النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
كتاب الطهارة
والأحرى أن يتفقد الإيمان اليوم في كل وقت وحين، فلما أن أمره صاحب
الشرع صلوات الله وسلامه بتطهير الباطن وتطهير الظاهر [١٦٤/ ب] شرع
له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: ((اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من
المتطهرين)) إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله وَالله: ((الدعاء
مخ العبادة)) فكمل الحال وتمت النعمة، وقيل: الدعاء بتخييره من أي أبواب
الجنة يدخل لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنا وظاهرا: ﴿إِنَّ
اٌللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث،
فمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وكماله إن صلاته نافلة، والنوافل:
الزوائد، أي: لم تجد من الذنوب شيئا تكفره الصلاة للتوبة المتقدمة
والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة، أي: زائدة، فكان موضعها رفع
الدرجات لا غير؛ فيحصل لنا من هذا أنه يتوب مما تكلم به اللسان وشم
الأنف ونظرت العينان وسمعت الأذن وبطشت اليد وسمعت الرجل وخطر
بالقلب وإن كان سالما من ذلك كله كانت التوبة للغفلات الواقعة، فإن كان
سالما من الغفلات كانت التوبة لعدم التوفية بحق الربوبية كما يجب لها،
وذلك لا يقدر عليه العبد أصلا، فهذه سبعة منضمة إلى شروط وجوب
الطهارة والفرائض والسنن، والفضائل التي نص عليها العلماء فيه (٢)، والله
أعلم.
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(٢) المدخل (٣٥/١-٣٨).
٣٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٩٥ - وَعَن أبي أُمَّامَةِ رََّّهُ أَنْ رَسُول الله ◌َِّ قَالَ أَيَّمَا رجلٍ قَامَ إِلَى
وضوئِهِ يُرِيد الصَّلَاة ثمَّ غسل كفيه نزلت كل خَطِيئَة من كفيه مَعَ أول قَطْرَة
فَإِذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لِسَانه وشفتيه مَعَ أول قَطْرَة
فَإِذا غسل وجهه نزلت كل خَطِيئَة من سَمعه وبصره مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل
يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفقين وَرَجَلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سلم من كل ذَنْب كَهَيْتَتِه يَوْم وَلدته
أمه قَالَ فَإِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع الله دَرَجَتْه وَإِن قعد قعد سالمًا)) رَوَاهُ أَحْمد
وَغَيره من طَرِيق عبد الحميد بن بهْرَامِ عَن شهر بن حَوْشَب وَقد حسنها
التِّرْمِذِيّ لغيرِ هَذَا الْمَثْنِ وَهُوَ إِسْنَاد حسن فِي المتابعات لَا بَأْس ◌ِهِ(١).
قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، تقدم.
قوله وَ ليقول: ((أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة)) الوضوء بفتح الواو هو
الماء الذي يتوضأ به، وتقدم معنى الصلاة في اللغة والشرع في مواضع من هذا
التعليق.
قوله: ((ثم غسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه مع أول قطرة)) تقدم معنى
ذلك في الأحاديث قبله.
(١) أخرجه أحمد ٢٦٣/٥ (٢٢٢٦٧)، والآجري في الأربعون حديثاً (٢٢)، والطبراني في
الكبير (٢٧٦/٨ رقم ٨٠٦١). وقال الهيثمي في المجمع ٢٢٢/١: رواه أحمد والطبراني
في الكبير والأوسط، وفي إسناد أحمد عبدالحميد بن بهرام عن شهر، واختلف في
الاحتجاج بهما، والصحيح أنهما ثقتان، ولا يقدح الكلام فيهما. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (١٨٧).
٣٦٣
كتاب الطهارة
قوله: ((فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته)) رفع الدرجات أعلى المنازل في
الجنة.
قوله: قوله رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن
حوسب، هو عبد الحميد بن بهرام (الفزاري المدائني روى عن: شهر بن
حوشب أحاديث كثيرة، وعن: عاصم الأحول حديثا واحدا في الدعاء، ورأي
عكرمة مولى ابن عباس، ووصفه، وثَّقه أحمد وابنُ معين وأبو داود. وأثنى
عليه شعبة، وقال: نعم الشيخ. وقال ابنُ معين في روايةٍ والنسائيُ والعجليُّ،
وابنُ عديّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن شهرٍ صحاح، لا أعلم
روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، وقال ابنُ
عدي: هو في نفسه لا بأس به وإنما عابوا عليه کثرة روایاته عن شهر وشهر
ضعيفٌ وقال الخطيبُ: الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر،
لا على عبد الحميد(١).
