النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
كتاب الصلاة
قعد فلان القرفصاء فكأنَّك قلت: قعد قعودا مخصوصا وهو أن يجلس على
أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضمهما على ساقيه (١) والله أعلم.
قوله: مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، قال الخطابي رحمه الله: وردنا آثار
مرسلة وغير مرسلة في النهي عن تشبيك الأصابع منها: هذا الحديث، ومنها:
حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة والحاكم، ومنها: حديث كعب بن
عجرة الذي رواه الإمام وغيرهما (٢)، وهو: كعب بن عجرة، وعجرة بضم
العين وإسكان الجيم وكعب بن عجرة كان حليفا للانصار، وتأخر إسلامه
وشهد بيعة الرضوان وغيرها، روي له عن رسول الله وَّيه سبعة وأربعون
حديثا، اتفقا منها على حديثين وانفرد مسلم بآخر، روى عنه: ابن عمر وابن
عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاصي وطارق بن شهاب
وأبو وائل وابن أبي ليلى وبنوه إسحاق وهبد الملك ومحمد والربيع أولاد
كعب وزيد بن وهب والشعبي وغيرهم، سكن الكوفة وتوفي بالمدينة سنة
إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين وله سبع وسبعون سنة، وقيل:
خمس وسبعون(٣)، قاله في الديباجة، والشعبي المذکور فیمن روی عن کعب
ابن عجرة، بفتح الشين، اسمه: عامر بن شراحيل، وقيل: ابن شرحبيل،
والأول هو المشهور منسوب إلى شطب بطن من همدان، ولد بست سنين
(١) الصحاح (٣/ ١٠٥١).
(٢) قائل هذا الكلام ابن بطال كما في شرح الصحيح (١٢٥/٢).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٦٨/٢ الترجمة ٥٢٧)، وتهذيب الكمال (١٧٩/٢٤-١٨٢
الترجمة ٤٩٧٥).
٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خلت من خلافة عمر بن الخطاب، وكان الشعبي إماما عظيما جليلا جامعا
للتفسير والحديث والفقه والمغازي والعبادة (١).
قوله: في حديث كعب، رواه الترمذي من حديث سعيد المقبري عن
رجل، قال النووي: يقال [لكل واحد] من الابن والأب المقبري، وإن كان
الأصل هو الأب، واسم أبي سعيد [كيسان] والمقبري بضم الباء وفتحها
منسوب إلى مقبرة بمدينة رسول الله وَ ال كان مجاورا لها، وقيل: كان منزله
عند المقابر، وقيل: جعله عمر على حفر القبور، ويحتمل أنه اجتمع فيه
الأمران، والمقبري صفة لأبي سعيد (٢)، وسيأتي الكلام عليه أيضا مبسوطا.
قال الخطابي رحمه الله: تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضهما في بعض
والإمساك بها (٣)، وقيل: كره ذلك كما كره عقص الشعر واشتمال الصماء،
والاحتباء وقد فعله بعض الناس عبثا وبعضهم يفعله ليفرقع أصابعه، وقيل: إنما
كره لأنه إذا احتبى [بيديه يريد] الاستراحة وشبك بين أصابعه ربما غلبه النوم
فتنتقض طهارته فنهي عن ذلك لئلا تنتقض طهارته، فقيل: لمن تطهر وخرج
إلى المسجد متوجها إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك لأن جميع ما ذكرنا من
هذه الوجوه على اختلاف أنواعها [٢٢١/ أ] لا يلائم شيء منها الصلاة(٤).
(١) تهذيب الكمال (٢٨/١٤ -٤٠ الترجمة ٣٠٤٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦٩/٢) والكواكب الدراري (١/ ١٦١).
(٣) شرح السنة (٢٩٤/٣).
(٤) شرح السنة (٢٩٤/٣).
٦٣
كتاب الصلاة
وقسم بعض المتأخرين التشبيك إلى أقسام، أحدها: إذا كان الإنسان في
الصلاة ولا شك في كراهته، وثانيها: إذا كان في المسجد يباشر الصلاة أو هو
عامد إلى المسجد يريدها بعد ما تطهر، فالظاهر كراهته لحديث كعب هذا،
وثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة وليس يريد صلاة ولا
ينتظرها فلا يكره لحديث ذي اليدين الذي رواه البخاري وغيره أن النبي وَل
شبك بين أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين وشبك في
غيره لأن الكراهة إنما في حق الصلاة وقاصد الصلاة، وهذا كان منه وَالاله
بعدها، رابعها: في غير المسجد فهو أولى بالإباحة وعدم الكراهة(١)، وقال
الإمام مالك: إنهم ينكرون التشبيك في المسجد وما به بأس وإنما يكره في
الصلاة، وقال الكرماني: فتفيد أنه كان إذا كان التشبيك لغرض صحيح جاز
بخلاف العبث(٢).
