النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الطهارة
سنة قمرية، وقيل: بالطعن فيها، وقيل: حتى ستة أشهر منها واعتبر الشافعي رحمه
الله أن يكون ذلك من تمام ولادته، وهكذا جميع الأحكام المترتبة عليه لا تثبت
بخروج بعضه ولا أكثره عند الشافعي بل بجميعه من الإرث والعدة وغيرهما،
وهذا السن تحديد لا تقريب، ولا فرق في ذلك بين الغلام والجارية، وعن مالك
إنكار البلوغ بالسن، وعن أبي حنيفة [١٥٨ / أ] أن بلوغ الغلام بثماني عشرة، وفي
الجارية عنه روايتان إحداهما كذلك والثانية لتسع عشرة؛ والبلوغ يحصل بذلك
أو بخروج المني لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْخُلُمَ﴾(١) ولقوله
وَل: ((رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم))(٢) وهذا بالإجماع في الغلام والصحيح
أن الجارية كذلك للآية والحديث، وفي وجه ضعيف أن الاحتلام ليس بلوغا في
النساء لندرته فيهن(٣) فعلى هذا قال الأصحاب: إذا احتلمت تؤمر بالاغتسال كما
تؤمر بالوضوء من الحدث، وخالفهم الإمام ووقت إمكانه استكمال تسع سنين
ولا عبرة بما يخرج قبل ذلك، وقيل: بمضي ستة أشهر من العاشرة، وقيل
بتمامها (٤)، وتزيد المرأة حيضا وحبلا فيحكم ببلوغ الحامل إذا كانت ذات زوج
إذا ولدت قبل ولادتها بستة أشهر ولحظة وإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحقه
(١) سورة النور، الآية: ٥٩.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠١) و(٤٤٠٣)، والنسائي في الكبرى (٧٥٠٢)، وابن خزيمة
(١٠٠٣) و(٣٠٤٨)، وابن حبان (١٤٣)، والحاكم (٢٥٨/١ و٢/ ٥٩ و٣٨٩/٤) عن
على بن أبى طالب. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٥).
(٣) انظر: النجم الوهاج (٣٩٩/٤ -٤٠٠).
(٤) النجم الوهاج (٤٠٠/٤).

٣٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بحكم بلوغها قبل الطلاق بلحظة(١)، انتهى، قاله في الديباجة.
ومن مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: رأيت في المنام كأن
بيدي قطعة إستبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت فقصتها
حفصة على رسول الله وَّلية فقال: ((إن أخاك رجل صالح))، أخرجاه في
الصحيحين(٢)، وعن عبيد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر أنه قدم من
العراق فقال لابن عمر: أهديت لك هدية، قال: وما هي ؟ قال: جوارش،
قال: وما هي؟ قال: تهضم الطعام، قال: والله ما ملأت بطني طعامًا منذ
أربعين سنة فما أصنع بهديتك(٣)؛ وجاء سائل لابن عمر فقال لابنه: أعطه
دينارًا فأعطاه فلما انصرف قال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو أعلمت
أن الله يقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم فلم يكن غائبًا أحب إلى من
الموت، أتدري ممن يتقبل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)(٥).
قوله ◌َّيه في سؤال جبريل إياه عن الإسلام، فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة)) الحديث،
جبريل عليه الصلاة والسلام قال علماء التأويل: جبر اسم وائل من أسماء الله
(١) النجم الوهاج (٤٠٢/٤-٤٠٣)، ومغنى المحتاج (١٣٤/٣).
(٢) أخرجه البخارى (٧٠١٥ و٧٠١٦)، وابن حبان (٧٠٧٢).
(٣) أخرجه أبو داود في الزهد (٢٩٥) و(٣١١)، وابن أبى الدنيا في إصلاح المال (٣٦٥)، وأبو
نعيم في الحلية (١ / ٣٠٠)، والبيهقى في الشعب (٤٦٩/٧ رقم ٢٥٩٤).
(٤) سورة المائدة، الآية: ٢٧.
(٥) صفة الصفوة (٢١٩/١)، وتاريخ دمشق (١٤٦/٣١).

