده
في حديث المسيء صلاته قال له كبر ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ(٢)
وهذا أمس في الدلالة من حديث ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) لأنه
يقتضي الفاتحة في الأولى قاله في مختصر الكفاية (٣) وفي رواية لابن حبان
((أمرنا رسول الله وَالي: [٣٠٧/ ب] أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)) (٤) وحمل
قوله ((وما تيسر)) وكذا قوله ((وما شاء الله)) على أنه جمع لهم بين الفرض
والسنة في ذلك للجمع بين ذلك وبين الأحاديث الواردة بإفرادها وأما حديث
((اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) من غير الفاتحة عند ضيق الوقت عن تعلم
الفاتحة ثم لا فرق في وجوب قراءة الفاتحة بين الإمام والمأموم والمنفرد
ومما يؤكد وجوبها على المأموم قول أبي هريرة زَوالته اقرأ بها في نفسك
ومعناه اقرأ سرا بحيث تسمع نفسك وفي وجه أنها تسقط عن المأموم أيضا
والصواب الأول(٥).
(١) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠) وابن حبان (١٧٨٨). وصححه الألباني في الإرواء (٥٠٢).
(٢) أخرجه الشافعى في المسند (٢٢١)، وأحمد ٣٤٠/٤ (١٨٩٩٥)، وأبو داود (٨٥٩)، وابن
حبان (١٧٨٧). وصححه الألباني في المشكاة (٨٠٤) وصحيح أبي داود (٨٠٥).
(٣) كفاية النبيه (١٠٥/٣-١٠٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٨١٨)، وابن حبان (١٧٩٠) عن أبي سعيد. وصححه الألباني في صحيح
أبي داود (٧٧٧).
(٥) المجموع (٣٦٧/٣) وشرح النووي على مسلم (١٠٣/٤).

٦٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله وَّ﴾ ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) (١) إن صح فمحمول
على المسبوق(٢) والله أعلم.
تنبيهات في الفاتحة: الأول: مذهب الشافعي وطوائف من الخلف
والسلف أن البسملة آية من الفاتحة وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة (٣)
واستدلوا بقول ابن عباس: من ترك البسملة فقد ترك مائة وأربعة عشر آية من
القرآن (٤)، يعني أنها أول آية من أول كل سورة وفي القرآن مائة وأربع عشرة
سورة فإذا ترك البسملة من كل سورة فقد ترك مائة وأربع عشرة آية.
الثاني: قال العلماء يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة، قال أصحابنا
الشافعية وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدر ما من
طويلة لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط ويقف عند
انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير منهم فندب إلى
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٠). وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (ص ٨): هذا خبر لم
يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم لإرساله وانقطاعه رواه ابن
شداد، عن النبي ◌ُّم قال البخاري: وروى الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير،
عن النبي ◌َّ، ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير. وحسنه الألباني في الإرواء (٥٠٠).
(٢) الحاوى (٢/ ١٤٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١١١)
(٤) الصواب أنه عن عبد الله بن المبارك كما في الشعب (٢٤/٤ رقم ٢١٣٥) بلفظ: من ترك
﴿بِسْمِ اٌللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فواتح السور، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.
وروى عن ابن عباس بلفظ: من ترك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد ترك آية من كتاب الله
عز وجل. انظر الشعب (٢٤/٤)، والتعليقة (٢/ ٧٩٢) وكفاية النبيه (١١٩/٣).