٢٩٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُول من تَوَضَّأ
فأسبغ الْوُضُوء غسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأَذْنَيْهِ وَغسل رجلَيْهِ ثُمَّ
قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْمِ مَا مشت إِلَيْهِ رجله وقبضت عَلَيْهِ
يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدث بِهِ نَفسه من سوء، قَالَ وَالله
لقد سمعته من نَبِي الله ◌َِّ مَا لَا أحصيه(٢).
(١) تهذيب الكمال (١٦ / الترجمة ٣٧٠٦).
(٢) أخرجه أحمد ٢٦٣/٥ (٢٢٢٧٢)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في إتحاف الخيرة
=
٣٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٩٧ - وَرَوَاهُ أَيْضاً بِنَحْوِهِ من طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَزَادَ فِيهِ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ
الْوُضُوء يكفر مَا قبله ثمَّ تصير الصَّلَاة نَافِلَةِ(١).
٢٩٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا تَوَضَّأ الرجل الْمُسلم خرجت
ذُنُوبه من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِن قعد قعد مغفورا لَهُ)) وَإِسْنَاد هَذِه
(٢)
حسن (٢).
٢٩٩- وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل يَدَيْهِ كفر عَنهُ مَا
عملت ليداه فَإِذا غسل وجهه كفر عَنْهُ مَا نظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَإِذا مسح بِرَأْسِهِ
(٣٠٦/١ رقم ٥/٥١٨)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢٦٦/٨ رقم ٨٠٣٢) وابن
شاهين في الترغيب في الفضائل (٢٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٤). وقال
الهيثمي في المجمع ٢٢٢/١: رواه أحمد والطبراني بنحوه في الكبير، وفيه أبو مسلم، ولم
أجد من ترجمه بثقة ولا جرح، غير أن الحاكم ذكره في الكنى، وقال: روى عنه أبو حازم.
وهنا روى عنه أبان بن عبد الله. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم. وقال في ١/ ٣٠٠: رواه
الطبراني في الكبير من رواية أبي مسلم الثعلبي عنه، ولم أر من ذكره، وبقية رجاله موثقون.
(١) أخرجه الطيالسى (١٢٢٥)، وأبو عبيد في الطهور (٢٢)، وأحمد ٢٥١/٥ (٢٢١٦٢) وأبو
سعيد الأشج في حديثه (٨٦)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ٣٤)، والطبراني في
الكبير (١٢٥/٨ رقم ٧٥٧٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢٢٣/١: رواه أحمد من طريق
صحيحة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧).
(٢) أخرجه وأحمد ٢٥١/٥ (٢٢١٧١) و٢٥٦/٥ (٢٢٢٠٦)، وابن السماك في الثانى من
أماليه (١)، والطبراني في الكبير (١٢٣/٨ رقم ٧٥٦٠) والبيهقى في الشعب (٢٨٢/٤-
٢٨٣ رقم ٢٥٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ٣٢٣/١: رواه أحمد والطبراني في الكبير
بنحوه، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧) وقال إسناد هذه
حسن.
٣٦٥
كتاب الطهارة
كفر بِهِ مَا سَمِعت أذنَاهُ فَإِذا غسل رجلَيْهِ كفر عَنْهُ مَا مشت إِلَيْهِ قدماه ثمَّ يقوم
إِلَى الصَّلاَة فَهِيَ فَضِيلَة، وَإِسْنَادِ هَذِه حسن أَيْضًا(١).
٣٠٠ - وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير قَالَ أَبُو أُمَامَة لَو لم أسمعهُ من رَسُول
الله وَّهِ إِلَّ سبع مَرَّات مَا حدثت بِهِ قَالَ إِذا تَوَضَّأ الرجل كَمَا أَمر ذهب الإِثْم
من سَمعه وبصره وَيَدِيهِ وَرجلَيْهِ وَإِسْنَاده حسن أَيْضًا(٢).
قوله: في رواية الطبراني: قال أبو أمامة: لو لم أسمعه من رسول الله وَخله إلا
سبع مرات ما حدثت به، الحديث أنه لا يرى ظاهره التحديث إلا بما سمعه
أكثر من ذلك، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية بل تجب عليه
(١) أخرجه الروياني (٢٧١/٢ - ٢٧٢)، والطبراني في الصغير (٢٤٢/٢ رقم ١٠٩٩)،
والخطيب في تاريخ بغداد (٤٦٢/٩). قال الطبراني: لم يروه عن زكريا بن ميسرة إلا
يونس بن محمد
قال الهيثمي في المجمع ٣٢٢/١: وأبو غالب مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله
ثقات، وقد حسن الترمذي لأبي غالب وصحح له أيضًا. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (١٨٧) وقال إسنادها حسن.
(٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٠ و٢١)، وأحمد ١١٣/٤ (١٧٠٢١) و٢٦٤/٥ (٢٢٢٧٥)
و(٢٢٢٨١، والنسائي في الكبرى (١٠٧٥٣) واليوم والليلة (٨٠٧)، والطبراني في الأوسط
(١٣٩/٢ - ١٤٠ رقم ١٥٠٥) والكبير (١٢٤/٨ رقم ٨٥٦٥ و٧٥٦٦). قال الطبراني: لم
یرو هذا الحدیث عن الحكم إلا سلیمان، تفرد به: محمد بن سليمان.
وقال الهيثمي في المجمع ٢٢٣/١: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وقال
فيه: من بات طاهرا على ذكر الله، وإسناده حسن. وقال الألباني: إسناده حسن صحيح
الترغيب (١٨٧).
٣٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إذا تعين لها؟ وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به، وذکر
المرات بيانا لصورة حاله ولم يرد أن ذلك شرط (١)، والله أعلم.
قوله وَالله: ((إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه
ورجليه)) الحديث، تحسين الوضوء، فيه الحكمة في غسل الأعضاء المذكورة
في الوضوء دون ما عداها أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه
الأعضاء فأمر أولا بغسلها تنبيها على طهارتها [الباطنة] (٢)؛ ترتب غسلها
على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان إلى التحرك أسرع من غيره
أمر بغسله فأمر بالوجه أولا قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾(٣) فأمر بالوجه أولا وفيه الفم والأنف
والعينان فابتدئ بالمضمضة على وجه السنة لأن اللسان أكثر الأعضاء
وأشدهم حركة فيما ذكر لأن غيره من أعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل
السلامة غالبا، ثم الأنف ليتوب مما شم به، ثم غسل جميع الوجه ليتوب مما
نظر ثم غسلت اليدان ليتوب من البطش ثم خصت الرأس بالمسح لأنه
مجاور لما يقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان ولم يكن مخالفا بنفسه،
ثم الأذن لأجل السماع، ثم الرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى
تجديد الإيمان بالشهادتين فافهم سر ذلك، قاله في هادي النبيه (٤)، وتقدم
(١) شرح النووي على مسلم (١١٨/٦).
(٢) زيادة من المخطوط.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) هادى النبيه (لوحة ٩/ ب/ ظاهرية رقم ٢١٢١).
٣٦٧
كتاب الطهارة
شيء من ذلك فيما قاله صاحب المدخل.
فائدة فيها بشرى: روى الإمام أحمد في المسند عن أبي أمامة أنه سمع
النبي وَلّ يقول: ((ما من عبد مسلم يسمع أذان صلاة فقام إلى وضوئه إلا غفر
له بأول قطرة تصيب كفه من ذلك الماء فبعدد ذلك القطر حتى يفرغ من
وضوئه إلا غفر له ما سلف من ذنوبه وقام إلى صلاته وهي نافلة)) قال
[١٦٥/ أ] أبو غالب قلت لأبي أمامة أنت سمعت هذا من النبي وَّ فقال: أي
والذي بعثه بالحق بشيرا ونذيرا غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا
خمس ولا ست ولا سبع ولا ثمان ولا عشر وصفق بيديه(١) والله أعلم.
٣٠١ - وَعَنْ ثَعْلَبَة بن عباد عَنْ أَبِه ◌ََّ قَالَ: مَا أَدْرِي كم حَدَّثَنِهِ رَسُول
الله ◌ٍَّ أَزْوَاجًا أَو أفرادا قَالَ مَا من عبد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوُضُوء فَيغسل وجهه
حَتَّى يسيل المَاء على ذقنه ثمَّ يغسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء على مرفقیه ثمَّ
غسل رجلَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء من كعبيه ثمَّ يقوم فَيَصَلي إِلَّا غفر لَهُ مَا سلف
مِن ذَنبه)) رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد لين(٢).
(١) أخرجه أحمد ٢٥٤/٥ (٢٢١٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٦٥/٨ رقم ٨٠٢٨)، وابن
بشران (٨٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢٢٢/١-٢٢٣: رواه أحمد والطبراني في الكبير
وأبو غالب مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله ثقات، وقد حسن الترمذي لأبي غالب
وصحح له أيضًا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٦) ومن طريقه الطبراني كما في جامع المسانيد
والسنن (٥٦٧٣) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٨٦١)، والطحاوى في معاني الآثار
=
٣٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الذقن بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقَافِ أَيْضًا وَهُوَ مُجْتَمع اللحيين من
أسفلهما.
قوله: عن ثعلبة بن عباد [العبدي البصري، روى عن: سمرة بن جندب،
وأبيه عباد العبدي، وله صحبة، قال علي بن المديني: الأسود يروي عن
مجاهيل منهم: ثعلبة بن عباد وذكره بن حبان في الثقات وقال بن حزم
مجهول وتبعه بن القطان وكذا نقل ابن المواق عن العجلي(١)].