٣٢٣
كتاب الطهارة
تعالى فخير بمنزلة عبد وائل هو الله تعالى، ومعناه: عبد الله، وقد ثبت أن
جبريل عليّا كان يأتي النبي وَّ في صورة دحية الكلبي، وقال ابن عباس:
جبريل صاحب الوحي والعذاب إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما سلطه
عليهم كما فعل بقوم لوط، وقال الكلبي: سأل النبي وَ لي جبريل أن يأتيه في
صورته التي خلقه الله عليها فقال: لا تستطيع أن تثبت، فقال: ((بلى)) فظهر في
ستمائة جناح سد الأفق جناح منها فشاهد رسول الله وَالله أمرًا عظيمًا فصعق،
فذلك معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾﴾(١)، وقال ابن عباس قال
رسول الله وَّ له لجبريل: ((إن الله وصفك بالقوة والطاعة والأمانة فأخبرني عن
ذلك)) فقال: أما قوتي فإني رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على
جناحي إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبتها عليهم، وأما
طاعة المخلوقات لي فإني آمر رضوان خازن الجنة [١٥٨/ ب] متي شئت
بفتحها، وكذلك مالك خازن النار، وأما أمانتي فإن الله أنزل من السماء مائة
كتاب وأربعة كتب لم يأمن عليها غيري (٢).
قوله: فقال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله والفرق بين الإسلام
والإيمان ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه جزءًا لطيفًا (٣) وأحسن ما
قيل أن كلا منهما يطلق على الآخر من ناحية الشرع لا من جهة اللغة وأن كل
(١) سورة النجم، الآية: ١٣.
(٢) كنز الدرر (٦٨/١-٦٩).
(٣) جزء الفرق بين الإيمان والإسلام العز بن عبد السلام.

٣٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واحد شرط في الآخر(١).
قوله: وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره وتحج وتعتمر الحديث إلى
آخره سيأتي الكلام على كل واحدة من ذلك في موضعها مبسوطا في حديث
جبريل الطويل وسيأتي بغير هذا السياق والله أعلم.
٢٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َِّلَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ نَّهُ يَقُول إِن أَمْتِي
يدعونَ يَوْمِ الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَّارِ الْوُضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَن يُطِيل
غرته فَلْيُفْعَل)) رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم (٢) وَقد قيل إِن قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِرِه
إِنَّمَا هُوَ مدرج من كَلَام أبي هُرَيْرَة مَوْقُوف عَلَيْهِ ذكره غير وَاحِد من الْحفاظ
وَالله أعلم.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله، واختلف العلماء في اسمه
اختلافا كثيرًا جدًا، قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: لم يختلف في
اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر أنه
اختلف فيه على عشرين قولا، وذكر غيره نحو ثلاثين قولا، واختلف العلماء
في الأصح منها والأصح عند المحققين والأكثرين ما صححه البخاري وغيره
من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وذكر الحافظ تقي الدين محمد بن
مخلد الأندلسي في مسنده لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة
(١) النجم الوهاج (١/ ٢١٥).
(٢) أخرجه البخارى (١٣٦)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٢٤٦). وقال الدارقطنى في العلل (١٤٨٨)
عن زيادة يطيل غرته: والصحيح أنه موقوف.

٣٢٥
كتاب الطهارة
وسبعين حديثاً(١)، وتقدم الكلام على إسلام أمه وعليه مبسوطًا.
قوله وَيقة: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء))
الحديث الأمة: الجماعة، وأمة محمد وسيله على معنيين أمة الدعوة وهي من
بعث إليهم النبي وَلّ، وأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوه، وهذه هي المراد بها
هنا، وأما أمة الدعوة فليس هذا الحكم ثابت لجميعهم لأن من أمة الدعوة
اليهود والنصارى (٢)، وقد قال وَ الو: ((لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي
ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا وجبت له النار))(٣).
وقوله: (يدعون)) إما من الدعاء بمعنى النداء أي: ينادون إلى موقف
الحساب والميزان وغير ذلك بصفتهم وهي الغرة والتحجيل ويعرفون من
بين سائر الأمم بهذه العلامة كما يعرف المجرمون بسيماهم، وإما من الدعاء
بمعنى التسمية نحو دعوت ابني زيدًا أي: سميته به (٤)، قاله ابن العماد في
شرح عمدة الأحكام.
قوله: ((غرًّا محجلين من آثار الوضوء))، غرًّا جمع أغر أي: ذو غرة، وهي
بالضم أي: بيض الوجوه واليدين والرجلين من نور الوضوء بالفرس الأغر،
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٠)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٦٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١١/٣)، والكواكب الدرارى (١٧٢/٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٠ - ١٥٣) عن أبى هريرة.
(٤) انظر: الميسر (١٢٣/١)، وإحكام الأحكام (٩٢/١) والعدة شرح العمدة (١/ ١٠٧ -
١٠٨)، والمفاتيح (٣٥٣/١)، وشرح المشكاة (٧٤٨/٣ -٧٤٩)، والكواكب الدرارى
(٢/ ١٧٢).

