النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الصلاة
قوله وَاجّ: ((والحمد لله تملأ الميزان)) أي التلفظ بهذه الكلمة فالمراد ثوابها
يملأ ميزان قائلها خيرا(١).
قوله وقالله: ((وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تملأ ما بين السماء والأرض))
فشك الراوي فى الذي يملأ ما بين السماء والأرض هل هو الكلمتان أو
إحداهما وهل المراد أنهما يملأن ما بين السماء والأرض أو أن كلا منهما
يملأ ذلك وهذا محتمل(٢) يعني أن ثواب تلك الكلمات قدر أجساما لملأت
تلك الأجسام كفة الحسنات وملأت ما بين السموات والأرض كل ذلك
عبارة عن وفور الثواب لكون الحمد من أعلى مقامات العبد وبكل حال
فالتسبيح دون التحميد في الفضل كما جاء صريحا في حديث عن أبي هريرة
وعبد الله بن عمرو والرجل الذي من بني سليم أن التسبيح نصف الميزان
والحمد لله تملوه وتتمة ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلها فدخل في ذلك
إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها والتسبيح هو تنزيه الله تعالى عن
النقائص والعيوب ولإثبات أكمل من السلب ولهذا لم يراد إلا التسبيح
مجرد ولكن مقرونا بما يدل على إثبات الكمال فتارة يقرن بالحمد كقوله
((سبحان الله وبحمده سبحان الله والحمد لله))، وتارة باسم من الأسماء الدالة
على العظمة والجلال كقوله: ((سبحان الله العظيم)) فإن كان حديث أبي مالك
يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير
(١) التعيين (ص ١٧٥)، والمفاتيح (٣٤٦/١).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤١).

٢٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فالأمر ظاهر وإن كان المراد كلا منهما يملأ ذلك فإن الميزان أوسع مما بين
السماء والأرض فما يملأ الميزان [٢٤٩/ أ] فهو أكبر مما بين السماء
والأرض وأما التكبير ففي الحديث أنه وحده يملأ ما بين السماء والأرض
وفي حديث علي أن التكبير والتهليل يملأ ما بين السماء والأرض وما بينهما،
وأما التهليل وحده فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبين الله تعالى(١).
قوله وَالر: ((والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء)) فهذه الأنواع
الثلاثة من الأعمال أنوار كلها لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور
فالصلاة نور مطلق فقد روي عن أنس رَّهُ عن النبي وَّله قال: ((الصلاة نور
المؤمن)» (٢) فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة نور في قلوبهم ومقابرهم تتشرف
بها قلوبهم وتستنير بها بصائرهم ولهذا هي قرة عين المتقين وهي نور
المؤمنين في قبورهم ولا سيما صلاة الليل وهي في الآخرة نور للمؤمنين في
ظلمات القيامة وعلى الصراط(٣) فقد جاء في الطبراني من حديث ابن عباس
وأبي هريرة عن النبي وقّ ((من صلى الصلوات الخمس في جماعة جاز على
الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين وجاء يوم القيامة وجهه
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٦)، وأبو يعلى
(٣٦٥٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٦٠)
و (١٩٠١).
(٣) جامع العلوم والحكم (٦٤٥/٢ - ٦٤٦).

٢٦٣
كتاب الصلاة
كالقمر ليلة البدر)»(١) وفي حديث آخر الصلاة قربان كل تقي أي أن الأتقياء
من الناس يتقربون بها إلى الله تعالى أي يطلبون القرب منه بها والصلاة أيضا
برهان على صحة الإسلام فقد روي عن النبي والخيّل أنه قال: ((الصلاة
برهان))(٢) وروي أيضا عن النبي وسير ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا
إله إلا الله وفي آخره ويقيموا الصلاة يؤتوا الزكاة)) (٣) فالصلاة هي الفارقة بين
الكفر والإسلام وهي أيضا أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة فإن تمت
صلاته فقد أفلح وأنجح الحديث وأما الصدقة فهي برهان والبرهان هو
الشعاع الذي على وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن
تخرج من جسده لها برهان كبرهان الشمس منه سمت الحجة القاطعة برهان
لوضوح دلالتها على ما دلت عليه فكذلك الصدقة برهان على صحة إيمان
المتصدق أو على أنه ليس من المنافقين ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ
(١) أخرجه الحارث كما في المطالب (٢٤٥)، والطبراني في الأوسط (٣٦٩/٦- ٣٧٠ رقم
٦٦٤١) و(٣٧٣/٦ رقم ٦٦٥٦)، وابن شاهين (٧٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث
عن موسى بن أبي عائشة إلا عمار أبو إسحاق، تفرد به بقية. وقال الهيثمي في المجمع
٣٩/٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه. قال ابن
حجر في المطالب العالية: هذا حديث موضوع.
(٢) أخرجه الترمذى (٦١٤) عن كعب بن عجرة. وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وأيوب بن عائذ يضعف ويقال:
كان يرى رأي الإرجاء. وسألت محمدًا عن هذا الحدیث، فلم یعرفه إلا من حديث عبيد
الله بن موسی واستغربه جدًّا. وصححه الألباني في صحيح الترمذى.
(٣) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦ - ٢٢) عن ابن عمر.