تنبيه: وتأوله بعضهم أن يشبك اليد كناية عن ملابسة الخصومات
والخوض فيها، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام حين ذكر الفتن فشبك
بين أصابعه وقال بيده فكانوا هكذا (٣) انتهى.
٤٥٤- وَرُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي ◌َّ قَالَ خِصَال لَا
ینبغین فِي الْمَسْجِد لا يتّخذ طَرِیقا ولا یشهر فِیهِ سلاح وَلا ینبض فِيهِ بقوس
(١) إعلام الساجد (ص ٣٣٤-٣٣٥).
(٢) الكواكب الدراري (٤/ ١٤١-١٤٢).
(٣) غريب الحديث (٥٩٢/١)، والمجموع المغيث (١٧٢/٢)، والنهاية (٤٤١/٢).
٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَلَا ينثر فِيهِ نبل وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء وَلَا يضْرب فِيهِ حد وَلَا یقْتَصّ فِيهِ من
أحد وَلَا يَتَّخذ سوقا رَوَاهُ ابْن مَاجَه(١) وروى مِنْهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ(٢) وَلَا
تَتَّخِذُوا الْمَسَاجِد طرقا إِلَّ لذكر أَوْ صَلَاة وَإِسْنَادِ الطَّبَرَانِيّ لَا بَأْس بِهِ. قَوْله وَلَا
ينبض فِيهِ بقوس يُقَال أنبض الْقوس بالضاد الْمُعْجَمَة إِذا حرك وترها لترن نيء
بِكَسْر الُّون وهمزة بعد الْيَاء ممدودا هُوَ الَّذِي لم يطبخ وَقيل لم ينضج.
قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في اول الكتاب.
قوله وَّيلر: ((خصال لا ينبغين في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه
سلاح)) الحديث، المرور في المسجد واتخاذه طريقا من غير صلاة قلة احترام
للمسجد(٣)، وقد روي عن ابن عمر أن النبي وَّ نهي أن تتخذ المساجد طرقا
أو تقام فيها الحدود أو تنشد فيها الأشعار، أورده عبد الحق في الأحكام(٤).
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٤٨)، وابن حبان في المجروحين (٣١٠/١)، وابن عدى (٤ / ١٥٤).
قال ابن عدى: ولزيد بن جبيرة غير ما ذكرت من الحديث وليس بالكثير وعامة ما يرويه
عمن روى عنهم لا يتابعه عليه أحد. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٤٩٧) وضعيف
الترغيب (١٩٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤/١ رقم ٣١) والكبير (٣١٤/١٢ رقم ١٣٢١٩). قال
الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا أبو قبيل المعافري واسمه: حيي بن هانئ، ولا
عن أبي قبيل إلا علي بن حوشب. تفرد به: يحيى بن صالح. قال الهيثمي في المجمع
٢٤/٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون. وصححه الألباني في الصحيحة
(١٠٠١) وصحيح الترغيب (٢٩٥).
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٥).
(٤) الأحكام الوسطى (١ / ٢٩٧) وقال: وفرات هذا منكر الحديث ضعيفه.
٦٥
كتاب الصلاة
قوله: ((ولا يشهر فيه سلاح)) يستحب لمن دخل المسجد ومعه سلاح أن
يمسك حده كنصل السيف وسنان الرمح ونحوه لحديث جابر رَّ أن رجلا
مر بسهامه في المسجد فقال له رسول الله وَالخلية: ((أمسك بنصالها)) (١) وكذلك
أمر رسول الله من يمر في السوق أن يفعل ذلك مخافة أن يصيب أحدا، رواه
البيهقي، والأولى أن لا يدخل المسجد بسلاح من غير حاجة، ولأن في حمل
السلاح من غير حاجة تضييقا على المصلين(٢).
قوله: ((ولا ينبض فيه بقوس)) يقال: أنبض القوس الصياد إذا حرك وترها
لترن قاله المنذري.
