النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
كتاب الصلاة
الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم
وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم
٧٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َو ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِوَّةِ خِيرِ صُفُوف الرِّجَال
أَوْلهَا وشرها آخرِهَا وَخير صُفُوفِ النِّسَاء آخرها وشرها أولهَا رَوَاهُ مُسلم
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(١) وَتقدم.
قوله: عن أبي هريرة تقدم.
قوله وَّله: ((خير صفوف الرجال أولها)) الحديث، المعنى في ذلك والله
أعلم: أن أهل الصف الأول أعلم بحال الإمام من غيره فيكون أشرف،
والصف الأول الذي وردت الأحاديث والحث عليه هو الصف الذي يلي
الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرًا، هذا هو الصحيح الذي تقتضيه
ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون.
وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد
إلى طرفه ولا يتخلله مقصورة ولا منبر ونحو ذلك فإن تخلل الذي يلي
الإمام شيء فليس بأول بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر.
(١) أخرجه مسلم (١٣٢ - ٤٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذى
(٢٢٤)، والنسائي في المجتبى ٢٦٩/٢ (٨٣٢) والكبرى (٩٨٢).
٥٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن
صلی في صف متأخر.
وهذان القولان غلط صريح، قال النووي: وإنما ذكرته ومثله لأنبه على
بطلانه [٢٩٥/ ب] لئلا يغتر به(١).
قوله صلى الله عليه وسلم: ((وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها))
المراد بالشر قلة الثواب وكراهة ذلك الفعل (٢).
قلت: أخر مرتبتهن عن مرتبة الذكور لأن نوع الذكر أشرف على الإطلاق
فهي محلها وشر صفوفها أولها لتعديها عن محلها(٣) وإنما فضل آخر
صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال
ورؤيتهم، وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو
ذلك (٤).
وتقدم الكلام على شيء من ذلك والله أعلم.
٧٢٧ - وَعَن أبي سعيد رَّالَّهُ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رأى فِي
أَصْحَابِه تأخرا فَقَالَ لَهُم تقدمُوا فائتموا بِي وليأتم بكم من بعدكم لا يزَال قوم
(١) شرح النووي على مسلم (٤ /١٦٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٩/٤).
(٣) شرح المصابيح (٢/ ١٠٦) لابن الملك.
(٤) شرح النووي على مسلم (١٥٩/٤).
٥٨٣
كتاب الصلاة
يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهُ (١).
قوله: عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم.
قوله: إن رسول الله وَيو رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: ((تقدموا فأتموا
بي وليأتم بكم من بعدكم))، ومعني الحديث، اقتدوا بي مستدلين على أفعالي
بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم على متابعة الإمام الذي لا يراه ولا
يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامه يراه متابعا للإمام(٢).
وينبغي أن يكون في الصف الأول من يعقل صلاة الإمام وفي الصف الثاني
من يعقل صلاة الصف الأول وهلم جرا لتكون صلاتهم على وفق صلاة
(٣)
الإمام (٣).
قوله: ((لا يزال قوم يتأخرون)) أي: عن الصفوف الأول (٤).
قوله: ((حتى يؤخرهم الله)) الحديث أي: عن رحمته وعظيم فضله أو عظيم
ثوابه ورفع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك(٥).
(١) أخرجه مسلم (١٣٠ - ٤٣٨)، وابن ماجه (٩٧٨)، وأبو داود (٦٨٠)، والنسائي في
المجتبى ٢٥٣/٢(٨٠٧) و(٨٠٨) والكبرى (٩٥٨ و٩٥٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٨/٤-١٥٩).
(٣) انظر: شرح السنة (٣٧٦/٣)، والمسالك (١٤٤/٣)، وشرح النووي على مسلم
(٤/ ١٥٤)، والمفهم (٤ / ١٤٧)، وشرح المشكاة (١١٤٢/٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٥٩/٤).
(٥) شرح النووي على مسلم (٤ /١٥٩).