٦٦٥
كتاب الصلاة
كمال السورة ليحترز عن الوقوف دون الارتباط (١) والله أعلم.
فائدة: يجب النهي على من يسمع قارئا يلحن في قراءته ويجب أن يلقنه
الصحيح كذا قال الغزالي، ولم يفرق في الوجوب بين اللحن الذي يفسد
المعنى واللحن الذي لا يفسد، ويحتمل أن يقال إن أفسد المعنى وجب
النهي وإلا استحب وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرأه لحنا
فلیتر که ولیجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا وليس
بقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض صوته ويمنعه
سرا منه أيضا وحذرا ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة
وحرص عليها فلست أرى به بأسا انتهى قاله ابن النحاس(٢).
قوله وَلّ للرجل ((ثم اركع حتى تطمئن راكعا)) قال الله تعالى: ﴿يَأْيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ (٣) الآية، الركوع في اللغة الانحناء وقيل
الخضوع (٤)، ورأى حذيفة زَقَوَّ رجلا لا يقيم صلبه في الركوع فقال ما
صليت وإن مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا ◌َّ عليها رواه
البخاري(٥)، أردا بالفطرة دين الإسلام الذي هو منسوب إليه قاله في
(١) العزيز شرح الوجيز (٥٠٧/١)، والمجموع (١٦٧/٢) وشرح النووي على مسلم
(٤ / ١٧٤).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٢).
(٣) سورة الحج، الآية: ٧٧.
(٤) تحرير ألفاظ التنبيه (٦٦).
(٥) أخرجه البخاري (٧٩١)، وابن حبان (١٨٩٤).

٦٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النهاية(١)، فهذا الحديث دليل على وجوب الطمأنينة، والطمأنينة رجوع [كل
فقار] إلى مكانه (٢) وأنها لابد أن تكون في حالة الركوع والطمأنينة أيضا
سكون بين حرکتین فلو رفع رأسه عقب التلبس بالركوع لم یکفه (٣) والله أعلم.
قوله {ٍَّ﴾ رجل ((ارفع حتى تستوي قائما)) وفي رواية ((حتى تعتدل قائما)) أي
على الحالة التي كان عليها قبل الركوع لقوله ((حتى تعتدل قائما)) وقال وَيه
((لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره من الركوع والسجود)) رواه أبو داود
وغيره وقال الترمذي حديث حسن هذا في صلاة الفرض أما الاعتدال في
الركوع والسجود في النفل ففي وجوبه وجهان وأجزأهما القفال في الجلوس
بين السجدتين بناء على [٣٠٨/ أ] الخلاف فيما لو صلى القادر النفل قاعدا
أو مضطجعا وصحح النووي وجوبه قال أبو حنيفة لا يجب الاعتدال فلو
انحط من الركوع إلى السجود أجزأه وعن مالك روايتين كالمذهبين قاله
الدميرى(٤)، ففي هذا الحديث دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع
ووجوب الطمأنينة كما يجب الجلوس بين السجدتين وتوقف فيه امام
الحرمين وقال في القلب منه شيء لأنه وهو لم يذكر الطمأنينة للأعرابي في
الاعتدال وبين السجدتين وهما ركنان قصيران والجواب أن ابن حبان رواه
(١) النهاية (٣/ ٤٥٧).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨) عن أبي حميد.
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٢٥٦)
(٤) النجم الوهاج (٢/ ١٣٦).

٦٦٧
كتاب الصلاة
في صحيحه والإمام الشافعي في الأم وابن عبد البر في التمهيد ولفظه ((حتى
تطمئن قائما)) والصواب وجوبها وأن النبي وَله كان يطمئن وقال ((صلوا كما
رأيتموني أصلي))(١).
قوله وتقال: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم
اسجد حتى تطمئن ساجدا)) وفي الصحيحين كان رسول الله وَ جلال إذا رفع رأسه
من السجود لم يسجد حتى يستوي جالساً(٢) ففي حديث المسيء صلاته
دليل على وجوب الجلوس بين السجدتين ووجوب الطمأنينة في الركوع
والسجود كما تقدم وهو مذهب الشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة وطائفة
يسيرة لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس بل يكفي رفع رأسه عن الأرض أدنى
رفع ولو كحد السيف وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب
صحيح (٣).
قوله وَية ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) أي في بقيتها فيه دليل على
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا ركعة مسبوق وهو مذهبنا ومذهب
الجمهور قال النووي وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا تجب القراءة في
الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت
وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:
(١) النجم الوهاج (١٣٧/٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨) عن عائشة.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٠٨/٤)، والنجم الوهاج (٢/ ١٥٢).