قوله وَله: ((من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء)) الحديث، أي يأتي به تاما
بكمال صفته وآدابه وفي هذا الحديث الحث على الاعتناء بتعليم آداب
الوضوء وشروطه والعمل بذلك والاحتياط فيه والحرص على أن يتوضأ
على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فينبغي أن
يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق ومسح جميع الرأس
ومسح الأذنين ودلك الأعضاء والتتابع في الوضوء وترتيبه وغير ذلك منت
المختلف فيه وتحصيل ماء طهور بالإجماع فقد روى الإمام أحمد بمسنده
أن رسول الله وَال قال: ((مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الطهور)).
=
(١٨٢ و١٨٣)، والطبراني كما في جامع المسانيد (٥٦٧٣) من طريق أبي الوليد. قال
الهيثمي في المجمع ٢٢٤/١: رواه الطبراني في الكبير، ورواه بإسناد آخر فقال: عن ثعلبة
بن عمارة، وقال: هكذا رواه إسحاق الدبري عن عبد الرزاق. ووهم في اسمه، والصواب
ثعلبة بن عباد. ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٨).
(١) تهذيب الكمال (٤ / الترجمة ٨٤٤) وتهذيب التهذيب (٢٤/٢).
٣٦٩
كتاب الطهارة
قوله وَله: ((حتى يسيل الماء على ذقنه))، الذقن بفتح الذال المعجمة
والقاف مجتمع اللحيين من أسفلهما قاله المنذري، واللحيان بفتح اللام
العظمان الذان عليهما الأسنان واحدهما لحي بفتحهما.
قوله وَيلي: ((ثم يقوم فيصلي إلا غفر له ما سلف من ذنب)) الحديث.
فائدة: المغفرة مأخوذة من الغفر وهو الستر وغفران الذنوب هو سترها في
الآخرة، وأما الرحمة فهي إنعام الله تعالى على عبده أو إرادة ذلك، فعلى
الأول هي صفة فعل، وعلى الثاني فهي صفة ذات، والرحمة أعم من المغفرة
فهي من باب ذكر العام بعد الخاص كما في قوله تعالى: {اغفر لي إنك أنت
الغفور الرحيم} الغفور في مقابلة اغفر لي والرحيم في مقابلة ارحمني فالأول
الأول والثاني للثاني، وقد يأتي على خلاف ذلك بمعنى آخر وفيه التصريح
بتفرده تعالى بذلك وانحصاره فيه لا إله غيره قاله في شرح الإلمام.
تتمة: واعلم أن للوضوء فروض وشروط وآداب ونواقض، ففروض
الوضوء أربعة: قال الله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ
فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾(١) هذه الآية تقتضي فرضية هذه الأعضاء الأربعة قال
الجمهور: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وبهذا قرأ ابن عباس أو
فسره فالفرائض المتفق عليها هي ما قال الله تعالى في كتابه العزيز فأول ما
ذكر الله تعالى غسل الوجه، الفرض الثاني غسل اليدين إلى المرفقين فرض
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
٣٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فيه، الفرض الثالث مسح الرأس اكتفى فيه الشافعي فيما يصدق عليه اسم
الرأس من ثلاث شعرات أو شعرة واحدة وعن مالك الكل أو الثلثان أو الثلث
وعن أبي حنيفة مقدار الناصية والصحيح من مذهبه مقدار ثلاثة أصابع ولا
يختلفون أن مسح الرأس كله أفضل لأن رسول الله و سي فعله غالبا ومذهب
الإمام أن مسح الرأس جميعها فرض، الفرض الرابع غسل الرجلين إلى
الكعبين أي معهما هذه جملة متفق على فرضيتها أعني الأعضاء الأربعة وهذا
القدر اقتصر عليه أبو حنيفة وزاد مالك والشافعي وأحمد النية عند غسل الوجه
وكيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث أو الطهارة للفرض أو
أداء فرض الوضوء أو أداء الوضوء بحذف الفرض أو أداء الطهارة كما ذكره في
تقريبه أو الوضوء على الأصح [١٦٥/ ب] أو استباحة الصلاة أو فريضة
الوضوء وتقدم شيء من ذلك في باب الغسل والترتيب وزاد مالك والشافعي في
القديم وأحمد الولاء وهو غسل العضو قبل جفاف الآخر وقبل الاشتغال بعمل
آخر بين العضوين، وزاد الإمام أحمد بن حنبل التسمية والمضمضة
والاستنشاق ذكره ابن الجوزي في منهاجه(١) قاله في تهذيب النفوس.
وأما شروط الوضوء فهي ثلاثة عشر: الإسلام والتمييز فالمميز هو من
يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف
الأذهان(٢) والعقل والعلم بكيفية الوضوء وتمييز فرائضه من سننه وقال
(١) منهاج القاصدين (١ / ٩٤).