٥٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٢٨- وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ◌ٍَّ لَا يَزَال قوم
يتأخرون عَن الصَّفّ الأول حَتَّى يؤخرهم الله فِي النَّارِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ
خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَابْن حبَانِ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا حَتَّى يخلفهم الله فِي النَّار(١).
قوله: عن عائشة تقدم الكلام على مناقبها.
قوله مَّي: ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في
النار)) قيل: هذا في المنافقين.
وقيل: في غيرهم، وعلى هذا فيحتمل أنه يؤخرهم عن رتبة العلماء
المأخوذ عنهم أو رتبة السابقين(٢)، وفيه إشارة إلى من تساهل في ترك
الفضائل قد يقع في ترك الواجبات، وكذا من تساهل في الصغائر قد تجره إلى
الكبائر، وفيه: الحث على القرب من الإمام لمشاهدة أفعاله وسماع
قراءته(٣)، وتنبيهه إذا سهي وغير ذلك.
قال القاضي صدر الدين المناوي في التنقيح على المصابيح: ومر بي في
بعض الكتب أن قوله: ((لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)) أن
هذا في قوم متأخرون ليكونوا آخر صفوف الرجال فيليهم النساء، وقصدهم
(١) أخرجه أبو داود (٦٧٩) وابن خزيمة (١٥٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٨٦)، وابن
حبان (٢١٥٦). وضعفه الألباني في المشكاة (١١٠٤). وقال في صحيح أبي داود (٦٨٢)
وصحیح الترغيب (٥١٠):حديث صحيح، دون قوله: في النار.
(٢) المفهم (١/٥).
(٣) انظر: نهاية المطلب (٥٠/٣).
٥٨٥
كتاب الصلاة
مسارقة النظر إليهن أو نحو ذلك، فإن ثبت ذلك فما يفعله إلا منافق إذ
الصحابة رضي الله تعالى عنهم محفوظون من ذلك(١) والله أعلم.
٧٢٩- وَعَن أَبِى مَسْعُودِ رََّهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله وَّةٍ يمسح مناكبنا فِي
الصَّلَاةِ وَيَقُول اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبِكُمْ ليلني مِنْكُم أولو الأحلام
والنهى ثمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ رَوَاهُ مُسلم وَغَيرِهِ(٢).
قوله: عن أبى مسعود، تقدم.
قوله: كان رسول الله وَخلال يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا
تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (٣) الحديث، أراد وجوه القلوب (٤) كحديثه الآخر ((لا
تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (٥) أي هواها وإرادتها كما تقدم. ففيه من الفقه
استحباب تسوية الصفوف، وفيه أن الإمام يتولى ذلك بنفسه، وقد كان عمر
◌َّالَّ يسوي الصفوف بنفسه فیقول: تقدم يا فلان وتأخر يا فلان، وكان عثمان
بن عفان رُويَّهُ يوكل رجلا بتسوية الصفوف فإذا أخبروه بالتسوية أحرم (٦).
(١) كشف المناهج (٤٢٦/١).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٢ و١٢٣ -٤٣٢)، وابن ماجه (٩٧٦)، وأبو داود (٦٧٤)، والترمذى
(٢٢٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٢٢ - ٤٣٢) عن أبي مسعود.
(٤) المجموع المغيث (٣٩٠/٣)، والنهاية (١٥٨/٥).
(٥) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائى في المجتبى ٢٦٢/٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣) عن
البراء. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠).
(٦) انظر: شرح الصحيح (٢/ ٣٤٤) لابن بطال، وشرح مسند الشافعى (٥٣٣/١)، والإقناع
(١/ ١٥٠).