٦٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحدها: الوجوب في كل ركعة.
والثاني: الوجوب في الأكثر.
والثالث: الوجوب في ركعة واحدة(١).
تنبيه: روى البخاري في هذا الحديث الجلسة بعد السجدة الثانية ولم يقل
أحد بوجوبها بل اختلفوا في استحبابها وقد يقال ذكرها له لبيان الأكمل ويؤيد
ذلك رواية أبو داود ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت من هذا
شيء فإنما انتقصت من صلاتك))(٢).
قوله ((فقال الرجل والذي بعثك بالحق)) أي بالقرآن والإسلام وفي رواية
((والذي أتنزل عليك الكتاب ما أحسن غير هذا فعلمني)) انتهى وفيه أن
المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأل
عنه يستحب له أن يذكره له ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا
يعني وموضع الدلالة أنه قال علمني يا رسول الله أي علمني الصلاة فعلمه
الصلاة واستقبال القبلة والوضوء وليس من الصلاة ولكنهما شرطان لها،
وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وإيضاح المسألة له وتلخيص
المقاصد والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات الذي لا يحتمل
حاله حفظها القيام بها(٣).
(١) العدة (٥٠٢/١)، والإعلام (١٧٢/٣).
(٢) الإعلام (٣/ ١٨١ - ١٨٢)
(٣) شرح النووي على مسلم (١٠٨/٤).

٦٦٩
كتاب الصلاة
واعلم أن حديث المسيء صلاته الذي رواه أبو هريرة وأخرج نحوه عن
رفاعة بن رافع وهو أخو خلاد المسيء صلاته أن رجلا دخل المسجد فصلى
فذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بعد الكلام على بقية الحديث حديث
المسيء صلاته، قال الطوفي القصة في حديث رفاعة والمسيء صلاته فيما
أحسب واحدة لكن رفاعة استقصى فيها اكثر من حديث المسيء صلاته،
وقال بعضهم يحتمل أنهما قضيتان [٣٠٨/ ب] ولم يذكر أحد تلك الصلاة
ما كانت وقد صرح بها النسائي في حديث رفاعة فصلى ركعتين فلعلهما تحية
المسجد فعلهما لما دخل وهم في غير الصلاة، واعلم أن حديث المسيء
صلاته سبق لبيان الواجبات دون السنن، وقيل: لم يذكر فيه كل الواجبات،
وقيل: واجبات مجمع عليها ومختلف فيها لم تذكر في هذا الحديث منها
النية وتقدم الكلام عليها مبسوطًا في هذا الباب وغيره، ومنها التعوذ في التشهد
الأخير ومنها الصلاة على النبي وَّ فيه ومنها السلام، وهذه الثلاثة واجبة
عند الشافعي، وقال بوجوب السلام الجمهور وبوجوب التشهد كثيرون
وبوجوب الصلاة على النبي ودية مع الشافعي الشعبي والإمام أحمد بن حنبل
وأصحابهما ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أن المشروع
تسليمتان ومذهب مالك وطائفة أن المشروع نسليمة واحدة، وهو قول
ضعيف عن الشافعي، ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة، ومنها التشهد
وأوجبه كثيرون وهو التحيات وسمي تشهدا لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله وهو تفعل من الشهادة، ومنها: التشهد الأول أوجبه
الإمام أحمد بن حنبل، ومنها: التسبيحات وتكبيرات الانتقالات عند الإمام