٣٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والأغر الأبرص، قال أهل اللغة: الغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم،
واستعمل في الشهرة وطيب الذكر؛ والتحجيل: بياض في قوائم الفرس في
يديها ورجليها أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر، وإذا كان البياض في
قوائمه الأربع فهو محجل، وإذا كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين
وإن كان في إحدى رجليه فهو محجل الرجل اليمنى أو اليسرى، وإن كان في
ثلاث قوائم بدون رجل أو يد فهو محجل الثلاث، وأصله من الحجل وهو
الخلخال ثم استعير للنور الذي يعلو أعضاء المتوضئ يوم القيامة (١)؛ وقد
جاء في الحديث: ((غرًّا من السجود محجلين من الوضوء)) سمي النور الذي
يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيهًا بغرة الفرس
وتحجله، [١٥٩/ أ] وذلك أن النبي وَ الله قال: ((لكم سيما ليست لأحد من
الأمم)) والسيما العلامة فيها ثلاث لغات تقصر وهو الأفصح وبه جاء القرآن
والمد والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المد لا غير(٢) قاله في الديباجة، وقال
الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري: الغرة بياض في وجه
الفرس والتحجيل بياض في قوائمه، وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالًا فشبه
النبي ◌َّه النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل
ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه وقريب من
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٥٧٨/٤)، والمفهم (١٢٦/٣)، والكواكب الدرارى
(٢/ ١٧٢)، والتوضيح (٢٨/٤-٢٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٣).

٣٢٧
كتاب الطهارة
هذا قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾(١)
والمراد من ذلك الحديث بيض موضع الوضوء من الوجوه والأيدي
والأقدام(٢) انتهى.
وقال النووي: ومعنى الحديث أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى
الجنة كانوا على هذه العلامة وأنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من
آثار الوضوء(٣) والله أعلم.
واعلم أن هذه الأحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما
تطويل الغرة فيكون في الوجه في موضعين الأول في الناصية ويستحب غسلها
في الوضوء والثاني يستحب غسل الأذن كما نقله الدارمي عن الشافعي وكان
ابن سريج يفعله وصفحة العنق كما قاله في المهذب (٤)؛ وقال النووي: قال
أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدا على القدر
الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما
فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في
القدر المستحب في التحجيل على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق
المرفقين والكعبين وهذا مستحب من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف
العضد والساق والعضد من الإنسان وغيره الساعد وهو ما بين المرفق إلى

٣٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الكتف والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين كما كان يفعله أبو هريرة
وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الإمام الحسن بن بطال المالكي
والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفقين
والکعبین فغير واضحة و کیف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول
الله ◌َ﴾ وأبي هريرة وهو مذهبنا لا خلاف عندنا فيه كما ذكرناه ولو خالف فيه
من خالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة وأما احتجاجهما بقوله وعلاجلت
((من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) فلا يصح الاحتجاج به لأن
المراد من زاد في عدد المرات أو نقص عن المرة بأن لم يكملها(١) وقد
استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه
الأمة زادها الله تشريفًا.
وقال آخرون ليس الوضوء مختص بهذه الأمة وإنما الذي اختصت به هذه
الأمة الغرة والتحجيل فيه فقط واحتجوا بالحديث الآخر ((هذا وضوئي
ووضوء الأنبياء من قبلي)) قال ابن العطار في باب التيمم: والمشهور من قول
العلماء أن الوضوء لم يكن خاصا بهذه الأمة وخصت بالتيمم بدلا عن
الوضوء والغسل ومنهم من قال الوضوء لنا وللأنبياء دون أممهم وأجاب
[١٥٩/ ب] الأولون عن هذا الحديث بجوابين أحدهما إنه حديث ضعيف
معروف الضعف والثاني أنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت
بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة والله اعلم.
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٥/٣).