٢٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اُلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ (١) أو على صحة محبة المتصدق لله تعالى وما لديه
من الثواب إذ قد أثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه على ما جبل عليه من حب
المال حتى أخرجه لله تعالى هو أن راد أنها دالة على محبته الشريعة المطهرة
وطيب النفس بها علامة وجود حلاوة الإيمان وطعمه، وأما الصبر فإنه ضياء
والضياء هو النور الذي يحصل به نوع حرارة وإحراق كضوء الشمس
بخلاف القمر فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق قال الله تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءَ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾(٢) ومن هنا وصف الله تعالى شريعة
موسى وَلّ أنها ضياء كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
اُلْفُرْقَانَ وَضِيَآءَ وَذِكْرًا لِلْمُثَّقِينَ ﴾﴾(٣) وإن كان ذكره الله في التوراة نورا كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ﴾(٤) كان الغالب على
شريعتهم الضياء لما فيها من الأضاد والأغلال والأقفال ووصف الله شريعة
محمد ◌َّ [٢٤٩/ ب] بأنها نور لما فيه من الحنيفية السمحة قال الله تعالی:
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ﴾(٥) وإن كان الصبر شاقا على
النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها أو كفها عما تهواه كان ضياء فإن
(١) سورة التوبة، الآية: ٧٩.
(٢) سورة يونس، الآية: ٥.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٤٨.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٤.
(٥) سورة المائدة، الآية: ١٥.

٢٦٥
كتاب الصلاة
معنى الصبر في اللغة الحبس ومنه قتل صبرًا وهو أن يحبس حتى يقتل،
والصبر المحمود أنواع منه صبر على طاعة الله عز وجل ومنه صبر عن
معاصي الله عز وجل ومنه الصبر على الأقدار المؤلمة صرح بذلك السلف
منهم سعيد جبير وميمون بن مهران وغيرهما (١).
قوله ومَالله: ((والقرآن حجة لك أو عليك)) يجوز أن المراد به عند نزوله نزول
الملكين في القبر وعند الميزان ويجوز أن يراد به المناجاة عند البحث
والمناظرة(٢).
قوله وَّ: (كل الناس يغدو فبائع نفسه)) الحديث، قد دل الحديث على أن
كل إنسان فهو ساع في إهلاك نفسه أو في فكهاكها، الفكاك بكسر الفاء هو ما
ينفك به، وفكه وافتكه بمعنى خلصه، قاله الكرماني(٣)، فمن سعى في طاعة الله
فقد باع نفسه لله وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه
بالهوان وأوبقها بالآثام المزجية لغضب الله وعقابه، قاله ابن رجب الحنبلي(٤).
وَلّ خرج فِي الشتَاء وَالْوَرق يتهافت
٥٦٠ - وَعَن أبي ذَرِ رََّّهُ أَن النَّبِي
فَأخذ بِغُصْن من شَجَرَة قَالَ فَجعل ذَلِك الْوَرِق يتهافت فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَر)) قلت
لبيْك يَا رَسُول الله، قَالَ: ((إِن العَبْد الْمُسلم ليُصَلَّ الصَّلَاة يُرِيد بهَا وَجه الله
(١) جامع العلوم والحكم (٢ /٦٤٤ - ٦٤٩).
(٢) المفهم (١٠٣/٣ - ١٠٤).
(٣) الكواكب الدراري (١١٩/٢).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٥٢).