٦٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحمد، ومنها: الترتيب يعني ترتيب الأركان، ومنها: نية الخروج من الصلاة
أوجبه بعض أصحاب الشافعي، واعلم أنه قد أستفيد من سرد الروايات أن
فيه أمورًا لم تجب ذكرها بعضهم، الأول: إقامة الصلاة، لم يذكر في الحديث
فدل على أنها غير واجبة، قلت: هي في أبي داود وقد اختلف فيها فقيل هي
فرض كفاية وقيل فرض في الجمعة دون غيرها لوجوب الجمعة فلذلك
يجب الدعاء إليها والخلاف فيها، وفي الآذان واحد ؛ الثاني: دعاء الاستفتاح
سنة لأنه لم يذكر فيه، قلنا: بلى قد ذكر وقع ذلك فهو متفق على عدم وجوبه
بل قال مالك رحمه الله بكراهته ومن عزا وجوبه إلى الشافعي فقد وهم؛
الثالث: القعود ورفع اليدين ووضع اليمنى على اليسرى وبقية السنن مما لم
يذكر فليس بواجب، وقد ثبتت تسميته بأدلة أخرى ؛ الرابع: استدلال بعض
المالكية على عدم وجوب التشهد لكونه لم يذكر، قلنا: هو في أبي داود
والنسائي وغيرهما ولوجوبه أدلة منها: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد
السلام على الله، الحديث، رواه الدارقطني والبيعقي بإسناد صحيح، وقد
ثبت الأمر به في الصحيحين ؛ الخامس: استقلال الحنفية على عدم وجوب
السلام بعدم ذكره فيه، قلنا: لوجوبه أدلة (١) منها حديث أبي داود وغيره:
(تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)» (٢).
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٠٧/٤-١٠٨)، وإحكام الأحكام (١/ ٢٥٧)، والعدة
(٤٩٧/١-٤٩٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٥)، وأبو داود (٦١) و(٦١٨)، والترمذى (٣) عن على. وقال الألباني:
حسن صحيح، المشكاة (٣١٢ و٣١٣)، الإرواء (٣٠١)، صحيح أبي داود (٥٥).

٦٧١
كتاب الصلاة
واعلم أن الصلاة شروط وأركان وأبعاض وسنن قد ذكر الفقهاء في كتب
الفقه(١).
فأما شروطها فقسمان شروط لوجوبها وهي أربعة الإسلام والعقل
والبلوغ والطهارة (٢)، وأما شروط صحتها فمعرفة دخول الوقت يقينا أو
ظنًا (٣) ومعرفة القبلة (٤) والطهارة من الحدث والخبث وهو اجتناب
النجاسات في بدنه وثوبه ومكانه(٥) ؛ الرابع: ستر العورة، وعورة الرجل من
سرته إلى ركبته، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين حتى لو بان
منها شعرة او من رجلها بعض ظفر فلا تصح صلاتها، وعورة الأمة: كالرجل
والأولى ستر بدنها كله(٦). [٣٠٩/ أ]
الخامس: معرفة كيفية الصلاة وفرضيتها (٧) ؛ السادس: تمييز فرائضها من
سنتها وإن كان عاميا، واعتقد أن الجميع فرض صح وإلا لم تصح صلاته
وكذلك فى الوضوء إن اعتقد العامى إن اعتقد أن الجميع فرض صح الوضوء
(١) النجم الوهاج (٢/ ٨٤).
(٢) البيان (٩/٢) والغاية والتقريب (ص ٨)، وعمدة السالك (٣٥/١)، والتذكرة (ص٢٥).
(٣) روضة الطالبين (٢٧٠/١)، وعمدة السالك (٥٨/١)، والنجم الوهاج (١٨٨/٢) وتحفة
المحتاج (١١٠/٢)، ومغنى المحتاج (٢٩٦/١).
(٤) المجموع (١٨٩/٣) والروضة (٢٠٩/١) والمنهاج (ص ٢٤).
(٥) كفاية النبيه (٢٢٥/٤).
(٦) المجموع (١٦٧/٣ -١٦٨).
(٧) عمدة السالك (٤١/١).