٣٢٩
كتاب الطهارة
قوله: ((فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل)) وقد قيل إن قوله ((فمن
استطاع أن يطيل غرته فليفعل)) إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة إلى آخره،
قاله الحافظ المنذري.
فائدة: في قوله ((فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل)) في الكلام حذف
تقديره فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل والعرب قد تحذف أحد
الشيئين لدلالة الثاني عليه كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها ومعنى
الحديث أي قدر أن يطيل غرته أي يغسل غرته بأن يوصل الماء من فوق
الغرة إلى تحت الحنك طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا فكنى بالغرة عن
نور الوجه(١).
سؤال: فإن قيل: من آمن من هذه الأمة ومات قبل أن يتوضأ والأطفال
الذين ماتوا قبل سن التمييز هل يبعثون غرا محجلين لكونهم من الأمة أم
يبعثون بغير غرة وتحجيل كما هو ظاهر الخبر أو يفصل بين من ترك الوضوء
عمدا وبين غيره لأن التارك عمدًا يستحق الحرمان كما أن شارب الخمر إذا
مات قبل التوبة لا يشربها وإن دخل الجنة فيه نظر وقال بعض العلماء ظاهر
الحديث أن الغرة والتحجيل لا يكونان إلا لمن توضأ من أمته وص له فيدل على
أن العصاة الذين لم يتوضأوا قط ولا صلوا لا يكون لهم غرة ولا تحجيل (٢)
(١) شرح المشكاة (٧٤٩/٣)، والكواكب الدرارى (١٧٣/٢).
(٢) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى (١٠٧/٣٥). وقال في مجموع الفتاوى
(٢١/ ١٧١): هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من كان أغر محجلا وهم الذين

٣٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقد نقل خلافه.
وقال الشيخ أبو عمران الزناتى شارح رسالة ابن أبي زيد: قال العلماء
الغرة والتحجيل حكم ثابت لأمة محمد سلي من توضأ منهم ومن لم يتوضأ
كما قالوا لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة لأن أهل القبلة كل من آمن بالله
من أمته وسواء صلى أم لم يصل ولم يعرف هذا النقل لغيره وقواعد السنة
(١)
تساعده
٠
لطيفة: قال الشيخ تقي الدين القشيري: قوله وَليقول ((من آثار الوضوء))
المعروف فيه ضم الواو ويجوز أن يقال بفتح الواو أي من آثار الماء
المستعمل في الوضوء فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن
ينسب إلى كل منهما قال وقد ذكر في الحديث الأمر بتطويل الغرة ولم يذكر
الأمر بتطويل التحجيل مع إن الحديث ورد بهما فلم خص الغرة بالتطويل
دون التحجیل؟
وأجاب: بأنه غلب ذكر الغرة فهو من باب تغليب أحد الاثنين على الآخر
إذا كان لشيء واحد (٢) انتهى.
=
يتوضؤون للصلاة. وأما الأطفال فهم تبع للرجل. وأما من لم يتوضأ قط ولم يصل: فإنه
دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة.
(١) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤١٤/١) والتوضيح (٣٤/٤-٣٥)، وعمدة القارى
(٢٥٠/٢).
(٢) إحكام الأحكام (١ / ٩٢ - ٩٣).