٢٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فتهافت عَنْهُ ذُنُوبِه كَمَا تهافت هَذَا الْوَرِق عَنِ هَذِه الشَّجَرَة» رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد
حسن (١).
(١)
قوله: ((عن أبي ذر)) اسمه جندب بن جنادة الغفاري قال: أبو الفرج بن
الجوزي في اسمه اختلاف كبير وكان يتعبد قبل بعثة النبي قائلا بمكة قديما
وقال: كنت في الإسلام خامسا فى الاسلام ورجع إلى قومه فأقام عندهم حتى
مضت بدر وأحد والخندق ثم هاجر إلى المدينة (٢) وكان شجاعا ينفرد وحده
فيقطع الطريق، وقال: صليت قبل أن ألقى رسول الله وَالله بثلاث سنين فقيل
لمن قال الله عز وجل (٣).
قوله وَلخلقه: ((إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله تهافت ذنوبه
كما تهافت هذا الورق)) الحديث التهافت التساقط قاله عياض(٤) والمراد كما
سبق مانه في الوضوء وغيره وأما الكبائر فلا يغفر إلا بالتوبة أو عفو الله تعالى
وفضله الواسع.
٥٦١- وَعَن معدان بن أبي طَلْحَة ◌َّ ◌َّهُ قَالَ لِقِيت ثَوْبَان مولى رَسُول الله
وَّ فَقلت أَخْبرِي بِعَمَل أعمله يدخلني الله بِهِ الْجِنَّة أَو قَالَ قلت بِأحب
(١) أخرجه أحمد ١٧٩/٥ (٢١٥٥٦). قال الهيثمي في المجمع ٢٤٨/٢: رواه أحمد، ورجاله
ثقات. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٧٦) وصحيح الترغيب (٣٨٤).
(٢) كشف المشكل (١/ ٣٥٠).
(٣) أخرجه البزار (٣٩٤٦ و٣٩٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (١ / ١٥٧).
(٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢٧٢).

٢٦٧
كتاب الصلاة
الْأَعْمَال إِلَى الله فَسكت ثمَّ سَأَلته فَسكت ثمَّ سَأَلَته الثَّالِثَةِ فَقَالَ سَأَلْت عَن ذَلِك
رَسُول الله ◌َّ فَقَالَ عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُودِ فَإِنَّك لَا تسْجد لله سَجْدَة إِلَّا رفعك
الله بِهَا دَرَجَة وَحط بهَا عَنْك خَطِيئَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن
مَاجَه(١).
قوله: وعن معدان بن أبي طلحة ومعدن بن أبي طلحة ثقة روى له مسلم
والأربعة والله أعلم.
قوله: ((لقيت ثوبان مولى رسول الله (وَي)) تقدم الكلام على ثوبان مولى
رسول الله گۆ
قوله وَ له: ((عليك بكثرة السجود لله تعالى)) الحديث فيه الحث على كثرة
السجود والترغيب فيه والمراد به السجود في الصلاة وسواء في ذلك الفرض
والنفل وسبب الحث على السجود (٢)، قوله: وَل ((أقرب ما يكون العبد من
ربه وهو ساجد))(٣) وأقرب هنا بالرتبة والكرامة لا بالمسافة لتنزهه عن
المكان (٤) فلا يلزم من القرب زيادة الفضيلة وهذا مشاهد فقد يقرب
الشخص من الملك وغيره أفضل منه وفي الحديث دليل لمن يقول تكثير
(١) أخرجه مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨)، وابن ماجه (١٤٢٣)، والترمذى (٣٨٨ و٣٨٩)، والنسائى
في المجتبی ٥٠٠/٢(١١٥٠) والکبری (٨١٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤ /٢٠٦).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٥ - ٤٨٢) عن أبي هريرة.
(٤) المفهم (٢١/٥).

٢٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
السجود أفضل من إطالة القيام [٢٥٠ / أ] وسائر أركان الصلاة(١) وقد
اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيهما أفضل وفي هذه المسألة
ثلاثة مذاهب للعلماء أحدها: مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومن وافقهما أن
تطويل القيام أفضل لقوله ◌ّية في حديث جابر في صحيح مسلم ((الصلاة طول
القنوت)) والمراد بالقنوت القيام في الصلاة ولأن ذكر القيام هو القرآن وذكر
السجود التسبيح والقرآن أفضل فكان ما طول به أفضل.
والمذهب الثاني أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل لقوله
حمَلة ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وبأن السجود لله يقع من
المخلوقات كلها علويها وسفليها وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع له
وذلك وأشرف حالات العبد (٢) وحكى ذلك الترمذي والبغوي عن جماعة
من العلماء وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر رضي الله عنهما.
والمذهب الثالث: أنهما سواء، قال: الإمام أحمد بن حنبل روي فيه
حديثان عن النبي ◌َّ وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة ولم
يقض فيها بشيء، وقال: إسحاق بن راهويه وأما في النهار فتكثير الركوع
والسجود أفضل وأما بالليل فتطويل القيام أفضل إلا أن يكون رجل له حزب
بالليل يأتي عليه فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي لآنه يأتي على حزبه
وقد ربح كثرة الركوع والسجود، وقال: الترمذي وإنما قال إسحاق هذا لأنه
(١) شرح النووي على مسلم (٤ /٢٠٦).
(٢) زاد المعاد (٢٢٩/١).