٦٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وإلا لم يصح وضوءه(١)، ومما يبطل الصلاة الكلام وأن لا يتكلم في الصلاة
بكلام أجنبي لا يتعلق بالصلاة فتبطل بالنطق بحرفين أو حرف معهم (كقٍ)
من الوقاية و(ع) من الوعاية(٢)، ومما يبطلها البكاء ولو كان من الخشية
والأنين والضحك والنفخ والتنحنح إلا من الغلبة (٣)، ويبطلها الفعل الكثير
كثلاث ضربات أو خطوات متواليات (٤)، ويبطلها الأكل ولو سمسسمة
والمص مبطل(٥) فهذه الشروط.
تنبيه: والتحقيق أن شرطها ما يعتبر في صحتها متقدما عليها ومستمرا فيها،
والركن ما تركبت منه مع اشتراكهما في أن كلا منهما لابد منه، وعلى هذا
يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب ويمكن استحضار
الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها
قاله الكمال الدميري(٦).
(١) انظر: المجموع (٥٢٣/٣-٥٢٤) والروضة (٢٧٠/١-٢٧١)، والنجم الوهاج
(١٨٨/٢).
(٢) كفاية النبيه (٤٠٦/٣)، وعمدة السالك (ص ٥٦)، والنجم الوهاج (٢١٧/٢).
(٣) المجموع (٨٩/٤)، وروضة الطالبين (١ / ٢٩٠)، وعمدة السالك (ص ٥٦)، والنجم
الوهاج (٢١٩/٢).
(٤) المجموع (٤ / ٩٢)، وكفاية النبيه (٤١٤/٣)، وعمدة السالك (ص ٥٧)، والنجم الوهاج
(٢٣٠/٢-٢٣١).
(٥) المجموع (٩٠/٤)، وكفاية النبيه (٤٢١/٣-٤٢٣)، والنجم الوهاج (٢٣٢/٢ -٢٣٣).
(٦) النجم الوهاج (٢/ ٨٤).

٦٧٣
كتاب الصلاة
وأما الأبعاض فهي ست وهي التي تسن سجود السهو لها وسميت أبعاضا
لقربها من الفرض، وهذه الأبعاض سنة إن تركها عمدًا أو سهوا لا تبطل
الصلاة وهي القنوت والقيام له والتشهد الأول والتعوذ له والصلاة على النبي
وَّةٍ فيه والصلاة على آله في الأخير(١)، فإذا علمت ذلك فيما سوى الشروط
والأركان والأبعاض فهو سنن لا تقتضي سجود السهو، وقد عد صاحب
التنبيه السنن فقال: وسننها أربع وثلاثون(٢)، فمن أراد الزيادة على ذلك
فليراجع كتب الفقه والله أعلم بالصواب.
٧٦٣- وَعَن رِفَاعَة بن رَافع ◌َّالَّهُ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله وَّهِ إِذْ
جَاءَ رجلٍ فَدخل الْمَسْجِد فصلى فَذكر الحَدِيث ◌ِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ فَقَالَ الرجل
لَا أَدْرِي مَا عبت عَليّ فَقَالَ النَِّ نَّهِ إِنَّه لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ
الْوُضُوءِ كَمَا أمره الله وَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمُرْفقين وَيَمْسَح رَأْسه
وَرجِلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده وَيَقْرَأ من الْقُرْآن مَا أذن الله
لَهُ فِيهِ وتيسر ثمَّ يكبر ويركع فَيَضَع كفيه على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تطمئِن مفاصله
وَتَسْتَرْخِي ثُمَّ يَقُول سمع الله لمن حَمده وَيَسْتَوِي قَائِمًا حَتَّى يَأْخُذ كل عظم
مأخذه وَيُقِيم صلبه ثمَّ يكبر فَيَسْجد وَيُمكن جَبهته من الأَرْض حَتَّى تطمئن
مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثُمَّ يكبر فيرفع رأسه وَيَسْتَوِي قَاعِدا على مقعدته وَيُقِيم
صلبه فوصف الصَّلَاة هَكَذَا حَتَّى فرغ ثمَّ قَالَ لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يفعل
(١) روضة الطالبين (٢٢٣/١)، وكفاية النبيه (٢٧٢/٣)، والتدريب (١٧٥/١).
(٢) التنبيه (٢٣/١)، وكفاية النبيه (٢٧٢/٣)، والهداية (١٣٩/٢٠).