٣٣١
كتاب الطهارة
وأجاب غيره بشيئين آخرين: أحدهما: أنه إنما خص الغرة بالذكر لأن
محلها أشرف أعضاء الوضوء وآكدها في الغسل.
والثاني: أنه أول عضو يقع عليه البصر يوم القيامة (١) فلذلك خص بالذكر
محافظة على تطويل الغرة فيه ليكثر نوره يوم القيامة حتى يصير كالعلم
انتھی.
٢٨٣- وَلمُسلم عَن أبي حَازِم قَالَ كنت خلف أبي هُرَيْرَة وَهُوَ يَتَوَضَّأ
للصَّلَاة فَكَانَ يمد يده حَتَّى يبلغ إبطه فَقلت لَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا هَذَا الْوُضُوء
فَقَالَ يَا بني فروخ أَنْتُم هَاهُنَا لَو علمت أَنْكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْت هَذَا الْوُضُوءِ
سَمِعت خليلي رَسُول الله وَّهِ يَقُول تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ الْوُضُوء))
وَرَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه بِنَحْوِ هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَل
يَقُول إِن الْحِلْية تبلغ مَوَاضِعِ الطّهُور(٢).
((الْحِلْية)) مَا يحلى بِهِ أهل الجنَّة من الأساور وَنَحْوِهَا.
قوله: ولمسلم من رواية أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ
للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟
فقال: يا بني فروخ أنتم ههنا لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء ...
(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤١١/١) والتوضيح (٣٢/٤)، وفتح البارى (٢٤٨/٢).
(٢) أخرجه مسلم (٤٠ - ٢٥٠)، والنسائى في المجتبى ٣٣٧/١ (١٥٤)، وأبو يعلى (٦٢٠٢)،
وابن خزيمة (٧)، وابن حبان (١٠٤٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٢)، وصحيح
الترغيب (١٧٦)، والمشكاة (٢٩١).

٣٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث، أبو حازم بالحاء المهملة والزاي اثنان أحدهما أبو حازم الأشجعي
الراوي عن أبي هريرة وغيره اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية كوفي نبيل
روى عن أبي هريرة وجالسه خمس سنين وعن الحسن والحسين وغيرهم
وثقه الإمام أحمد وابن معين مات في خلافة عمر بن عبد العزيز في حدود
المائة، والثاني هو أبو حازم الراوي عن سهل بن سعد هو الأعرج المدني
[١٦٠/ أ] واسمه سلمة بن دينار أبو عبد العزيز(١)، ففي هذه الراوية دلالة
على استحباب تطويل الغرة والتحجيل وأنكرت المالكية ذلك وتقدم الكلام
على ذلك ونسبوا أبا هريرة إلى الانفراد به وليس كما قالوا الشافعي قد قال
بذلك وقد كان جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة يغسلون أيديهم إلى
الآباط وأرجلهم إلى أنصاف الساقين(٢) قاله في شرح عمدة الأحكام.
قوله: يا بني فروخ أنتم ههنا، فروخ بفتح الفاء وضم الراء المشددة وفتح
الخاء المعجمة غير مصروف للعلمية والعجمة وهم العجم لكثرة هذه النسبة
فيهم وقال صاحب العين: فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم ◌َّلّ من ولد
كان بعد إسماعيل وإسحاق كثر نسله ونما عدده فولد العجم الذين هم في
وسط البلاد (٣) انتهى قال القاضي عياض إنما أراد أبو هريرة هنا الموالي
منهم وكان خطابه لأبي حازم فخاطبه وهو واحد بلفظ الجمع وإنما نظمه في
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٠٧/٢ - ٢٠٨).
(٢) انظر: المفهم (١٢٦/٣)، والإلمام (٢٩٩/٤ -٣٠٠)، والعدة (١/ ١٠٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤٠/٣)

٣٣٣
كتاب الطهارة
سلكه لسؤاله عن ذلك بصيغة الإنكار فبكته لاعتراضه وجمعه مع من لا
يفهم والله أعلم، قال القاضي: إنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغي
لمن يقتدى به إذا ترخص في أمر في ضرورة أو تشدد فيه الوسوسة أو لاعتقاده
في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة والجهلة لئلا
يترخص برخصة لغير ضرورة أو يعتقد إنما يشدد فيه وهو الفرض اللازم (١)
قاله في شرح الأحكام.
قوله وَ ي ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)) أي ماء الوضوء قال
الحافظ الحلية ما تحلى به أهل الجنة من الأساور ونحوها انتهى وقال بعض
العلماء سميت حلية لأنها تحلي تلك الجوارح في أعين الناظرين(٢) والحلية
النور الحاصل في الأعضاء من أثر الوضوء وهو جمال لصاحبه كما يكون
الحلي جمال للمرأة يقال حليته أحليه تحلية إذا ألبسته الحلية (٣).
٢٨٤ - وَعنهُ زَّوَهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَّةِ أَتَّى الْمِقْبِرَةِ فَقَالَ السَّلَامِ عَلَيْكُمْ دَار
قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم عَن قريب لاحقون وددت أَنا قد رَأينَا
إِخْوَاننَا، قَالُوا أولسنا إخوانك يَا رَسُول الله قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وإخواننا الَّذين
لم يَأْتُوا بعد، قَالُوا كَيفَ تعرف من لم يَأْتِ بعد من أمتك يَا رَسُول الله قَالَ
(١) إكمال المعلم (٥٣/٣-٥٤)، وشرح النووي على مسلم (١٤٠/٣-١٤١).
(٢) نوادر الأصول (٤٨/٣).
(٣) كشف المشكل (٤٤٧/٣)، والنهاية (٤٣٥/١)، والمفاتيح (٣٥٤/١)، والمفهم
(١٢٧/٣)، وشرح المصابيح (٢٣٤/١).