٥٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وسيلة: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) الحديث، هو بكسر اللامين
وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون
على التوكيد(١)، وتحريكها ههنا لحن أي الياء، واللام في أوله لام الأمر، أي:
ليقرب مني مأخوذ من الولي وهو القرب (٢)، وأولو الأحلام [٢٩٦/ أ] جمع
حلم بضم الحاء، وقيل: جمع حلم بكسرها، والمراد بأولي الأحلام، فعلى
الأول: البالغون، وعلى الثاني: أهل الحلم والفضل(٣)، والنهى بضم النون
جمع نهية بالضم، والمراد بالنهية العقل التام فعلى قول من يقول أولو
الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى واحد، فلما اختلف اللفظ عطف
أحدهما على الآخر تأكيدا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، وقيل: المراد
بأولي الأحلام البالغون وبأولي النهى العاقلون (٤)، وإنما أمرهم أن يليه أولي
أولي النهى ليعقلوا عنه صلاته ويخلفوه في الإمامة إن حدث به عارض(٥)،
وفي هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام
ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف فيكون هو أولى ولا يختص هذا
التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير
المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة
(١) شرح النووي على مسلم (١٥٤/٤-١٥٥).
(٢) تحفة الأبرار (١/ ٣٣٦).
(٣) رياض الصالحين (ص ١٢٩).
(٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٥).
(٥) معالم السنن (١٨٤/١ -١٨٥)، وشرح السنة (٢٧٦/٣).
٥٨٧
كتاب الصلاة
الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث(١)، وفيه دليل على أنه يستحب
للإمام الأمر بتسوية الصفوف وتنزيلهم منازلهم، والحكمة في تقديم العقلاء
أن يفقهوا عنه أفعاله ويبلغوها للناس (٢)، ولهذا كان وَ ل يعجبه أن يليه
المهاجرون والأنصار وليحفظوا عنه كما رواه النسائي وابن حبان(٣)، وقد
روى الإمام أحمد أن النبي ◌َّ كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان
خلفهم والنساء خلف الغلمان، ولأبي داود نحوه (٤)، وشذ أبو حنيفة في ذلك
فقال: فلو ساوت امرأة رجلًا أو تقدمته في اقتداء واحد، ودام ذلك في الركوع
بطلت صلاته ولا تبطل فيما قبله ولا في الجنازة، وعند الشافعي تصح.
قوله: ((ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) معناه: يقربون منهم في هذا
الوصف كالمراهقين، ثم الذين يلونهم كالصبيان، ثم الذين يلونهم كالنساء،
فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق، والمعنى فيه: أن الصف الأول أفضل
والرجال أكمل فاختصوا به ووليهم الصبيان لأنهم من الرجال لكنهم دونهم،
والفضيلة واحدة، هذا إذا حضروا جميعاً (6)، أما إذا حضر الصبيان أولا ثم
(١) شرح النووي على مسلم (١٥٥/٤).
(٢) شرح المشكاة (٤/ ١١٤٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٩٧٧)، والنسائي في الكبرى (٨٤٥٠)، وابن حبان (٧٢٥٨). وصححه
الألباني في الصحيحة (١٤٠٩).
(٤) أخرجه أحمد ٣٤٤/٥ (٢٢٩١١)، وأبو داود (٦٧٧) عن أبي مالك. وضعفه الألباني في
ضعيف أبي داود (١٠٥)، المشكاة (١١١٥).
(٥) مختصر الكفاية (لوحة ٢٩٢/ خ رقم ٢١٧٥ ظاهرية).
٥٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الرجال وقد استوعب الصبيان الصف الأول فليس لهم إزالتهم عن أمكنتهم،
وإن حضر النساء أولا أخرن، وقيل: يقف كل صبي بين رجلين ليتعلم منهما
أحكام الصلاة، والأول أصح(١).
قال الدارمي في استدراكه: هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان
الصبيان أفضل قدموا (٢)، قال العلماء في كتب الفقه: وإن حضر رجال
وصبيان وخناثا ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخنثاء ثم النساء (٣)،
والخناثاء: جمع خنثى، والخنثى المشكل هو الذي له فرج الرجل وفرج
المرأة ويبول منهما دفعة واحدة، ويميل إلى الرجال والنساء ميلا واحدًا (٤).
فائدة فيها أعجوبة: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث
وعشرين وستمائة أن صديقا له اصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج أنثى فلما
شقوا بطنه رأوا فيه ما يدل على ذلك، قال: وأعجب من ذلك أنه كان لنا جار
له بنت اسمها صفية بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة ثم طلع لها ذكر
ونبتت لها لحية فكان لها فرج رجل وفرج امرأة قاله في حياة الحيوان(٥).