٦٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ذَلِك)) رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفِظُه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَقَالَ فِي آخِرِه
فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت مِنْهَا شَيْئا انتقصت من
صَلَاتك (١) قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري هَذَا حَدِيث ثَابت.
قوله: عن رفاعة بن رافع هو رفاعة بن رافع الزرقي، منسوب إلى جد له يقال له
زريق بتقديم الزاي هو وأبوه صحابيان، روى له عن رسول الله وَالية- أربعة
وعشرون حديثًا (٢)، توفي في خلافة معاوية تقدم الكلام عليه قريبًا مبسوطًا.
قوله وَيلة: ((إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى
ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين)) تقدم
الكلام على إسباغ الوضوء في مواضع من هذا التعليق.
وأما قوله ◌َّية: ((فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين)) إلى قوله: ((ويمسح
برأسه ورجليه إلى الكعبين)) فذكر الفروض الأربع المذكورة في قوله تعالى:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
إِلَى الْمَرَافِقِ﴾(٣) الآية.
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٦٠)، وأبو داود (٨٥٧) و(٨٥٨) و(٨٥٩) و(٨٦٠) و(٨٦١)،
والترمذى (٣٠٢)، والنسائى في المجتبى ٤٤٢/٢ (١٠٦٥) و١٠٧/٣ (١٣٢٩)
و١٠٨/٣ (١٣٣٠). قال الترمذى: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب (٥٣٦) وصحيح أبي داود (٨٠٣ و٨٠٤ و٨٠٥ و٨٠٦
و٨٠٧)، والمشكاة (٨٠٤)، والإرواء (١/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٠/١-١٩١ ترجمة ١٦٩).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.

٦٧٥
كتاب الصلاة
قوله وسيلة: ((فيضع كفيه على ركبتيه)) وهذا أحد أقل الركوع أن تبلغ راحتاه
ركبتيه ولا يكفي بلوغ الأصابع، وهذا عند اعتدال الخلقة فلا عبرة بطويل
اليدين ولا قصيرهما(١)، وفي حديث آخر: ((وامدد ظهرك)) إشارة إلى الحالة
الفضلى، وفيه دليل لما قيل أنه علمه مهمات الفرائض ومهمات الصفات
المحبوبة فيها.
قوله وَله: ويمكن جبهته من الأرض، وفي رواية ((فيمكن)) وفي رواية:
((فتمكن لسجودك)) دليل على وجوب التحامل بثقل الرأس وهو الصحيح
من مذهب الشافعي بحيث لو كان تحت الجبهة قطن أو طين لانخفض(٢).
قوله ◌َّه: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، أي: ولم تبق إلا السلام
[٣٠٩/ ب].
قوله وَالله: ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئًا
انتقصت من صلاتك)) أي فإن كانت فرضا بطلت وإن كانت سنة فقد فات
ثواب تلك السنة واستدل أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بكونه جعلها ناقصة
على الجواز بغير طمأنينة، فأما لو نقص ركوعا لزمه القول بالجواز ولا قائل
به والله أعلم.
٧٦٤- وَعَن عمار بن يَاسر رَّ ◌ُِّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّلِ يَقُول إِن
الرجل لینصرف وَمَا کتب لَهُ إِلَّا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها
(١) روضة الطالبين (٢٤٩/١).
(٢) العزيز (٥٢٣/١)، والمجموع (٤٢٣/٣) والروضة (٢٥٥/١-٢٥٦).