٣٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أَرَأَيْت لَو أَن رجلا لَهُ خيل غر محجلة بین ظَهْري خيل دهم بهم أَلا يعرف
خيله قَالُوا بَلَى يَا رَسُول الله، قَالَ فَإِنَّهُم يأْتُونَ غرا محجلين من الْوُضُوء وَأَنَا
فرطهم على الْحَوْض)) رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيره(١).
قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: إن رسول الله و سلام أتى المقبرة ... الحديث، المقبرة بضم الباء وفتحها
وكسرها ثلاث لغات ولغة الكسر قليلة(٢).
قوله: فقال ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين إنا إن شاء الله عن قریب بكم
لاحقون)) قال في النهاية (٣): سمى موضع القبر دارا تشبيها بدار الأحياء
لاجتماع الموتى فيهم وفي حديث الشفاعة ((فاستأذن علي ربي في داره)) أي في
حضرة قدسه وقيل في جنته فإن الجنة تسمی دار السلام.
وفيه أن اسم الدار تقع على المقابر لأنها تقع على الخراب والمسكون (٤).
تنبيه: قوله ((دار)) منصوب على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف
وأقام المضاف إليه مقامهم وقيل منصوب على الاختصاص قال صاحب
(١) أخرجه مالك (٦٤)، وأحمد ٣٠٠/٢ (٧٩٩٣) و٤٠٨/٢ (٩٢٩٢)، ومسلم (٣٩ و٤٠ -
٢٤٩)، وابن ماجه (٤٣٠٦)، والنسائى في المجتبى ٣٣٧/١(١٥٥) والكبرى (١٤٣)،
وابن خزيمة (٦)، وابن حبان (١٠٤٦). وصححه الألباني في أحكام الجنائز (١٩٠)،
الإرواء (٧٧٦)، وصحيح الترغيب (١٧٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٧).
(٣) النهاية (١٣٩/٢).
(٤) معالم السنن (٣١٧/١ -٣١٨).

٣٣٥
كتاب الطهارة
المطالع: ويجوز جره على البدل من الضمير في ((عليكم)) (١).
قوله: ((وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون)) فأتى بالاستثناء مع أن
الموت لا شك فيه، للعلماء فيه أقوال أحدها: أنه ليس للشك ولكنه وقد خلال قاله
للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله عز وجل ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِلَّى فَاعِلٌ
ذَالِكَ غَدًّا جَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ (٢) (٣)
والثاني: حکاه الخطابي وغيره أنه عادة المتکلم يحسن به كلامه ويزينه به كما
يقول الرجل لصاحبه إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله وإن آذيتني لم
أخنك إن شاء الله ولا يريد بذلك الشك في كلامه حكاه الخطابي وغيره (٤).
والثالث: أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في ذلك المكان وقيل إن بمعنى إذ
ومعناه إذا شاء الله [١٦٠/ ب] لأنه ماليّل على يقين من وفاته على الإيمان(٥)
ففي هذا الحديث دليل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها
والدعاء لهم والترحم عليهم(٦) قال الخطابي وغيره فيه أن السلام على
الأموات والأحياء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت الجاهلية
(١) مطالع الأنوار (٥٤/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٣٧/٣-١٣٨) و(٤١/٧).
(٢) سورة الكهف، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(٣) إكمال المعلم (٤٧/٢)، وشرح النووي على مسلم (١٣٨/١)، وشرح المشكاة
(٧٥٤/٣).
(٤) معالم السنن (٣١٨/١)، وشرح النووي على مسلم (١٣٨/١).
(٥) معالم السنن (٣١٨/١)، وشرح النووي على مسلم (١٣٨/١).
(٦) شرح النووي على مسلم (٤١/٧).