قوله: ((ولا يمر فيه بلحم نيء)) والنيء بكسر الهمزة بعد الياء ممدودا هو
الذي لم يطبخ، وقيل: لم ينضج قاله المنذري.
قال بعض العلماء: فيحرم على الإنسان أن يدخل معه المسجد لحم نيء
إذ خشي التلويث(٣) والله أعلم.
قوله: ((ولا يضرب فيه حد)) ولا يقتص فيه من أحد، فقد أوردنا النهي عن
إقامة الحدود في المسجد مبسوطًا، قال عمر: فمن لزمه حد أخرجاه من
المسجد، ويذكر عن علي نحوه، قال معاذ بن جبل زَّ لَهُ: إن المساجد
(١) المجموع (١٧٨/٢). والحديث أخرجه البخاري (٤٤٢) و(٧٠٧٣) و(٧٠٧٤)، ومسلم
(١٢٠ و١٢١ و١٢٢ - ٢٦١٤) عن جابر.
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٤).
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ١٥).
٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود، أو يقتص فيها، أو ينشد فيها
الأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقًا(١)، ولم ير بعض العلماء في
القضاء في المسجد بأسًا لأن النبي وَّ لا عن بين العجلاني وبين امرأته في
المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي وَ﴾(٢)، وقد ذكر شيء من ذلك في
الباب قبله في حديث: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم)) الحديث.
فرع: قال العلماء: لا بأس بإغلاق المسجد في غير أوقات الصلاة صيانة
وحفظًا لها خلافًا لأبي حنيفة فإنه منع من إغلاقها بحال قاله الدميري في
شرح الكفاية (٣) ونقله في الروضة عنه وأقره، وفي بعض كتب الحنفية: يكره
غلق المسجد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) وخولف في ذلك فقيل: كان هذا في زمان السلف، فأما في
زماننا فقد كثرت فيه الخيانات فلا بأس بإغلاقها على متاع المسجد، وتحرزا
على بيوت الجيران من المسجد، انتهى قاله الزركشي.
فائدة في السؤال في المسجد: قال أبو مطيع البلخي: لا يحل لرجل أن
يعطي سؤال المسجد، قال: والمختار أنه إذا كان السائل لا يتخطى رقاب
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١٣).
(٢) شرح السنة (٣٧٦/٢).
(٣) وقاله في تسهيل المقاصد (لوحة ٤٤) نقلًا عن الصيمرى كما في البيان (١١٤/٢)،
والمجموع (١٧٨/٢).
(٤) سورة البقرة، الآية: ١١٤.
٦٧
كتاب الصلاة
الناس ولا يفرض يمين المصلي ولا يسال الناس إلحافا فلا بأس بالسؤال
والإعطاء لأن السُّؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله وَّر في المسجد
حتى يروى أن عليًّا زَوَّهُ تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله تعالى
بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(١)، وإن كان يتخطى رقاب الناس
ويمر بين يدي المصلي وغيره يكره إعطاؤه لأنه إعانة له على أذى الناس
حتى قيل [هذا فلس] واحد يحتاج إلى سبعين عليه كفارته هذا في كتاب
الكسب لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قاله الزركشي (٢).
وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: يكره السؤال في المسجد وكذلك
تخطى رقاب الناس أو يتخطاهم من يحيي له الناوس لم يجز ذلك فيجب
على كل قادر إنكار ذلك منهم، وقد يضم السؤال إلى ذلك القراءة على عدم
الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة والقصص الباطلة
فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت لأن المسجد يمتنع عنه هذا
الفعل إنتهاء لا إيهاما والعوام أن ذلك جائز [فيكون سببا] منه لتجري غيره
على مثل فعله وسببا لعطاء العوام أو ترغيبهم له في ذلك [الفعل]، وقد قال
بعض الحنفية: لو تصدق باربعين فلسا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة
[لذلك الفلس] الذي أعطاه للسائل في المسجد حكاه ظهير الدين في فتاويه،
فإن كان المعطي ممن يعظم أويتوهم الناس من عطائه أن ذلك جائز عظم
(١) سورة المائدة، الآية: ٥٥.
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٥٣-٣٥٤).
٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإثم في عطائه بمساعدته له وترغيبه له بالسكوت مع ما ترتب عليه من إثم
السكوت عن الإنكار عليه والله أعلم(١).