٦٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خمسها ربعهَا ثلثها نصفهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه
(١)
بِنَحْوِهِ(١).
قوله: عن عمار بن ياسر، تقدم.
قوله وقال: ((إن الرجل لينصرف من صلاته وما کتب له إلا تسعها ثمنها
سبعها سدسها)) الحديث، أراد بذلك والله أعلم عدم إتمام الركوع والسجود.
٧٦٥ - وَعَن أبي الْيُسْرِ رَّهُ أَنْ النَّبِيِِّ قَالَ: مِنْكُم من يُصَلِّي الصَّلَاة
كَامِلَة ومنكم من يُصَلِّ النّصْف وَالثلث وَالرّبع وَالْخمس حَتَّى بلغ الْعَشْر
رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن(٢) وَاسم أبي الْيُسْرِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَالسِّين
الْمُهْمِلَة مفتوحتين كَعْب بن عمر السّلمِيّ شهد بَدْرًا.
قوله: عن أبي اليسر، واسم أبي اليسر بالياء المثناة تحت والسين المهملة
مفتوحتين كعب بن عمرو السلمي شهد بدرا قاله الحافظ.
قوله وَله: ((منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف
والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشرة)) الحديث، وقد جاء في الحديث أنه
يكتب له من الصلاة ما حضر قلبه فيها وان العبد يصلي فيكتب له نصفها
حتى انتهى إلى عشرها ووقف فهي خمس في حق من كتب له عشرها وعشر
(١) أخرجه أبو داود (٧٩٦)، والنسائي في الكبرى (٦٩٦)، وابن حبان (١٨٨٩). وحسنه
الألباني في صحيح أبي داود (٧٦١)، وصحيح الترغيب (٥٣٧).
(٢) أخرجه أحمد (١٥٥٢٢)، والنسائي في الكبرى (٦٩٧). وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٥٣٨).

٦٧٧
كتاب الصلاة
في حق من کتب له أكثر من ذلك وخمسون في حق من کتب له كملت صلاته
وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها، ذكره السهيلي
في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (١).
٧٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَةِ الصَّلَاة ثَلَاثَة أَثْلَات
الطّهُور ثلث وَالرُّكُوع ثلث وَالسُّجُود ثلث فَمِن أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قبلت مِنْهُ وَقبل
مِنْهُ سَائِرِ عمله وَمن ردَّتْ عَلَيْهِ صلَاته رد عَلَيْهِ سَائِرِ عمله رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَقَالَ لَا
نعلمهُ مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث الْمُغيرَة بن مُسلم (٢). قَالَ الْحَافِظِ وَإِسْنَاده
حسن.
قوله: عن أبي هريرة.
قوله وَة: ((الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود
ثلث)) الحديث، الطهور بفتح الطاء ما يتطهر به من مائع وجامد، وبضمها هو
التطهر به وهو المراد هاهنا، وقال النووي: المراد بالطهور الوضوء وهو أعم
من ذلك إذ يشتمل الوضوء والغسل وغيرهما والله أعلم.
(١) الروض الأنف (٤٥٩/٣).
(٢) أخرجه البزار (٩٢٧٣). قال البزار: وهذا الحديث إنما يحفظ من حديث الأعمش، عن
أبي صالح عن كعب من قوله ولا نعلم أحدا أسنده فقال عن أبي صالح، عن أبي هريرة
زَّ لَهُ، عن النبي ◌َّةٍ إلا المغيرة بن مسلم ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع
١٤٧/٢: رواه البزار وقال: لا نعلمه مرفوعًا إلا عن المغيرة بن مسلم قلت: والمغيرة ثقة
وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٣٧) وصحيح الترغيب (٥٣٩).