٢٦٩
كتاب الصلاة
وصف صلاة النبي وَلّ بالليل وصف طول القيام، وأما بالنهار فلم يوصف
من صلاته وَّ من طول القيام ما وصف بالليل(١) والله أعلم.
فائدة: في الحديث الصحيح قال رسول الله وَّية: ((أمرت أن أسجد على
سبعة أعظم)) (٢) ففي هذا الحديث فوائد منها أن أعضاء السجود سبعة، وأنه
ينبغي للمصلي أن يسجد عليها (٣) والحكمة في كونها سبعة أنها إذا ضمت إلى
الإيمان كانت ثمانية بعدد أبواب الجنة وإذا لم يوجد الإيمان بها كانت سبعا
بعدد أبواب جهنم أعاذنا الله منها والمستحب أن يسجد على الجبهة والأنف
جميعا فيضعهما دفعة واحدة ويجب وضع الجبهة مكشوفة (٤) إلا لمرض أو
جراحة فيكفي وضعها معصوبة(6) ووضع الأنف مستحب فلو تركه جاز ولو
اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجزه هذا مذهب الشافعي ومالك.
وقال أبو حنيفة وأبو القاسم من أصحاب مالك يجب أن يسجد الجبهة
والأنف جميعا لظاهر الحديث قال الأكثرون: وظاهر الحديث أنهما كعضو
واحدا لأنه قال في الحديث سبعة فإن جعلا عضوين صارت ثمانية وذكر
الأنف استحبابًا (٦) والإشارة في الحقيقة كانت إلى الجبهة فهي مصروفة إليها
(١) المجموع (٢٦٧/٣-٢٧٢) وشرح النووي على مسلم (٢٠٠/٤-٢٠١).
(٢) أخرجه البخاري (٨١٢) و(٨١٦)، ومسلم (٢٢٨ - ٤٩٠) عن ابن عباس.
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).
(٥) روضة الطالبين (٢٥٦/١) والنجم الوهاج (١٤٥/٢).
(٦) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).

٢٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وإن كانت من قبل الأنف وأما اليدان والقدمان فهل يستحب السجود عليهما
فيه قولان للشافعية أحدهما لا يجب لكن يستحب استحبابًا متأكدًا والثاني
يجب وهو الأصح(١) والذي رجحه الشافعي عملا بظاهر الحديث
[٢٥٠/ ب] ولقوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾(٢) قيل
المساجد الأعضاء السبعة(٣) فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته وإذا
أوجبناه لم يجب كشف الركبتين والقدمين(٤) لأن كشف الركبتين يؤدي إلى
كشف العورة وكشف القدمين يؤدي أيضًا إلى إبطال الصلاة لأنهما قد
يكونان في الخفين(6) وفى الكفين وجهان أصحهما لا يجب(٦) لأن الصحابة
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسجدون وأيديهم داخل البرانس.
والثاني: يجب قياسًا على الجبهة(٧) ثم الواجب وضع الكفين أو بطون
الأصابع وكذلك يجب وضع بطون أصابع الرجلين على الأرض ويجب رفع
الكفين عن الأرض في الجلوس بين السجدتين(٨) بقوله ◌َّ له في اليدين ((إنهما
(١) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).
(٢) سورة الجن، الآية: ١٨.
(٣) ذكره الهروى في الغريبين (٨٦٧/٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).
(٥) المجموع (٤٢٦/٣).
(٦) المجموع (٤٢٦/٣-٤٢٧)، وشرح النووي على مسلم (٢٠٨/٤).
(٧) نهاية المحتاج (١/ ٥١٢).
(٨) كفاية النبيه (١٨٤/٣-١٨٥).

٢٧١
كتاب الصلاة
يسجدان كما تسجد الجيهة فإذا سجد أحدكم فليضعهما وإذا رفع
فليرفعهما)) رواه أبو داود والنسائي(١) وفي ذلك لمالك قولان والله أعلم.
٥٦٢- وَعَنِ عِبَادَة بن الصَّامِت ◌ََّّهُ أَنْه سمع رَسُول الله وَّةٍ يَقُول مَا من
عبد يسْجد لله سَجْدَة إِلَّا كتب الله لَهُ بِهَا حَسَنَة ومحا عَنْهُ بهَا سَيِّئَة وَرفع لَهُ بهَا
دَرَجَة فاستكثروا من السُّجُودِ رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ بِإِسْنَاد صَحِيحٍ(٢).
قوله: ((عن عبادة بن الصامت)) تقدم الكلام عليه قوله وَخلة: ((ما من عبد
يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له درجة ومحی عنه بها
سيئة)) تقدم الكلام على رفع الدرجات وهي أعلى المنازل في الجنة ومحو
السيئات من كتاب الحفظة في الوضوء.
٥٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه أقرب ما يكون العَبْد
من ربه عز وَجل وَهُوَ ساجد فَأَكْثُرُوا الدُّعَاء رَوَاهُ مُسلم (٣).
قوله أبي هريرة تقدم الكلام عليه قوله وثيقة: «أقرب ما يكون العبد من ربه
وهو ساجد)) معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله، [١٧٠ مغربي] وفيه
(١) أخرجه أبو داود (٨٩٤)، والنسائى في المجتبى ٤٧٠/٢ (١١٠٤) والكبرى (٦٨٣)، وابن
خزيمة (٦٣٠)، والحاكم (٢٢٦/١). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في المشكاة (٩٠٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٢٤)، والبزار (٢٧٠٥) و(٢٧٠٦)، والطبراني في الأوسط (٢٦٦/١
رقم ٨٦٧) والشاميين (٢٢٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٣٠/٥). وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٣٨٦).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٥ - ٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائى في المجتبى ٤٩٩/٢(١١٤٨)
والكبرى (٨١٢).