٤٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ قَالَ أَبُو بدر أرَاهُ رَفعه إِلَى النَّبِوَ قَالَ: ((إِن
الْحَصَاة تناشد الَّذِي يُخرجهَا من الْمَسْجِد)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ بِإِسْنَاد جيد وَقد
سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَذكر أَنْهِ رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَقَالَ
رفعه وهم من أبي بدر (٢) وَالله أعلم.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام علیه.
قوله: ((إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد)) الحديث، قال
الجوهري: الحصاة واحدة الحصى والجمع حصيات مثل تمرة وتمرات،
وحصاة المسك [قطعة صلبة توجد في فأرته،]، وفلان ذو حصاة أي ذو عقل
ولب (٣)، قال النووي رحمه الله: [لا يجوز] أخذ شيء من أجزاء المسجد
(١) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠)، والعقيلى (٢ / ١٨٤). وقال الدارقطنى في العلل (١٥٠٥):
اختلف فيه على أبي صالح؛ فرواه أبو حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي
وَّ، بالشك في رفعه، قاله أبو بدر، عن شريك، عن أبي حصين، ورواه إسرائيل، عن أبي
حصين، عن أبي صالح، عن كعب قوله. واختلف عن الأعمش؛ فرواه ابن فضيل، وأبو
حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا. ورواه أبو معاوية،
عن الأعمش، عن أبي صالح، ولم يجاوز به ورفعه، وهم من أبي بدر. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (١٩٤).
(٣) النجم الوهاج (٥٢١/٣).
٦٩
كتاب الصلاة
كحجر وحصاة وتراب وغيره لهذا الحديث (١) ولأنه يفرش [٢٢٢/أ]
المسجد، قال الزركشي: ومثله الزيت والشمع، وقال ابن عباس لنفيع: ردها
وإلا خاصمتك يوم القيامة، ورواه ابن أبي شيبة(٢).
قال بعض العلماء: يجوز أخذ الحصى من الحصر وأخذه من المسجد إن
كان جزءا منه، وللمسجد موضع، وفي شرح المهذب: الجزم بتحريم أخذ
الحصى من المسجد لهذا الحديث(٣)، وقد صحح النووي: أنه لا يجوز
التيمم بتراب المسجد وقال: إن الشافعي رحمه الله كره للمحرم أخذ الحجر
من ثلاثة مواضع من الحش ومن المسجد و المرمي أما المسجد فلأنه فرشه
ويكره تعطيل فرش المسجد وأما الحش فلأن أحجاره نجسة، ويكره الرمي
بالنجس والحش بضم الحاء المهملة وكسرها هو المرحاض، وأصله في
اللغة [البستان] وأما المرمي فلأن ما بقي من الحجارة منها مردود غير
مقبول (٤).
قوله: وقد سئل [الدار قطنى] عن هذا الحديث فذكر أنه روي موقوفا على
أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله ومناقبه، وتقدم الكلام أيضًا على
الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.
(١) المجموع (٢ /١٧٩).
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٤٠ -٣٤١).
(٣) المجموع (١٧٩/٢).
(٤) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٧ / ٤٥١).
٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٥٦- وَعَن عبد الله يَعْنِ ابْنِ مَسْعُود ◌َِّلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّالِ سَيكون
فِي آخر الزَّمَان قوم يكون حَدِيثهمْ فِي مَسَاجِدهمْ لَيْسَ الله فيهم حَاجَة رَوَاهُ ابْن
حبَان فِي صَحِيحه(١).
قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله ◌َّه: ((سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي حديثهم في مساجدهم
فليس لله فيهم حاجة)) وفي حديث آخر قال رسول الله ويقول: ((يأتي آخر الزمان
ناس من أمتي يأتون المساجد ويقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا فلا
تقعدوا منعهم ولا تخالطوهم ولا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة)) قال
العلماء: يكره للإنسان أن يقعد في المسجد ويخوض في الحديث المباح
وحديث الدنيا ونحو ذلك وكذلك رفع الصوت واللغط فيه لحديث على بن
أبى طالب رُوََّةُ المطول: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء
وعد منها: إذا رفعوا الأصوات في المساجد))(٢) وسيأتي هذا الحديث في أواخر
هذا التعليق والكلام عليه مبسوطًا، قال العلماء أيضًا: جلوس الناس في
المسجد لحديث الدنيا بدعة إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة
وانتشار العلم ونحو ذلك، وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (٢٨٤)، وابن حبان (٦٧٦١)، والطبراني في الكبير
(١٩٨/١٠ رقم ١٠٤٥٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢٤/٢: رواه الطبراني في الكبير،
وفيه بزيع أبو الخليل ونسب إلى الوضع. وحسنه الألباني في الصحيحة (١١٦٣) وصحيح
الترغيب (٢٩٦).