(٢) المجموع (٢٨/٧).
٣٧١
كتاب الطهارة
بعض العلماء إن اعتقد أن الجميع فرض صح وإلا فلا وهذا للعامة، والنقاء
من الحيض والنفاس وألا يمنع مانع من جريان الماء على العضو من دهن
كثيف ونحوه كوشم وكشطه واجب إن لم يخف ضررا يوجب فوت العضو
وكوسخ تحت ظفر فيقلم أظفاره ويزيل الوسخ أو المانع منه ومن جميع
الأعضاء (١) ودوام النية حكما لا ذكرا وذلك بأن يصرفها إلى غيره كتبرد
ونحوه ولو قطعها صح ما مضى ونوى لبقية أعضائه نية جديدة والماء
المطلق والعلم بإطلاقه وأن يكون بعد تيقن الحدث وأن يكون بعد دخول
الوقت في حق أصحاب الضرورات كمن به سلس البول والمستحاضة وألا
يكون على يديه نجاسة علمية ولا حكمية (٢).
فرع: الشرط في اصطلاح العلماء ما يلزم من عدمه العدم لذاته ولا يلزم
من وجوده وجود ولا عدم قيل ما كان خارج الماهية إلى آخرها وما كان
داخلها وانقطع فإنه يسمى ركنا (٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
وأما آداب الوضوء، فمن آدابه استقبال القبلة لما روي عن ابن عباس أن
النبي ◌ُّ قال ((خير المجالس ما استقبل به القبلة)) وأن يصلي عقبه، وأن يبدأ
(١) بحر المذهب (٢٥٣/١) والمجموع (٤٦٨/١) و(٦٠٢/٢)، والنجم الوهاج
(٣٢٨/١).
(٢) انظر المقدمة الحضرمية (ص ٣٣) والمنهج القويم (٣٣/١)، وغاية البيان (٤٤/١-
٤٥)، ونهاية المحتاج (١/ ١٥٣-١٥٥).
(٣) انظر المنهاج القويم (١/ ٣٣).
٣٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في غسل وجهه بأعلاه وفي غسل اليدين والرجلين من أطراف الأصابع إن كان
يغسل بنفسه، فإن صب عليه غيره غسل من مرفقيه وعقبه إلى أطراف
الأصابع وأن يجعل الماء عن يساره وإن كان يقلب منه فإن غرف فعن يمينه
والجلوس بحيث لا يناله رشاش والشرب من فضل الوضوء بعد الفارغ من
هيئاته ولا يلطم وجهه بالماء ولا يتكلم في أثنائه إلا بذكر الله (١) ويكره الكلام
بغير ذلك إلا لضرورة، وإياك والوسوسة في الوضوء فإنها من البدع التي
تؤدي إلى الجنون، واعلم أن الشيطان الموكل بالوضوء يسمى الولهان يلعب
بابن آدم أعاذنا الله منه بمنه و کرمه.
تتمة يذكر فيها طرف من أقوال العلماء في نواقض الوضوء على مذاهب
الأئمة الأربعة:
أما نواقض الوضوء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة (٢): الخارج من
السبيلين معتادا كان أو غيره ينقض عند أبي حنيفة وأصحابه سوى الريح
الخارجة من القبل غير منتنة ودودة من ذكر أو فرج لكن يستحب لها الوضوء
والخارج من غير السبيلين ينقض إن سال نجسا والقيء ملء الفم بأن لا
يضبط إلا بتكلف أو علق أو طعام أو ماء ولو من معدته والدم والقيح
والصديد ولو من أذنه بوجع أو ماء أصفر من سرته أو دموع من عينيه من
(١) عمدة السالك (ص ١٤) والنجم الوهاج (٣٥٩/١).
(٢) انظر: الهداية (١ / ١٧ -١٩)، والعناية شرح الهداية (٣٦/١ - ٥٥)، والبناية شرح الهداية
(٢٥٦/١ - ٣١٠).
٣٧٣
كتاب الطهارة
بعينيه رمد ومص العلقة ممتلئة لا القراد وغرز الإبرة إذا ظهر أكثر من رأسها
وقيل لا ينقض وكذا الحلال ونوم مضطجع ولو مريضا أو في الصلاة في
الصحيح، والصحيح أنه إذا كان مقعده على الأرض لا ينقض كيف ما كان أو
متكئا ولو على يديه قاعدا مربعا أو مادا رجليه أو محتبيا أو مقعيا أو قائما أو
راكعا في الصلاة لا سجدة الشكر عند الإمام، وقهقهة مصل بالغ منتبه، والإغماء
والجنون والسكر والنعاس الثقيل الذي يخفي عليه عامة ما قيل عنده
والمباشرة الفاحشة بلا اشتراط مماسة الفرجين في الظاهر، ولا ينقض مس
فرج أو ذكر أو دبر وسقوط لحم أو دودة من جرح أو فم أو أنف. [١٦٦/ أ]
أو أذن أو خروج ريح من جائفة أو عرق مدمى وماء من الأذن هذه الجملة
منقولة من كتاب الشامل والله أعلم.