٣٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه من قولهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما (١)
وهذا هو الجواب عن حديث ((لا تقل عليك السلام فإنها تحية الموتى))
أي في أشعار العرب، وأما أحاديث تقدم السلام فكثيرة وهي السنة،
فالمقصود أن سلام الأحياء والأموات مخالف لما كان عليه أهل الجاهلية
وفي بعض طرق الحديث أن النبي وَّ كان يخرج في آخر الليل فيزور البقيع
وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل وفضيلة زيارة قبور البقيع (٢).
قوله وَيقة: ((وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله
قال أنتم أصحابي وإخوننا الذين لم يأتوا بعد)) قال العلماء رضي الله عنهم:
في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح
والمراد بقوله وَ جه((وددت أنا قد رأينا إخواننا)) أي رأيناهم في الحياة، قال
القاضي عياض وقيل المراد تمني لقاءهم بعد الموت (٣).
قوله: ((قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي)) قال الإمام
الباجي: ((بل أنتم أصحابي)) ليس نفيا لأخوتهم ولكن ذكر مزيتهم الزائدة
بالصحبة فهؤلاء أخوة صحابة والذين لم يأتوا أخوة ليسوا بصحابة كما قال
(١) غريب الحديث (٦٩٢/١) ومعالم السنن (٤ /١٩٥)، وشرح النووى على مسلم
(٤١/٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤١/٧).
(٣) إكمال المعلم (٢ /٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٣٨/٣).

٣٣٧
كتاب الطهارة
الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(١) (٢) ففرق بين الصحبة والأخوة في
الصداقة لمزيد الصحبة وزيادتها على الأخوة العامة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا
اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وليس في قوله ((بل أنتم أصحابي)) يعني أنهم ليسوا بإخواني
بل خصهم بأفضل مزيتهم ووصفهم بأفضل مراتبهم ووصفهم بأخص
صفاتهم(٣) قال القاضي عياض: ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث
وغيره من الأحاديث على أنه يجوز أن يكون في آخر أمته من هو أفضل من
بعض الصحابة ولا حجة له في ذلك وإن قوله ((خيركم قرني)) على الخصوص
معناه خير الناس قرني أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن
سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث (٤)، فإن
الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الأخوة والصحبة (٥).
تنبيه: اختلفوا في المراد بالسابقين في الآية في قوله تعالى ﴿وَالسَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ﴾(٦) فقال سعيد بن المسيب: هم من صلى إلى القبلتين وقال
الشعبي: أهل بيعة الرضوان وقال محمد بن كعب القرظي وعطاء: هم أهل
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
(٢) إكمال المعلم (٤٨/٢)، وشرح النووي على مسلم (١٣٨/٣).
(٣) شرح المشكاة (٧٥٤/٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٣).
(٥) شرح المشكاة (٧٥٤/٣).
(٦) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.

٣٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بدر(١). والله أعلم.
وقوله وَّلي ((أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم
بهم ألا يعرف خيله ... الحديث)) أما ((بين ظهري)) فمعناه بينهما يقال هو نازل
بين ظهريهم أي بينهم، وأما الدهم وهو الأسود والدهمة السواد وأما البهم
فجمع البهيم فقيل السوداء أيضا وقيل البهم الذي لا يخالط لونه لون سواه
سواء أكان أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر بل يكون لونه خالصا يقال أسود
بهيم وأشقر بهيم وكميث بهيم وهذا قول ابن السكيت وأبي حاتم السجستاني
وغيرهما(٢)
تنبيه: قال في النهاية: وفي الحديث ((ما من أمتي أحد إلا وأنا أعرفه يوم
القيامة قالوا وكيف تعرفه مع كثرة الخلائق)). [١٦١/ أ]
قال أرأيت لو دخلت صيرة فيها خيل دهم وفيها فرس أغر محجل أما
كنت تعرفه منها؟ الحديث، الصيرة حظيرة تتخذ للداوب من الحجارة
وأغصان الشجر وجمعها صير قال الخطابي قال أبو عبيد صيرة بالفتح وهو
غلط(٣).
قوله وَديقة: ((فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم
على الحوض)) الحديث، تقدم الكلام على الغرة والتحجيل وأما الفرط فهو
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٥/١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣٩/٣).
(٣) النهاية (٦٦/٣).