٢٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحث على الدعاء في السجود(١) خلافا لأبي حنيفة حيث كرهه في الفرض (٢)
وسبب الحث عليه في السجود أنه مقام تضرع وذلة وانكسار بين يدي الله عز
وجل والله سبحانه وتعالى أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله وانكسار قلبه كما
في الأثر الإسرائيلي يارب أين أجدك قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي(٣)
ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى وفيه تمكين أعز أعضاء
الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن(٤) فكانت
الإجابة فيه مرجوة قوله فأكثروا الدعاء ولا فرق بجواز الدعاء بين أن يكون
مما يتعلق بالآخرة أو الدنيا خلافا لأبى حنيفة فقد روي عنه بطلان صلاة
بدعاء يتعلق بالدنيا كما لو سأل امرأة حسناء(٥) ونحو ذلك جاء في الحديث
وأما السجود فأكثروا من الدعاء فيه فقمن أن يستجاب لكم(٦)، يقال: قمن
بفتح الميم وكسرها ويجوز في اللغة قمين بزيادة ياء ومعناه حقيق وخليق
وجدیر فمن فتح المیم لم يثن ولم یجمع ولم يؤنث لأنه مصدر ومن کسر
ثني وجمع وأنث لأنه وصف وكذلك القمين قاله في النهاية (٧).
(١) شرح النووي على مسلم (٤ /٢٠٠).
(٢) المفهم (١٤٢/٥).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٠٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (٤ / ٢٠٦)
(٥) فتح البارى (٣٤٤/٧)، والتوضيح (٢٧٩/٧)، وأسنى المطالب (١٦٦/١).
(٦) أخرجه مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩) عن ابن عباس.
(٧) النهاية (٤ /١١١).

٢٧٣
كتاب الصلاة
وروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رَّالَّهُ أن رسول الله وَّ كان يقول
في سجوده «اللهم اغفر لي ذنبي دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره» (١)
قوله دقه وجله بكسر أولهما ومعناه قليله وكثيره (٢)، وفي صحيح مسلم من
حديث عائشة أن رسول الله وَخلي كان [٢٥١/ أ] يقول في ركوعه وسجوده
(سبوح قدوس رب الملائكة والروح)) (٣) والمراد بالروح جبرائيل ،َالنَّلام) وقيل
وقيل ملك له ألف رأس لكل رأس مائة ألف وجه ولكل وجه مائة ألف فم
في كل فم مائة ألف لسان يسبح الله تعالى بلغات مختلفة، وقيل خلق من
الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم(٤) والله
أعلم.
قوله مسية: ((اغفر لي ذنبي)) ويعنى سؤاله ◌َّ المغفرة مع أنه مغفور له إنما
يسأل ذلك تواضعا وخشوعا وإشفاقا وإجلالاً ولنقتدي به فى أصل الدعاء
والخضوع وحسن التضرع وفي هذا الحديث وغيره مواظبته وص لاة على الذكر
والدعاء والاعتراف لله تعالى بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده والبعث
(١) أخرجه مسلم (٢١٦ - ٤٨٣) عن أبي هريرة.
(٢) غريب الحديث (١ /١٦٨) وكشف المشكل (٥٥٧/٣) لابن الجوزى.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٣ و٢٢٤ - ٤٨٠).
(٤) انظر: جامع الأصول (١٩٢/٤) والميسر (٢٤٦/١)، والمجموع (٤٣٣/٣ - ٤٣٤)
وتهذيب الأسماء واللغات (١٢٨/٣) وشرح النووي على مسلم (٤ /٢٠٥)، والنجم
الوهاج (١٤٩/٢).