نواقض الوضوء عند الإمام مالك بن أنس رحمه الله: قال الإمام أبو عبد
الله القرطبي(١): الذي يوجب الوضوء عند أهل المدينة مالك وأصحابه أربعة
أنواع أحدها ما يخرج من المخرجين ما خلا المني فإنه يوجب الغسل،
والحجة في ذلك قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾(٢) وذلك
كناية عن كل ما يخرج من الفرجين معتادا معروفا دون ما خرج منها نادرا.
الثاني: ما غلب على العقل من الإغماء والنوم الثقيل والسكر والصرع،
فإن كان النوم خفيفا لا يخامر العقل ولا يغمره لم يضر.
(١) هو ابن عبد البر وكلامه هذا في الكافي في فقه أهل المدينة (١٤٥/١-١٤٩) بتصرف.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٣.
٣٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الثالث: الملامسة وهو ما دون الجماع من دواعي الجماع فمن قبل امرأة
بشهوة كانت من ذوات محارمه أو غيرهن وجب عليه الوضوء التذ أو لم يلتذ
وسواء مس منها عند مالك شعرها أو سائر جسدها.
الرابع: مس الذکر واختلف عن مالك فیمن مس فرجه ناسیا أو بظاهر کفه وهو
مع ذلك يستحب منه الوضوء، وفي أصحاب مالك من يجعل مسه من باب
الملامسة ويعتبر في ذلك اللذة ويوجب الوضوء منه وإعادة الصلاة في الوقت
وبعده وكان مالك رحمه الله لا يوجب إعادة الصلاة منه إلا في الوقت والله أعلم.
نواقض الوضوء على مذهب الإمام الشافعي:
أما مذهب الشافعي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم في النواقض فالمعتبر
عنهم أنها أربعة أشياء (١) أحدها: ما خرج من القبل أو الدبر سواء النادر كنحو
الحصاة والمعتاد كالعذرة والبول وسواء العين والريح والنجس، والظاهر
واستثنى من الظاهر المني لأنه لا ينقض على المعتمد حتى لو احتلم من نام
ممكن المقعدة لم ينقض وضوءه وفائدة ذلك أنه لا يعيد وضوءه عند
الاغتسال هذا إذا كان المخرج أصليا فإن كان المخرج الأصلي منسدا
وانفتح مخرج غيره فإن كان تحت المعدة والمراد بها السرة وما حاذاها نقض
الخارج منه إن كان الخارج معتادا وكذا النادر ولا ينقض ما خرج من
(١) انظر: حلية العلماء (١٤٣/١ - ١٥٢)، ونهاية المطلب (١١٩/١ - ١٣٠)، وبحر المذهب
(١٤٠/١-١٥٣)، والبيان (١/ ١٧٠-١٩١)، ومنهاج الطالبين (ص ١٠ - ١١)، والنجم
الوهاج (٢٦٤/١ - ٢٧٧).
٣٧٥
كتاب الطهارة
السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيئ والرعاف وغير ذلك.
والثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء وكذا السكر على المعتمد والمراد
بالسكر الناقض ما ليس معه شعور دون أوائل النشوة وأما النوم الذي لا
شعور معه فينقض إلا إذا أمكن المقعدة من الأرض بتربع أو تورك وكذا إن
نام محتبيا على الأصح وملا يضر النعاس ولا الاستغراق في حديث النفس،
ولو شك هل نعس أو نام أو هل مكن المقعدة أم لا لم يضره هذا الشك على
أن الشافعي رحمه الله والأصحاب قالوا إنه يستحب الوضوء من النوم مع
تمكين المقعدة للخروج من خلاف العلماء رضي الله عنهم.
الثالث: حصول الملامسة من بشرتي ذكر وأنثى لا محرمية بينهما وهما في
مظنة الشهوة ولا أثر لمس الشعر والسن والظفر والعضو المنفصل والصغيرة
التي لا تشتهى على المعتمد في الجميع نعم العجوز الشوهاء ينقض على
الأرجح فما ساقطة إلا ولها لاقطة والمراهق كالجل والخصي وكذا لمس
العضو الأشل والزائد وبغير شهوة وعن غير قصد على الصحيح في الجميع
نعم فلو لمس محرما بشهوة فكلمسها بغير شهوة.