فرع: العراة إذا كانوا عميا أو في ظلمة صلوا جماعة وتقدم إمامهم، وإن
أبصروا أو كانوا في ضوء فالأظهر أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء، وإن
(١) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٢).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٢).
(٣) انظر المجموع (٤ / ٢٩٣).
(٤) التنبيه (١٦٠/١).
(٥) حياة الحيوان (١/ ٣٧).
٥٨٩
كتاب الصلاة
صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم لئلا يقع بصر واحد منهم على عورة
غيره، هذا إذا أمكن فإذا لم يمكن لضيق المكان فعن الإمام والمتولي أنهم
يقفون صفا مع غض [٢٩٦ / ب] البصر، وإن كان فيهم مكتس أهل، استحب
تقديمه ويصلون جماعة قولا واحدا ويكونون صفا فإن تعذر فصفين أو أكثر
بحسب الحاجة(١) والله أعلم.
٧٣٠- وَعَنِ النُّعْمَان بن بشير رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ سَمِعت رَسُول الله
صَلىالله
عَبـ
وَسلم
يَقُول لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَن وُجُوهَكُم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَه (٢). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُم خلا
البُخَارِيّ أَن رَسُول الله وََّ كَانَ يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القداح
حتی رآنًا أَنا قد عقلنا عَنهُ ثُمَّ خرِج یَوْمًا فَقَامَ حَتَّی کاد یکبر فری رجلا بادیا صدره
من الصَّفّ فَقَالَ عباد الله لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم.(٣)
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن حَبَان فِي صَحِيحه أقبل رَسُول الله مَّل على
النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَقِيمُوا صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت
الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صَاحبه وكعبه بكعبه (٤)
(١) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧١٧)، ومسلم (١٢٧ - ٤٣٦)، وابن ماجه (٩٩٤)، وأبو داود (٦٦٣)،
والترمذى (٢٢٧)، والنسائى في المجتبى ٢٦٢/٢ (٨٢٢) والكبرى (٩٧٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٢٨ - ٤٣٦)، وأبو داود (٦٦٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٦٦٢)، وابن حبان (٢١٧٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢)،
صحيح أبي داود (٦٦٨).
٥٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القداح بِكَسْر الْقَاف جمع قدح وَهُوَ خشب السهْم إِذا بري قبل أَن يَجْعَل
فِیهِ النصل والريش.
قوله: عن النعمان بن بشير، تقدم.
قوله وَّجله: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) الحديث،
اللام في قوله: (لتسون صفوفكم)) لام القسم أو للتقسيم، قال البيضاوي:
اللام فيه هي التي يتلقى القسم بها وههنا القسم مقدورا، ولهذا أكده بالنون
المشددة(١).
قال الشيخ تقي الدين القشيري: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على
سمت واحد. وقد تدل تسويتها أيضا على سد الفرج فيها، بناء على التسوية
المعنوية. والاتفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب. وإن
كان الأظهر: أن المراد بالحديث الأول(٢).
وقوله: ((أو لیخالفن الله بین وجوهكم)) وفي رواية أبي داود وابن حبان: ((أو
ليخالفن الله بين قلوبكم)) أي: بين مقاصدكم وقلوبكم فتختلفوا وتباغضوا،
قال النووي في شرح مسلم: معناه مسخها وتحويلها عن صورتها كقوله وَالآن:
(يجعل الله صورته صورة حمار)(٣) يعني: يقع من شؤم المخالفة اختلاف
(١) تحفة الأبرار (١/ ٣٣٥).
(٢) إحكام الأحكام (١ / ٢١٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤ / ١٥٧).