٢٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والجنة والنار وغير ذلك والله أعلم (١).
فائدة: قال العلماء لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى فكان رسول الله وَالم إذا
ركع قال: ((سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا))(٢) واستحب الشافعى وغيره من
العلماء أن يقول الإنسان في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان
ربي الأعلى وتكرار كل واحدة منها ثلاث مرات ولو اقتصر الإمام والمنفرد
على تسبيحه واحدة فقال سبحان الله حصل أصل السنة لكن ترك كمالها
وأفضلها(٣)، وفى رواية في الترمذي إذا قال أحدكم في ركوعه سبحان ربى
العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإن قال في سجوده سبحان ربى
الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه(٤) ولم يتعرض بعضهم لبيان الأكمل.
وقال الصيدلاني في شرح المختصر، الأكمل تسع تسبيحات وقيل الأكمل
(١) شرح النووي على مسلم (٦ / ٥٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٧٠) عن عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٥٣).
وأخرجه البزار (٢٩٢١) وابن المنذر في الأوسط (١٤٠٤) والطبراني في الدعاء (٥٤٢)
عن حذيفة. وقال البزار: وهذا الحديث رواه حفص، فقال: فيه في وقت وبحمده ثلاثا،
وترك في وقت، وبحمده، وأحسبه أتى من سوء حفظ ابن أبي ليلى، وقد رواه المستورد،
عن صلة، عن حذيفة، ولم يقل: وبحمده.
(٣) المجموع (٣/ ٤١٢).
(٤) أخرجه الترمذى (٢٦١) عن ابن مسعود. قال التروز ى: حديث ابن مسعود ليس إسناده
بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود، والعمل على هذا عند أهل العلم:
يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات. وضغعفه الألباني
في المشكاة (٨٨٠)، ضعيف الجامع الصغير (٥٢٥)، ضعيف أبي داود (١٨٧ / ٨٨٦).

٢٧٥
كتاب الصلاة
إحدى عشرة تسبيحة كالوتر(١) وقال أبو طالب المكي، الكمال سبعة لقوله
تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢) والأكمل عشرة لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ
كَامِلَةٌ﴾(٣) (٤)، وفى الترمذي عن بعض أهل العلم أن يقولها خمسا ليدرك من
خلفه ثلاثًا(٥)، وأما المنفرد فإنه يأتي بالأكمل إن لم يكن خلفه عجلة، ولا
يزيد الامام على الثلاث لما فيه من التطويل على المأمومين فإن كان
الجماعة محصورين ورضوا بالتطويل استوفى الأظهر وهو اللهم لك ركعت
ولك سجدت إلى آخره(٦) وهو في كتاب الفقة فمن أراد ذلك فلينظر في
موضعه واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود غير واجب وقد أمر عليه
الصلاة والسلام حين نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اُلْعَظِيمِ ﴾﴾(٧) كما تقدم
فقال: (وَّ (اجعلوها في ركوعكم)) وحين نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
﴾(٨) (اجعلوها في سجودكم)) (٩) وقد يأمر وَّل بالسنن كما يأمر الفرائض
(١) كفاية الأخيار (ص ١١٦).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٤) قوت القلوب (١٥٥/٢).
(٥) سنن الترمذى عقب حديث (٢٦١) وهو قول إسحاق وابن المبارك.
(٦) انظر: المجموع (٤١٢/٣)، والروضة (٢٥١/١)، وكفاية النبيه (١٧٣/٣)، وعمدة
السالك (ص ٥٠-٥١)، والنجم الوهاج (١٣٥/٢).
(٧) سورة الواقعة، الآية: ٧٤.
(٨) سورة الأعلى، الآية: ١.
(٩) أخرجه ابن ماجه (٨٨٧)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن خزيمة (٦٧٠)، وابن حبان (١٨٩٨)
=

٢٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وهذا الذكر المذكور هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور
وكره مالك لزوم هذا الذكر لئلا يعد فرضًا (١) وأوجبه الإمام أحمد بن حنبل
وطائفة من أئمة الحديث لظاهر الأحاديث (٢).
تنبيه: والحكمة في هذا التخصيص أن الأعلى أفعل تفضيل بخلاف العظيم
فإنه لا يدل على رجحان معناه على غيره والسجود في غاية التواضع (٣
والعظيم الذي جل عن حدود العقول حتى [٢٥١/ ب] لا تتصور الإحاطة
بكنهه وحقيقته والله تعالى منزه عن صفات الأجسام والأعلى والعلي
والمتعالي الذي ليس فوقه شيء من الرتبة والحكمة (٤).
سؤال: لم أمرنا بالسجود على سبعة أعظم؟ قيل لقوله وَبية ((خلقتم من
سبع ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على سبع ليكون شكرا على الجميع)) ولأن
الصلاة تواضع فأراد التواضع من سبعة أعضاء لأن من تواضع لله رفعه الله
وأيضا الصلاة كفارة فأراد أن يكفر بها ذنوب الأعضاء كلها(٥) والله أعلم.
فائدة: في السجود أمور واجبة وأمور مستحبة قالوا جاءت سبعة وضع
الجبهة على الأرض مكشوفة والكامل عليها ووضع اليدين والركبتين
=
عن عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٥٢)، الإرواء (٢/ ٤١).
(١) انظر: الاستذكار (١/ ٤٣١)، وشرح النووي على مسلم (٤ / ١٩٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤ / ١٩٧).
(٣) المهمات (٣/ ٧٥) وأسنى المطالب (١٥٧/١).
(٤) تحفة الأبرار (٢/ ٤١ - ٤٢).
(٥) كشف الأسرار (لوحة ٣٧).