الرابع: مس فرج آدمي ببطن الكف بسبب [١٦٦ / ب] أو غيره صغير أو
كبير ذكر أو أنثى حي أو ميت قبلا كان الملموس أو دبرا أو محل الذكر
المقطوع ينقض بلمسه إن بقي شيء شاخص قطعا وكذا إن لم يبق على
الصحيح ولا أثر لمس فرج بهيمة ولا للمس بظهر الكف ولا برؤوس
الأصابع وحروفها والله أعلم.
٣٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
نواقض الوضوء على مذهب الإمام أحمد بن حنبل:
فقال ابن الجوزي ونواقض الوضوء سبعة(١): أحدها: الخارج من
السبیلین نادرا كان أو معتادا طاهرا كان أو نجسا كالريح والبول.
الثاني: خروج النجاسات من بقية البدن فإن كانت بولا أو عذرة فلا فرق
من قليلها أو كثيرها وإن كانت غير ذلك لم ينقض قليلها وينقض كثيرها وهو
ما فحش في النفس.
والثالث: زوال العقل إلا بالنوم اليسير جالسا أو قائما راكعا أو ساجدا،
وعن أحمد أن نوم الراكع والساجد ينقض بكل حال.
والرابع: أن يمس بشرة أنثى بشهوة وفي نقض الملموس روايتان.
والخامس: مس فرج الآدمي قبلا كان أو دبرا كبيرا أو صغيرا حيا أو ميتا.
والسادس: أكل لحم الجزور في أظهر الروايتين فإن شرب من ألبانها فعلى
روايتين وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين.
والسابع: غسل الميت.
فهذه الشروط والفروض والآداب والنواقض قد ذكرت وما عداها سنن
وكل ذلك نقل من تهذيب النفوس.
تنبيه: الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء المسلمين على
ترك الوضوء مما مست النار وأن ذلك كان ثم نسخ كما قال جابر رَ اللَّهَ(٢).
(١) منهاج القاصدين (١ / ٩٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٣/٤).
٣٧٧
كتاب الطهارة
٣٠٢- وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ◌َ ◌ّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّهِ وَ الطّهُور
شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ
مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْرِ ضِيَاء وَالْقُرْآن
حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاسِ يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها)) رَوَاهُ مُسلم
وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنْه قَالَ إسباغ الْوُضُوء شطر الْإِيمَانِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ
دون قَوْله كل النَّاس يَغْدُو إِلَى آخِرِه (١).
قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد أفردت لهَذَا الحَدِيث وطرقه وحكمه وفوائده
جُزْءًا مُفردًا.
قوله: عن أبي مالك، أبو مالك هذا أخرج له مسلم حديثين أحدهما هذا
والثاني (أربع من أمر الجاهلية)) وفي البخاري حديث رواه أبو عامر الأشعري أو
أبو مالك الأشعري كذا على الشك وقد اختلف في اسم أبي مالك فقال ابن أبي
حاتم اسمه كعب بن عاصم ويقال عمرو وقال ابن حبان اسمه الحارث بن مالك
وقيل الحارث بن الحارث وقيل عبيد وقيل عبد الله وهو معدود في الشاميين فبهذا
الاعتبار حال السند كلهم دمشقيون، توفي رَّالَّهُ في خلافة عمر (٢).
قوله {وَّة: ((الطهور شطر الإيمان)) هذا حديث عظيم، أصل من أصول
الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والأحكام(٣)، فأما
(١) أخرجه مسلم (١-٢٢٣)، وابن ماجه (٢٨٠)، والترمذى (٣٥١٧)، والنسائى في المجتبى
٤/ ٤٥٢ (٢٤٥٦) والكبرى (٢٤٢٣)، وابن حبان (٨٤٤).
(٢) تهذيب الكمال (٢٤٥/٣٤- ٢٤٦ الترجمة ٧٥٩٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٠).
٣٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الطهور فالمراد به عند الأكثرين: الفعل فالطهور بالضم التطهر، وبالفتح الماء
الذي يتطهر به كالوضوء والوضوء والسحور والسحور (١)، قال سيبويه:
الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا (٢) فعلى هذا يجوز أن يكون
الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهر (٣)، والماء الطهور في الفقه
هو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس والماء الطاهر غير الطهور هو الذي لا
يرفع الحدث ولا يزيل النجس كالمستعمل في الوضوء والغسل، ومنه
حديث: ((ماء البحر هو الطهور ماؤه)) أي المطهر، قاله في النهاية (٤).
قوله ◌َّة: ((شطر الإيمان)) قال النووي: وأصل الشطر النصف، واختلفوا في
معنى قوله وَّة: ((الطهور شطر الإيمان)) فقيل: إن معناه أن الأجر فيه ينتهي
تضعيف ثوابه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: الإيمان يجب ما قبله من الخطايا،
وكذلك الوضوء لكن الوضوء تتوقف صحته على الإيمان فصار نصفا، وقيل:
المراد من الإيمان هنا الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
J
إِيمَنَكُمْ﴾(٥) أي: صلاتكم ببيت المقدس، وإنما جعل الطهارة شطر في صحة
الصلاة، وشطر الشيء. [١٦٧/ أ] نصفه لأن صحة الصلاة باجتماع أمرين
الأركان والشرائط وأظهر الشروط وأقواها الطهارة فجعلت كأنها الشرط كله،
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٠/٣).