٥٩١
كتاب الصلاة
وكدورة قلوبكم بحيث يسري على ظاهركم فتقع بينكم عداوة(١)، وهو
المراد بقوله: ((أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) ويحتمل أن يخالف بتغير صورها
أنواعا أخر قاله عياض(٢)، وقيل: يغير صفتها، قال النووي: والأظهر والله
أعلم أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال
تغير وجه فلان عليّ أي ظهر لي من وجهه كراهية لي، وتغير قلبه عليّ لأن
مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب
لاختلاف البواطن(٣) والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث أن تسوية الصفوف سبب لحصول الائتلاف والمودة
والتواصل وزوال الوحشة الذي هو سبب السعادة الدنيوية والأخروية، وقد
امتن الله تعالى على نبيه وَله بتأليف قلوب أصحابه رضي الله تعالى عنهم فقال
تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾(٤) الآية.
تنبيه: قال الكرماني(٥): أقول يحتمل أن يكون معنى مخالفة الوجوه
تحولها إلى أدبارها، فإن قلت التسوية سنة والوعيد على تركها يدل على أنها
واجبة؟ قلت: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدًا وتحريضًا على
(١) المفاتيح (٢٢٣/٢).
(٢) مشارق الأنوار (٢٣٨/١).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤ / ١٥٧).
(٤) سورة
(٥) الكواكب الدراري (٩٣/٥).
٥٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فعلها، واعلم أن المراد من الوجه إما الذات فالمخالفة بحسب المقاصد وأما
العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية وغيرها، وإما
بحسب الصفة وإما بحسب القدام والوراء انتهى.
قوله: في الرواية الأخرى: كان رسول الله وَ له يسوي صفوفنا حتى كأنما
يسوي بها القداح، الحديث، القداح: قال الحافظ بكسر القاف جمع قدح
بكسر القاف أيضًا وهو خشب السهم إذا بري قبل أن يجعل فيه النصل
والريش، انتهى، وزاد بعضهم: فإذا ريش وركب نصله فهو سهم (١)، وقيل:
القدح هو السهم نفسه (٢)، ومعناه: يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها
السهام لشدة استوائها واعتدالها(٣) والله أعلم.
وإنما جمع القداح وجمع الصفوف ولم يقل كنا يسوي الصف لأجل
المقابلة كأنه يقول سووا كل صف على حدته كما يسوي الصانع كل قدح على
حدته (٤)، والسهام مما يطلب التحرير وإلا كان السهم طائشا مخالفا لغرض
إصابة الغرض، فضرب به المثل لتحرير التسوية(6) والله أعلم. [٢٩٧/ أ]
قوله: حتى رأى أنا قد عقلنا، أي: حتى علم أنا قد فهمنا المقصود
(١) شرح السنة (٣٦٤/٣)، والمفاتيح (٢٢٣/٢).
(٢) النهاية (٤٢٩/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥٧/٤)، وتحفة الأبرار (٣٣٤/١-٣٣٥)، والعدة شرح
العمدة (١ /٤٠٩)
(٤) الميسر (٢٩٠/١).
(٥) إحكام الأحكام (٢١٩/١).
٥٩٣
كتاب الصلاة
وامتثلناه، أ.هـ؛ قال الراوي: كان النبي وَل يسوي بين الصفوف حتى يدعه
مثل القدح أو مثل الرمح فرأى صدر رجل باديا صدره من الصف فقال:
((عباد الله لتسون صفوفكم)) الحديث، وضرب المثل في تسوية الصفوف
بالقدح من أبلغ الأشياء لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل له إلا بعد
الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، والمراد من الحديث المبالغة في
تسوية الصفوف.
قوله: في رواية أبي داود وابن حبان: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب
صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه؛ الكعب: هو العظم الناتئ بين
مفصل الساق والقدم، ففي كل رجل كعبان، وإنما يلصق الكعب بالكعب إذا
كان ما ذكرناه، وفي وجه أن الكعب هو الذي فوق مشط القدم وهو شاذ
ضعيف، أنكره الأصمعي والله أعلم(١)، وفيه حجة لأحد القولين عندنا أن
تسوية الصفوف تعتبر بالصدور لا بالأقدام(٢)، وظاهر هذا الحديث أن تسوية
الصفوف واجبة لما رتب على تركها من الوعيد(٣)، والجواب عنه: أن الوعيد
إنما رتبه على مخالفة القلوب فإن اختلافهم في الصفوف يدل على اختلاف
قلوبهم، فجعل اختلاف الصفوف سببا لاختلاف القلوب(٤)، وفيه دليل على
(١) روضة الطالبين (٥٤/١) والنجم الوهاج (٣٣٢/١).