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ١٠).
٧١
كتاب الصلاة
المساجد لأنها تذكر الآخرة، وحديث رسول الله وَ له وذكر الله تعالى لا
يتحدثون فيها عن الدنيا (١)، وقد ورد الخبر عن النبي ◌َّ أن مسجدا ارتفع
بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله تعالى لما يتحدثون فيه من أحاديث
الدنيا (٢)، وقد ورد أن الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة
الحشيش أو النار الحطب(٣)، قال الكمال الدميري: هذا الحديث [باطل من
الأحاديث] المشهورة، وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما
يجالس ربه عز وجل [فما حقه أن يقول إلا] خيرًا(٤).
فائدة تتعلق بذكر النوم في المسجد: قال شيخ الإسلام النووي: يجوز
النوم في المسجد كما نص عليه الشافعي في الأم، قال ابن المنذر في الإشراف
[رخص في] النوم في المسجد ابن المسيب وعطاء والشافعي، وقال ابن
عباس: لا تتخذوه مرقدًا، وروي عنه رَوَّهُ [إن كنت تنام] فيه للصلاة فلا
بأس كما تقدم عنه، وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن كان مسافرًا [أو شبهه]
فلا بأس وإن اتخذه مبيتا [٢٢٢/ ب] مقيلا فلا، وهذا قول إسحاق وهذا ما
حكاه ابن المنذر واحتج من يجوزه بنوم علي بن أبي طالب وابن عمر وأهل
الصفة والمرأة صاحبة الوشاح وثمامة بن أثال وصفوان بن أمية وغيرهم
(١) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٩).
(٢) تفسير القرطبى (١٢/ ٢٧٨).
(٣) قال العراقى في تخريج الإحياء (ص ١٨٠): لم أقف له على أصل.
(٤) تسهيل المقاصد (لوحة ١٠).
٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أحاديثهم في الصحيحين مشهورة(١). ويجوز أن يمكن الكافر من دخول
المسجد بإذن المسلمين ويمنع من دخوله بغير إذن(٢).
خاتمة تتعلق بالمسجد: [عارية حصر] المسجد وقناديله في الولائم
والأفراح ونحو ذلك لا يجوز بل لا يجوز أن يعاروا لمسجد آخر فكيف وفي
الغالب لا ترجع الحصر إلا وقد تقطع بعضها إن سلمت من التنجيس حتى
لقد أخبرني من أثق بهم أنهم يأخذون البسط الموقوفة على الصخرة
والمسجد فارغ فيفترشها النظار في بيوتهم ويتعاطون عليها ما لا يجوز ثم بعد
تنجيسها يردونها إلى المسجد، والحاصل أنهم يأخذون أحسن منها يردونها
في الصيف ويأخذون غيرها في الشتاء حتى لا يكاد يسلم شيء من البسط من
تنجيسهم له وامتهانهم إياه ويأتي المصلون فيصلون عليها ولا يشعرون
بتنجيسها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قاله ابن النحاس في تنبيه
الغافلين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد صنف أيضا كتابا مستقلا
في الجهاد نحوا من أذكار النووي أو الرياض وقد قتل رحمه الله شهيدًا ودفن
بثغر دمياط قال ذلك بعض الأصحاب أنه شاهد دفنه وهو مقتول ودفن
بجوار مزار لبعض الصالحين وقبره مشهور ورؤي له منامات حسنة تدل
على صلاحه أعاد الله على سائر المسلمين من بركاته آمين(٣).
(١) المجموع (٢/ ١٧٣).
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ١٣).
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٧٣٩).