٦٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٦٧- وَعَنِ حُرَيْث بن قبيصَة رَوَلَّهُ قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَقلت اللَّهُمَّ
ارزقني جَلِيسا صَالحا قَالَ فَجَلَست إِلَى أبي هُرَيْرَة فَقلت إِنِّي سَأَلت الله أَن
يَرْزُقنِي جَلِيسا صَالحا فَحَدثني بِحَدِيث سمعته من رَسُولِ اللهِ وَ لَّهِ لَعَلَّ الله أَن
يَنْفَعِنِي بِهِ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْدِ يَوْم
الْقِيَامَة من عمله صلاته فَإِن صلحت فقد أَفْلِح وأنجح وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ
وخسر وَإِن انْتقصَ من فريضته قَالَ الله تَعَالَى انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع
يكمل بِهِ مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة ثمَّ يكون سَائِرِ عمله على ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَغَيرِه وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١).
قوله: عن الحارث بن قبيصة.
قوله: سمعت رسول الله والله يقول: ((إن أول ما يجاء به العبد يوم القيامة
من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن
انتقص من فريضته قال الله تعالى انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل به ما
انتقص من الفريضة)) الحديث، تقدم الكلام على ذلك مبسوطا.
٧٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَلَّهُ قَالَ صلى رَسُول اللهِ وَّهِ يَوْمًا ثمَّ انْصَرف
فَقَالَ يَا فِلَان أَلا تحسن صَلَاتك أَلا ينظر الْمُصَلِّي إِذا صلى كَيفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا
(١) أخرجه الترمذى (٤١٣)، والبزار (٩٤٦٢) و(٩٥٦٧)، وابن نصر المروزى في تعظيم قدر
الصلاة (١٨١) و(١٨٥)، والنسائي في المجتبى ٥٦٧/١ (٤٧٢) والكبرى (٤٠٢). وقال
الترمذى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في
المشكاة (١٣٣٠) وصحيح الترغيب (٥٤٠).

٦٧٩
كتاب الصلاة
يُصَلِّ لنَفسِهِ إِنِّي لَأَبْصر من ورائي كَمَا أَبْصر من بَيْن يَدي رَوَاهُ مُسلم
وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَلَفظه قَالَ صلى بِنَا رَسُولِ اللهِ وَّةِ الظّهْر
فَلَمَّا سلم نَادَى رجلا كَانَ فِي آخر الصُّفُوف فَقَالَ يَا فلان أَلا تتقي الله أَلا تنظر
كَيفَ تصلي إِن أحدكُمْ إِذا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يقوم يُنَاجِي ربه فَلْيُنْظر كَيفَ يناجيه
إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُم إِنِّي وَالله لأرى من خلف ظَهْري كَمَا أرى من بَين
يدي(١).
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على بعض مناقبه.
قوله وَاللّ: ((يا فلان ألا تحسن صلاتك، ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف
يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي))
الحديث، وفيه الأمر بإكمال التعظيم والخشوع وإتمام الركوع والسجود،
وفيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتحميده
وتلاوة كتابه وتدبره(٢) والله أعلم.
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس قال: بينما رسول الله وَلّ ذات
يوم إذ أقيمت الصلاة فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا
بالسجود ولا برفع رؤوسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي الحديث، قال
ابن بطال: فيه أنه ينبغي للإمام إذا رأي أحدا مقصرا في شيء من أمور دينه أو
(١) أخرجه مسلم (١٠٨ - ٤٢٣)، والنسائى في المجتبى ٣٠٨/٢ (٨٨٤) والكبرى (١٠٣٣)،
وابن خزيمة (٤٧٤) و(٦٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٠/٥-٤١).

٦٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ناقصا للكمال أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ ألا ترى
أن النبي ◌ُّ* وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم في ذلك بأنه
يراهم وقد أخذ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين ذلك إذا مكنهم في الأرض
بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ
وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(١) الآية(٢).
قوله: إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي، فيه تأويلان، أحدهما:
أنه من رؤية العين، والثاني: قيل من رؤية القلب قاله عياض، وقال عياض
أيضًا: قال الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين
حقيقية(٣)، وقال النووي: قال العلماء معناه: أن الله سبحانه وتعالى خلق له.
[٣١٠/ أ] وَّ إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له وَّخل
بأكثر من هذا أو ليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره،
فوجب القول به(٤)، وقد كان رسول الله وسلامه يرى أصحابه في الصلاة وهم
خلفه كما يراهم أمامه ورأى بيت المقدس عيانًا وهو بمكة ورأى قصور
الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى
أمراء مؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو
(١) سورة الحج، الآية: ٤١.
(٢) شرح الصحيح (٧١/٢).
(٣) إكمال المعلم (٣٣٦/٢ -٣٣٧).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٤٩/٤).