(٢) النهاية (١٤٧/٣)، والميسر (١٢١/١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٠٠/٣)، النهاية (١٤٧/٣)، والميسر (١٢١/١).
(٤) النهاية (١٤٧/٣).
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
٣٧٩
كتاب الطهارة
والشرط ما لابد منه وجعلت الطهارة شطر الإيمان على الاتساع لأن الإيمان هو
الداعي إلى الصلاة والباعث عليها والطهور هو السبب إليها وليس يلزم من
الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، قال النووي وهذا القول أقرب الأقوال(١).
وقال أبو العباس القرطبي: إنه قول فاسد إذ لا يكون شرط الشيء شطره
لغة ولا معنى (٢)، قال وقيل معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد في الظاهر
وهما شطر الإيمان(٣) وقال أبو منصور الديلمي من حديث أنس الإيمان
نصفان نصف صبر ونصف شكر، وروى الحافظ أبو نعيم والخطيب من
حديث ابن مسعود أن النبي وَّه قال: ((الصبر نصف الإيمان)) (٤).
وروى الطبراني وابن حيان أن النبي وَ الرّ سئل عن الإيمان فقال ((الصبر
والسماحة))(٥).
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٠/٣).
(٢) المفهم (١٠٠/٣-١٠١).
(٣) المصدر السابق (١٠٠/٣).
(٤) أخرجه ابن الأعرابى (٥٩٢)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٢٧١)، وتمام في الفوائد
(١٠٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣٤/٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣٠٢/١٥)،
والقضاعي في مسند شهاب (٢٦/١: ١٥٨) وابن الجوزي في العلل (٣٣٠/٢: ١٣٦٤).
قال ابن الجوزي في العلل: تفرد به محمد بن خالد وهو مجروح، وقال يحيي والنسائي
يعقوب بن حميد ليس بشيء وقال البيهقي في الشعب، والمحفوظ عن ابن مسعود من
قوله غير مرفوع، وقال الحافظ في الفتح (٤٨/١): ولا يثبت رفعه وقال الألباني في
الضعيفة برقم ٤٩٩) منکر.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة في المسند (٧٥٧)، وأحمد ٣٨٥/٥(١٩٤٣٥)، وعبد بن حميد
(٣٠٠)، وابن أبى الدنيا في مكارم الأخلاق (٥٩)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة
=
٣٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ولية: ((والحمد لله تملأ الميزان)) أي ثوابها يملأ الميزان خيرًا، والمراد
أن الثواب على ذلك كثير جدا بحيث لو كان له سلما لملأ ما بين السماء
والأرض، وهذا الحديث طاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة خلافًا
للمعتزلة أو بعضهم إذا قالوا الميزان الوارد ذكره في الكتاب والسنة كناية عن
لإقامة العدل في الحساب لا أنه ميزان حقيقة ذو كفتين ولسان كما يقال يد
فلان ميزان، والظواهر في إثبات كونه حقيقة مع أهل السنة وقد قيل للنبي وَ يُّه
أين نجدك يا رسول الله في القيامة ؟ قال: ((عند الحوض أو الصراط أو
الميزان)) (١) وهو كما تراه ظاهر فيما ذكرنا (٢) والله أعلم.
قوله ودية: ((وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض)»
=
(٦٤٤)، والطبراني في المكارم (١٥٥) عن عمرو بن عبسة.
وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٤: رواه أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد وثق على
ضعف فيه. وقال في ١/ ١٦١ : رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب.
وأخرجه ابن أبى خيثمة في أخبار المكيين (١٥٨)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة
(٦٤٣) و(٦٤٥) و(٨٨٢)، والفاكهى (١٩٨)، والطبراني في الكبير (١٧ /٤٩ رقم ١٠٥)،
والحاكم (٦٢٦/٣) عن عمير بن قتادة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: أورد له
حديثا ضعيفًا. قال الهيثمي هذا الحديث في المجمع ٥/ ٢٣٠ : رواه الطبراني، وفيه بكر بن
خنيس، وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٥١) و(٥٥٤) والمشكاة (٤٦).
(١) أخرجه أحمد ١٧٨/٣ (١٢٨٢٥)، والترمذى (٢٤٣٣) عن أنس. وقال الترمذى: هذا
حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في المشكاة (٥٥٩٥)
وصحيح الترغيب (٣٦٢٥).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٥).