٧٣
كتاب الصلاة
[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما
في الظهر وما جاء في فضلها]
٤٥٧- عَن أبي هُرَيْرَة زَّ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَّهِ صَلَاة الرجل فِي
الْجَمَاعَة تضعف على صلاته فِي بَيته وَفِي سوقه خمْسًا وَعِشْرين دَرَجَة وَذَلِكَ أَنْه
إِذا تَوَضَّأْ فَأحْسن الْوُضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لَا يُخرجهُ إِلَّ الصَّلَاة لم يخط
خطْوَة إِلَّا رفعت لَهُ بِهَا دَرَجَة وَحط عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة
تصلي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارحمه وَلَا يَزَال فِي صَلَاة مَا
انْتظر الصَّلَاة)، وَفِي رِوَايَة: «اللَّهُمَّ اغْفِرِ لَهُ اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ مَا لم يؤذْ فِيهِ مَا لم
يحدث فِيهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهُ بِاخْتِصَارُ(١)،
وَمَالك فِي الْمُوَطَّأْ وَلَفظه من تَوَضَّأ فَأحْسنِ الْوُضُوء ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الصَّلَاة
فَإِنَّهُ فِي صَلَاة مَا كَانَ يعمد إِلَى الصَّلَاة وَإِنَّهُ يَكْتب لَهُ بِإِحْدَى خطوتيه حَسَنَةٌ
ويمحى عَنْهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَة فَإِذا سمع أحدكُم الإِقَامَة فَلَا يسع فَإِن أعظمكم أجرا
أبعدكم دَارا قَالُوا لم يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ من أجل كَثْرَة الخطا(٢).
٤٥٨- وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه أَن النَِّي ◌َّ قَالَ من حِين
يخرج أحدكُم من منزله إِلَى مَسْجِدي فَرجل تكْتب لَهُ حَسَنَة وَرجل تحط عَنهُ
(١) أخرجه البخاري (٦٤٧) و(٦٤٨) و(٢١١٩) و(٤٧١٧)، ومسلم (٢٤٦ و٢٤٧ و٢٤٨ -
٦٤٩)، وابن ماجه (٧٨٦ و٧٨٧)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذى (٢١٦).
(٢) أخرجه مالك (٦٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٧).
٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سَيِّئَة حَتَّى يرجع وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ بِنَحْوِ ابْن حبَان وَلَيْسَ عِنْدهمَا حَتَّى
يرجع وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم(١) وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث
أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا تَوَضَّأْ أحدكُمْ فِي بَيْته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ
فِي صَلَاة حَتَّى يرجع الحَدِیث.
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه
خمسا وعشرين درجة)) المراد به صلاته في بيته وسوقه منفردا وهذا هو
الصواب(٢).
ففيه دليل على جواز الصلاة فى السوق لكن مع الكراهة لأنها تشغل قلب
المصلي من شرور الناس ونحوه، وكذلك تكره الصلاة مستقبل إنسان.
وفيه دليل على أن الجماعة ليست فرضًا لأنه أثبت لها فضلًا في السوق
والبيت، وفيه دليل أيضا على أن إقامة الصلاة في المسجد أفضل من إقامتها
في السوق والبيت والحديث أن الصلاة في المسجد تفضل على الصلاة في
البيت بخمس وعشرين درجة ما لو صلى منفردًا أورده عبد الحق في
(١) أخرجه أحمد (٢٨٣/٢) (٧٨٠١) و(٣١٩/٢) (٨٢٥٧) و(٤٣٢/٢) (٩٥٧٥)
و (٤٧٨/٢) (١٠٢٠٣)، وعبد بن حميد (١٤٥٩)، والنسائى في المجتبى (١٨٣/٢)
(٧١٧) والكبرى (٨٧٢)، وابن حبان (١٦٢٢)، والحاكم (٢١٧/١). وصححه الألباني
في صحيح الترغيب (٢٩٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦٥/٥).
٧٥
كتاب الصلاة
الأحكام(١) والمعنى فيه شرف البقعة ولو كان المسجد مع الجماعة بخروجه
إلى المسجد فينبغي أن لا يفوت على نفسه الصلاة في المسجد والمشي إليه
وإذا رجع صلى بمن لم يمكنه الخروج إلى المسجد من الزوجة وغيرها قاله
المحاملي أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل كما سيأتي ذلك في بابه
واستحب جماعتهن في البيوت وقد كانت عائشة رضي الله عنها تؤم النسوة
وكذلك أم سلمة وكان لعائشة [٢٢٣ / أ] رضي الله عنها عبد يصلي بها في
المنزل قاله في شرح العمدة.
فصلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة
وفي رواية بخمس وعشرين جزءا وفي رواية بسبع وعشرين درجة أنه أراد
بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة وقيل الدرجة غير الجزء وهذه غفلة من قائله
وفي الصحيحين سبعا وعشرين درجة وخمسا وعشرين درجة فاختلف القدر
مع اتحاد لفظ الدرجة والجمع بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا منافاة بين
الروايتين، فذكر القليل لا ينفي الكثير ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين،
والثاني: أن يكون الخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى زيادة الفضل فأخبر
بها، الثالث: أن يختلف باختلاف المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس
(١) أورده في الأحكام الكبرى (١٤٩/٤) ولفظه: فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد
خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. يقول أبو
هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجُرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧].
والحديث أخرجه البخاري (٤٤٠٢) و(٤٧١٧) عن أبي هريرة.
٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وعشرون درجة ولبعضهم سبع وعشرون درجة بحسب كمال الصلاة
ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم وشرف البقعة
فهذه الأجوبة المعتمدة واحتج أصحاب الشافعي والجمهور بهذه الأحاديث
على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة والله أعلم(١).
[وأخرج ابن ماجه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في المسجد القبائل بخمس
وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة،
وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدى
بخمسين ألف صلاة، وصلاتة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفيه أبو
الخطاب الدمشقى قال الذهبي: أبو الخطاب ليس بمشهور، وقال الشيخ ابن
حجر العسقلاني: مجهول نقله وقال ابن حجر: قيل إنه حديث منكر ; لأنه
مخالف لما رواه الثقات، وقال بعضهم: إنما كانت بسبع وعشرين لأن أقل
الجمع ثلاث والحسنة بعشر أمثالها فواحدة أصل وتسعة مضاعفة وذلك
سبع وعشرين ثم إن الله أعطى ذلك للاثنين تفضلا وذلك فاسد من وجهين
أن الواحد إذا صلى وحده كانت بعشر حسنات واحدة أصل وتسعة مضاعفة
فالزيادة سبعة عشر لا سبع وعشرين والثانى أن ذلك لا يدل لصلاة الاثنين
والصواب ما ذكره الحليمى فى المنهاج: أن ذلك راجع إلى تحصيل عبادات
تحصل بالحضور إلى الجماعات فإنه قال تحتمل إنما فضلت الجماعة على
(١) المجموع (٤ / ١٨٣ - ١٨٤) وشرح النووي على مسلم (١٥١/٥ - ١٥٢).
٧٧
كتاب الصلاة
الفذ بسبع وعشرين لأن كل صلاة أقيمت فى جماعة كصلاة يوم وليلة إذا
أقيمت لا فى جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبعة عشر والرواتب عشر
فالجمع سبع وعشرون(١)].
قوله ◌َ: ((وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء)) تقدم معنى إحسان
الوضوء في صفة الوضوء.
قوله وَي: ((ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) المسجد مشتمل
على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة فإن كان إذا صلى في بيته صلى
جماعة وإذا صلى في المسجد صلى منفردا فصلاته في بيته أفضل ولو كانت
جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد فقال الماوردي المسجد أفضل وقال
القاضي أبو الطيب بيته أولى والله أعلم (٢).
وهذا الحديث يفهم منه أن فضل المسجد لأجل الجماعة فقط بل لما
يلازمها من الأحوال كفضل الجماعة ونقل الخطوات إليه وصلاة الملائكة
عليه وغير ذلك قال ويعتمد مالك رحمه الله في قوله لا تفضل جماعة
لاشتراكهم في تلك الأمور قاله في الديباجة.
قوله وَدير: ((لا يخرجه إلا الصلاة)) قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في
كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح ومشى فيه نحو ما مشى الحافظ
المنذري في الترغيب والترهيب قال: قلت الذي يظهر من قوله وَلات: ((لا
(١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٨).
(٢) النجم الوهاج (٣٢٧/٢).
٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يخرجه إلا الصلاة)) أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون
خروجه من بيته بقصد الصلاة لا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة
أخرى لا يحصل له ثواب الخطى على التمام، والذي يظهر من قوله اَلجلة: ((لا
يخرجه إلا الصلاة)) أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون
خروجه من بيته بقصد الصلاة ولا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة
أخرى لا يحصل له ثواب الخطا على التمام، والذي يظهر أنه يحصل له
تضعيف [الصلاة لأنه] قد حصل إيقاعها في الهيئة الاجتماعية (١) والله أعلم.