(٢) فتح البارى (٦/ ٢٨٣) لابن رجب.
(٣) انظر الكواكب الدراري (٩٣/٥)، والإعلام (٥١٧/٢).
(٤) شرح النووي على مسلم (٤ / ١٥٧).
٥٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أن تسوية الصفوف وظيفة الإمام، وأنها سنة مختصة به(١) والله أعلم قاله في
الديباجة.
وفي الحديث دليل على جواز كلام الإمام بين الإقامة والدخول في
الصلاة، قال النووي: هذ مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ومنعه بعض
العلماء والصواب الجواز وسواء كان الكلام لمصلحة أو لغيرها أو لا
. (٢)
لمصلحة
.
٧٣١ - وَعَنِ الْبَراء بن عَازِب ◌َّهُ قَالَ كَانَ رَسُولِ اللهِوَ يَتَخَلَّلَ الصَّفّ
من نَاحيَة إِلَى نَاحيّة يمسح صدورنا ومناكبنا وَيَقُول لا تختلفوا فتختلف
قُلُوبِكُمْ وَكَانَ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَتْه يصلونَ على الصُّفُوف الأول)) رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه كَانَ رَسُول الله وَّ
يأتينا فيمسح عواتقنا وصدورنا وَيَقُول لَا تخْتَلف صفوفكم فتختلف قُلُوبِكُمْ
إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول(٣).
وَفِي رِوَايَةٍ لِاِبْنِ خُزَيْمَة لَا تَخْتَلف صدور كم فتختلف قُلُوبِكُمْ.
قوله: عن البراء بن عازب، تقدم الكلام عليه.
(١) إحكام الأحكام (٢١٩/١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائى في المجتبى ٢٦٢/٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣)، وابن
خزيمة (١٥٥١) و(١٥٥٢) و(١٥٥٦) و(١٥٥٧)، وابن حبان (٢١٥٧) و(٢١٦١).
وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠) وصحيح الترغيب (٤٩٣) و(٥٠٢) و(٥١٣).
٥٩٥
كتاب الصلاة
قوله: كان رسول الله وسلّه يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح
صدورنا ومناكبنا ويقول: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) تخلل الصفوف هو:
عبارة عن تسويتها.
وقوله: في رواية ابن حبان: كان رسول الله وسلّ يأتينا يمسح عواتقنا
وصدورنا؛ العواتق: جمع عاتق وهو عظم الكتف.
٧٣٢ - وَعَن أبي أَمَامَة رََّهُ عَنِ رَسُولِ الله ◌َِّ قَالَ: ((لتسونَّ الصُّفُوف أَو
لتطمسن الْوُجُوه أَو لتغمضن(١) أبصاركم أَو لتخطفن أبصاركم)) رَوَاهُ أَحْمد
وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد وَقد مَشَاهُ بَعضهم (٢).
قوله: ((عن أبي أمامة))، واسمه صدي بن عجلان تقدم الكلام عليه.
قوله وُّية: (لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أو لتغمضن أبصاركم))
تقدم الكلام على تسوية الصفوف، وأما طمس الوجوه فهو عبارة عن ذهابها
فلا يبقى لها أثر(٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَىَّ أَعْيُنِهِمْ﴾(٤) وأما غمض
(١) قال الحافظ الناجى في عجالة الإملاء (٥١٧/٢): كذا وجد في النسخ أو لتغمِضُنَّ بألف،
والصواب حذفها عطفًا على ما قبله، وهو ظاهر والله أعلم.
(٢) أخرجه أحمد ٢٥٨/٥ (٢٢٢٢٥)، وأبو يعلى في كما في إتحاف الخيرة للبوصيري
(١٧٦٥)، والرويانى (١٢٠٣)، والطبراني في الكبير (٢١٣/٨ رقم ٧٨٥٩). وقال الهيثمي
في المجمع ٩٠/٢: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه: عبد الله بن زحر عن علي بن یزید
وهما ضعيفان. وضعفه جدًّا الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٦).