٢٧٧
كتاب الصلاة
والقدمين على الأظهر والتحامل عليها على قياس الجبهة وارتفاع أسافلة
على عاليه في الأصح والطمأنينة وأن لا تهوى لغيره وأن لا تسجد على متصل
به يتحرك بحركة وأما المستحبات فسبعة أيضا وضع يديه في محاذاة منكبيه
ووضع رأسه وبينهما ومجافاة مرفقيه عن جنبيه وفتح عينيه ومد الظهر
والعتق فيه والتسبيح فيه والاعتدال في الركوع ومعناه مد الظهر والعنق
واستوى بهما والمطلوب في السجود ارتفاع الاسافل على الأعالي حتى لو
تساويا لم تصح الصلاة على الأصح فيحتمل الاعتدال والسجود على
تحسن الهيئة، قاله في مختصر الكفاية(١).
٥٦٤ - وَعَن ربيعَة بِن كَعْب ◌َّهُ قَالَ كنت أخدم النَّبِيِّ وَِّ نهاري فَإِذا
كَانَ اللَّيْلِ آويت إِلَى بَاب رَسُول الله وََّ فَبت عِنْدِه فَلَا أَزَال أسمعهُ يَقُول
سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ رَبِّي حَتَّى أمل أَو تغلبني عَيْنِي فأنام فَقَالَ يَوْمًا يَا
ربيعَة سلني فأعطيك فَقلت أَنْظرنِي حَتَّى أنظر وتذكرت أَن الدُّنْيَا فانية مُنْقَطِعَة
فَقلت يَا رَسُول الله أَسأَلِك أَن تَدْعُو الله أَن ينجيني من النَّار ويدخلني الْجنَّة
فَسكت رَسُول اللهِوَّ ثمَّ قَالَ من أَمرك بِهَذَا قلت مَا أَمرنِي بِهِ أحد وَلَكِنِّي
علمت أَن الدُّنْيَا مُنْقَطِعَة فانية وَأَنت من الله بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْتِ مِنْهُ فَأَحْبَيْت أَن
تَدْعُو الله لي قَالَ إِنِّي فَاعل فأعني على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
فِي الْكَبِير من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَاللَّفْظِ لَهُ(٢) وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصرا
(١) كفاية النبيه (١٨٣/٣-١٨٩) مختصرا.
(٢) أخرجه أحمد ٥٩/٤ (١٦٥٧٨) و(١٦٥٧٩)، والطبراني في الكبير (٥٧/٥ رقم ٤٥٧٦)
=

٢٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَلَفظ مُسلمٍ قَالَ كنت أَبيت مَعَ رَسُول الله ◌َِّ فآتيه بوضوئه وَحَاجته فَقَالَ لي
سلني فَقلت أَسأَلَك مرافقتك فِي الْجِنَّة قَالَ أَو غير ذَلِك قلت هُوَ ذَاك قَالَ
فأعني على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُودِ (١).
قوله: ((عن ربيعة بن كعب)) هو ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي أبو
فراس المدني صحابي من أهل الصف قال أنه كان خادم رسول الله وح له وكانت
له صحبة قديما فكان يلازمه سفرا وحضرا وليس لربيعة بن كعب في الصحيح
غيره قاله المنذري في كتابه كناية المتعبد لو كان رَقُولَّهُ ينزل على بريد من
المدينة روى له مسلم وروى له الجماعة وروى حاله بن علي ونعيم المجمر
وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره توفي سنة ثلاث وستين (٢).
قوله زَمَّه: ((كنت أبيت مع رسول الله رَّ فأتيه بوضوئه الوضوء)) بفتح
الواو هو الماء الذي يتوضأ به وبضم الواو هو الفعل.
قوله: قال: أو غير ذلك هو بفتح الواو أو اشارة إلى حصول المقصود
واستفهام له هل يطلب شيئا آخر من الدنيا ليلحقه به أيضًا، وهو دليل على
كرم المسؤول وحسن أدب السائل فإن محض طلبه الآخرة.
=
وعنه أبو نعيم في المعرفة (٢٧٥١). قال الهيثمي في المجمع ٢٤٩/٢-٢٥٠: رواه
الطبراني في الكبير، وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (٣٨٨).
(١) أخرجه مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى
(٢٣٨٧)، والنسائى في المجتبى ٤٩٩/٣(١١٤٩) والكبرى (٨١٣).
(٢) تهذيب الكمال (١٣٩/٦ -١٤٢ ترجمة ١٨٨٦).