قال الإمام المازري: ينبغي أن [يكون المؤمن] محافظا على نيته ابتداء
فإذا أراد أن يزيد في عمله فينظر أولا في نيته فيتمها [فيحسنها] وقال في آخره
مثال ذلك ثلاثة رجال يخرجون إلى الصلاة أحدهم: يخرج وينظر إن كانت
له حاجة لنفسه أو لبيته قضاها وهو في طريقه ساه عن نيته التقرب بذلك إلى
الله تعالى، فهذا له أجر الصلاة فقط ليس إلا، والخطى التي استعملها
للمسجد قد ذهبت لقوله {وَ اليوم [٢٢٣/ ب]: ((لا يخرجه إلا الصلاة)) فشرط
عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بأنه لا يريد إلا الصلاة، وهذا المذكور
قد أراد غيرها بالحاجة التي نوى قضاءها، الثاني: خرج إلى الصلاة ليس إلا
ولم يخلط مع هذه النية غيرها فهذا أعظم أجرًا من الأول، لأنه حصل له بركة
الخطى إلى المسجد، والثالث: خرج بما خرج به الثاني لکنه عند خروجه نظر
في نيته فأمكنه تنمية ما فيها هنا فنوى أنه إن وجد اثنين يختصمان أصلح
(١) المتجر الرابح (ص ٩٤).
٧٩
كتاب الصلاة
بينهما وإن رأى منكرًا أزاله إلى غير ذلك، فهذا له من الأجر على قدر نيته
والله أعلم(١).
قوله وَي: (لم يخط خطوة)) الحديث، وفي الحديث أيضًا: ((من تطهر في
بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله تعالى ليقضي فريضة من فرائض الله كانت
خطواته إحداهما تخط خطيئة والأخرى ترفع درجة)) رواه مسلم(٢)، الرواية
في قوله ((خطوة)) بضم الخاء وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين،
والخطوة بفتح الخاء فهي المصدر المرة من خطوت(٣).
قوله ◌َّيلة: ((إلا رفعت بها درجة وحط عنه بها خطيئة)) الدرجة واحدة
الدرجات وهي الطبقات من المراتب، والخطيئة الإثم، قال الداودي: إن كانت
له ذنوب حطت عنه وإلا رفعت له درجات، قال بعض العلماء: وهذا يقتضي أن
الحاصل بالخطوة الواحدة درجة واحدة، أما الخطوات الرفع، وقال غيره:
والحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء لقوله في الحديث: ((كتبت له بكل
خطوة حسنة ويرفع له درجة ويحط عنه بها سيئة)) (٤) والله أعلم.
تنبيه: قوله في الحديث: ((حطت خطاياه)) أي: أسقطت قال: لأنه كان
حاملا لها فحط حملها كما تحط حمل الدابة، انتهى قاله عياض (6).
(١) المدخل (٨/١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٢ - ٦٦٦) عن أبي هريرة.
(٣) الغريبين (٢/ ٥٧٣)، وشرح السنة (١٤ / ٤٠٤).
(٤) العدة (٣٤٥/١).
(٥) مطالع الأنوار (٢٧٢/٢).
٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَلّة: ((قد صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه))
الحديث، الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى
الاستغفار ومن الأدميين تضرع ودعاء(١)، وتقدم الكلام على الصلاة في اللغة
وفي الشرع على مواضع من هذا التعليق.
قوله: ((اللهم ارحمه)) وفي رواية: ((اللهم اغفر له)) فإن قيل: ما الفرق بين
المغفرة والرحمة؟ قيل: المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان
(٢)
علیه(٢) .
قوله وَليّة: ((لا يزال في صلاة ما كان ينتظر الصلاة)) ظاهره أن صلاة
الملائكه عليه مشروطة بدوامه في صلاة بعد صلاة، وكذا جاء مصرحا به في
الموطأ ((فإذا صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه فإن
قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي)»،
وظاهر هذا الحديث: أن انتظار الصلاة يختص بالمصلى في جماعة في
المسجد، فلو صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذا
الفضيلة، وسئل الإمام مالك عمن صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة
أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ قال: نعم إن شاء الله تعالى(٣).
(١) المجموع (٧٥/١)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٩)، وتهذيب الأسماء واللغات
(١٧٩/٣).
(٢) الكواكب الدراري (٤ /١٠٤).
(٣) المنتقي (١ /٢٨٤)، والإعلام (٣٧٠/٢-٣٧١).