(٣) انظر: الغريبين (١١٨١/٤)، والنهاية (١٣٩/٣)، والتفسير (٣٢٧/١) للعز بن عبد
السلام، وتفسير القرطبى (٢٤٤/٥).
(٤) سورة يس، الآية: ٦٦.
٥٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأبصار فهو عبارة عن إذهاب البصر.
قوله: ((رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد
[الإلهاني: قال الدار قطني: متروك، وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو
زرعة ليس بقوي ووثقه أحمد وابن حبان].
٥٩٧
كتاب الصلاة
[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء
وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال]
٧٣٣ - عَن أبي هُرَيْرَة زَّوَهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِذا قَالَ الإِمَامِ: ﴿غَيْرِ
اُلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلّينَ﴾(١) فَقولُوا آمين فَإِنَّهُ من وَافق قَوْله قَول
الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو
دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢) وفى رواية البخاري: إذا قال أحدكم آمين، وقالت
الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأُخرى غُفر له ما تقدم من
ذنبه(٣). وفي رواية لابن ماجه والنسائي: إذا أمن القارئُ فأمنوا، الحديث (٤).
وفي رواية للنسائى: وإذا قال: ﴿غَيْرِ اٌلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فقولوا: آمين. فإنه من وافق كلامه كلام الملائكة غُفر لمن في المسجد(٥).
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٢) أخرجه مالك (٢٣٢)، والبخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٧٢ و٧٣ و٧٤ و٧٥-
٤١٠)، وأبو داود (٩٣٥)، والنسائى في المجتبى ٣٥٤/٢ (٩٤١) و٤٤٨/٢ (١٠٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٨١).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٨٥١) و(٨٥٢)، والنسائى في المجتبى ٣٥٢/٢ (٩٣٧) و٣٥٣/٢
(٩٣٨) و٣٥٤/٢ (٩٤٠). وصححه الألباني في الإرواء (٣٤٤)، صحيح أبي داود
(٨٦٦)، وصحيح الترغيب (٥١٤).
(٥) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٠ (٩٦٨٢)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠٥)، والبيهقي في الكبرى
(٢/ ١٣١ رقم ٢٥٩٣). وضعفه الألباني في أصل صفة صلاة النبي (٣٨٣/١-٣٨٤)
وصحيح الترغيب (٥١٤).
٥٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
(آمين): تمد وتقصر، وتشديد الممدود لغيّة، وقيل: هو اسم من أسماء الله
تعالی، وقيل معناها: اللهم استجب، أو كذا فافعل، أو كذلك فليكن.
قوله: ((عن أبي هريرة))، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله {وَيّ: ((إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾(١)
فقولوا آمين)) قال العلماء رضي الله عنهم: يستحب عقب الفاتحة آمين سواء
كان في الصلاة أو خارجها وهو في الصلاة أشد استحبابا لما روى أبو داود
والترمذي والدار قطني وابن حبان عن وائل بن حجر قال: صليت خلف النبي
وَ لّ فلما قال: ﴿وَلَا الضَّآلّينَ﴾ قال: ((آمين)» ومد بها صوته(٢)، وروى
الدار قطني أيضا والحاكم وابن حبان أن النبي [٢٩٧ / ب] وَيّ كان إذا فرغ
من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: ((آمين))(٣)، وروى أبو هريرة (أنه وَل
كان إذا أمن أمن من خلفه حتى إن للمسجد ضجة))، وروي (لجة))(٤)، وقال
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٢) أخرجه أبو داود (٩٣٢)، والترمذى (٢٤٨)، وابن حبان (١٨٠٥)، والدار قطنى (١٢٦٩).
وقال الترمذى: حديث وائل بن حجر حديث حسن. وصححه الألباني في المشكاة
(٨٤٥)، الصحيحة (٤٦٤) صحيح أبي داود (٨٦٣).
(٣) أخرجه ابن حبان (١٨٠٦)، والدار قطني (١٢٧٤)، والحاكم ٢٢٣/١. قال الدار قطنى:
هذا إسناد حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة
(٤٦٤).