٢٧٩
كتاب الصلاة
قوله ◌َّية: ((فأعنى على نفسك بكثرة السجود)) يقال: أعنت زيدا على أمر؛
أي: صرت عونا له في تحصيل ذلك الأمر، فههنا معناه: كن عونا لي في
إصلاح نفسك، واجعلها طاهرة مستحقة لما تطلب؛ فإني أطلب إصلاح
نفسك من الله، وأطلب منه أيضا إصلاحها بكثرة السجود؛ فإن السجود كاسر
للنفس مذل لها، وأي نفس انكسرت، فذلت وانقادت استحقت الرحمة(١).
وتقدم الكلام على كثرة السجود في الأحاديث المتقدمة والمراد بالسجود
هنا من باب التعبير بالبعض عن الجميع انه هو مقصودها الأعظم وتقدم
الاختلاف في الركوع والسجود أيهما أفضل وفي هذا الحديث ملازمة الخدمة
الكبير والميت معه حيث لا ضرر في ذلك وجواز خدمة الأحرار البالغين
برضاهم وأما غير البالغين فيحتاج فيه إلى إذن الولي والحاكم إن كان يتيما
وكثيرا ما يتساهل الناس في ذلك.
قوله: ((فقال يومًا يا ربيعة سلني فأعطيك وفي رواية مسلم فقال لي:
((سلني)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة)) فيه دليل على استحباب مكافأة
الخادم والإحسان إليه وجبره بما أمكن من أمور الدين والدنيا [٢٥٢/ أ].
وقوله: ((أسألك مرافقتك في الجنة فأعني على نفسك بكثرة السجود)) أي
في الدنيا ترافقني في الجنة [١٧١ المغربي] في ذلك مسؤلك ومطلوبك ذلك
فإن ذلك درجة عظيمة ورتبة عالية قال ليس لي حاجة غير ذلك(٢).
(١) المفاتيح (٢/ ١٥٢).
(٢) المفاتيح (١٥١/٢-١٥٢).

٢٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: وروى البزار بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن عمير، قال:
كان غلام بالمدينة يكنى أبا مصعب، فأتى النبي وَّهِ وبين يديه سنبل، ففرك
سنبلة، ثم نفخها، ثم دفعها إليه، فأكلها، وكانت الأنصار تعير من يأكل فريكة
السنبل، فلما دفعها رسول الله وَل إليه، لم يردها عليه، قال أبو مصعب: ثم
قمت من عنده غير بعيد، ثم رجعت إليه، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن
يجعلني معك في الجنة، قال: ((من علمك هذا؟)) قلت: لا أحد، قال: ((أفعل))
فلما وليت دعاني، فقال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) فأتيت أمي
فسألتني، فقلت: كنت عند النبي ◌َّة، فأتي بسنبل، ففرك منه سنبلة بيديه
المباركتين، ثم نفخه بريقه المبارك، ثم دفعها إلي، فكرهت أن أرده- فقالت:
قد أحسنت - ثم أتيته، فدعا لي(١).
وقال ابن شكوال فيما نقل عنه الرجل قال له النبي ◌َّ أعني على نفسك
بكثرة السجود هو أبو فاطمة خادم النبي وَّ﴾(٢) ويحتمل أن النبي وَّ قال
ذلك لكل من هؤلاء الثلاثة وحذيفة وحديث ربيعة هذا عند ابن خزيمة
مختصرا وهو عند مسلم وغيره أطول من هذا قاله في الديباجة.
(١) أخرجه البزار (٢٧٣٧ / كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٣٦٥/٢٠ رقم ٨٥١). قال
البزار: لا نعلم روى أبو مصعب إلا هذا، تفرد به جرير. قال الهيثمي في المجمع ٣٩٩/٩:
رواه البزار، وأوله يشبه أن يكون مرسلا في أثناء الحديث قال: قال أبو مصعب، فالظاهر
أنه سمعه منه، والله أعلم. ورجاله رجال الصحيح غير طالوت بن عباد وهو ثقة.
(٢) غوامض الأسماء (٢ / ٦٠٨).