٣٣٩
كتاب الطهارة
الذي يقدم القوم الموارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور
الاستسقاء ويستسقي لهم ومنه قيل للطفل الميت الله اجعله لنا فرطا أي أجرا
يتقدمنا حتى نرد عليه، وأنا فرطهم معناه أنه وَلا يتقدم الأمة فيهيئ لهم في
الجنة منزلا ونزلا كما يتقدم فرط القافلة ويعد لهم ما يفتقرون إليه من
الأسباب(١)؛ وفي هذا الحديث بشارة لهذه الأمة زادها الله شرفا فهنيئا لمن
كان رسول الله وَ له فرطه(٢) اللهم أدخلنا في شفاعته وأمتنا على محبته آمين.
٢٨٥ - وَعَن زر عَن عبد الله رَّهُ أَنْهم قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ تعرف من
لم تَرَ من أمتك قَالَ غر محجلون بلق من آثَّارِ الْوُضُوء)» رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن
حبَان فِي صَحِيحه(٣) وَرَوَاهُ أَحْمِد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد نَحوه من حَدِيث أبي
أُمَامَة(٤).
قوله: وعن زر عن عبد الله أَظْوَرَّهُ [هو ابن مسعود].
قوله: ((إنهم قالوا يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك ؟ قال: غر
محجلون بلق من آثار الوضوء)» تقدم تفسير ذلك.
(١) انظر: النهاية (٤٣٤/٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣٩/٣).
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٤٠٢ (٣٨٢٠) و٤٥١/١ (٤٣١٧) و٤٥٢/١ (٤٣٢٩)، وابن ماجه
(٢٨٤)، وأبو يعلى (٥٠٤٨) و(٥٣٠٠)، وابن حبان (١٠٤٧) و(٧٢٤٢). وقال الألباني:
حسن صحيح صحيح الترغيب (١٧٨).
(٤) أخرجه أحمد ٢٦١/٥ (٢٢٢٥٧)، والطبراني في الكبير (١٠٦/٨ رقم ٧٥٠٩). قال
الهيثمي في المجمع (٣٢٥/١): رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.

٣٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٨٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ رََّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ أَنا أول من يُؤْذِن لَهُ
بِالسُّجُود ◌َوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول من يرفع رأسه فَأَنْظر بين يدي فأعرف أمتِي من
بَيْن الْأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك
فَقَالَ رجل كَيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَيْن الْأُمَم فِیمَا بَيْن نوح إِلَی
أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوُضُوء لَيْسَ لَاحَدَّ كَذَلِك غَيرهم
وأعرفهم أَنْهم يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَيْن أَيْدِيهم ذُرِّيتهمْ،
رَوَاهُ أَحْمِدٍ وَفِي إِسْنَاده ابْنِ لَهِيعَة وَهُوَ حَدِيث حسن فِي المتابعات(١).
قوله: عن أبي الدرداء، أبو الدرداء اسمه عامر وقيل عويمر تقدم الكلام
علی مناقبه.
قوله وَالجيد: ((أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة وأنا أول من يرفع
رأسه)) الحديث، سيأتي الكلام على ذلك في الشفاعة إن شاء الله تعالى في
أواخر الكتاب.
(١) أخرجه أحمد ١٩٩/٥ (٢١٧٣٧)، والبزار (٤١٣٢)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة
(٢٦١)، والطبراني في الأوسط (٣٠٤/٣ رقم ٣٢٣٤)، والحاكم في المستدرك
(٤٧٨/٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى بلفظه عن رسول الله وَليقول حديث
فلذلك كتبناه وسعد بن مسعود هذا فليس بالمعروف، وعبد الله بن جبير فلا نعرفه بالنقل،
ولكن لما ذكر في هذا الحديث زيادة لفظ ليس في حديث غيره كتبناه من أجل ذلك وبينا
علته. وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبى.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٠).