(٤) قال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ١١١-١١٢): وهو غير صحيح مرفوعًا إلى
رسول الله وَّله. وقال النووي في ((التنقيح)): هكذا ذكر هذا الحديث هو في (البسيط)،
و(شيخه) في ((النهاية)) وهو غلط، وصوابه ما رواه الشافعى عن عطاء فذكره.
٥٩٩
كتاب الصلاة
البخاري: وقال عطاء: أمن ابن الزبير ومروان حتى إن للمسجد للجة(١)،
اللجة: بفتح اللام وهي اختلاف الأصوات(٢)، وأجيب عن الخبر بأن الجمع
إذا كثروا واجتمعت أنفاسهم حصلت منه لجة(٣)، وقال عطاء: أدركت مائتين
من الصحابة رضي الله عنهم إذا قال الإمام: ﴿وَلَّا الضَّآلّينَ﴾ رفعوا أصواتهم
بآمين، رواه ابن حبان في ثقاته(٤)، قال الحافظ: آمين تمد وتقصر وتشدید
الممدود لغية، قيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: معناها اللهم
استجب أو كذلك فافعل أو كذلك فليكن(٥) انتهى.
وقال بعض العلماء أيضًا: آمين مبنية على الفتح مثل كيف وأين، وفيها
لغات الأولى المد وتخفيف الميم، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة ؛
الثانية: بالقصر وتخفيف الميم لأنه لا يخل بالمعنى، والأولى والثانية هما
أشهرهما، الثالثة بالإمالة وتخفيف الميم، وكذا حكاه الواحدي، الرابعة:
بالمد وتشديد الميم ومعناها قاصدين إجابتك، والمشهور أنها لحن هنا(٦)،
(١) ذكره البخاري في الصحيح (١٥٦/١). وأخرجه الشافعى في المسند (٢١٧ و٢١٨)، وعبد
الرزاق (٢٦٤٠) و(٢٦٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٧٠).
(٢) هامش التنقيح على الوسيط (٢/ ١٢٠) للنووى، وشرح مشكل الوسيط (١١٢/٢) لابن
الصلاح، وكفاية النبيه (١٢٩/٣).
(٣) كفاية النبيه (١٣٠/٣).
(٤) الثقات (٢٦٤/٦).
(٥) شرح السنة (٦٣/٣).
(٦) النجم الوهاج (١٢٣/٢-١٢٤).
٦٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل: معناها جئناك قاصدين ودعوناك راغبين فلا تردنا(١)، وقال أبو علي
الفارسي: آمين جملة من فعل واسم معناه استجب لي، ودليل ذلك أن
موسى عليه الصلاة والسلام لما دعا على فرعون وأتباعه فقال: ﴿رَبَّنَا
لِيُضِلُّواْ عَنِ سَبِيلِكٌ رَبَّنَا أَظْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾(٢) قال
هارون ◌َالَّلهُ: آمين، فطبق الجملة بالجملة، لذلك حكى ابن سيدة في
المحكم عن أبي علي الفارسي، قال الشاعر في آمين:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ويرحم الله عبدا قال آمينا(٣)
وقال آخر:
آمين آمين لا أرضي بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا (٤)
واختلف العلماء في بطلان الصلاة بها، فذهب المتولي والروياني إلى
ذلك، وقال الشيخان أبو محمد ونصر المقدسي: لا تبطل بذلك وإن تعمده
ورجحه شيخ الإسلام النووي قدس الله روحه(٥)، قال الشافعي رحمه الله في
في الأم: ولو قال آمين رب العالمين وغير ذلك من الذكر كان حسنًا (٦)،
وروى البيهقي أن رسول الله وَ لَه كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: رب
(١) حاشية الرملى على أسنى المطالب (١/ ١٥٤).
(٢) سورة يونس، الآية: ٨٨.
(٣) المحكم (١٠ / ٤٩٤-٤٩٥).
(٤) النجم الوهاج (٢/ ١٢٤).
(٥) النجم الوهاج (٢/ ١٢٤).
(٦) الأم (١ / ١٣١).